الفصل الثامن

تجرأ على التفكير بنفسك: استنفاد النظرية ووعد الفلسفة

من المقبول تصوُّر مستقبل يُنظَر فيه «للتقسيم التحليلي القاري» الممل على أنه انقطاع مؤقت مؤسف للتواصل؛ مستقبل يُنظَر فيه لِسيلرز وَهابرماس، وَديفيدسون وَجادامير، وَبوتنام وَدريدا، وَرولز وَفوكو؛ كرفاق سفر في نفس الرحلة …

ريتشارد رورتي

أعتقد أنه على الأقل يمكن القول إن الوضع الراهن للفلسفة يتَّسِم على نحوٍ مثير للاهتمام باستنفاد سلسلة كبيرة من النماذج النظرية. وكما ذكرتُ سابقًا، حقَّقَتِ الفلسفة التحليلية لحسن الحظ بعضَ الوعي الذاتي التاريخي، وأصبحت مهتمة بتقليدها الخاص، وكذلك أدركت أنه توجد بالفعل قصة مُقنِعة ينبغي أن تُروَى حول الفلسفة في الدول الناطقة بالألمانية؛ بدءًا من كانط وحتى فريجه. ولكن يتساءل المرء عمَّا إذا كان هذا قد تأخَّر قليلًا، وعمَّا إذا كان الاهتمام بأصول الفلسفة التحليلية أو تاريخها أو علاقتها بالفكر الهيجلي، فضلًا عن الرواج الحالي للفلسفة ما بعد التحليلية، يُعَدُّ ببساطة محاولات متأخِّرة.

في السياق الألماني، تشعر مدرسة فرانكفورت بعد تقاعُد هابرماس بشكوكٍ حيال أجندتها الحالية واتجاهها المستقبلي، وغالبًا ما يكون من الصعب معرفةُ ما يميِّزها الآن عن الحركات الرئيسية الأكبر في النظرية الاجتماعية والفلسفة الأخلاقية والسياسية الأنجلو أمريكية. وبالطبع كان هذا هدفًا ضمنيًّا في جزء كبير من الفلسفة الألمانية فيما بعد الحرب: التطبيع بعد كارثة الاشتراكية القومية. فعلى نطاق أوسع، هدأت ألمانيا فلسفيًّا بطريقةٍ ما، وتقريبًا جيلُ ما بعد الحرب العظيم — هابرماس، وَكارل-أوتو آبل، وَإرنست توجندهات، وَمايكل تيونيسن، وَديتر هنريش، وَنيكلاس لومان — إما تُوُفُّوا وإما تقاعدوا، ولم يبلغ بعدُ خلفاؤهم أَوْجَهم الفكري.

دَعْنا نواجِه الحقيقة، لم تَعُدْ باريس كما كانت. وأدَّى انهيار الكانطية الجديدة في فرنسا في ثلاثينيات القرن العشرين وظهور ما يسمِّيه الفرنسيون «الهاءات الثلاثة» (هيجل وَهوسرل وَهايدجر) إلى إنتاج جيلَيْن يتميزان بالذكاء الفكري المذهل. في الجيل الأول، يتذكَّر المرء ليفيناس، وَسارتر، وَدي بوفوار، وَميرلو-بونتي، وَليفي-شتراوس، وَلاكان، وَباتاي، وبلانشو. وفي الجيل الثاني، يتذكَّر المرء ألتوسير، وَفوكو، وَدريدا، وَدولوز، وَليوتار، وَكريستيفا. ولكن بينما دريدا لا يزال يمضي بقوة كبيرة، ويوجد الكثير من العمل الفلسفي المثير للاهتمام المستمر (على وجه الخصوص نهضة الفلسفة الأخلاقية والسياسية الفرنسية)، ويوجد تجديد رائع للفنومينولوجيا؛ يصل للمرء انطباع بأنه لا شيء من هذا سيثير الاهتمام على نحو كبير ويحقق نجاحًا باهرًا.

