السخر في رسالة الغفران١

من دواعي فلسفة السخط (أو التشاؤم) في الطبائع الخيرة أن يكون الإنسان مجبولًا على الإحساس بالواجب والشعور باللياقة، ذلك أن الذي يجبل على هذا الخلق يرى الأشياء كما هي كائنة، ثم يراها كما يجب أن تكون فلا يلبث أن يجد في كل شيء نقصًا، ولا يلبث أن يجد في كل شيء باعثًا للأسى والأسف وداعيًا إلى النقد والمذمة، فيكون غضبه أكثر من رضاه، وحزنه أعم من فرحه، ويكون إلى التنفير والقول بالتشاؤم أميل منه إلى التبشير والقول بالتفاؤل.

ومن دواعي ملكة السخر في الطبائع الخيرة أن يكون الإنسان مجبولًا على تلك الخصلة بعينها؛ أي أن يكون حي الحاسة الخلقية عظيم الشعور بالواجب واللباقة؛ لأن المرء إنما يضحك من كل شيء يوضع في غير موضعه، ويظهر بغير المظهر الواجب له، وفي غير الصورة اللائقة به؛ يضحك من الشيخ المتصابي، ومن الغبي المتداهي، ومن الريفي الجلف الذي يتخايل في زي أهل الحضر، والوضيع المهين الذي يولع بسمت الأعزاء من أصحاب الشأن والخطر، يضحك ممن يصول صولة الشجاع المتقحم حتى إذا لاحت له بارقة من الوهم هرب هروب الجبان المذعور، وممن يتغنى بالسماحة والجود حتى إذا دعي إلى البذل ظهر منه البخل وحار كيف يخلص من مأزقه ويفلت من الشرك الذي وقع فيه بسوء رأيه؛ وممن يتصدى لختل الناس فإذا هو مختول من أهون سبيل، أو يتقدم للعبث بمن يظن فيه الغفلة والحمق، فإذا هو هزأة لذلك الغافل الأحمق في نظره.

فالضحك — على هذا — مقارنة سريعة مفاجئة بين حالة تراها وحالة تتخيلها؛ حالة كائنة وأخرى واجبة، حالة صحيحة ثابتة وحالة كاذبة مدعاة؛ مقارنة بين الظاهر والباطن، وبين الحاصل والواجب، وبين المشاهد والمقدر، ولا يقوى على هذه المقارنة في سرعة وفطنة غير الذهن المطبوع على تمثل الأشياء في صورها الحقيقية المثلى ووجوهها الصحيحة الواجبة، ومن هنا يغلب أن يكون السخر باعثًا قويًّا على فعل الواجب ومراعاة اللياقة والوقوف على حد الكرامة.

ألا ترى أن الناس يقولون لمن ينصحونه: افعل هذا لئلا يضحك الناس عليك؟ فهم يدركون العلاقة بين الضحك والواجب، ويشعرون بالقرابة بين ملكة السخر والحاسة الخلقية، ويعلمون أن البصير بواجباته بصير كذلك بمواضع التقصير وأسباب الزراية والسخرية، ولكنهم يدركون ذلك على صورة مبهمة ملتبسة، فيستغربون لأول وهلة أن يقال لهم: إن الطبع الساخر هو الطبع العارف بواجبه المحتفظ بكرامته، وإن الوقار والضحك قد يأتيان من عنصر واحد، ولا غرابة في الأمر لو نظرنا إليه من هذه الوجهة.

•••

ولقد كان المعري شديد الاحتفاظ بالكرامة قوي الشعور بالواجب، كان يحمل على نفسه مضاضة الفاقة وشظف العيش، لا لأن أبواب الرزق مغلقة دونه، ولا لأن السعة محرمة عليه، ولكن لأنه يضن بكرامته أن ينال منها نائل، وأن تمسها دسيسة من مزاحم ماكر، أو فرية حاسد متطاول؛ وكان يعف عما يشتهي من لحم الحيوان وألبانه، وينهى أن يقتل البرغوث، وأن يفجع النمل في العسل لا خشية من شر ذلك الحيوان، ولا طوعًا لشرع شارع، ولكن لأنه يكره البغي ويستحي أن يدين غيره بما لا يدين به نفسه؛ ولأنه يعرف من معنى الواجب أنه شيء يفرضه الإنسان على نفسه، ولا يعرف من معناه ذلك الشيء الذي يفرضه عليه غيره.

فقد اجتمعت للمعري إذن خصال ثلاث: هذا الشعور النادر بالواجب، وتانك الخصلتان اللتان ذكرناهما في المقال السابق وهما: الاستخفاف بالدنيا، ودقة الإحساس، وكل هذه الخصال من دواعي التشاؤم، وكلها أيضًا من دواعي السخر، فلا جرم يكون المعري الساخر ضريب المعري المتشائم؛ وتكون ملكة السخر فيه أول ما يسترعي النظر من تصانيفه وثمار قريحته.

