الفصل التاسع

ما يقال عنه «الحياة الزوجية الجديدة»

لم يتوقَّع نوغوتشي، وكذلك كازو أن تحدُث تلك الجلبة والاهتمام من المجتمَع بزواجهما. فلقد كانت كازو بدون أي خبرة سابقة بهجمات مُصوِّرِي الصحف والمجلات عليها، وكذلك اندهش نوغوتشي من أن المجتمَع لم ينسَ أمره بعد. وفي رحلة شهر العسل في فندق غاماغوري، عندما ذهبَا لزيارة معبد ياسوتومي الشنتوي في جزيرة بنتن، كانت كازو على وشك أن تضع في صندوق التبرعات مليون ين كما هي عادتها، ولكن هذه المرة منعها نوغوتشي بصرامة. وكان سبب توبيخه لها هو فقط أنه فِعل مبتذَل، ولكن كان ذلك التوبيخ البسيط به نبرة برود طبقة النبلاء مما جعل قلب كازو يتجمَّد من البرودة.

وعندما عادا إلى طوكيو، بدأ الاثنان حياتهما الزوجية «غير التقليدية». في كل صباح تتصل كازو بنوغوتشي في مكالمة هاتفية طويلة. ولكن رغم ذلك لا تنتهي لديها بذور القلق، فطردت كازو الخادمة المتعلِّمة إياها من بيت نوغوتشي وبديلًا عنها وظَّفَت خادمتين وسكرتيرًا. وقد كان الثلاثة يُمثِّلون خدم كازو الذين تأتمنهم على أسرارها. كانت تستدعيهم في كل صغيرة وكبيرة إلى ستسوغوان وتجعلهم يعطونها تقريرًا مفصلًا عن معيشة نوغوتشي اليومية.

عندما تعود كازو إلى «بيتها» مساء يوم السبت تحمل معها جبالًا من الهدايا. وفي أقل من عشرة أيام امتلأ بيت نوغوتشي بالعديد من الخمور والأطعمة غير الضرورية. كان عودة كازو مزعِجة. تدخل البيت وهي تضرب بيدها على كتفها تشتكي من إرهاق أسبوع كامل، وتشتكي من إرهاق التعامُل مع الزبائن في عملها، وتدور في غرفة المعيشة القديمة التي فَقدَت ألقها، وتقول:

«آه، كما هو متوقَّع، المرء لا يهنأ إلا في بيته. عندما أعود لهذا البيت أشعر بالراحة والطمأنينة.»

ولكن صُدمت كازو عندما سمعت أن الأشخاص الذين ذهبَت معهم في رحلة طقس النار المقدَّس قد قالوا عنها فيما بعد سبابًا مريعًا رغم احتفالهم بها لتلك الدرجة في ستسوغوان بمبادرة من العجوز الثمانيني. قالوا إن كازو أثناء الرحلة كانت تَعتبر نفسها زوجته دون مراعاة لعيون الآخَرِين، وإنها كانت تهتم فقط بنوغوتشي وتجاهلَت تمامًا الضيوف الآخَرِين، وإنها كانت ترد على العجوز الثمانيني بوقاحة، وأن دعوتهم إلى ستسوغوان ردًّا للجميل، كان عبارة عن إعلان للمطعم في شكل رد الجميل، وإنه لم تكن ثمة ضرورة في أن يكون ستسوغوان مَقرَّ الإعلان عن الزواج، وإنه بذلك أصبح نوغوتشي مسكينًا، … إلى آخره من الأحاديث التي كانت هي محورها ووصلت لسمعِها. وعندما علمَت كازو ذلك، أحسَّت أن الألم البسيط الذي ظنَّت وقتها أنه ممتِع ومرِح الذي نتج عن قرص مدير الجريدة لكتفها بعد الإعلان، قد تحوَّل الآن إلى كدمة بنفسجية اللون في كتِفها. فوضعَت يديها على كتِفها من فوق الكيمونو ودلكت تلك المنطقة بقسوة.

