الفصل الحادي والعشرون

نصيحةٌ سديدة

استجابةً لرسالة عاجلة إلى حَدٍّ ما، دلفَ تافرنيك إلى مكتب مُحاميه بمجرد فتحه في الصباح التالي. استقبله الشريكُ الأصغر في الشركة، الذي اهتمَّ به، وكان حريصًا بالفعل على استثمار مبلغ صغير في شركة مارستون رايز بيلدينج كمباني، بحرارة ولكن مع بعض القلق.

قال: «انظر يا تافرنيك، اعتقدتُ أنه من الأفضل أن أكتبَ رسالة قصيرة وأطلبَ منك أن تحضر. لم تنسَ أن خيارنا في الشراء يستمرُّ مدةَ ثلاثة أيام فقط، أليس كذلك؟»

أومأ تافرنيك برأسه.

وسأل: «حسنًا، ماذا عن ذلك؟»

قال المحامي: «كلُّ ما هنالك أنك يجب أن تفهم الوضع، الناسُ الذين كنت تعمل لديهم يتعقَّبوننا بحرصٍ في هذا الأمر، ولن تكون هناك فرصةٌ لأي تمديد … ولا حتى لمدة ساعة. السيد داولينج قدَّم بالفعل عرضًا أفضلَ بألف جنيه من عرضك؛ سمعتُ ذلك بالمصادفة بعد ظهر أمس؛ لذلك كن متأكدًا من أنه في الثانية التي تنتهي فيها صلاحيةُ الخيار الخاص بك قانونًا، فسينتهي كلُّ شيء بالنسبة إليك.»

قال تافرنيك: «حسنٌ جدًّا، لكن ماذا عن قِطَع الأراضي التي تخصُّني بالفعل؟»

أوضحَ المحامي: «لديهم مخططٌ ما لقطع كلِّ سُبل التقدُّم على هذه الأراضي، وتركها بلا قيمة. كما ترى، سيتأثَّر الصرف والإضاءة بشكل كبير بمشتري الأرض بأكملها. فإذا حصل عليها داولينج، فإنه ينوي التعامل مع قطع الأراضي الخاصة بك بحيث تُصبح عمليًّا عديمةَ القيمة. إنه بالأحرى شيءٌ وضيع، ولكنه في النهاية رجلٌ ضئيل وضيع.»

أومأ تافرنيك برأسه.

وقال: «حسنًا، كنتُ قادمًا لرؤيتك، على أي حال، هذا الصباح، لأتحدث إليك عن المال.»

سأل المحامي بسرعة: «صديقك لم يتراجع؟»

ردَّ تافرنيك: «لم يقل صديقي أيَّ شيء عن التراجع بعد، ولكن حدثَت ظروفٌ خلال الأيام القليلة الماضية غيَّرَت وجهات نظري فيما يتعلَّق بملاءمة العلاقات التِّجارية مع هذا الشخص. ليس لديَّ أيُّ سبب لأفترض أن الأموال لن تأتي، ولكن إذا كان بإمكاني الحصولُ عليها من أي مصدر آخر، فأنا أفضِّلُ ذلك.»

نظرَ إليه المحامي نظرةً خالية من التعبير.

وقال: «بالطبع، سأفعل ما بوُسعي، إذا أردت، لكنني يجب أن أخبرك من هذه اللحظة أنني لا أعتقد أنني ستُواتيني أيُّ فرصة للحصول على المبلغ بالكامل.»

تساءل تافرنيك برَويَّة: «هل أفترض أن شركتك لا تستطيع أن تفعل أيَّ شيء؟»

أجابَ المحامي: «يمكننا بالتأكيد أن نفعل شيئًا على حسابِ وكلائنا. ربما ننجح في الحصول على ما يصل إلى خمسة آلاف جنيه. إلا أننا سنظلُّ في حاجةٍ إلى سبعة آلاف، وأكاد لا أعرف من أين يمكننا الحصولُ عليها.»

كان تافرنيك صامتًا بضع لحظات.

فسأل المحامي: «لم تتشاجر مع صديقك، أليس كذلك؟»

أجابَ تافرنيك: «بلى، لم يكن هناك شِجار. لديَّ سببٌ آخر.»

نصحه صديقه قائلًا: «لو كنتُ مكانك، كنت سأحاول أن أنساه. الحقيقة أنني كنت أشعر بالقلق إلى حَدٍّ ما بشأن هذه المسألة. إنها صفقةٌ كبيرة، كما تعلم، والربح مضمونٌ مثل أرباح سندات دَين الحكومة البريطانية المُوحَّدة. وأنا أكره أن يدخل هذا الرجل الضئيل داولينج ويقتنصَها.»