•••

هذه الملكة تظهر في نثر المعري ظهورها في شعره، وهي أظهر ما تكون في رسالة الغفران التي نحن بصدد الكلام عليها الآن، ففي هذه الرسالة كان المعري ساخرًا جادًّا في السخر؛ يخرج التشاؤم مخرج التفاؤل، ويعرض اليأس في ثوب الأمل؛ ويبتسم من آمال الناس في الدنيا والآخرة، ثم يعود فيبتسم من ابتسامه، ويعبث بالكافرين ويعرض بهم في ظاهر القول وهو بالمؤمنين أشد عبثًا وأبلغ تعريضًا، وقد وُفق في بعض أحاديث الرسالة توفيقًا يذكرنا بغمزات هيني، وتقريعات كارليل، ودعابة سرفانتس؛ وغيرهم من كبار الساخرين والهجائين الذين تعتز الآداب الغربية بآثارهم ويعدها الكثير من قرائنا لغوًا وهذرًا، لخلطهم بين الهزل والسخر، وقلة تمييزهم بين ضحك المجون والبطالة، وضحك المعرفة والشعور العميق.

انظر مثلًا إلى كوخ الحطيئة في الجنة، يذهب صاحب المعري «فإذا هو ببيت في أقصى الجنة كأنه حفش أمة راعية، وفيه رجل ليس عليه نور سكان الجنة! وعنده شجرة قميئة ثمرها ليس بزاك.

فيقول: يا عبد الله! لقد رضيت بحقير.

فيقول: والله ما وصلت إليه إلا بعد هياط ومياط وعرق من شقاء وشفاعة من قريش وددت أنها لم تكن.»

فتأمل كيف ضن المعري على الحطيئة بقصر واحد حيث القصور لا عداد لها ولا كلفة في بنائها، ومثل في خلدك حال الحطيئة وقد أدخل الجنة بعد شق النفس، فإذا هو بائس الدارين وساكن أكواخ في الأرض وفي السماء، وإذا هو لئيم غير زاكي المنبت، خبيث اللسان، ناكر للجميل، كما كان في الدار الدنيا، فهو ينتفع بشفاعة قريش ويود أنها لم تكن، وينجو من النار ولا يحمد الله على ما صار إليه، كأنه لا يزال يتمثل بقوله:

سئمت فلم تبخل ولم تعط طائلًا
فسيان لا ذم عليك ولا حمد

وإن شئت أن تستعين على استحضار صورة الكوخ في الجنة، فتمثل موكبًا من مواكب الملوك الفاتحين تمشي فيه بغلة أبي دلامة، أو رهانًا في مضمار العتاق المسومات يدخله حمار كحمار المسيح الدجال الذي تنبئنا عنه الأساطير، وانظر كيف يكون مرأى ذلك في النظر ووقعه في الخاطر! فكوخ الحطيئة في عليين هو بغلة أبي دلامة في موكب الملوك وحمار المسيح في رهان الجياد، وهو في جملته وتفصيله صورة مضحكة عريقة في الفكاهة، بليغة في السخر والدعابة.

وانظر إلى قصة الإوز في الجنة، يمر بابن القارح صاحب المعري رف من إوز الجنة «فلا يلبث أن ينزل على تلك الروضة ويقف وقوف منتظر لأمر — ومن سأل طير الجنة أن يتكلم — فيقول: ما شأنك؟

فيقلن: ألهمنا أن نسقط في هذه الروضة فنغني لمن فيها من شرب.

فيقول: على بركة الله القدير.

فينتفضن فيصرن جواري كواعب يرفلن في وشي الجنة، وبأيديهن المزاهر وأنواع ما يلتمس من الملاهي» ولا يزلن في غناء وقصف وإنشاد أشعار حتى يبدو للشيخ فيقول للنابغة الجعدي: «يا أبا ليلى، إن الله جلت قدرته منَّ علينا بهؤلاء الحور العين اللواتي حولهن عن خلق الإوز: فاختر لنفسك واحدة منهن فلتذهب معك إلى منزلك تلاحنك أرق الألحان، وتسمعك ضروب الألحان، فيقول لبيد بن أبي ربيعة، إن أخذ أبو ليلى قينة وأخذ غيره مثلها، أليس ينتشر خبرها في الجنة فلا يؤمن أن يسمى فاعلو ذلك أزواج الإوز؟ فتضرب الجماعة عن اقتسام أولئك القيان.»

وكأني بخلائق المعري المتوزعة في كتبه قد ظهرت كلها في هذه الكلمة الأخيرة، ففيها مزح مليح وسخر ظريف؛ وفيها فوق ذلك دليل على شعوره باللياقة، وحذره من التعرض للضحك، وزجره النفس عن شهواتها ولذاتها من أجل ذلك وأمثاله، وصدق بلوتارك صاحب التراجم المشهورة؛ إذ قال: إن نكتة واحدة تنقل عن الرجل قد تغني في الدلالة عليه ما لا تغنيه الترجمة المسهبة والحوادث الكثيرة.

