الفصل العاشر

خيالات ذات قيمة

جاء الوفد الاستمبولي يحمل الوثائق التي يتسجل فيها قضاء الله والقدر على الدولة العثمانية، بل يحمل الفصل الأخير من تاريخ آل عثمان. أو قل: إنه جاء بالقنابل التي تنسف أساس العرش العثماني وتدك والعياذ بالله صرح الخلافة.

رقص فؤاد مصطفى كمال في صدره حين تقدم إليه رجلان أنيقا البزة شامخا الأنفين، معجبان بالهدية التي يقدمانها لرأس الحكومة التركية الجديدة، أو بالأحرى فخورين برأس الحية الذي كان يخشى أن يلدغ قلب الجمهورية.

تناول مصطفى منها طامورًا كبيرًا من الأوراق والوثائق المختلفة. وقلبها في أول الأمر تقليبًا عامًا. ثم جعل يقرؤها ورقة وقة، ويفرز الأهم من المهم ويرتبها ترتيبًا متناسبًا. فكان في مقدمتها ورقة دعوة مطبوعة «بالطيب ريطر»؛ أي مكتوبة بالآلة الكاتبة باللغة الفرنسية، هذا نصها:

سمو الأمير (من غير تعيين شخص)

إن الموقف الحرج بل المقلقل الذي بلغت إليه أسرات الشرف في كل أوروبا والشرق يستلزم أن يعقد مندوبون من هذه الأسرات مؤتمرًا عامًّا، يبحثون فيه بأمورهم ويرسمون خطة لضمانة حياتهم الاجتماعية. ولذلك أتشرف بأن أرجو من سموكم التشريف إلى منزلي للبحث التمهيدي في هذا الموضوع.

أرجو أن تثقوا أن هذه المقابلة سرية الآن وأن تدعوني أثق هذه الثقة أيضًا.

الدوقة
مريم رومانوف
ثم الرسالة التالية بالفرنسية أيضًا:

حضرة صاحبة السمو الدوقة مريم رومانوف

تشرفت ببطاقتك العطرة. وقد قابلت الأشخاص الذين اتفقنا على مباحثتهم في المسألة، فاستحسنوا الخطة. وإنما هم يتخوفون من سوء المغبة. ولذلك أقترح أن يُعقَد مؤتمر علني ليس فيه ما يدل على عداء للجمهورية، فيكون تمويهًا وإظهارًا لحسن القصد. وفي خلال ذلك يعقد مؤتمر خاص سري تبسط فيه المسائل وتتقرر فيه الخطط.

من فريد هذا؟ خطر للغازي أولًا أن يكون البرنس فريد. ثم لاح في باله فريد باشا الداماد. ثم قرأ الرسالة التالية بالتركية، وقد أضيفت إليها ترجمتها بالإفرنسية، كأن شخصًا آخر ترجمها للدوقة:

سمو الدوقة

إذا زارك اليوم سمو البرنس برهان الدين أفندي، فأرجو ألا تذكري له الحديث الخاص الذي جرى بيننا؛ لأنه سيء الظن، قد يفهمه على غير ظاهره، ولا سيما؛ لأنه يطمع بالخلافة. فأرجو أن ترجئي مباحثته بالموضوع إلى حين أكون معكما فأشرح له قصدي. أرجو ألا تبحثي مع البرنس سيف الدين في الموضوع؛ لأنه متهور وقد يضر ولا ينفع. ثم أرجو أو تستوثقي من نية النبلاء الذين أخبرتنا عن قصدهم، هل يستطيعون أن يبروا بعهودهم وينجزوا وعودهم؟

ثم هذه الرسالة بالتركية:

سيدتي الدوقة العزيزة

إن القصد الشريف الذي ترمين إليه يجعلنا نتهالك في سبيل رضائك. إن ما رسمته من حيث مفاوضة بعض الأمراء قد تمَّ حسب مرغوبك. فعسى أن نراك بعد حين في صدور مجالسنا مكللة بإكليل العز.

إني أسير لطفك.

عبد الكريم
ثم هذه بالتركية، ولا ترجمة تحتها:

عزيزي عبد المجيد

لقد قضيت أمس نصف ساعة عند الدوقة كانت فيها مثال الغيرة والحماسة. الحق أن مسألتنا سهلة إذا كنا نتحد. ويمكن أن نرد السلطة إلى مركزها باتحادنا من غير عمل ثوري. سلم على الدوقة وأخبرها أني عائد بعد غدٍ. وأود أن أتشرف بزيارة أخرى إذا كانت تسمح.