اعترفَ تافرنيك قائلًا: «إنه استثمارٌ جيد، وكما تقول، ليس هناك أدنى مخاطرة. لهذا السبب كنت أتمنَّى أن تكون قادرًا على الحصول عليه دون أن أُضطرَّ إلى الاتصال بصديقي.»

هزَّ السيد مارتن رأسه.

«ليس من السهل إقناعُ الآخرين. على أي حال، لا أريد أن تُضيِّع الفرصة. إذا كنت ستأخذ بنصيحتي، فستذهب وتتصل بصديقك في الحال، وتعرف بالضبط كيف تسير الأمور. إذا كان كلُّ شيءٍ على ما يُرام ويمكنك حثُّه على إعطائك النقود قبل بِضع ساعاتٍ من آخر ميعاد، فأنا أعترف أن هذا سيُزيل عبئًا كبيرًا عن كاهلي. فأنا لا أحبُّ الأشياء التي يجب أن تنتهيَ في آخِر لحظة ممكنة.»

وافقَ تافرنيك قائلًا: «حسنًا، عليَّ أن أجرِّب ما يمكنني فعلُه، إذن. أعتقد أنه لا يوجد شيءٌ آخر جديد، أليس كذلك؟»

أجابَ المحامي: «لا شيء. عُدْ، إذا أمكنك القيامُ بأي إجراءٍ محدَّد، أو اتصل بي. الأمر يزعجُني قليلًا حقًّا. لا أريد أن يتسلَّل الآخرون الآن …»

بدلًا من أن يُطيع تافرنيك دافعَه الأول ويتوجَّه مباشرةً إلى ميلان كورت، سار إلى الشقة في كينجسواي، وصعد الدرجاتِ الحجرية، وطلبَ مقابلةَ بياتريس. قابلته على باب منزلها، بكامل ملابسها.

صاحت مندهشة: «عزيزي ليونارد! يا لها من زيارة مبكرة!»

قال: «أريد أن أتحدَّث معكِ قليلًا. أيمكنكِ أن تمنحيني خمسَ دقائق؟»

أجابت: «يجب أن تمشيَ معي إلى المسرح، كنت على وشك الذهاب الآن لعمل بروفة.»

نزلا الدرَج معًا.

قال تافرنيك: «لديَّ شيءٌ لأخبركِ به، شيءٌ لن ترغبي في سماعه.»

كرَّرَت بخوف: «شيءٌ لن أرغب في سماعه. استمر يا ليونارد. لا يمكن أن يكون أسوأ مما يبدو.»

استأنف قائلًا: «لا أعرفُ لماذا أتيتُ لأخبركِ. لم أردْ ذلك قطُّ. خطرَ في بالي فجأة وشعرتُ أنه يجب عليَّ ذلك. الأمر يتعلق بأختكِ ومشروع مارستون رايز.»

صاحت بياتريس غيرَ مُصدِّقة: «أختي ومشروع مارستون رايز!»

ثم أضاءت فكرةٌ في عقلها فجأة. فتوقَّفت فجأة وأمسكَت بيده.

وصاحت: «أنت لا تقصد أن إليزابيث هي التي كانت ستعثر لك على المال، أليس كذلك؟»

أجابَ: «أقصد ذلك. عرَضَته من تلقاء نفسها. لا أعرف لماذا تحدَّثتُ معها عن أموري الخاصة، لكنها قادتني إلى الحديث عنها.» وتابعَ خافضًا صوته: «أختُكِ امرأة جميلة. لا أعرف لماذا، لكنها جعلتْني أتحدثُ كما لم يجعلني أحدٌ أتحدث من قبل. كان عليَّ ببساطةٍ أن أخبرها بأشياء. ثم، عندما انتهيتُ، أطلعتني على دفاترها المصرفية واقترحَت استثمار بعض أموالها في مارستون رايز.»

أصرَّت بياتريس: «لكن هل تقصد أن تخبرني أنك تعتمد على مالها في عملية الشراء هذه؟»

أومأ تافرنيك برأسه.

أوضحَ قائلًا: «كما ترين، السيد داولينج فاجأنا قبل أن أكون مستعدًّا. وبمجرد عِلمه ذهب إلى أصحاب الأرض وقدَّم لهم عرضًا عليها. وكانت النتيجة أنهم قاموا بتقصير مدةِ خياري ومنَحوني فرصةً ضئيلة للغاية للعثور على المال. وعندما عرَضَته أختُكِ، بدا الأمر بالتأكيد ضربةَ حظٍّ رائعة. يمكنني أن أعطيها ثمانية أو عشرة في المائة، في حين أنها لن تحصل إلا على أربعة في المائة في أي مكان آخر، وسوف أحقِّق ربحًا لنفسي يزيد عن عشَرة آلاف جنيه، وهو ما لا يمكنني تحقيقُه ما لم أجد المال لشراء الأرض.»