وقالت تلك الشائعات لنوغوتشي. وعندها غضب منها نوغوتشي غضبًا شديدًا قائلًا إنه صحبها معه في تلك الرحلة وأعلن عن الزواج أمامهم؛ لأنه يثق بهم لأنهم أعز أصدقائه. وأن إخباره بتلك الشائعات يُعتقد به أنها ترش النار على صداقات زوجها. وكانت تلك هي المرَّة الأولى التي تدرك فيها كازو أن قلب زوجها النبيل ينقصه قوة البصيرة.

وظهر في إحدى المجلات الأسبوعية مقال يسخر من نوغوتشي. ومحتواه أنه إذا كان بَيع نوغوتشي نفسه لحزب الإصلاح بعد الحرب فجأة لم يؤدِّ إلى نجاح في نهاية الأمر، فكذلك هذا الزواج من كازو سيئول لنفس النتيجة. اندهشت كازو لذلك المجتمَع الذي يربط الأمور ببعضها بتلك النِّيَّة الشريرة ولكن نوغوتشي قال لها من الأفضل تجاهُل مثل تلك الأمور، وعلى الأقل كان مَظهره الخارجي رابِط الجأش.

ولكن لم تتغير حياة كازو تغيرًا جذريًّا بعد الزواج؛ كانت قد زينت غرفتها في ستسوغوان بصورة شهر العسل، وأثناء عملها في ضيافة الزبائن تذهب بين حين وآخر لرؤيتها. كانت صورة التُقِطَت في منتصف درجات سلالم حجرية في الحافة الجنوبية من جزيرة بنتن، وكانت قد اصطحبت مصورًا من الفندق خصوصًا لالتقاطها.

ومع أنها صورة قبل شهر واحد فقط، إلا أن منظر كازو فيها تأخذ وضعية كأنها تُظهر الذكريات للناس. وأظهرت الذكريات عبَثها سريعًا. وعندما انتبهت كازو لذلك قاومت قلبها المتعجِّل ذلك، ومع ذلك تركَت للذكريات الحرية لتصبح أكثر جِدة وطزاجة.

وعندما دخلا إلى منطقة أعمق في معبد ياوتومي الشنتوي، ظهر المنظر العام الذي ظل محجوبًا حتى ذلك الحين خلف الأشجار، واسعًا فجأة تحت أشعة شمس بداية الصيف الساطعة … وقتها كانت كازو حالتها المعنوية محبَطة بسبب تأنيبها في حادثة النذور؛ لذا أحسَّت أنها أُنقذت فجأة بهذا المنظر المنفتح.

«يا له من منظر رائع! انظر. يا له من شعور مبهج!»

أجابها نوغوتشي على الفور:

«لنأخذ صورة هنا.»

حمل المصور كاميرته فوق درجات السلالم الحجرية مستنِدًا بجسده على شجر صنوبر في حالة تقترب من الخطر، ووقف الزوجان في منتصف السلالم ينظرون تجاه البحر. تقبع أمامهم جزيرة ميكاوا الكبرى، وفي الغرب جزيرة نيشيؤرا وفي الشرق يتألَّق البحر الذي يدور حول جبال كوبو ووديان ميا، في سكينة، وتبدو بين الضَّباب أراضي شبه جزيرتي أتسومي وتشيتا؛ ولذا بدَا البحر كبحيرة أكثر منه بحرًا. وقوى من ذلك الانطباع هذا العدد الكبير من مصايد الأسماك المثبَّتة داخل المياه. وانعدمت الغيوم في السماء، وبدَا اليوم بأكمله كلحظة واحدة من الجنة قُطعت وَوُضِعت كما هي دون جَرح في هذا المكان.

