الفصل الرابع

أَهو شتاءٌ جديد؟!

ساي

في عطلة نهاية الأسبوع وصلتُ إلى بيتي وإلى بلدتي، الأجواء جميلةٌ وممتعة، لكنَّني ما زلت أفتقد هيروكي. خرجتُ مع صديقاتي للتنزه وما إن عدتُ للمنزل وفتحتُ بريدي الإلكتروني حتى وجدتُ هذه الرسالة الغريبة من هيروكي:

عزيزتي ساي، لا تقلقي أنا لا أودُّ أن أُعيقَكِ عن شيءٍ، افعلي ما تشعرين أنَّ قلبك يدلُّكِ عليه، لا تفكِّري بسعادة الآخرين قبل أن تفكِّري بسعادتكِ أنتِ أولًا، لا تحمِّلي قلبك فوق طاقته، ليس الأمر أنِّي أتخلَّى عنكِ، فلستِ في حاجةٍ لأُعلمكِ بمدى حبِّي وتعلُّقي بك. لكن حين يتعلَّق الأمر بسعادتك، فأنا أريد أن أراك سعيدةً مهما كلَّف ذلك. لا تفكِّري فيَّ مطلقًا، لن ألومك على شيءٍ، أتمنَّى لكِ كلَّ السعادة وسوف أُحبُّكِ للأبد.

هيروكي

في بادئ الأمر لم أفهم رسالته حقًّا، عاودتُ قراءتها عدَّة مرَّات إلى أن استطعت أن أستنتج أنَّ هيروكي على علمٍ بأنِّي قابلت هاك. لا أعلم ماذا يقصد الآن؟ لكنِّي لا أريد أن أسمع هذه الكلمات مجددًا، «سعادتي، وأراك سعيدة!» لِمَ هذه الأمنيات الغريبة؟ مهلًا! لِمَ كلُّ هذا؟ أحقًّا يعني ما يقوله؟ هل هو معتكفٌ في السويد وحيدًا وبعيدًا عنِّي بسبب أفكارٍ كهذه؟ لم أكن لأحلَّ هذه المشكلة عبر الهاتف أو أيِّ شيءٍ آخر، عليَّ أن أراه الآن وحالًا، أنا لا أودُّ أن أواجه كلَّ مشكلةٍ بالبكاء، عليَّ أن أفكر بعقلانيَّةٍ وأُسرع لحلِّ هذه المشكلة، اتصلتُ بشركة طيران وقمتُ بحجز أوَّل رحلةٍ إلى السويد. حين وصلتُ بعد يومٍ إلى الفندق الذي يقيم فيه هيروكي بقيتُ واقفةً أمام واجهة الفندق، تحت الثلوج، حاملةً قلبي المرتعش، لا أعلم ماذا أنتظر، لكنَّني كنتُ أنتظر!

figure

هيروكي

انتهى المؤتمر، ولم أجرؤ بعدُ على مصارحة ساي وسؤالها عمَّا يجري. اتصلتْ بي تسألني عن سبب تأخُّري، أخبرتُها أنَّني سأفتتح دورةً تدريبية جديدةً لذا سأطيل مقامي هنا، وفعلًا لم أكن لأكذب، فقد تطوَّعتُ للقيام بدورةٍ تدريبيَّةٍ وبالتأكيد سيكون ذلك مرحَّبًا به، لكنِّي أعلم أنَّني فقط أودُّ إضاعة وقتي هنا أكثر.

كلُّ يومٍ أستجمع شجاعتي للاتصال والسؤال عن حقيقة الوضع، لكنِّي ظللت أؤجل ذلك إلى أن اتصلتْ بي ساي لتُخبرَني أنَّها ستعود إلى منزلها في مدينتها لتُقيمَ فيه لبضعة أيام، هنا انتابني القلق أكثر فأكثر، وشعرتُ بالخطر وأن عليَّ أن أتشجع وأواجه هذه المشكلة. انتهت المكالمة وعلمت أنَّني لن أستطيع التحدث في ذلك الموضوع شفهيًّا؛ لذا قرَّرت أن أُرسل لها رسالةً أسألها وأُخبرها عمَّا يجول في خاطري، قرأتُ الرسالة عشرات المرَّات قبل أن أُرسلها، ثمَّ أرسلتُها، ثمَّ لا شيء.

مرَّ اليوم بأكمله وساي لم تُجِب على رسالتي كما لم تتصل، كنت واقفًا وأنا أنظر من خلال نافذة غرفتي من الطابق الثاني عشر من الفندق الذي أقيم فيه. وبينما أنا غارقٌ في التفكير منتظرٌ جوابًا من ساي أو أي ردة فعلٍ منها، وقفتُ أتأمَّل المدينة وهي غارقةٌ في الثلوج مثلي، كم كان قاسيًا ذاك الشعور! كان الثلج يتساقط بكثافةٍ لكن ببطء، لم تكن هناك رياحٌ شديدة، كان كلُّ شيءٍ باردًا وهادئًا، تمامًا كانسحابي من حياة ساي. بقيتُ أتأمَّل المكان، كنت على علوٍّ مرتفع، لكنَّ ذاك العلوَّ لم يكن ليمنعني من أن أميِّزها، رأيتُها من خلال النافذة، إنَّها ساي! حين رأيتُها واقفةً عند بوابة الفندق بدأ قلبي بالارتعاش، أتراها قادمةً لتُخبرني بقرارها؟ ذهبتُ إليها ونبضات قلبي تسابقني، صرختُ وأنا راكضٌ نحوها: ساي ما الخطب؟ كيف وصلت إلى هنا؟

ضمَّتني بقوَّةٍ، وكانت تبكي بحرقةٍ: هيروكي كيف تتجرأ على تركي والذهاب بعيدًا؟ لِمَ تودُّ أن تتخلى عنِّي؟

لا أعلم كم من الوقت أمضتْ تحت الثلوج فقد كانت ترتعش من البرد، ضممتها إلى صدري وحملتُها إلى الفندق. لم تَقُل شيئًا لكنَّني علمتُ أنَّها اختارتني أو ربَّما في أصل المسألة عندها لم تكن مسألة خياراتٍ، وكنتُ أنا الوحيد لها، لكن الخوف وعدم الأمان كانَا يملآن قلبي، إذا كنت خيارها الوحيد فيا سعادة قلبي! ساي، لو تعلمين مدى الامتنان الذي أُكنُّه لكِ لأنَّك أحببتني، لأنَّك بادلتني هذه المشاعر. ساي، وتقف الكلمات عاجزة عن وصفك. لم أكن أتكلَّم بصوتٍ مرتفعٍ، كانت تلك الأفكار تدور في رأسي فحسب، لكنَّها ظلَّت تُتمتم وهي بين ذراعيَّ بصوتٍ خافتٍ ومرتجفٍ وبصورةٍ متكررةٍ: نعم أعلم، فأنتَ قد وعدتني.

ضممتُها إليَّ بقوة، وبتُّ أربتُ على رأسها كطفلةٍ صغيرة إلى أن هدأتْ واطمأنتْ. لم نتحدث عن شيءٍ في تلك الليلة، لكن في صباح اليوم التالي سألتني عن رسالتي وتحدَّثنا كلٌّ بما عنده، كنتُ ممتنًّا لها أكثر بعدما حكتْ لي ما جرى خلال تلك الأسابيع. اكتشفتُ كم أحبتني خاصةً بعدما سمعتْ خبرَ مرض زوجها السابق، فهي إن لم تكن تنوي البقاء بجانبه بدافع الحبِّ، علَّها كانت ستبقى بجانبه بدافع الشفقة! أو بدافع ردِّ المعروف، لم أكن لألومها على ذلك فقد قدَّم لها الكثير سابقًا، لكنَّها معي هنا وبجانبي. ساي، أرجوك ابقَي معي، أُحبُّكِ حتى آخر أنفاسي، لم أستطع البوح لها عمَّا في داخلي، نظرتُ إليها نظرة هائمٍ وأنا أتأمَّلها.

ساي

حين تزوجتُ من هيروكي لم يكن موضوع الطفل يشغل بالي أبدًا، لكن ومع غياب هيروكي المتكرر بسبب مؤتمراته وأبحاثه، أصبحت فكرة الطفل تراودني من حينٍ لآخر. كنت أرغب في أن يحصل تغيير في حياتنا، أن يأتيَ مَن يملؤها بحركاته وضحكاته وبكائه. كنت مدركةً تمامًا أنَّ أيَّ أنثى ستجتاحها مشاعر الحاجة إلى الأمومة في حياتها، مهما علا شأنها وارتقت منزلتها وكبرت مسئولياتها. لم أكن أقتنع بقول صديقاتي عن أنَّ مرضاي هم كالأطفال بالنسبة إليَّ، وأني لست في حاجةٍ إلى ملء أيِّ فراغٍ في حياتي، أو بقول أخرياتٍ إنَّ مشاريعهنَّ وحياتهنَّ العمليَّة الناجحة هي الطفل الذي أنجبنَه. كنتُ مدركةً ألَّا شيء سيملأ مكان الطفل في داخلي، ولكن كنتُ أقمع تلك المشاعر بين الحين والآخر ولم أكن أدعها تسيطر عليَّ، خاصَّةً مع الظروف التي عايشتها سابقًا. هذا لا يعني أبدًا أني لم أفكر في الإنجاب أو حتى التبنِّي بل فكَّرتُ كثيرًا حتى وأنا عزباء مطلَّقة، فكَّرت بطفلٍ أتبنَّاه وأُكمل معه حياتي، لكنِّي في الوقت نفسه خفتُ من مسئوليةٍ لا أستطيع تحمُّلها وأنا وحيدة في هذا العالم المجنون، وها هي ذات المشاعر والأفكار تجتاحني الآن.