بطبيعة الحال، هذا يسبِّب مشاكل للفكرة المعتادة عن الفلسفة القارية. كان الأساس المنطقي الأكاديمي المبرر في السابق هو أنه كان يوجد تقليد فلسفي يمتد من المثالية والرومانسية الألمانية، وصولًا إلى الفنومينولوجيا والتأويلية ومدرسة فرانكفورت، وهو إما نُسِي وإما قُمِع وإما ببساطة جرى تجاهُله عن طريق التقليد التحليلي المهيمن. بهذا المعنى، ومع لفتة إنجليزية خالصة، يمكن إرجاعها إلى مِل وَأرنولد، فإن الأمر أشبه بجلب أمير أجنبي عبر البحار؛ تخفيف حدة النفعية الوحشية في الجزر البريطانية من خلال أعمال فلسفية قارية أكثر عذوبةً ورِقَّةً. لكن الفلسفة القارية نفسها، كما أفهمها وحاولتُ شرحها، تُواجِه مشكلتين كبيرتين؛ أولًا: وكما أشرنا من قبلُ، لا توجد الكثير من الأعمال المثيرة للاهتمام في أوروبا القارية. وثانيًا: جزء كبير من التقليد الذي تم تجاهُله يجري الآن قراءته على نحو مثير للاهتمام، واستخدامه على يد فلاسفة متخصِّصين في الفلسفة التحليلية، يعملون على أساسٍ أعَدَّه فلاسفة مثل تيلور وَكافيل وَرورتي.

وبالنسبة إلى شخص يفكر بطريقة جيل الألفية، فإن ما يخبِّئه المستقبل فلسفيًّا غير واضح تمامًا، إن كان يخبئ شيئًا في الأساس. لكن لننظر إلى الجانب المشرق، أودُّ أن أختتم الكتاب بمجموعة من الحلول الممكنة للوضع الحالي. دَعْنا نَعُدْ إلى حيث بدأت قصتي، إلى كانط. لَخَّصَ كانط مشروع التنوير في عبارة «تجرأ على التفكير بنفسك»؛ وهذا يعني أنه لا ينبغي على فلاسفة التقليد القاري — في رأيي — توقُّع جلبِ أيِّ أميرٍ جديد عبر البحار؛ فلا يمكننا أن نتوقَّع جلب نموذج الفلسفة القارية العظيم التالي من فرانكفورت أو باريس أو أي مكان آخَر.

علينا أن نفكِّر بأنفسنا فلسفيًّا؛ وهو الأمر الذي يُعَدُّ بالطبع عملًا شديدَ الخطورة. لكني أعتقد أن هذا العمل قد بدأ، حتى إني أود أن أقول إنه — في بريطانيا وأماكن أخرى في العالم الناطق بالإنجليزية — قد بدأ اهتمامٌ أصيل وغير مذهبي بالقضايا الفلسفية العميقة مستنيرًا بكلا تقليدَي الفلسفة الكبيرين، وإحساسٌ بأن هذه القضايا يجب أن تُوجَّه للظروف المحلية، وتتعلم كيفية التحدُّث بلهجة المكان ولغة السكان. يتمثَّل جزء من المشكلة في أن الفلسفة القارية اختُزِلت إلى قائمة من الشخصيات، مع استخدام منهجيات متنافسة مختلفة، يستطيع المرء أن يلقى استعراضها بحماس أو بِحيرة أو بلا مبالاة، أثناء حضور إحدى الدورات الدراسية التمهيدية أو سلسلة منها، أو من خلال قراءة كتابٍ مثل هذا الكتاب. من وجهة نظري، لم يَعُدِ الأمر مسألة تقديس سلسلة من الشخصيات، ولكن مسألة «فعل شيء» بما قدَّموه؛ أيِ القيام بعملٍ متخصِّص مبتكر وخلَّاق، وليس الاقتصار على الترجمة والتعليق. يجب أن تكون الفلسفة إبداعًا مفاهيميًّا ذا حجج واضحة ينقد تقاليد التفكير الحالية، وليس حدادًا بائسًا على الفرص الضائعة أو مجرد أسلوب لشحذ حسن التمييز لدى الفرد.