كان المصوِّر شديد العناية بعمله لدرجة فظيعة مما حتَّم على الزوجين الوقوف بنفس الوضعية لفترة طويلة. وفجأة انتبهَت كازو إلى أن نوغوتشي منذ فترة قد تجمد جسده مثل تمثال من البرونز مركِّزًا كل وعيه على الكاميرا بلا انقطاع. كانت تلك هي هيئته التي جُبِل وعاش بها طوال حياته بسبب مطارَدة مصوِّرِي الجرائد له ولا يستطيع التخلِّي عنها. ومن أجل أن تُنفِّس عن مشاعرها من تأنيبها منذ قليل أخرَجَت كازو علبة مساحيق الوجه، ونظرت سريعًا في مرآتها على وجهها، وبالمرة جعلت تلك المرآة تنعكس على خديه المتشنجين من جانب كتف نوغوتشي. سُلطت أشعة الشمس الصغيرة المنعكسة في النهاية على عينَي نوغوتشي بالعرض. انهارت هيئة نوغوتشي بسبب زغللة عينيه، وفي تلك اللحظة ضغط المصور اللماح على زر التقاط الصورة.

… ولكن الصورة التي على مكتب كازو حاليًّا ليست تلك الصورة المنهارة الهيئة. لقد طلب نوغوتشي نيجاتيف الصور بعد ذلك من المصوِّر وتخلَّص من الصور التي لا تروقه. بل هي صورة لزوجين في بداية الشيخوخة، يقفان في هدوء وهما يستمتعان بشمس بدايات الصيف. ويميل جسد كازو ليختفي قليلًا خلف ظل كتف زوجها.

•••

كانت كازو مع أنها امرأة، لا تعرف تعريفًا مبدئيًّا للسعادة.

ومع أنه لم يكن زواجًا بعد تضحيات كبيرة، ولم تذهب كزوجة لبيت غريب، ولم يكن هناك إزعاج من حماة أو أخت زوج، ولكن لم تَحمل لها الحياة الزوجية إحساسًا حقيقيًّا بالسعادة. بالطبع كانت تشعر بفرحة بالغة عندما تخرج مع نوغوتشي كزوجة له. ولكن عند ملاحَقة تلك الفرحة الاجتماعية بعيدًا تجدُها كازو تتصل بفرحة شنيعة مأسوية تخطر على قلبها وسط حفل زفافها. كانت كازو أثناء الحفل منحنِية الرأس دامعة العينين، ولكنها كانت تفكر كالتالي:

«آه، بهذا سوف أُدفن في مقبرة عائلة نوغوتشي! بهذا اكتملت أرض المعيشة الأبدية.»

اختفَت حديقة ستسوغوان هائلة الحجم من ذهن وتفكير كازو، وبرز بوضوح شاهد قبر حجري صغير له تاريخ عريق؛ ولذلك عندما عادت كازو من رحلة شهر العسل، طلبَت من نوغوتشي الذهاب لزيارة المقابر، ولكن أَجَّل نوغوتشي الذي يَكره زيارة المقابر الأمر بحجج واهية. ولكن في يوم أحد من أيام موسم المطر، عندما بدَت أعشاب منطقة المقابر الناضرة حية ويانعة، اجتمع الزوجان تحت مظلة واحدة، يتبعان حارس المقابر الذي حمل نبات الليسوم الياباني والبخور وكوز الماء.

قالت كازو:

«إن الموتى لن يستطيعوا الراحة بهدوء مع مرور السيارات بهذا المرور المتواصل.»

فقال نوغوتشي:

«من حسن الحظ أن مقبرة العائلة في مكان أكثر عمقًا في الداخل.»

لم تكن المقبرة بالفخامة التي تخيَّلَتها كازو، ولكن أظهر شاهد القبر الصخري الرمادي اللون الذي نُقش عليه شعار العائلة، ما يدل على الفخر من حسب العائلة العريقة. كانت كازو تحب من أعماقها مثل تلك الأشياء. تمتد داخل تلك المقبرة سلسلة نسب تلك العائلة العريقة بلا أي غش أو خداع. انحنَت كازو أمام القبر تحت المظلة التي يمسك بها نوغوتشي وأخذَت تصلي صلاة طويلة لدرجة غير طبيعية.