ذهبت إلى طبيبتي في موعد الفحص الدوريِّ فطمأنتني أن كلَّ أموري طبيعية ولا يوجد شيءٌ يدعو للقلق، كان مصدر القلق لديَّ هو الوراثة، نعم الوراثة؛ فوالدتي تُوفيت بسرطان الرحم وقبلها جدتي بسرطان الثَّدي، كنت أتخيَّل دائمًا أن نهايتي ستكون مثلهما، ولعلَّ أحد الأسباب التي جعلتني أميل إلى التفاؤل، هو طبعي الطفوليُّ اللامبالي وخوفي من المرض، فقد كنتُ أعلم أنَّ فرصة الإصابة بهذا المرض تزيد مع سوء الحالة النفسيَّة. حاولتُ دومًا إبعاد نفسي عن الحزن ولكن أبى الحزن إلا أن يطرق بابي مرَّةً ومرَّتين وثلاثة: حين وفاة والدتي ومن ثمَّ طلاقي وانتهاءً بوفاة والدي. سألتُ طبيبتي عن احتمال الحصول على طفل، أجابتني إجابةً كنتُ أعلمها مسبقًا، فأنا طبيبةٌ في النهاية.

في ذلك اليوم حين عاد هيروكي أخبرتُه عن مشاعري وصارحتُه، في البداية ضحك، لم يكن يتوقَّع أنِّي أتحدَّث بجدِّيةٍ، كان يتوقَّع أنَّها مجرد نزوةٍ وستعبر تمامًا كما رغبتُ مرةً في الحصول على قطَّة، وسابقًا حين فكَّرتُ بالانتقال إلى أفريقيا. لكن هذه المرَّة لم تكن نزوةً بالنسبة إليَّ، كان الطفل هذه المرَّة أولويَّة. لم يعطني هيروكي أيَّ إجابةٍ لا بالإيجاب ولا بالسلب، ربَّما كان ينتظرني حتَّى أتخلَّى عن الفكرة من تلقاء نفسي، أمَّا أنا فقد اعتبرتُ أنَّ صمْتَه إجابة بالإيجاب، مع أنَّني أعلم علم اليقين أنَّه لا يعني الإيجاب، بل الرفض القاطع. لكنَّني لم أشأ أن أجادله أكثر فيصرِّح برفضه.

ومنذ أن اتخذتُ هذا القرار لم يكن لديَّ أيُّ صبر، رغم أني طبيبة وأعلم أنَّ أفضل وسيلة لحدوث الحمل هو عدم المبالغة في ملاحقته، وعدم وضع الجسم تحت توتر الانتظار والمراقبة، إلا أنني لم أستطع. خلال عدَّة شهور اشتريتُ ما لا يقل عن مائة كاشف حمل، بأنواع مختلفة، منها المبكر ومنها السريع، منها شديد الحساسية ومنها شديد الوثوقية، والنتيجة دائما ذاتها: سلبيٌّ، سلبيٌّ، سلبيٌّ … لكنِّي لم أُظهر أيًّا منها أمام هيروكي، وهو لم يعلم بمراقبتي الدائمة، وحساباتي الدقيقة، وجداولي ومواعيدي، والكم الهائل من اختبارات الحمل التي أجريتُها، حتَّى إنَّني ذات مرَّة قمتُ بإجراء اختبار للدم وذلك حين شعرتُ بكلِّ أعراض الحمل المبكرة بشكل حرفيٍّ، أنا أكثر مَن يعلم أنَّه من السهل جدًّا توهُّم كلِّ تلك الأعراض، وطبعًا كانت النتيجة سلبية. كنتُ في كلِّ مرة يمرُّ الشهر من غير حدوث الحمل، أشعر بخيبة أملٍ شديدة، وبعد سبعة شهور بدأت بفقدان حماسي، لم أَعُد أجدُ أيَّ نفعٍ من حساباتي الدقيقة، ولم أَعُد أريد أن أرى خطًّا واحدًا في اختبار الحمل.

figure

بعد تلك الشهور، وفي يومٍ ما شككت في أمر الحمل، ترددت، هل أُجري الاختبار أم أنتظر يومًا آخر؟ كنت أريد أن أنتظر كي لا يخيب ظني مجددًا، استطعت تحمُّل هذا القرار عدَّة ساعات، كانت الساعة العاشرة صباحًا، هيروكي في المركز وأنا في العيادة، استسلمت لرغبتي الشديدة لتجريب الاختبار الآن وحالًا. توجهت إلى المنزل كان ما زال لديَّ ما لا يقل عن خمسة اختبارات جديدة، فقد كنت في الآونة الأخيرة أشتريهم بالجملة، فأحضر في الآن ذاته خمسة أو ستة. أخذت واحدًا لا على التعيين، كانت يدي ترتجف، شعورٌ ما بداخلي أخبرني أنَّ هذه المرة مختلفة عن كلِّ المرات السابقة، أجريت الاختبار وكان عليَّ أن أنتظر ثلاث دقائق لأرى النتيجة، أغمضت عيني وأنا أدعو أن أراه إيجابيًّا، عندما فتحت عيني ورأيت خطَّين لم أصدق في بادئ الأمر، نظرت إليهما مجددًا، أدرت الأنوار، ذهبت نحو النافذة لأراه بضوء الشمس، كان إيجابيًّا! صرخت بأعلى صوتي، سعادتي لم تكن توصف، فقد وصلت إلى مشارف اليأس من حملي، لكنِّي الآن حامل! أنا حامل! أنا ستكبر بطني، وسألد، وسأضم طفلي إلى صدري، وسأكون أمًّا، أمًّا لطفل هيروكي، وسيرهقنا من كثرة بكائه، وسنذهب إلى مراكز تسوق الأطفال، وسندخل إلى أقسام لم ندخلها طيلة حياتنا، سنمسك بتلك الأشياء الصغيرة، وننتقي، ترى هل ستكون بنتًا أم ولدًا؟ هل سيغدو بيتنا زهري اللون أم أزرق؟ هل ستمتلئ الجدران بصور الأميرات أم السيارات؟ سأجعل من الحديقة مدينة ألعاب، وسأخصص الجناح الأيمن من المنزل للطفل، لغرفته، وألعابه وملابسه وكلِّ ما يلزمه.

بقيت ساعات مطولة، أفكر وأحلم وأنا أحضِّر العشاء لهيروكي، ذلك العشاء الذي سأزف إليه فيه خبرَ حملي. في أثناء ذلك جلبتُ كل كواشف الحمل الباقية لديَّ، وصرتُ أُجري الاختبار ذاته كل نصف ساعة، كنت أستمتع برؤية ظهور الخط الثاني الذي لطالما حلمت أن أرى ظهوره، وفي كلِّ مرة كانت ابتسامة لا نهائية تظهر على وجهي وأضحك وأصرخ بكلِّ سعادتي «أنا حامل».

وضعتُ له نتيجة اختبار الحمل في هديَّة، وأتى هيروكي، لم يفهم ما يدور حوله وما سبب هذا الاحتفال، حين فتح هيروكي الهدية رأيتُ تعابير وجهه تتغيَّر من الفرح إلى الارتباك، ثمَّ إلى الغضب، قال وبحدَّةٍ: لقد ظننتُ أنَّنا ناقشنا الموضوع، ظننتُ أنَّكِ تخلَّيتِ عن الفكرة، ماذا عن صحَّتكِ؟ ماذا عن الخطر الذي سيواجهكِ أنتِ وهذا الطفل أيضًا، ماذا عنه؟ هل سيكون بخيرٍ؟ هل سيستطيع النجاة؟!

أنهى كلامه، ومضى من غير أن يشعر بما فعله بي.

ساي

لا يوجد شيءٌ مثاليٌّ في هذه الحياة، لا حبَّ مثاليٌّ ولا رجلَ مثاليٌّ ولا حياة مثالية، ولكنَّنا نأبى إلا أن نحلم بالمثاليَّة ونظنُّ أنَّنا سوف نصل لها في مرحلةٍ من مراحل العمر، ويمضي العمر ولا نستطيع الوصول لها. لقد ظننتُ في وقتٍ ما أنَّ علاقتي بهيروكي هي علاقةٌ مثاليَّةٌ، هي ما يجب أن تكون عليه باقي العلاقات، ظننتُ أنَّ هيروكي هو الرجل المثاليُّ والكامل في هذا الكون، وبعد ردَّة فعل هيروكي اتجاه الطفل أيقنتُ أنَّ عالم أفلاطون الذي خلقته في عقلي هو عالمٌ باطلٌ من الأصل. لا يعني هذا أنَّ حبِّي لهيروكي تناقص، أبدًا، ولكن بدأت أراه بعين الواقع وأحبُّه بعين الواقع لا بعين المثاليَّة.