صاحت بياتريس وهي تمشي بسرعة كبيرة وتنظر أمامها مباشرة: «لكن يجب ألَّا تلمس هذا المال، يجب ألَّا يكون لك أيُّ علاقةٍ به! أنت لا تفهم. وكيف تفهم؟»

سألَ تافرنيك، بعد برهة: «هل تقصدين أن المال مسروق؟»

ردَّت بياتريس: «لا، ليس مسروقًا، ولكنه أتى … أوه! لا أستطيع أن أخبرك، فقط إليزابيث ليس لها الحقُّ فيه. أختي أنا! هذا فظيع جدًّا!»

«هل تعتقدين أنها حصلت على هذا المال بطريقة غير شريفة؟»

تمتمَت بياتريس: «لستُ متأكِّدة. هناك أشياءُ أسوأ وأفظع حتى من السرقة.»

كان الجانب العمليُّ لطبيعة تافرنيك بارزًا إلى حَدٍّ كبير ذلك الصباح. وبدأ يتساءل عمَّا إذا كانت النساء، رغم كل شيء، ورغم كونهن مخلوقاتٍ غريبة ورائعة، قادراتٍ على الحُكم على نحوٍ يمكن الاعتمادُ عليه … وعما إذا كنَّ يتأثَّرن كثيرًا بالعواطف.

قال: «بياتريس، يجب أن تفهمي هذا. ليس لديَّ وقتٌ للحصول على المال من مكان آخر. إذا لم أحصل عليه من أختكِ، على افتراض أنها لا تزال على استعدادٍ للسماح لي بالحصول عليه، فقد ضاعت فرصتي. وسأضطرُّ إلى العمل موظفًا في مكتبِ شخص آخر … وفي الغالب لن أحصل على مكانةٍ كتلك التي حصلتُ عليها في داولينج آند سبينس. من ناحيةٍ أخرى، فإن استخدام هذا المال لمدةٍ قصيرة جدًّا سيكون بدايةَ مسيرتي المهنية. كلُّ ما تقولينه غامضٌ جدًّا. لماذا أحتاج إلى معرفة أي شيء عنه؟ لقد قابلتُ أختَكِ عن طريق العمل العادي وقد قدَّمَت لي عرضَ عملٍ عاديًّا، ومن خلاله ستستفيد بشكل كبير جدًّا. لم أفكِّر مطلقًا في إخباركِ بهذا الأمر، ولكن عندما حان الوقت كرهتُ أن أذهب وأحصل على هذا المال من أختكِ دون أن أقول لكِ أيَّ شيءٍ. لذلك جئتُ هذا الصباح، لكني أريدكِ، إذا أمكنكِ ذلك، أن تنظري إلى الأمر من وجهة نظري.»

كانت صامتةً عدة لحظات. ثم نظرَت إليه بفضول.

وسألت: «ماذا عساه بحق السماء يجعل أختي تُقدِّم هذا العرض لك؟ إنها ليست حمقاء. وهي لا تثقُ عادةً في الغرباء.»

أجابَ تافرنيك: «لقد وثقَت بي، على ما يبدو.»

سألت بياتريس: «هل يمكنك أن تفهم لماذا؟»

أجابَ: «أعتقد أنني أفهم. إذا كان يمكن للمرء الاعتمادُ على إدراكه الحسي، فهي محاطةٌ بأشخاص قد تجدهم رفقاءَ مُسلِّين ولكنها نادرًا ما تستطيع أن تثق بهم. ربما أدركَت أنني لستُ مثلهم.»

قالت وكأنها تُحدِّث نفسها بقدر ما تحدِّثه: «وأنت تريد أخذ هذا المال بشدة؟»

اعترف تافرنيك: «أريد حقًّا أن آخذه. كنتُ في طريقي لرؤيتها هذا الصباح ولأطلب منها أن تسمح لي بالحصول عليه قبل الوقت المحدد بيوم أو يومين، ولكنني شعرتُ، بطريقةٍ ما، أن هناك قدرًا معينًا من الخداع في ذَهابي إليها وأخذِ هذا المال دون أن أخبركِ بأي شيء. شعرتُ أنني يجب أن آتيَ إلى هنا أولًا. ولكن يا بياتريس، لا تطلبي مني الاستغناءَ عن هذا المال. فهذا يعني أن أضيِّع وقتًا طويلًا قبل أن أستطيع التحرُّك مرةً أخرى. إنها الخطوة الأولى التي تكون صعبةً للغاية، وأنا يجب … يجب أن أنطلق. وهذه فرصةٌ رائعة. قضيتُ ساعاتٍ كثيرةً جدًّا في التفكير فيها. وخطَّطتُ وعملتُ وصمَّمتُ كلَّ شيء كما لا يستطيع أحدٌ أن يفعل. يجب أن أحصل على ذلك المال.»