شكَّل الدخان المرتفِع من حزمة البخور ملتويًا في اندفاع محكم دوائر من الدوامات وسط الأمطار الرفيعة، واختلط بشعر كازو، ثم توقَّف داخل شعرها تائهًا. وسبَّبَت تلك الرائحة القوية ما يشبه دوار السعادة لدى كازو.

يا لها من عائلة عالية النسب جميلة المنشأ! لم تُتح الفرصة لكازو لكي تقابل أحدًا من المتبقِّيِن على قيد الحياة من عائلة نوغوتشي حتى في حفل الزفاف، ولكنها تخيَّلَت أن من مات من العائلة في منتهى الإخلاص، وأورث ذلك الدم إلى الجيل التالي بدون أي خلفية سوداء مطلقًا. لم يكن الفقر المدقِع ولا الوضاعة ولا الكذب ولا المظهر الدنيء من ممتلكات تلك العائلة. ويُفترض أن تلك العائلة ليس لها أية علاقة ولا معرفة بحفلات المطاعم الريفية الخليعة، ولا زبائن تلك المطاعم السكارى الذين يَدسُّون أيديهم للمس صدر عاملة صغيرة بريئة، ولا قطار البضائع الليلي الذي تهرب فيه تلك العامِلة مُنزوِية بخجل في ركن منه، ولا الشوارع الخلفية الضيِّقة في المدينة، ولا المداعبات التي تُشترى بالمال، ولا الخدع والحيل الصغيرة المتنوِّعة التي تفعلها من أجل حماية نفسها، ولا قُبلات الرجال المغرورين عديمي المشاعر، ولا الاحتقار المختلط بالألفة، ولا شعور الانتقام الملِح تجاه عدُو مجهول … ثم بالتأكيد عندما كانت كازو تعمل كخادمة في خلفية المطعم وتغسل مِئزر سيدتها، بالتأكيد كان أحد أبناء عائلة نوغوتشي يأكل طعامًا فرنسيًّا، ويُطعم العصافير التي يربيها في منزله.

إن كازو الآن ترتبط بتلك العائلة، وسوف تُدفَن يومًا ما في مقابرهم التي يضمها معبدهم، وتذُوب في تيارهم، ولا تفترق عنها بعد ذلك، يا لها من راحة وطمأنينة! يا له من خداع نقي للمجتمع! عندما تُدفن كازو هنا سيكتمل الأمان والطمأنينة حقًّا، ويكتمل الخداع. وإن لم يحدث ذلك فمَهما حقَّقَت كازو نجاحًا، ومَهما أصبحت غنية، ومهما نَثَرت الأموال هنا وهناك فلن تستطيع خداع المجتمع خداعًا حقيقيًّا. لقد بدأت في عبور هذا المجتمع بالخداع وفي النهاية تخدع الخلود ذاته. ستكون تلك هي باقة الورود التي تَقذِف بها كازو إلى ذلك المجتمع.

… أخيرًا أبعدَت كازو يديها الملتصقَتَين في الصلاة، ونظرت إلى لوحة الأسماء التي نُقشت على شاهد القبر، ثم سألت نوغوتشي عن أحدث اسم في القائمة:

«ساداكو نوغوتشي رحلَت في أغسطس من عام ١٩٤٦م.»

قال نوغوتشي بوجه صارم:

«إنها زوجتي السابقة. يُفترض أنك تعرفين اسمها.»

كان سؤال كازو عن ذلك الاسم فقط أمرًا غير طبيعي. ولكنها سألت سؤالًا أبعد في لا طبيعيته.

«حقًّا! زوجتك أيضًا دُفنت في تلك المقبرة! لقد نسيتُ ذلك.»