وشبيه بهذا في الدلالة على شدة اتقاء المعري للضحك، وحضور الحذر منه في ذهنه حواره الذي أجراه بين عدي بن زيد وابن القارح؛ إذ يسأل هذا عديًّا في إعراب بيت من شعره فيقول له: «دعني من هذه الأباطيل! ولكني كنت في الدار الفانية صاحب قنص، فهل لك أن نركب فرسين من خيل الجنة فنبعثهما على صيرانها، وخيطان نعامها، وأسراب ظبائها، وعانات حمرها؟ فإن للقنيص لذة!

فيقول الشيخ: إنما أنا صاحب قلم، ولم أكن صاحب خيل، وما يؤمنني إن ركبت طرفًا وأنا كما قال القائل:

لم يركبوا الخيل إلا بعد ما كبروا
فهم ثقال على أكتافها عنف

… أن يقذفني على صخور زمرد فيكسر لي عضدًا أو ساقًا فأصير ضحكة في أهل الجنان …» وهذا حوار جاء عرضًا مقتضبًا مما تقدمه وتلاه، فيزيد في دلالته على ما أشرنا إليه أن المعري ابتدعه من عنده، ولم يكن في سياق الحديث ما يدعو إليه أو يوحيه إلى الذهن بمناسبة قريبة، فكأن هاجس الحذر من الضحك قائم في ذهن المعري متجسم أمام وهمه، تحركه أضعف المناسبات أو يحرك نفسه بغير مناسبة، ومثل هذا الحذر ينم بلا ريب على خلق كمين في النفس، وعادة لاصقة بالفكر، ويستدل منه على تيقظ الرجل للمضحكات، واستعداده الدائم لتحاشيها، مما يدل على معرفة منه بمواطن السخر، وسرعة اهتدائه إلى مناشئه ودواعيه.

•••

وقد وضع المعري إبليس في جهنم كما ينبغي له، ولكنه لم يشغله عن الكيد والإغواء بما هو فيه من الضجر والعذاب، فلما أطال ابن القارح في سؤال أهل النار وأكثر عليهم من المناقشة مال إبليس إلى الزبانية يقول لهم: «ما رأيت أعجز منكم إخوان مالك! ألا تسمعون هذا المتكلم بما لا يعنيه؟ فلو أن فيكم صاحب نحيزة قوية لوثب وثبة حتى يلحق به فيجذبه إلى سقر!» وهذا إصرار على الشر يستحق أن يضحك منه؛ إذ ما أبعد ما ينبغي أن يكون الإغواء من المعذب الذي يضطرب في الأغلال والسلاسل، وتأخذه مقامع الحديد في أيدي الزبانية؟ وما أغرب أن يتخذ إبليس الزبانية آلة وجندًا يستعين به على الإضرار والكيد وهم جند الله المسلط عليه لإضراره بالناس وكيده لهم؟ فهذا ما يسمونه المفارقة؛ أو هو التناقض المضحك الذي ألقاه المعري على شيخ الساخرين ليعجب من خبثه وعناده، ويجعل منه سبيلًا إلى ابتسامة من ابتساماته الهادئة الهازئة، على أن أغرب ما في هذا الموقف أن يكون الساخر الأكبر نفسه سخرية وهزؤًا لأحد من الناس!

•••

وفي الرسالة كلمات كثيرة مبثوثة على هذا النحو تارةً في وضوح وصراحة، وتارةً في خفاء ومواربة، فتأمل مثلًا قول النابغة الجعدي لصاحبه الذبياني «أقسم أن دخولك الجنة من المنكرات، ولكن الأقضية جرت كما شاء الله! لحقك أن تكون في الدرك الأسفل من النار، ولقد صلي بها من هو خير منك، ولو جاز الغلط على رب العزة لقلت إنك قد غلط بك.» وتأمل قول الشيخ ابن القارح حين أراد أن يصلح بينهما: «يجب أن يحذر من ملك يعبر فيرى هذا المجلس فيرفع حديثه إلى الجبار الأعظم، فلا يجر ذلك إلا إلى ما تكرهان، واستغنى ربنا أن ترفع الأخبار إليه، ولكن جرى ذلك مجرى الحفظة في الدار العاجلة، أما علمتما أن آدم أخرج من الجنة بذنب حقير، فغير آمن من ولد أن يقدر له مثل ذلك!» وتأمل قول أوس بن حجر من أهل النار وهو تكرار لمعنى كلام النابغة الجعدي من أهل الجنة «ولقد دخل الجنة من هو شر مني، ولكن المغفرة أرزاق، كأنها النشب في الدار العاجلة!» وأمثال هذه الكلمات كثيرة في رسالة الغفران لا نحصيها، ولكن نحيل القارئ عليها، وحسبنا أن نقول هنا: إن الرسالة كلها في وضعها، وفي تركيبها، وفيما بدا من معانيها القريبة، وما انطوت عليه من المغازي البعيدة والمضامين الخفية، إن هي إلا ضحكة واحدة متصلة يجهر بها المعري حينًا، ويوارب بها أحيانًا، وقد يغرق في السخر حين يوارب ويداري حتى تخاله ساخرًا من السخر مترفعًا عن الاهتمام؛ لإظهار قصده لشدة استخفافه وقلة مبالاته.

١  البلاغ في ٦ نوفمبر سنة ١٩٢٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