المشكلة تكمن أنَّ الفرق كان واضحًا بيننا في تقبُّل الطفل، فغلب على هيروكي تفكيره العقلاني الذي أخبره بأنَّه سيعرضني للخطر، نظرًا لعمري أولًا، ولبنية جسدي الضعيفة ثانيًا، وبرأيه إن مضى الحمل على خير ولم أتعرض فيه للخطر فسيحصل الخطر عند الولادة أو بعدها، ثمَّ إنَّه ومع العمر المتقدِّم لنا، خشيَ هيروكي من تشوهات ترافق الجنين، لم يستطع تقبُّل فكرة طفلٍ مشوهٍ أو مريضٍ، أو بالأحرى لم يرغب في طفلٍ مريض، لم يرغب أن يعرِّض نفسه لموقفٍ كهذا، فأن تصبح أبًا فهي لا شكَّ مسئوليةٌ كبيرة، ولكن أن تصبح أبًا لطفلٍ مريض فهي المسئولية الأعظم والامتحان القاسي الذي سيبيِّن أيَّ أبٍ أنت.

على الطرف الآخر كنت قد درست وفهمت كل الاحتمالات واستطعت تقبُّلَها جميعًا، فأنا راضيةٌ ومتقبلةٌ لجميع الأمور التي من الممكن أن يعاني منها الطفل، حتى قرَّرتُ أنِّي لن أُجريَ الاختبار الذي يكشف عن تشوهات الجنين المبكِّرة. لم أقتنع بأسباب هيروكي للتخلِّي عن الطفل ولم أرَ مبررًا لخوفه وقلقه الزائد، وقرَّرتُ الاحتفاظ بالطفل.

مرَّت عدَّة أسابيع والحال كما هو، أنا بمزاج سيِّئ بسبب ردَّة فعل هيروكي اتجاه الحمل، بتُّ لا أحتمل أيَّ كلمةٍ منه، وأتهرَّب من وجودي معه في غرفةٍ واحدة، فأنا لا أريد أن يناقشني في موضوع الإجهاض. أصبحتُ أتظاهر بالنوم صباحًا قبل ذهابه للعمل، وأتظاهر بالتعب والإرهاق ليلًا. لكنَّه استسلم لرغبتي في النهاية، فأنا أعلم أنَّه ضعيفٌ أمامي، وأعلم أنَّ هيروكي فخورٌ بهذا الضعف، ضعيفٌ أمام ضعفي، ضعيفٌ أمام دموعي، أمام طلباتي، لم يكن هيروكي ذاك الرجل القاسي الذي يعتبر مصدر رجولته ينبع من كسر قرارات أنثاه. لكنَّه بالمقابل، لم يستطع أن يقول لي مباركٌ، فهو يشعر بالقلق الشديد حيال هذا الأمر ويرى أنَّه لن يمضيَ على خيرٍ بتاتًا، فقد كان وجهي شاحبًا طيلة الوقت، لا أستطيع الأكل جيدًا، وإن أكلت فسأُفرغ معدتي حالًا بعد عدَّة دقائق. مزاجي معكرٌ أغلب الأحيان، ولا أستطيع التركيز على شيءٍ إطلاقًا.

نظَّم هيروكي لي عدَّة مواعيدَ مع أطباء لفحص حالتي بانتظامٍ وفحص الجنين، وكنت أرفض الذهاب معه، لم أكن أودُّ أن أسمع خبرًا سيئًا أو قرارًا مرهقًا لي، ففضَّلت تجاهل تلك الأمور في الوقت الراهن إلى أن تمرَّ أسابيع أكثر من الحمل.

هيروكي

لم أَعُد أستطيع التواصل مع ساي كما كنا قبل، لقد تغيَّرتُ جدًّا. حاولت عدَّة مرَّات أن أُريَها كم أنا سعيدٌ لحملها، لكنِّي لا أستطيع التظاهر بمشاعرَ لا أشعر بها. كنت أعيش في صراعٍ كبيرٍ في تلك الأيام، إلى أن استيقظتُ يومًا على صوت صراخ ساي في المطبخ! كانت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، أسرعت إلى المطبخ ورأيت ذاك المشهد: ساي على الأرض في بركة دماءٍ تصرخ من ألمها وعلى وشك أن يُغمى عليها! هذا ما كنت أخشاه وأتوقعه، هذا ما كنت أراه منذ أول يوم أخبرتْني فيه بحملها، هذا ما كنت أسمعه، هذا ما أبتْ ساي أن تصدِّقَه. كدتُ أسقط مغشيًّا عليَّ من خوفي على ساي إلا أنَّني تمالكتُ نفسي. حملتُها بسرعةٍ وتوجَّهت إلى أقرب مستشفى وهي ما زالت تنزف بين يدي.

هناك قاموا بإجراء تحويلٍ للدم كي تستعيدَ قليلًا مما خسرته، بعد نصف ساعة توقَّف النزيف ووضعوها تحت العناية المشدَّدة، فقد فقدتْ وعيَها ونحن في الطريق إلى المستشفى. مضت عدَّة ساعات وتنبَّه الطبيب بأنِّي لم أسأل بعدُ، فيما إذا خسرنا الجنين أم لا، وكأنِّي أظنُّ جازمًا أنَّ الجنين قد مات أو تمَّ إجهاضُه. توجَّه الطبيب نحوي وأخبرني: بروفيسور، ما زال الجنين معلَّقًا في رحمها رغم كلِّ هذا النزيف، لكن ليس من الحكمة إبقاؤه، أرجوك عليك أن تتفهم هذا!

– لو أنَّ القرار قراري، لما حدث معها ما حدث، دكتور أرجوك لا تَقُم بأيِّ إجراءٍ قبل أن تستعيد وعيَها؛ فهي تريد هذا الطفل وتكلَّمنا كثيرًا فيما يخصُّ عملية الإجهاض. ساي مصرَّةٌ على إبقائه؛ لذا أرجوك تمهَّل إلى أن تستعيد وعيها.

وافق الطبيب على طلبي وفهم أنَّها هي مَن تُصرُّ على الموضوع. وبعد عدَّة ساعات استعادت ساي وعيَها. تكلَّم معها الطبيب كثيرًا وشرح لها حالتها، لكنَّها لم تستجب له إطلاقًا، بل باتت متشبثةً برأيها أكثر فأكثر. عندما دخلتُ إلى غرفتها كي أراها، تحدَّثتْ معي بقسوةٍ قبل أن أنطق بحرف واحد: هيروكي، إن كنتَ هنا لكي تقنعني بإجهاضه، فأنا لن أستغنيَ عنه مهما حصل.

– ساي! أنا هنا لأراكِ، لأطمئنَّ عليكِ، ماذا دهاكِ!

– لأنِّي أعلم ماذا تريد أن تقول، لا تقلق عليَّ، أنا جيدةٌ وبأحسن حال.

شعرتُ أنَّها لا تريد رؤيتي أساسًا، ولم أصدِّق تلك الحالة الغريبة التي تمرُّ بها ساي. حاولتُ ألَّا أُزعجَها بعتابٍ أو كلامٍ، فأجبتُها: كما تريدين.

ومن ثَمَّ بقيتُ إلى جانبها طيلة فترة مكوثها شبهَ صامتٍ كي لا أُزعجَها ولا تُزعجَني.

هاك

figure

انتهت فترة النقاهة بعد جرعاتي الكيميائيَّة وعدتُ لممارسة عملي في المستشفى. كان قد مضى على وجود ساي في المستشفى يومان، صُدمتُ حين رأيتُها في العناية المشدَّدة، هذه المرَّة لم أحسب ألف حسابٍ كعادتي قبل أن أتصرَّف، بل تصرَّفتُ كما أملَى عليَّ قلبي، ركضتُ نحو طبيبها المعالج استفسرتُ عنها وعن وضعها، أخبرني الطبيب برفضها للإجهاض رغم أنَّ التحاليل والأشعة أثبتت أنَّ هناك خطرًا عليها إن أرادت الاحتفاظ بالجنين. ثم علَّق الطبيب ساخرًا: عنيدةٌ مثلك تمامًا تطبَّعتْ بطبعك.

بعد يومين استقرَّتْ حالتُها، أعلم ألَّا حقَّ لي بزيارتها أو التحدُّث معها ولكن يأبى قلبي أن يطاوعني، فلم يَعُد يحتمل هذا القلب الضغط عليه وهضم حقه أكثر، فها هي الإنسانة الوحيدة التي أُحبُّها معرضةٌ للخطر فكيف لا أطمئن عليها أو أزورها؟ لم أُحضر معي في زيارتي لا أزهارًا ولا أيَّ شيءٍ، صحيحٌ أنِّي تمنَّيتُ أن أهديَها باقةً من زهر البنفسج الذي تعشقه أو علبة من نوع الشوكولاتة التي تفضِّلها لأُريَها أنِّي لم أنسَ أيَّ تفاصيل عنها، ولكنِّي تداركت نفسي، فكيف لطليقٍ سابقٍ أن يصطحب معه الأزهار التي تُفضِّلها طليقتُه وهي الآن زوجةٌ لرجلٍ غيره! لذا فقد ذهبتُ لزيارتها بصفتي زميلًا وطبيبًا، كانت ساي وحدها في الغرفة تتناول طعام الغداء، لم يبدُ على ملامح ساي الاستغراب أو الامتعاض حين رأتني، بل على عكس المرَّات السابقة حين كانت تراني ولم تكن مرتبطة. أيقنتُ أنَّها استطاعت مداوةَ جرحها بمساعدة هيروكي وهذا ما زاد الحزن والغيظ في قلبي، لأنِّي أومنُ بالمقولة «الكُره ليس عكس الحبِّ، عكسُ الحبِّ هو اللامبالاة.» وواضحٌ الآن أنَّ ساي لا تبالي. بعد السلام والمجاملات التقليدية بدأتُ بالتحدُّث في صلب الموضوع: ساي ماذا تفعلين بنفسك هل تتوقين للموت؟

تغيرت ملامحُ ساي، كادت الدمعةُ تنزل من عينها لكنَّها منعتْها، قالت: لو حاول العالم أجمعه أن ينصحني، فأنت الوحيد الذي لا يجب عليه ذلك، ألم تكن أنت السبب في الأساس؟ ألم أرغب في هذا الطفل من عشر سنوات لكنَّك رفضت، ماذا لو كان لنا طفل الآن بعمر العشر سنوات، تيقَّن أنِّي لم أكن لأُجبرَك على البقاء معي لأجل طفلٍ أو اثنين أو حتى عشرة، ولكنَّك كنت أنانيًّا وحرمتنا نحن الاثنين من الأطفال. أرجوكَ دعْني وشأني الآن فالطفل طفلي والمعرض للخطر هو أنا والقرار قراري هذه المرَّة!