كان صوت كازو مرحًا بدرجة كبيرة، فلقد خرج منها الصوت كما هو بنفس النبرة الحادَّة القوية الممتلئة بالنشاط والحيوية التي تعطي بها توجيهاتها وإرشاداتها إلى عامِلات ستسوغوان؛ ولأن ذلك الصوت لا يُرى به أي قدر من الغيرة، فلم يجد نوغوتشي حيلة من الضحك ضحكة مريرة.

«من الذي جئتِ لزيارة قبره هنا؟ في الحقيقة إنك لا تعرفين أحدًا منهم على الإطلاق.»

قالت كازو بوجه باسم ليس به أي نوع من الكدر أو الكآبة:

«من المؤكَّد أنني جئتُ لزيارة أجدادك وأسلافك.»

وفي طريق العودة من المقابر عَرَّج الاثنان على المدينة للتبضُّع. كانت كازو طوال اليوم تبدو في سعادة، ومن وقت لآخر تبتهج مشاعرها فجأة مسببة لنوغوتشي الذهول.

•••

منذ ذلك اليوم أُخذت كازو بمشاعر طمأنينة واسترخاء عميقة، وشيئًا فشيئًا بدأَت تهمل العمل في ستسوغوان. كان عدد الزبائن قليلًا في فترة الصيف. وأثناء ذلك شَعرَت فجأة كازو بجزع أنها تسير نحو الشيخوخة.

كان الزوجان يذهبان أحيانًا في رحلات لتجنُّب حرارة الصيف، ولكن كانت كازو في تلك الرحلات تبالِغ في مشاعرها. وهكذا كانت تبالغ في مشاعرها فتقع في وحدة شديدة. تريد كازو أن تشعل النيران في الحياة الهادئة التي يريدها نوغوتشي، ولكنها أيضًا تفكِّر أنها ربما تكون خاطئة.

نجحَت كازو في الحفاظ على ارتدائه قمصان بيضاء نظيفة مغسولة دائمًا، ولكنه رفض تفصيل ملابس غربية جديدة رفضًا قاطعًا. إن ارتدى نوغوتشي فجأة ملابس جديدة بعد زواجه مباشرة سيشار إليه بأصابع السخرية من المجتمَع الذي يعرف دخله الفقير. لم تفهم كازو ما هو الأمر السيئ في أن تشتري بفلوسها ملابس جديدة لزوجها، ولكن كان نوغوتشي يعطيها محاضرة متكرِّرة من وقت لآخَر في هذا الخصوص.

«أنت تعتقدين أن أي إنسان يَسعد إن أعطيتِه، لماذا لا تفهمين أن الطرف الآخر يشك في نواياكِ؟ إن وظيفتي وشخصيتي تحتم عليَّ أن أكون بسيط الملبس حائزًا ثقة الناس. يجب عليكِ التخلص من صفات مُحدِثي النعمة.»

كانت كازو تحترم صفات زوجها الشخصية، ولكنها لم تفهم الاختلاف بين ما تراه هي بأم أعينها من سياسة في ستسوغوان وبين السياسة التي يقولها هو، إن كان ما يقوله يتعلق بنفس السياسة. لقد غرس زبائن ستسوغوان من السياسيِّين المحافظِين في ذهن كازو مفهوم السياسِيِّ العظيم ببراعة. السياسي العظيم الذي يتظاهَر بالذهاب إلى المرحاض فيختفي لفترة، أو يُعرِّض جسمه للمدفأة في نقاش متأزِّم وكأنه مباراة شطرنج ياباني، أو يُظهر الابتسام وهو في شدة الغضب، أو يثور ثورة عارمة مع أنه غير غاضب، أو يصمت صمتًا طويلًا وهو يعبث بطرف كُم ردائه، … أي إنه يفعل ما تفعله فتيات الغيشا. وثمة تَشابُه تامٍّ بين السياسة والعلاقات النسائية في المبالَغة في الغموض والسِّرِّية. إن السياسة التي يفكر فيها نوغوتشي ينقصها الإثارة والجاذبية بشدة.