كما حاولتُ أن أوضِّح، تُعَدُّ التقسيمات الحالية في دراسة الفلسفة نتيجةً لبعض التوصيفات الذاتية الأكاديمية غير الملائمة إلى حدٍّ ما. تُعَدُّ الفلسفتان القارية والتحليلية، إلى حدٍّ كبير، من التوصيفات الذاتية المذهبية، الناتجة عن إضفاء الطابع الأكاديمي على مجال الفلسفة؛ وهي العملية التي أدَّتْ إلى إضعاف الوظيفة النقدية للفلسفة وهدفها التحرري، وإلى تهميشها التدريجي في حياة الثقافة. وعلى هذا النحو، أصبح التمييز — وفقًا لتعبير رورتي — مملًّا وإشكاليًّا.

القصة التي حاولتُ سردها في هذا الكتاب هي كيف يمكن ربط هذا التمييز بصورة تاريخية أكثر إثارةً للاهتمام؛ حيث يمكن رؤية الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية كتعبيرين حيويين لمشكلة «الثقافتين»: التفسير العلمي مقابل التأويل الإنساني، والمنهج التجريبي العلمي المتبع لِبنثام وَكارناب في مقابل المنهج التأويلي الرومانسي لِكولريدج وَهايدجر. وكان زعمي أنه عندما لا يُفهَم هذا الوضع الثقافي على نحوٍ صحيح، فإننا نخاطر بأن نعلَق في مواجَهةٍ غير مثمِرة — وضارة في الواقع — بين العلموية من جهة، والظلامية من جهة أخرى. وللفهم الصحيح لمشكلة الثقافتين في الفلسفة، علينا أن نفهم المسارين المتباينين اللذين اتخذتهما الفلسفة بعد كانط، والمشاكل المختلفة التي اكتنفت ذلك. لقد حاولتُ أن أرسم مخططًا للجانب القاري للقصة، من خلال التركيز على موضوع أزمة التفكير بعد كانط ووصف إشكالية العدمية التي تثيرها. وآمل أنه بمجرد أن تصبح هذه القصة واضحة ونكون قد تعلَّمنا التغلُّب على أي مذهبية باقية، فإننا قد نبدأ في المضي قدمًا على المستوى الفلسفي لمواجهة القضايا ذات الاهتمام الفكري العميق والدائم، مثل تلك المتعلقة بالفجوة بين المعرفة والحكمة.

وأخيرًا، هذا هو ما أريد أن أقدمه على أنه وعد الفلسفة، وعد يمكن أن نأمل في الحفاظ عليه: أن الفلسفة قد تشكِّل جزءًا أساسيًّا في حياة الثقافة، في كيفية تحاور ثقافةٍ ما مع نفسها والثقافات الأخرى. الفلسفة هي تلك اللحظة من التأمُّل النقدي في سياق محدد؛ حيث يُدعَى البشر إلى تحليل العالَم الذي يجدون أنفسهم فيه، والتشكُّك فيما يُرَى أنه يقع ضمن الحس السليم في المجتمع المحدد الذي يعيشون فيه، من خلال طرح أسئلة في صورة عامة بأكبر قدر: «ما هو العدل؟»، «ما هو الحب؟»، «ما معنى الحياة؟» وبصياغة أكثر بساطة، يتمثَّل الأمل في أن يكون لوجهات النظر المختلفة التي يمكن أن تولِّدها هذه الأسئلة — من خلال الدراسة والمناقشات — تأثيرٌ تعليمي وتحريري. وكما أشار ستانلي كافيل، الفلسفة هي التعليم الذي يناله البالغون. ولكن هذا ليس جديدًا؛ فهو وصف للفلسفة ما كان ليكون مفاجئًا بالنسبة إلى سقراط.

fig21
شكل ٨-١: جورجيو دي كيريكو (١٨٨٨–١٩٧٩)، «عقل الطفل».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