خرجتُ من عندها محطَّمَ القلب حقًّا، ماذا لو كان لنا طفل! ومِن مَن، مِن ساي، آهٍ على المكابرة والعناد. حين هممتُ بالخروج من غرفة ساي صادفتُ زوجَها هيروكي الذي كان يهمُّ بالدخول. بعد أن أفضيتُ لساي بما أفكر وألقتِ اللومَ كلَّ اللوم عليَّ أنا، جعلتْني الجلَّاد وهي الضحية، أردتُ أنا أيضًا أن أُلقيَ باللوم على غيري، فأنا لم أتقبَّل الدور الذي وضعتْه لي ساي في هذه المسرحية، لا بدَّ من وجود جلَّادٍ آخرَ غيري، وكان الجلاد هو أول شخصٍ رأيتُه بعد خروجي من عند ساي، كان الجلاد هو زوجها هيروكي، هيروكي الذي تحمِل ساي الآن بطفله الذي قد يتسبَّب في إنهاء حياتها، هيروكي الذي انتزعني من قلب ساي نهائيًّا، إذن لأُلقيَ اللوم على هيروكي ولأجعله يشعر بالذنب اتجاه ساي واتجاه الجنين أيضًا.

طلبت أن أتكلَّم مع هيروكي في الردهة لمدَّة خمس دقائق، في البداية اعترض هيروكي وأخبرني أن لا حديثَ بيننا وأنَّه لا يوجد شيءٌ يُخفيه عن ساي، فإن أردت أن أتكلَّم فلأتكلَّم أمامها، ولكن بعد أن أشرتُ برأسي إلى ساي ورآها هيروكي مستلقيةً في الفراش ومتعبة، عَلِم أنَّ أيَّ حديثٍ سيجري أمامها الآن لن يُسبِّب لها سوى المزيد من الإرهاق والتعب؛ لذا وافق ممتعضًا على مرافقتي إلى الردهة. هناك جرى الحديث بيننا، حديثٌ ربَّما كان يتوقَّعه هيروكي منذ البداية ومنذ أن طلبتُ منه مرافقته، حيث ألقيتُ اللوم عليه وأخبرتُه أنَّ هذا الجنين قد يتسبَّب في موت ساي، صمت هيروكي لبرهةٍ ثمَّ أجابني بهدوءٍ شديد: هل تعتقد أنِّي أستطيع تحمُّلَ خسارة ساي كما فعلتَ أنت؟! هل تعتقد أنِّي أنانيٌّ لهذه الدرجة لأُضحيَ بالإنسانة التي أحبُّ؟!

هيروكي

بعد أن تحسَّنتْ حالة ساي، قام الطبيب بتوصيتها بأن تعتنيَ بنفسها أكثر وألَّا ترهق نفسها إطلاقًا وأن تبقى مرتاحةً طيلة الوقت، فوضعُها الصحيُّ سيِّئٌ، واحتمال تكرُّر النزيف واردٌ جدًّا. وعدتْه أنَّها ستعتني بالجنين وبنفسها وأنَّ ذلك لن يتكرر أبدًا، نظرتُ إليها وقلت في نفسي: تعدُه كما لو أنَّ الأمر حينما سيتكرر سيكون بيدها!

نتيجةً لذلك، توقَّفتْ ساي تمامًا عن الذهاب إلى العيادة، وقمتُ بتعيين امرأةٍ لتُعينَها في أعمال المنزل، وفعلًا كانت ساي حريصةً كلَّ الحرص على صحتها، عندما رأيتُ استقرار وضْعها الصحي بدأت مشاعر التفاؤل تجوب قلبي وعقلي، خاصةً أنَّ بطن ساي بدأت بالظهور والانتفاخ أكثر، شعرتُ بمشاعر لم أشعر بها في حياتي، عادت الأمور تدريجيًّا بيننا، خاصةً أنَّ ساي أحسَّتْ ببدء قبولي للحمل وللطفل ولعدم إصراري مجددًا على الإجهاض. كانت ساي تتحايل على مظهرها ليبدو حملها ظاهرًا أكثر، اشترت الكثير من ملابس الحمل رغم أنَّها لا تخرج كثيرًا من المنزل كي لا تُجهدَ نفسها. كانتْ سعادتها لا توصف، وانتقلت عدوى السعادة تلك إلى قلبي أخيرًا، لكنَّ تلك السعادة لم تَدُم طويلًا للأسف.

كان ذلك في أحد أيام العمل الشاقَّة لي، استيقظتُ منذ الصباح، طبعتُ قبلةً على جبين ساي وعلى بطنها، شعرتْ بي فأخبرتُها أنَّني سأنطلق الآن إلى العمل. ما حدث أنَّني حين غادرتُ نهضتْ ساي وفجأة أحسَّتْ بألمٍ شديد، أشدَّ من ذاك الذي شعرتْ به منذ عدَّة أسابيع حين نزفت لأوَّل مرة، وبدأت بالنزيف. اتصلتْ حالًا بي وهي بين دمائها، أخبرتْني أنَّها ستنطلق إلى المستشفى بسيارة أجرة لأنَّ وضْعَها سيِّئٌ جدًّا ولا تستطيع الانتظار. أخبرتُها أنَّني سأنطلق حالًا لألقاها هناك. وفي الطريق لم يكن جسدُ ساي قويًّا بما فيه الكفاية ففقدتْ وعيَها، وحين توقف سائق الأجرة أمام بوابة المستشفى كنت هناك أنتظرها، فرأيتُها بحالةٍ بين الحياة والموت غارقةً مجددًا بدمائها. حملتُها بأقصى سرعتي، أمَّا هذه المرَّة فليس إلى قسم العناية المشدَّدة بل إلى غرفة العمليات؛ فالجنين قد مات وستتم عملية الإجهاض حالًا لعلَّ النزيف يتوقف.

مرَّت ساعة، ساعتان وما زلتُ منتظرًا خارج غرفة العمليات، تخرج الممرضات ويعدْنَ ولا أفهم منهنَّ شيئًا عن حالة ساي. كنتُ مذعورًا، خائفًا، لم أصدق هذه المرَّة ما حدث، ولم أتوقعه. كنت قد نسيتُ كلَّ هواجسي ومخاوفي، كنتُ قد عقدتُ الآمال وصدَّقتُ ساي أنَّ كلَّ شيءٍ سيكون على ما يرام، كنتُ أعدُّ معها الأسابيع وأنا سعيدٌ بمرورها ونسيتُ أنَّ القادم أعظم وأصعب. ثمَّ ها هو الطبيب قد خرج أخيرًا من غرفة العمليات، بوجهٍ شاحبٍ ومرهق، كدتُ أفقد أعصابي؛ فأنا الآن قد عدتُ إلى توقعاتي القديمة، لم أكن أستطيع سماع كلمة أنِّي سأخسر ساي، كانت تلك الثواني من أصعبها على قلبي إلى أن نطق الطبيب: ساي بخيرٍ لا تقلق، لقد فقدنا الجنين، واضطررنا إلى استئصال الرحم بالكامل، لأنَّ النزيف لم يتوقف. الآن هي بحالةٍ حرجةٍ لكنَّ النزيف توقف، أرجوك أن تبقى قويًّا.

كان الجزءُ الأهمُّ بالنسبة لي أنَّ ساي بخير، لكنَّ قلبي تفطر على ما حدث، وفي اللحظة نفسها كانت الممرضة خارجةً من غرفة العمليات وهي تحمل بقايا الجنين في إناء ليتمَّ فحصُه. جريت نحوها لأراه، أخبرتْني أن لا داعي لذلك، لا داعي للاستنزاف العاطفي، فقلت لها: أرجوكِ يا آنسة، أودُّ رؤيته.

لم يخطر على بالي أنِّي سأشعر بهذا الشعور يومًا اتجاه هذا الجنين. صحيحٌ أنَّ عمره لم يتجاوز عشرين أسبوعًا لكني حين رأيتُه وأمسكتُه بيدي، لم أتمالك نفسي وغلبتني الدموع، فهو طفلي الذي لم أحظَ به بالنهاية، طوال فترة الحمل، كان جلُّ ما يشغلني هو سلامة ساي فقط، لم أفكر بالطفل كثيرًا ولكن كل شيء اختلف حين رأيتُه وخسرته في الوقت نفسه، تمنَّيتُ لو أنَّ هذا الطفل كان أقوى واستطاع النجاة، تمنَّيتُ لو أنِّي أنا نفسي كنت أقوى ودعمت هذا الطفل منذ البداية، تمامًا كما دعمته ساي، لو أنِّي أحببته بلا شروطٍ منذ البداية.