نظام الدين
ثم هذه بالتركية:

عزيزي نظام الدين

بحثنا مليًّا. لم نرَ بدًّا من الاستنجاد ببعض الضباط المخلصين لنا. يجب أن نكون على استعداد تام للطوارئ وإلَّا تعرضنا للخطر. وقد دبرنا مشروعًا حسنًا جدًّا. ومتى قابلت الدوقة تشرحه لك. إن الدوقة شعلة ذكاء وغيرة ونبل.

عبد المجيد
ثم هذه بالألمانية:

سيدتي الدوقة

أحذرك من عبد الحميد؛ فقد علمت أنه يكلم بعض الأشخاص بعكس خطتنا. أخاف خيانته.

نظيم

من نظيم هذا؟ لم يلح في بال مصطفى باشا شخص بهذا الاسم. لعله ليس أميرًا. هل يمكن أن يكون من ضباط الجيش؟

ثم هذه بالألمانية أيضًا:

سيدتي الدوقة

باحثت بعض الذين تكلمنا عنهم فوجدتهم على استعداد عند أول إشارة. وإنما أرجو الإسراع بالأمر قبل أن تنفضح المسألة.

الزائر أمس
ثم هناك رسائل أخرى من أشخاص أجانب فيها ما يدل على مفاوضات ثورية سابقة مع الدوقة. ثم دفتر مذكرات الدوقة بعضه بالإفرنسية وبعضه بالألمانية، وفيه أقوال مبهمة وأقوال صريحة، وإليك نموذجًا منها:

زارني اليوم البرنس صباح. إنه رزين. يعتمد عليه. باحثته في … فوافق، ولكنه قليل الجرأة.

خطر لي أن أشرك بعض الهوانم في المسألة، فلما زارني الكبير سرًّا استشرته فما وافق.

آه لو كنت أكسب فؤاد م … كنت أجعل العرش له. تبًّا للحب فهو خطر على السياسة، وإن كان أحيانًا يخدمها. وإنما أمانة الحب آفته. فليفهم العشاق هذا.

وهناك أوراق أخرى لا طائل تحتها.

ثم تلفن الغازي إلى عصمت أن يحضر حالًا. وفي بضع دقائق كان عصمت باشا عند مصطفى باشا، فاستقبله هذا متهللًا وأدخله إلى مكتبه، ثم بسط له الوثائق العظيمة الشأن. فجعل عصمت يطلع على الأوراق واحدة واحدة ويتأملها، حتى انتهى منها كلها. فنظر إلى مصطفى باشا باسمًا، فقال هذا له: ماذا رأيت يا عصمت؟

فتبرم عصمت. ثم قال: أتصور وأنا أقرأ هذه الأوراق أني أطلع على ألاعيب صبيان المدارس. لا أقدر أن أتصور أن هذه الرسائل يكتبها أمراء، إلا إذا كانوا ممازحين.

فقال مصطفى باشا هازئًا: وهل كنت تنتظر أن هؤلاء الأمراء أكبر عقلًا من غلمان المدارس؟!

– لكني لا أقدر أن أستنتج من هذه الرسائل شكل مشروع أو خطة لثورة. لا أدري ارتباطًا تامًّا بين رسائل الأمراء والدعوة.

– يلوح لي أنهم غيروا شكل الموضوع بعد اجتماعهم بالدوقة. فكان المشروع في أول الأمر شكل مؤتمر سلمي وبعد المفاوضة صار شكل مؤامرة.

فتململ عصمت وقال: ما زلت أرى أن هذه المؤامرة مؤامرة أولاد.

– عجبًا! ألا ترى أنهم يعتمدون فيها على قوات أجنبية؟ لاحظ قول ناظم في رسالته: «أرجو أن تستوثقي من نية النبلاء الذين أخبرتنا عن قصدهم!» فلا ريب أنه يعني نبلاء أجانب. ثم لاحظ أن بين أوراقها رسائل من أجانب تفيد عن حركات ثورية.

– أي نعم، لاحظت كل ذلك. ولكني لم أزل أشعر أنه ليس في هذه الرسائل روح ثورة ولا روح مؤامرة. وأستغرب أن حبر هذه الرسائل المختلف الألوان يشبه كتابة أقلام الرصاص الملونة. لاحظ اللون البنفسجي في رسالة نظيم فما هو معروف إن كان حبرًا أو قلم رصاص. ما قولك بهذه الخطوط والإمضاءات؟ هل هي صحيحة؟

فقال مصطفى: وعندي رسالة من البرنس عبد الكريم كان قد كتبها لي يوصيني بشخص بصفة أنه صديق لي. فقابلتها برسالته فلم أجد فرقًا في الخط.

