الفصل الثاني عشر

الحبال

وصفت لك على مر حكايتي الطويلة الكثير من الواجبات على متن سفينة صيد الحيتان، فحدثتك عن الوجبات وإصلاح الشراع وحياكة الحصائر، وعن رماح صيد الحيتان والصيادين، ووصفت لك مطاردات الحيتان في القوارب والخطر الذي قد تواجهه إن طرحك الحوت من على متن القارب، لكن علي الآن أن أحدثك عن فائدة الحبال في صيد الحيتان. قد يبدو لك هذا أمرًا غير ذي أهمية، لكنه ذو أهمية كبرى.

يستخدم البحارة الحبال في المهن كافة تقريبًا على متن السفينة، وثمة طرق مختلفة لعقد الحبال تستخدم لأغراض مختلفة. فبعد قتل الحوت توظف الحبال في واحدة من أهم استخداماتها.

نحتاج إلى استخدام الكثير من الحبال عند جذب الحيتان هائلة الحجم إلى متن السفينة؛ فعندما يكون الحوت إلى جانب السفينة يوثق جسده بإحكام بالحبال والسلاسل. قد يكون طوله مكافئًا لطول السفينة أو أكثر! لذا فهذه مهمة شاقة.

تُربط الحبال من جانب السفينة إلى جانبها الآخر، اعتمادًا على الأسوار والأشرعة وتتقاطع عند نقطة مرتفعة فوق سطح السفينة، ويُجذب الحوت. يجب دائمًا أن تكون الحبال مستقرة وموثقة بإحكام. إن لم نتحل بالحذر الكافي، فستغرق السفينة بأسرها في الماء تأثرًا بثقل الحوت.

هذا عمل خطير، وليس من الصعب فقط أن تحفظ توازنك والسفينة تتأرجح متأثرة بوزن الحوت، فالسقوط أيضًا في غاية الخطورة؛ لأنك قد تقع من ارتفاع عالٍ وتصطدم بسطح السفينة، وقد تشتبك بالحبال وأنت تهوى. شُنق أكثر من بحار على هذا النحو.

الحبال من أهم أدواتنا لذا نعاملها باحترام، ونتركها على الشاكلة التي نريد أن نعثر بها عليها وهذا هام، لا سيما عندما نكون في عجلة كبيرة من أمرنا.

على سبيل المثال: عندما نصنع بكرات من الحبال كي يستخدمها الصيادون الذين يستخدمون الرماح، نتيقن من أنها جهزت جيدًا؛ فنتركها في حلقات تتراكم فوق بعضها ونحن نلف الحبل، بذا لا ينعقد الحبل، مما يعني أيضًا أن الرماح عندما تُلقى يمكن أن يتبعها الحبل بسهولة دون أن يعترض شيء طريقه، ودون تشابكات أو عراقل.

عندما تعمل بحارًا — وبالأخص على متن سفن صيد الحيتان — يجب أن تتأهب لأي حالة طارئة، فقد تطرأ التغييرات في لحظة. وأثناء صيد الحوت، يجب أن تكون ردة فعلك سريعة، ولا ينبغي أن تنشغل بالبحث عن الحبل، يجب أن يكون كل شيء معدًّا.

الحبال كانت جزءًا من عملنا اليومي المعتاد. كنا نتأكد من أنها جاهزة للاستخدام ومن أن كل زورق صيد مجهز بمجاديف وحبال ودلاء لطرد المياه الزائدة من القارب. بدأنا بهذا كل يوم.

وفي يوم كسائر الأيام، صعدت إلى قمة صاري السفينة لأبدأ مناوبتي. كان الجو دافئًا، وكان بطء الأمواج وتراقص أشعة الشمس على صفحة الماء يبعثان في النفس سكينة. حدقت في مكان بعيد فوق الماء، وسرعان ما شرد ذهني، لكنني لمحت فجأة فقاعات ودفعة من الماء تنبثق.

كان هذا حوتًا عملاقًا يتقلب في الماء على مقربة من بيكود، عندما زفر، انبثق الماء عاليًا في الهواء في مشهد جميل. من المؤسف أن نهاية هذا المخلوق الجميل حانت.

ناديت: «ها هو ينفث الهواء»، فدعى القبطان آهاب الجميع إلى ركوب زوارقهم، وانطلقنا من جديد.

حاولت الزوارق الأربعة الإسراع للاقتراب من الحوت. جرت الأمور على عجل؛ فأطبق ستابز وفريقه على الصيد ثم دعا رجاله إلى بلّ الحبال، الأمر الذي يعني أنها كانت شديدة السخونة من فرط الاستخدام وهي تهدد دائمًا بالاشتعال.

غاص صياد ستابز برمحه في ظهر الحوت، فقاوم بعض الوقت إلى أن توقف قلبه.

فاقتربت سفينة بيكود وعمل طاقم السفينة كله وكل من على الزوارق على سحب الحوت إلى بيكود، بعدئذ قطعنا الحوت لحفظ لحمه وزيته لاحقًا. تعين علينا الإسراع في هذا لأن أسماك القرش دائمًا ما تأتي سريعًا لتحظى بوليمتها.

لم يبتهج القبطان آهاب بالصيد كسائرنا؛ أعتقد أن هذا الحوت ذكره بحوت آخر. كان يسرف في التفكير في موبي ديك، الأمر الذي عكر مزاجه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