تذكَّرتُ عصفورًا كان في منزلنا، كانت والدتي تُصرُّ على وضعه في غرفتي وأنا أصرُّ على نقله، كانت والدتي ترغب بأن يُضفيَ هذا العصفور لغرفتي الكئيبة المليئة بالكتب فقط بعضًا من الحياة، في النهاية رضختُ لقرارها ووضعتُه مع شرط ألَّا أكون مسئولًا عنه وبالفعل تمَّ الأمر، لم أكن أكترث لهذا العصفور أبدًا، كنت أعتبره كقطعة أثاثٍ من الغرفة، ولكن حين توفي هذا العصفور أحسستُ بألم فقدانه، بتُّ أشتاق لتلك الأصوات التي كانت تصدر منه، أشتاق لحركته الدائمة، تمنَّيتُ لو أنَّني أعرتُه بعضَ الاهتمام ولم أفكر فقط بالأمور الأكبر والأهم، نعم تلك التفاصيل الصغيرة الموجودة في حياتنا هي مهمة جدًّا ولكننا لا ننتبه لوجودها بالأساس إلا بعد فقدانها، تمامًا كما حدث مع طفلي الآن، كنت أفكر في ساي فقط ونسيتُ أمر طفلي، والأدهى من هذا وذاك أن لا أحدَ سيواسيني بهذا الفقدان، بل على العكس تمامًا أنا مَن سيواسي ساي الآن.

هيروكي

بقيتْ ساي في الحالة الحرجة لمدَّة ثمانٍ وأربعين ساعة لم أفارق خلالها المستشفى ولو لساعةٍ واحدة. كنتُ هلعًا مخافة فقداني لساي، الأنثى الوحيدة التي استطاعتْ دخولَ قلبي وحياتي بعد نصف قرنٍ من الحياة، الأنثى الوحيدة التي أردتُ أن أُكملَ حياتي معها، كانت ساي الوحيدة التي استطاعت أن تقنعني أنَّ السعادة بسيطةٌ وتأتي من أمور بسيطة، فتذوُّقُ وجبة طعامٍ لذيذة كانت سعادةً لدى ساي، نهايةٌ سعيدةٌ لروايةٍ تقرؤها كانت سعادةً أيضًا، أمورٌ بسيطةٌ جدًّا ولكنَّها كانت تخلق السعادة لدى ساي على عكسي سابقًا حيث لم أشعر بالسعادة إلا بإنجازاتي العظيمة، كنت أعتبر أنَّ السعادة تنبع من الإنجاز فقط؛ لذا عشتُ حياتي في سباقٍ مع نفسي، كانت ساي على اطلاعٍ بطبيعتي؛ لذا حين رأتْ ردَّة فعلي اتجاه الطفل حلَّلتْها وفسَّرتها نفسيًّا أنَّ كبريائي لن يسمح لي بتقبُّل طفلٍ مريضٍ يعاني، فساي طبيبةٌ نفسيةٌ، وعبثًا كانت كلُّ تبريراتي التي أبرر بها لنفسي.

بعد استيقاظها من الغيبوبة باءت كل محاولاتي في مواساتها بالفشل، كانت ترفض سماعي، ترفض حتى الطعام، كانت معنوياتها محطَّمةً خاصة بعد إخبارها بأنَّهم اضطروا لاستئصال الرحم لإنقاذها، لم يتعامل معها الطبيب بالطريقة التي يتعامل بها مع باقي المرضى، فكَّر فقط أنَّها طبيبةٌ مثله بل أيضًا طبيبة نفسية، إذن هي قادرةٌ على تلقِّي الصدمات بشكل أفضل من غيرها، فمهمَّتُها هي إخراج الناس من صدماتهم ومن اكتئابهم، ألن تستطيع إنقاذ نفسها إذن! نسيَ أنَّها أنثى، أنَّها تحتاج لأن تكون أمًّا، نسيَ أنَّهم استأصلوا جزءًا من كيانها.

استمر الحال لأسبوع مع ساي، لا تنطق بحرف وترفض الطعام؛ لذا قاموا بتركيب المحاليل الغذائية لتصلها عبر الدم مباشرةً. كانت ساي تستيقظ وتركِّز نظرها على جهة معينة، غالبًا نحو الحديقة، تُغالبها دموعُها ثمَّ تعاود النوم. في البداية حاولتُ التحدُّثَ معها لكن وجدتُ ألَّا جدوى من المحاولة، كانت كالأطفال تمامًا، تضع يديها على أذنَيها ثمَّ تضع رأسها في حجرها وتبكي بصوتٍ عالٍ كالعويل تمامًا؛ لذا بعد أربع محاولاتٍ في يومين متتاليين توقَّفت وتركتها على راحتها كما ترغب هي. كنتُ موجودًا معها في المستشفى، ولكني أعتقد أني بالنسبة إليها لست إلا كأيِّ قطعة أثاثٍ في الغرفة، لم تُعرْني أيَّ انتباه. في نهاية الأسبوع وبعد خمسة أيامٍ من الصمت القاتل بالنسبة إليَّ، حاولتُ أخيرًا التحدث مع ساي، حاولتُ أن أكسر جدار الصمت بيننا، في البداية لم تُجبني ولم تُعطني أيَّ اهتمام ولكن مع إصراري الشديد على محادثتها التفتتْ إليَّ قائلةً: ألَا يكفيك ما حدث؟ ها قد حُرِمتُ من الأطفال مدى الحياة، ألم تكن هذه رغبتَكَ منذ البداية؟!

صُدمتُ، توقَّعتُ كلَّ شيءٍ إلَّا أن تأتيَني إجابةٌ كهذه، هل هذا حقًّا تفكير ساي بي الآن؟! أم أنَّه مجرد تنفيسٍ عن غضبها؟!

figure

لم أستطع الردَّ عليها بشيء فماذا ستنفع الإجابات والتبريرات والتوضيحات أمام تفكيرٍ كهذا! وإن كان مجردَ تنفيسٍ عن غضبها فالأفضل أن أنتظرها حتى تهدأ، حتى توقن أنها ليست الضحية وأنَّ الجميع تآمر على طفلها، حتى تُدرك أنَّ هذا هو قدرنا معًا وليس قدرها وحدها، حتى تُدرك أنَّ الطفل هو طفلي أيضًا وأنَّها خسارةٌ لي أيضًا، ولكن لن تنفع أيٌّ من هذه التفسيرات؛ لذا فضَّلت الصمت وغادرت الغرفة. كنت أعلم أنَّ ساي ستعاني ولن تتقبل الموضوع أبدًا ولكن أن تجعلني المجرم وهي الضحية هذا ما لم أتوقعه ولن أقبله.

ساي

بعد ما حدث معي لم أستطع احتمال الصدمة، قرَّرتُ الابتعاد عن كلِّ شيءٍ، عن عملي، عن أصدقائي ومجتمعي، والأهمُّ من هذا وذاك قرَّرتُ الابتعاد عن هيروكي، أخبرتُه أنَّ كلماتِه لن تُجديَ نفعًا معي الآن وأنِّي لا أرغب بنظرة شفقةٍ تزيد من تعاستي.

وافقني هيروكي لأنَّه أيقن أن لا طائل من مناقشتي وجدالي، فبالفعل لم تَعُد تُجدي معي الكلمات نفعًا، كان ألمي شديدًا، أشد من أن أحتمله مع كل ما احتملته سابقًا، وكل ما استطعت تخطيه، إلا أنِّي قرَّرتُ عدم التخطِّي هذه المرَّة. انزويتُ في ذاك المخبأ الصغير في داخلي وقرَّرتُ البقاء فيه، لم أَعُد أرغب في الخروج من ذاك المخبأ؛ فقد كان يمثل منطقة الراحة لي، على الرغم من أنِّي في الأربعينيات إلا أنِّي أحلم كلَّ يوم بالاختباء في حجر والدتي والبكاء عليه، أو الاتكاء على كتف والدي لأبوح له عمَّا في داخلي. كنتُ أشعر بالوحدة القاتلة على الرغم من أنِّي كنت الإنسانة الأكثر اجتماعية، لكني الآن وصلت لنقطةٍ أُعلن فيها أنِّي تَعِبةٌ من كلِّ شيءٍ ومن اللاشيء. كان أكثر ما يحزنني أنِّي لا أجد كلماتٍ تُعبِّر عن مشاعري، عن ألمي، أنا ساي الطبيبة النفسيَّة التي عالجتْ أكثر من مائة حالة اكتئابٍ، أقف الآن أمام نفسي عاجزةً عن الأخذ بيدي، أبحث عن كتبٍ تشرح ألمي فلا أرى، أبحث عن أغانيَ وأشعارٍ تصف حالتي فلا أسمع إلا أغانيَ وأشعارًا عن الأحبَّاء وفراقهم، وكأنَّ ألمَ الحياة يقتصر على فراق شخصين فقط، ألم يفكروا أن يكتبوا عن الآلام الأخرى!