– وهل تظن أن جميع الإمضاءات صحيحة قياسًا على إمضاء هذه الرسالة؟

– كذا أعتقد. ولا أرى وجهًا للشبهة في هذه الإمضاءات يا عصمت.

– ورأيك الآن؟

– رأيي القبض على هؤلاء الأمراء والتحقيق معهم حتى نثبت تهمة المؤامرة عليهم.

– وهبها لم تثبت.

– عجبًا يا عصمت! هل نعجز عن إثباتها!

– لا، لا نعجز عن إثباتها. ولا نعجز عن إعدام الأمراء بلا محاكمة أيضًا.

فتبرَّم مصطفى باشا وقال: لا أعني أننا نستبد ونظلم.

– لا تستطيع أن تظلم لئلا تفقد قوة الجمهور، لا تقدر أن تظل قابضًا على عِنان الشعب إلا ما دمت مقنعًا إياه بأنك تقول الحق وتفعل الحق وتؤيد الحق، ولو بالإفك والحيلة.

– نعم. نعم. ولهذا إذا ظهر من التحقيق أن الشبهة ضعيفة نثبتها بأي الطرق ونحكم عليهم بالإعدام. ثم نبدل هذا الحكم بالنفي وبذلك نكسب عطف الجمهور.

فتململ عصمت وفكر برهة، ثم قال: وهب أن التحقيق أثبت لك أن هذه الأوراق كلها إفك وزور وبهتان، وثبتت براءة هؤلاء الأمراء ثبوتًا تامًّا.

فتمرمر مصطفى باشا وقال: عجبًا! يستحيل أن تثبت براءتهم. أمس رماني بعض صنائعهم بقنبلة لو انفجرت لأطارتني هباءً منثورًا. لقد ندمت على كتمان خبرها.

– يمكنك أن تذيع خبرها بعد أن يعترف ذلك الجاني بأسباب ارتكاب جنايته. ولكن هب أنه ثبت عدم وجود علاقة بينه وبين مؤامرة الأمراء.

– لا بد أن تظهر علاقة كهذه يا باشا. نحن لا نعرف لنا أعداء في الشعب. إن أعداءنا في الأسرة العثمانية وبعض الذين لا يزالون يشدون إزرها من الرجعيين. فأنا واثق أن هذا الجاني متى أفرغ جراب معلوماته رأينا بينها بريق سعايات الأمراء والخليفة عبد المجيد والسلطان وحيد الدين وغيرهما بلا محالة. فلذلك لا يرتاح رأس الجمهورية إلاَّ بقطع رأس الأفعى. فرأيي أن نبادر بالقبض على هؤلاء الأمراء.

فهزَّ عصمت باشا رأسه وقال: أما أنا فلست من هذا الرأي، بل رأيي أن نحقق سرًّا حتى تتوفر عندنا الأدلة والبراهين، فنظهر هذه الأوراق لتعزيز التهمة.

فتبرَّم مصطفى باشا وقال: إن هذا التحقيق السري الذي تتصوره يفضح المسألة قبل أن نستفيد منها. فإذا لم نغنم هذه الفرصة الآن لضرب الضربة القاضية. لا تتسنَّى لنا فرصة أخرى. يجب ألا نضيع الفرصة.

– لا بأس لا نضيعها. وإنما نخاف أن تضيعنا؛ ولهذا أود أن نحتاط كل الاحتياط.

– كيف نحتاط؟

فضرب عصمت بيده على المكتب وقال: إذا قبضنا عليهم وجب أن نحاكمهم جهرًا. وكيف نستطيع أن نثبت عليهم جهارًا تهمة يمكن أن تكون غير صحيحة؟ ولكن إذا حققنا سرًّا كان عندنا مجال للاحتياط أكثر. إلى الآن لسنا على ثقة أننا نستطيع أن ننفذ مشروعي خلع الخليفة وإلغاء الخلافة من غير خطر، إذ ليس في أيدينا من الحجج ما يبرر هذا العمل الخطير الشأن. فالتحقيق السري يرينا إن كنا نستطيع أن نظهر للعالم ما يبرر عملنا أو لا يبرره.

وطالت المناقشة بين مصطفى وعصمت على هذا النحو، حتى اتفقا على تحقيق سري أو شبه سري يتولاه نور الدين بك من غير جلبة ولا ضوضاء، وأن يتولى عصمت بك عجم أعواد النواب ليعلم قدر استعدادهم للموافقة على إلغاء الخلافة وخلع الخليفة ونفي الأمراء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