لقد وقعت كازو في الحيرة بسهولة؛ لأنها حتى وإن أهملَت عملها في ستسوغوان، إلا أن طبيعتها لم تكن تتناسب مع البقاء في البيت تصنع الطعام وتنتظر عودة زوجها. ثم شعرت بابتعاد زبائن حزب المحافظِين عن المطعَم تدريجيًّا. وفي أحد المرات قيل لها وجهًا لوجه من أحد الزبائن ما يلي: «يجب أن يسارع زوجك بترك حزب الإصلاح والانضمام لحزب المحافظِين. وبهذا نحن وكبار رجال الحزب سنرحِّب به كثيرًا، وسيسهل لنا المجيء هنا. يبدو من السَّهل عليكِ إقناعه لو لديك أنت فقط تلك الرغبة، أليس كذلك؟»

كان ذلك الرأي يتعامل مع نوغوتشي بتهاوُن وتقليل من قيمته، وكانت كازو تستمع صامتة وهي تعض على شفتها. فعندما تفكر أنها هي السبب في معاملة وزير سابق هكذا كزوج صاحبة مَطعم، تغرق في التفكير أن غسل عار نوغوتشي يعني إبعاد الذُّل عن نفسها. وعندها قالت لذلك الزبون المهم بحسم: «أرجوك ألا تأتي إلى هنا مرة أخرى؛ لأنني لا أريد سماع مثل هذا الكلام.»

لم يسبق لكازو أن أخفقَت في العمل هكذا ولو قليلًا سواء بسبب الحب أو بسبب عزة النفس. ومع مرور الأيام كان من السهل جرح عِزة نفسها. ولم يكن السبب أن عِزة نفسها زادت فقط، ولكن كانت كازو تفكِّر أن السبب هو أنَّ عِزة نفسها تضاعفَت بمقدار عِزة نفس نوغوتشي.

في ليلة من ليالي الخريف الطويلة، عندما كانت كازو تقضي نهاية الأسبوع في بيت نوغوتشي كما هي العادة، قفزت فجأة ونادت نوغوتشي عند النافذة وقالت: «انظر، انظر! إنه طائر الكركي. طائر الكركي.»

ولكن أهملها نوغوتشي. ولكن لأن كازو عملت ضجة كبرى لم يجد حيلة في أن ينظر إلى النافذة بتثاقل. ولكنه لم ير شيئًا.

«أمر أحمق. هل يطير الكركي في مثل هذا المكان من مركز طوكيو؟»

– «أجل لقد كان حقًّا طائرَ كركي. كان على وشك الهبوط على سقف البيت المجاور ولكنه واصل طيرانه مبتعدًا.»

– «إن حالتكِ غير طبيعية.»

وهنا تعارَك الاثنان عراكًا لفظيًّا كئيبًا. وأفلتَت من كازو فرصة أن تبوح بالقول: «كنتُ أمزح» ولأن تلك كانت زلة كازو، فلقد كانت خاطئة في لعب تلك اللعبة الصبيانية بتلك العواطف الملتهبة والمتأزِّمة بإخلاص زائد عن الحد.

وعندها انتبهت كازو مؤخرًا إلى صفتها الشخصية المتعِبة وهي أنها لا تستطيع الحياة بدون أن تحافِظ على شغفها دائمًا. كان زوجها يرفض جميع التغيُّرات التي حاولَت كازو أن تُحدِثها في حياته، وواصل نوغوتشي حياته كما هي بعناد. ولكن مع ذلك لم يتغير أَمْر أن كازو تحب زوجها. في ليالي السبت، يصبح زوجها على غير العادة كثير الكلام، كان قليل المزاح بلا تغيير، ولكنه يحكي لها عن الروايات الأجنبية، ويلقي عليها أحيانًا محاضرة عن الاشتراكية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