بقيتُ على هذه الحال قرابة السنة، يتردَّد هيروكي في زيارتي مرَّتين في الأسبوع، يُعدُّ لي طعامي، يأكل معي، لا أبادله أيَّ حديث. مع مرور تلك المدَّة الطويلة التي أمضيتها بالاكتئاب، اكتشفتُ أنَّ أسهل ما يستطيع الإنسان فعله هو أن يدمر نفسه بنفسه، وها أنا ذا أقوم بذلك منذ سنة وما زالت مستمرة، اكتشفتُ لِمَ لم ينجح العلاج مع بعض مرضاي، لِمَ لم أستطع إخراجَهم ممَّا هم فيه، فربَّما كانوا في منطقة الراحة لديهم ولا يريدون الخروج منها، بل على العكس كانوا يخافون من الأشخاص الذين يرغبون بمساعدتهم، لأنَّهم يعتبرون أنَّهم يريدون إخراجهم من مناطق راحتهم الخاصَّة.

كانت جميع الأيام متساويةً بالنسبة لي، لا أعياد ميلاد تعنيني، لا مناسبات خاصة تهمني، كلُّ الأيام متساوية ما عدا يومًا واحدًا فقط، هو يوم إجهاضي لطفلي واستئصال الرحم، كان هذا اليوم بالنسبة لي هو الإعلان لهزيمتي بحربي، كنتُ أعتبر نفسي في معركة أنا وهذا الجنين، وحين خسرتُه استسلمتُ، لم يَعُد هناك شيءٌ لأقاتل من أجله في هذه الحياة، رفعتُ الراية البيضاء وانزويتُ في جحري معلنةً توقفي عن الحياة، بين الحين والآخر كانت تخطر لي أفكار سوداء عن إنهائي لحياتي ولكنِّي كنتُ خائفةً، لم أكن أمتلك شجاعة الانسحاب، أو ربَّما في أعماق أعماقي كان هناك ضوءٌ أبيضُ خافتٌ يحاول بين الحين والآخر انتزاعي ممَّا أنا فيه.

هيروكي

تغيَّرتْ ساي، تغيَّرت ملامحها، لم تَعُد مشرقةً كما قبل، حتى شعرها بدأ يكتسي بالشيب، لم أكن أذكر أني رأيت هذا الكم من الشيب في رأسها، بدأت تظهر بعضُ التجاعيد على ملامح وجهها، ومسحةُ الكآبة كستْها بالكامل. لم أَعُد أرى أيَّ شبيهٍ لساي التي أحببتُها في تلك الإنسانة التي أمامي الآن، ولكن هذا لا يعطيني أيَّ حقٍّ في التخلِّي عنها أو فقدان اهتمامي بها أو عدم محبَّتها، كنتُ أعلم أن لا أحدَ قادرٌ على مساعدتها سوى نفسها، لذا وقفت صامتًا أؤدي دور المشاهد المتألم. هل أنا سلبيٌّ إلى حد ما؟! كنت أسأل نفسي دائمًا، هل بوسعي فعل شيء لم أفعله!

كنت أتمنى لو أنها تصرخ، أو تلوم، أو تبكي، لكي أستطيع التفاعل معها، أما أن تبقى جسدًا بلا روحٍ فهذا أكثر ما يعذبني. ما زال لديَّ طاقة للصبر على ما تفعله ساي بنا، فأنا موقنٌ أنه ليس من حقِّي أن أقرر متى عليها إنهاء حزنها، لا يحق لي تقييم كمية حزنها بأيام أو شهور تستطيع استهلاكها ثم تعود ساي الطبيعية. لكني في الوقت نفسه، لم أَعُد أستطيع رؤيتها تذوب أمامي، فقلبي لا يقوى على ذلك، أريد أن أرى ابتسامتها مجددًا. قررت أن أُبهجها في أحد الأيام وذلك بأشياء بسيطة. كان موعد ذهابي إلى منزلها، فأحضرتُ معي حلواها المفضَّلة وأعددت لها الطعام كالعادة. لم يخطر ببالي أنَّ اليوم يشكِّل ذكرى سيئة لساي، كنتُ أتذكَّر الفترة بشكل عام وليس اليوم بالتحديد، ولم يخطر ببالي أنَّ ساي التي لم تَعُد تميِّز حتى الفصول عن بعضها، ستميِّز هذا اليوم أو تذكره، أمَّا ساي حين رأت مائدة الطعام المعدَّة بانتظامٍ والحلوى المشتراة جنَّ جنونها، وبدأت بالصراخ: أخيرًا ظهرتَ على حقيقتك، ها أنت ذا تحتفل بفقداني لطفلي.

هنا بالذات جنَّ جنوني، وطلبتُ منها أن تصمت ولا تتكلم، لم تذعن وعاودت الصراخ، أخبرتها أن تصمت ولكن ما زالت على هذه الحال، حين هممتُ بالتكلم وضعتْ ساي يدَيها على أذنَيها وهي ترفض الاستماع وبدأت بالصراخ: اخرج من هنا لا أودُّ رؤيتك مجددًا، لا أودُّ رؤية أحدٍ هنا، دعوني وحدي، لا أريد وجودك في حياتي، لا أريد وجودَ أيِّ أحدٍ في حياتي.

أمسكتُها بعنف وبدأت أصرخ في وجهها: ساي! هذا يكفي، لم أَعُد أحتمل أفعالك، لم أَعُد أطيق كلَّ ما تتفوهين به، منذ سنة كاملة وأنت تتذمرين وتتذمرين فقط، حاولت أن أحتويَ حزنك وغضبك، حاولت أن أبقى بجانبك، تغاضيتُ عن عدم شعورك بي، وبحزني، وبألمي، كما لو أنَّكِ وحدك مَن تألَّم، ووحدك من فقد، ووحدك من عانى، لم أطالبك بأن تشعري بي أو تواسيني، كنت أودُّ فقط أن تخرجي من حالتك تلك، لكنَّك كلَّ يوم تزدادين عنادًا وجنونًا، كلَّ يوم تصبح كلماتك وأفعالك أقسى وأشدَّ عنفًا، لم أتخيَّل يومًا أن تصلي إلى تلك الحالة، ولم أتخيَّل يومًا أن أرى وضعنا كما هو الآن، أخبريني ما الذي عليَّ أن أفعله ولم أفعل؟

كنت أصرخ بكلِّ قوتي، وغضبي، وألمي، كنت أصرخ وأنا أقول تلك الكلمات التي تراكمت في نفسي، تجمَّدت ساي في تلك اللحظات أمامي، فمن الواضح أنها لم تتوقع أن تكون ردَّة فعلي عنيفة، فقد اعتادت على صمتي المتكرر لكلامها الجارح والقاسي، وأنا لم أَعُد أحتمل بعد الآن.

أنهيت كلامي ودفعتُها عنِّي من غير أن أُوقعَها أو أسبِّبَ لها أذًى، خرجتُ من شقتها وأنا أُقسم أنِّي لن أعود ثانيةً إليها، أغلقتُ باب الشقة بقوة وقسوة، وتركتُها في جنونها ومضيت.

ساي

كنت أتوقع عودته بعد ساعة أو ساعتين، لكن مضتْ خمس ساعات ولم يأتِ، ثم مضى يومان ولم يأتِ في موعده المعتاد، ثم مضى أسبوعان والحال ذاتها. وها هو آخر إنسان في حياتي لم يَعُد يظهر ولم يَعُد موجودًا، إلا أنَّه بات يُرسل امرأةً لتقوم بتنظيف المنزل وإعداد الطعام لي. مضى الشهر والحال ذاتها، ثم سألتُ تلك المرأة بعد مرور الشهر: أين هو البروفيسور هيروكي؟

قالتْ لي إنَّها لا تعلم، لقد تمَّ توظيفُها وهي تقوم بعملها فحسب. مع مرور تلك الأيام، بدأتْ حركتي تتقلَّص في المنزل، بات موحشًا أكثر فأكثر. فعلى الأقل حين كان يتردَّد هيروكي عليَّ لم أكن أشعر بوحشة المكان، يومًا بعد يوم كانت المساحة التي أتحرَّك بها تصغر إلى أن غدوتُ لا أغادر مكاني إطلاقًا. هنا أحسستُ أنِّي لا أحتمل غيابه وبُعدَه عنِّي، أنا أشتاق للمساتِه الدافئة، أشتاق لابتسامته الهادئة، إن كان قد أصابه أيُّ مكروه فسيزيد جنوني جنونًا، أيقنتُ أنِّي لا أزال أحبُّه. في السنة الماضية، ربما كنت أعدُّ وجوده معي هو الشيء الطبيعي وأنه لن يبتعد عني مهما حصل، لكنِّي كنت قاسيةً عليه وعلى نفسي أيضًا، تذكَّرتُ قسوة هاك معي وكيف أنِّي ألعب دور هاك الآن بل وأتقنه أيضًا، هنا تفهمت قليلًا انفصال هاك عنِّي بالرغم من الحبِّ المتبادل بيننا، فالحبُّ وحده لا يكفي لاستمرار العلاقات.

ولأول مرةٍ منذ سنةٍ تقريبًا بادرتُ أنا بالاتصال بهيروكي. كنتُ متلهفةً لسماع صوته وفي الوقت نفسه غاضبةً منه، لم أكن أعلم حقيقةً ماذا سأقول له؟ هل أبدأ حديثي بالعتاب عليه وعلى غيابه المتواصل عنِّي، أم يكفينا هذا الجفاء الذي وصلنا إليه، إذن سأبدأ بالاعتذار، ولكن هل سيعتبر اعتذاري ضعفًا؟! لا ليس هيروكي مَن يعتبر أنَّ الاعتذار ضعفٌ، ولكنِّي مع هذا كنتُ مترددةً جدًّا من الاعتذار. قاطع هذه الأفكارَ صوتُ المجيب الآلي يُخبرني أنَّ الرقم المطلوب خارج نطاق التغطية، حاولت بعد ساعة، ساعتين، في اليوم التالي، هنا فقدتُ السيطرة على نفسي وبدأت بالبكاء، بكيتُ بحرقةٍ، حرقة مَن عرف ألمَ الفقد ومَن يخاف أن يفقد مرة أخرى، أبكي ولكن هذه المرة لا يوجد أحدٌ معي يُخبرني أنَّ كلَّ شيءٍ على ما يرام، وأنَّ الأمور لا بدَّ أن تتحسن، كنتُ أشعر أنِّي مقيدة الحركة وأنه ليس بيدي حيلةٌ أفعلها. كان الاكتئاب قد أخذ منِّي مأخذه فأصبحتُ أشعر دومًا أن لا حيلة لي، ولكن هذه المرة حاولتُ بشتَّى الطرق محاربةَ تلك الأفكار السوداوية، أخذتُ حبوبي المهدئة التي اعتدتُ عليها منذ رحيل جنيني، وجلست واضعةً رأسي في حجري علِّي أستطيع السيطرة على نفسي.

بعدها سألت نفسي: ماذا لو كان لا يرغب في سماع صوتي بالأصل؟ ماذا لو أنَّه حقًّا لم يَعُد يحتملني؟ ماذا سأفعل حينها؟ حين طردتُه هل كنت حقًّا أعني ما قلته؟ لا أدري! لكنِّي بحاجة إليه. فكرت كثيرًا ثمَّ قررت الذهاب إلى منزلنا.

وأنا في طريقي إليه كنت أحلم أنَّه سيراني ويأخذني بين ذراعيه، لكن لم أكن واثقة من ذلك أبدًا. دخلت إلى المنزل بخطوات هادئة فرأيت الأنوار مطفأة، وهذا يعني أنَّه نائم أو ربما ليس موجودًا في المنزل. توجَّهتُ نحو غرفة النوم فوجدته نائمًا. نظرت بهدوءٍ للغرفة؛ فقد كدت أنسى تفاصيلها، منذ سنةٍ وأنا لم آتِ إلى بيتنا، أمعنتُ النظر مجدَّدًا لأجد إطار صورة، أمسكتُها لأراها، كانت صورةً قد التُقطتْ في أول ذكرى زواج لنا معًا، كنَّا في مطعم صغير في وسط المدينة نحتفل بهدوء، لم تكن الصورة بتلك الاحترافية، لكن كانت تعني لنا الكثير لذا وضعناها في غرفتنا. تذكَّرتُ حينها أنِّي في تلك اللحظة كنتُ أُخبره أنَّ تلك السنة كانت أجمل سنين حياتي، تذكَّرت أنِّي كنت أعده أن نبقى معًا إلى الأبد، تذكَّرت رقصته معي تلك الليلة على أنغام البيانو بعد أن عُزِفت لنا مقطوعة خاصة، كانت تلك المقطوعة هديته لي في ذلك اليوم، تذكَّرت كيف أدركت في ذلك اليوم أنَّه وحده هيروكي الذي يعلم ما أحبُّ، وحده هيروكي الذي يعلم كيف يسعدني، تذكَّرت سعادتنا معًا ومن ثَمَّ نظرت لحالنا. لم أَعُد أتمالك نفسي، دنوتُ إليه، طبعتُ قبلةً على جبينه، لقد اشتقت لكلِّ تفاصيله، ظللت أمسح على شعره، كنت أريده أن يشعر بوجودي، لكنَّه لم يفعل. أتاني شعور أن لا مكان لي هنا بعد الآن، هو مستقرٌّ الآن، لقد دخلت حياته وقمت بالعبث بها. لا بدَّ وأنَّه يشعر بالارتياح والهدوء، لم أَعُد أرغب أن أُزعجَه بعد الآن، أدركت أنَّ عودتي إليه ستؤذيه، فأنا لم أَعُد أصلح له، كما قال لي، فأنا مجنونة، ربَّما هو محقٌّ!

أخذتُ إطار الصورة معي، بدأتْ دموعي بالانهمار وأنا أغادر الغرفة، ومن ثَمَّ أغادر باب المنزل. وصلت إلى الحديقة وأنا خائفة، كيف سأعود إلى شقتي مجدَّدًا؟ لا أريد أن أبقى وحدي، كان اليأس يحوم حولي، وكلُّ ما حولي ظلام. مع كلِّ خطوةٍ كنت أتقدَّمها كنت أشعر كما لو أنِّي أهرب من الدفء إلى البرد، من السعادة إلى التعاسة، أهرب بإرادتي من عالم مليء بالتفاؤل والأمل إلى عالم موحش وبائس. وقفت قليلًا، ما الذي يجعلني أختار بنفسي هذا الخيار القبيح؟ هل أنا بهذا القدر من الغباء! شيءٌ ما كان يدفعني ألَّا أعود، فأنا لست متأكدة من أنَّ هيروكي سيقبل عودتي مرة أخرى.

figure

هممتُ أن أكمل خطواتي لأخرج من باب الحديقة، فرأيت شبح الوحدة يحاوطني ويكاد يفتك بي، ذعرت وصرخت وأوقعت إطار الصورة الذي كان بيدي أرضًا. غطيت وجهي بكفي وبدأت بالبكاء، لم أستطع أن أظل واقفة، فجلست على الأرض وأنا أرتجف من خوفي. كلُّ تلك الأعراض تؤكد أنَّني مصابةٌ بخللٍ نفسيٍّ، كنت أعلم أنَّ الاكتئاب قد نال مني، وأنَّ وضعي النفسي سيِّئٌ جدًّا، لكن لم أعتقد أنِّي وصلت لدرجة التوهم. لطالما سمعت تلك الأعراض من المرضى، كنت أصدِّقهم وأحاول تفهُّم شعورهم وتصوُّر حالتهم، وكنت أظنُّ أنِّي أفهمه بشكلٍ قريب، لكن حين عشت الأمر وجدته مختلفًا، كم كان مرعبًا ومخيفًا أن أبدأ برؤية أشياء لا وجود لها، وسماع أصواتٍ لا مصدر لها. بقيت في مكاني أرتجف وأنا أفكر بحالتي الجديدة تلك، لم أجرؤ أن أفتح عينيَّ مجددًا فأنا ما زلت أسمع صوت شبح الوحدة ذاك، أسمعه يدوي في أذني، يُنذرني بأيام سوداء، وليالٍ حالكة الظلمة. شعرت برياحٍ حولي تأخذني يمنةً ويسرة، وتخيلتُ وجود عاصفة تقترب مني لتأخذني معها وترميني في مكان بعيد، بعيد حيث لا أحد يراني أو يسمعني، ولن يكترث أحدٌ ببُعدي. لِم اعتدت الخسارة دائمًا؟ لِم لا أستطيع إنقاذ نفسي بنفسي؟ لِم أعتمد على الآخرين؟ لِم أنا هشةٌ إلى هذا الحد؟ لكنَّني حاولت كثيرًا وفشلت؟ لا أحدَ في هذه الدنيا يستطيع أن يعتمد على نفسه وحسب، كذبٌ ما يقال، أنَّه باستطاعتنا المضي قُدُمًا بعزمنا وقوتنا وإرادتنا فقط، ربما هناك من يستطيع القيام بذلك، لكن ما أعرفه أنِّي لستُ من هؤلاء الأشخاص.

لا أريد أن أرفع وجهي، ولا أريد أن أعود وحدي، كررتُ تلك الكلمات وأكملت لعبة التخيُّل والجنون، فما زالت العاصفة تقترب منِّي أكثر فأكثر، عدَّة دقائق وستصل إليَّ وستنال مني، وما زال الشبح يهزأ بي، وأصوات الرعب تعلو وصداها يكاد يصمُّ أذنيَّ، وأنا بصغر جسدي في هذا المشهد وضعف روحي، أنتظر مصيري بلا سندٍ، وبقلب مثقل بالأسى. كان ما ينقص هذا المشهد مقطعٌ أخير، ينهي المأساة. قررتُ أن أرسم ذلك المشهد بقلبي، وأرى تفاصيله لأعيش لحظات حبٍّ ودفءٍ أخيرة على باب حديقة منزل هيروكي، هيروكي الذي ضاق ذرعًا بتصرفاتي، سنةٌ كاملةٌ وأنا أتفنَّن في تعذيبه وإيذائه، لم أترك كلمةً إلا وجرحته بها، لم أترك وصفًا واتهامًا إلا واتهمته به، سنة كاملة وهو يحاول عبثًا أن يعيد قلبي إلى الحياة، سنة كاملة وشهر، نعم أنا لم أفقد إحساس الزمان، ما زالت أذكر آخر يومٍ قبل معرفة خبر الحمل، كان يومًا عاديًّا من حياتنا، يومًا مليئًا بالحبِّ وكلمات الغزل والمزاح، يومًا مليئًا بالحياة. قررت أن أراه يجري نحوي، أنادي باسمه وينادي باسمي، قررت أن أراه وهو يضمني بين ذراعيه، قررت أن أشعر بلمسة يدَيه تمسح كل دموعي، قررت أن أسمع كلماته وهو يخبرني أنَّ كلَّ شيء على ما يرام وهو بجانبي دائمًا وأبدًا، قررت أن أصدق خيالاتي وأسمع صدى صوته في أعماقي، وبرعت في ذلك، فقد شممت رائحة عطره التي اشتقت إليها، وأمسكت يديه، وغرست وجهي في صدره، لا أريد أن أتركه أو يتركني، كما لا أريد أن أستفيق من هذا الحلم الجميل.

هيروكي

عندما صرخت ساي في وجهي، تتهمني أنِّي أحتفل بفقدانها لطفلها ولفرصة الإنجاب مجددًا أيقنتُ أنَّ ساي قد جنَّت حقًّا. على مدى السنة التي مضت كنت أجد لها مبرراتٍ وأعذارًا لتصرفاتها، لكن في ذاك اليوم لم يَعُد في جعبتي أيٌّ منها، لم أَعُد أستطيع إقناع نفسي بأنَّ هناك أملًا من عودتها إلى رشدها، هي تزداد جنونًا كلما مضت الأيام. في ذلك اليوم اقتنعتُ أنَّ لصبري حدودًا، وأنَّ الحب وحده لن يحل المشكلة، وأن لا فائدة من إصراري على البقاء إلى جانبها. لم يَعُد الأمر متعلقًا بالوفاء أو الإخلاص، هي لا تريد رؤية وجهي مجددًا، وربما أنا أزيد من تعاستها بينما أظنُّ أنَّ إصراري سيُسعدها، لكن من الواضح أنَّه لا يسعدها البتة.

figure

قررت قرارًا صارمًا ألَّا أعود ثانيةً إلى منزلها، وألَّا أتصل بها، وأنا إن قررت أمرًا أنفذه. وكَّلت امرأةً لتقوم بالعناية بها وبمنزلها، فتحضِّر لها طعامها وتطمئن عليها يوميًّا، وأوصيتها في حال طرأ أمرٌ مهمٌّ أن تُعلمني به، عدا ذلك لا أريد أن أعلم شيئًا عمَّا يحدث مع ساي، ولا أريد أن أتتبعها بعد الآن، لديها حريتها الكاملة بتصرفاتها، وحين ستستعيد توازنها تستطيع أن تقرر مصيرنا كزوجَين، أما الآن لا أريد أن أفتح هذه المواضيع.

مرَّ أول شهر بسلاسة، فأنا أصلًا أعيش وحدي منذ أكثر من سنة. رغم ذلك فقد كان الفضول ينتابني في بعض الأيام لأعلم ما تفعله الآن وما تفكر به عن اختفائي، لكني كنت أتجاوز تلك الأفكار بسهولة. لكن بعد مضي ذلك الشهر، وفي إحدى الليالي كنت أتصفَّح كتبي وأنا مستلقٍ على سريري، شعرتُ بباب المنزل وهو يفتح بالمفتاح، فعلمتُ أنَّها هي: ساي، نظرتُ من خلال الكاميرات فرأيتُها تدخل بهدوء وهي مرتدية ملابسها الرياضية، ملابس مشابهة لتلك التي رأيتها فيها أول يوم التقينا به أثناء مقابلتها. لا أُنكر أنَّ قلبي كان يخفق شوقًا إليها ولكن عقلي يمنعني عن ملاقاتها، يذكِّرني بآخر لقاءٍ لنا وكيف كاد يتحوَّل إلى مأساة، بل تحوَّل بالفعل؛ لذا فضَّلت ألَّا نتقابل فنتحدث وتبدأ المشاكل، كان الحل الأمثل بالنسبة إليَّ هو التظاهر بالنوم، فحتى إن كان قرارنا النهائي أنا وساي هو الانفصال فعلى الأقل ليكن انفصالًا راقيًا كرقيِّ العلاقة التي جمعتنا؛ ولهذا قررت لحظة مجيئها الانسحاب، لم أنسحب لأنِّي لا أرغب برؤيتها، بل انسحبت حتى لا نجرح بعضنا ونلوم بعضنا أكثر، لطالما كان فنُّ الانسحاب من الفنون التي أُجيدها سواء في حياتي المهنية أو الشخصية ولكنِّي لم أكن أتخيل أن يأتي اليوم الذي أطبق فيه فنَّ الانسحاب على علاقتي مع ساي. حقيقة أنا لا أعلم لِم أتت، ربما تودُّ أخذَ شيءٍ من أغراضها التي في منزلي، أطفأتُ أنوار الغرفة، أغلقتُ كتابي، وضعتُ رأسي على وسادتي وأغلقتُ عينيَّ.

figure

عندما وصلتْ ساي إلى غرفتنا، تسللتْ بهدوء، اتجهتْ نحوي أولًا، ثم غيَّرتِ اتجاهها، لم أستطع أن أميِّز ما تبحث عنه؛ فقد جلست على طرف السرير من الجهة الأخرى، وفجأةً بدأتْ ساي بالانتحاب، اقتربتْ منِّي ومسحتْ على شعري بحنان، قبَّلتْ جبيني ومن ثم مضت. كان قلبي يخفق بشدَّة، فمنذ سنة وهي لا تكترث بي أبدًا، كدتُ أنهض لأراها لكنَّني لم أرغب بمفاجآت من ساي، لم أَعُد أتوقَّع ما هي ردَّة فعلها، قد تعود لجنونها مجددًا إن تحدثتُ معها، قد أُخبرها أنِّي اشتقت إليها وتجيب أنِّي اشتقت لأرى تعاستها، وقد أُخبرها أنَّه قد مرَّ وقتٌ طويلٌ لم نلتقِ به، فتُجيب أنَّني المذنب، لم أَعُد أتوقع إلا السلبيَّ منها. أخذتْ شيئًا بيدها لم أميِّز ما هو وخرجتْ من الغرفة، مشتْ بخطوات هادئة وهي تبكي وسمعتُ صوت إغلاق باب المنزل. كان الهدوء شديدًا في تلك الليلة؛ لذا استطعت أن أسمع خطواتها في الحديقة.

بعد عشرين دقيقة خمَّنت أنَّها قد وصلت إلى منزلها. لكنِّي فجأة سمعت صوت صراخٍ في الحديقة، كان صوت ساي، وكما لو أنَّها أوقعت شيئًا منها وانكسر، جريت مسرعًا ونظرت من النافذة فرأيتُها ما زالت على باب الحديقة الخارجية، مرتميةً على الأرض وهي تُمسك بصورةٍ لنا، يبدو أنَّ تلك الصورة هي ما أخدته من الغرفة قبل قليل، كان إطار الصورة مكسورًا أمامها. لم أفهم لِم هي ما زالت هنا، وماذا حدث بالضبط.

بقيت أراقبها وأنا داخل المنزل، أراقب كسرها وكسري، كان ضوء الحديقة يُظهر وجهها بشكل واضح، كانت الدموع تنهمر من عينيها، ومع كلِّ دمعةٍ كنت أشعر أنَّ قلبي يكاد يتوقف، في كلِّ مرة أحاول أن أخطوَ نحوها، أتذكَّر الوعد الذي وعدتُه لنفسي بالانسحاب من حياتها، أشعر أنِّي سببُ كلِّ الألم الذي ألمَّ بها في الآونة الأخيرة ولا أرغب في أن أتسبب لها بالمزيد من الآلام، كان قلبي يخبرني أنَّ ما أقوله هو مجرد كلام لأرضيَ ضميري نحوها وأنِّي لم أَعُد أحتمل المزيد من المشاكل لذا انسحبت، انسحبت لمصلحتي لا لمصلحتها ولكن يأبى عقلي أن يطاوعَه ويخبرني أنَّ ما أفعله هو الأفضل لكلينا. في النهاية بقيت على حالي تلك، مكتفيًا بالمراقبة من بعيد، أدعو في سرِّي أن تقودَها خُطاها لحضني وتعود لي.

حين همَّتْ بالنهوض من مكانها بدأ قلبي يخفق بشدَّة شعرتُ أنَّ مصيرنا نحن الاثنين سيتحدد في الدقائق التالية وإلى الأبد، نهضتْ من مكانها وهي تبكي، وأخيرًا اتجهت مجددًا نحو باب المنزل عائدة، كانت تبكي وتنادي باسمي، شعرتُ بسعادة غامرة، سعادة تعادل الدموع التي تنهمر من عينَيها، ركضت نحو الباب لأفتحَه حتى قبل أن تقرعَه أو تفتحه هي، فما دامت قد عزمت على العودة واختارتني فسأبقى متمسِّكًا بها، رأيتها أمامي بوجهها البريء الذي أعشقه.

فتحتُ ذراعي لها وضممتُها إلى صدري وأحكمت الضمَّة، همستُ لها: اشتقتُ إليكِ.

أجابتني: أحبُّكَ.

أعادتها عشرات المرَّات، في كلِّ مرَّة كنت أطبع قبلةً على رأسها وأُخبرها أنِّي أحبُّها أكثر، وأفكر بكلِّ جميل أعطته لي، وبكلِّ حياة أضافتها لروحي، وبكلِّ ابتسامة وهبتها لحياتي.

فالحبُّ بالحب، والعطاء بالعطاء، والوفاء بالوفاء، والبادئ أكرم.

(تمَّت)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