سارا في صمتٍ حتى وصلا إلى باب المسرح. كانت بياتريس تُفكر في رفيقها كما رأته كثيرًا، مستغرقًا في خُططه، مشغولًا بالمسطرة والممحاة، تستحوذُ عليه مصلحةُ مهمَّته. تذكَّرت المرة الأولى التي تحدَّثَ فيها حول مخططه هذا، وكيف تغيَّر وجهُه بالكامل، والاهتمام العاطفي تقريبًا الذي تعامل به مع المشروع حتى في أدقِّ تفاصيله. لقد أدركَت مدى عِظَم الجزء الذي يحتلُّه هذا المشروع في حياته، ويا لها من ضربة مروعة عليه أن يتلقَّاها إذا ما اضطُرَّ إلى التنازل عنه. استدارت وواجهته.

قالت: «ليونارد، ربما تكون، رغم كل شيء، على حق. ربما أعطي قيمةً أكبر بكثير لما يُعدُّ، في النهاية، مجردَ شعور عاطفي. أنا ممتنةٌ لأنك أتيتَ وأخبرتني؛ سأكون دائمًا شاكرة لذلك. خُذ المال، ولكن سدِّده بأسرع ما يمكن.»

أجابَ: «سأفعل ذلك. أعدكِ بأن أفعل ذلك.»

وضعت يدها على ذراعه.

وناشدَته قائلة: «ليونارد، أعلم أن إليزابيث جميلةٌ جدًّا ورائعة للغاية، ولا أتساءل أنك تحب الذَّهاب لرؤيتها، لكني أريد أن أطلب منك أن تعدَني بشيء واحد.»

شعر وكأنه تحوَّل فجأةً إلى حجر. ليس من الممكن … حقًّا لا يمكنها أن تكون قد خمَّنَت سرَّه!

تساءلَ: «وما هو؟»

استأنفَت قائلة: «لا تدَعْها تُعرِّفك إلى أصدقائها؛ لا تقضِ الكثير من الوقت هناك. إليزابيث أختي وأنا لا أريد … أنا حقًّا لا أريد أن أقول أيَّ شيءٍ لا يبدو لطيفًا، لكنَّ أصدقاءها لا يليق بك أن تتعرف إليهم، وإليزابيث … حسنًا، ليس لديها قلب.»

كان صامتًا عدة لحظات.

ثم سألَ فجأة: «كيف عرَفتِ أنني أحبُّ الذهاب لرؤية أختكِ؟»

ابتسمَت.

وقالت: «عزيزي ليونارد، أنت لستَ ماهرًا جدًّا في إخفاء مشاعرك. عندما أتيتَ لرؤيتي في ذلك اليوم، هل تتصوَّر أنني اعتقدتُ لحظةً أنكَ طلبتَ الزواج مني ببساطةٍ لأنك تحبني؟ أعتقدُ يا ليونارد أن ذلك كان لأنك كنت خائفًا، كنتَ خائفًا من دخول شيء إلى حياتك بهذه الضخامة، شيء مرعب إلى هذه الدرجة، لدرجة أنك كنت على استعدادٍ للتشبث بأسهل فرصة للأمان.»

صاحَ: «بياتريس، هذا سخيف!»

هزَّت رأسها.

وصرَّحَت: «لا ليس سخيفًا. هل تعلم يا عزيزي ليونارد، ما الذي جذبَني إليك من البداية؟»

أجاب: «لا.»

فتابعَت: «لقد كان صِدْقَك. هل تتذكَّر تلك الليلةَ على سطح فندق بلينهايم هاوس؟ كنت ستكذب لصالحي، وأنا أعلم كم كرهتَ ذلك. أنت تحبُّ الصدق، أنت صادقٌ بطبيعتك؛ وأنا سأعتمد عليك أينما كنتُ. أعلمُ أنك ستحافظ على كلمتك، أعلمُ أنك ستكون صادقًا. تحب المرأةُ أن تشعر بذلك تجاه الرجل — إنها تحبُّ ذلك — ولا أريدك أن تقترب من الأشخاص الذين يسخرون من الصدق وكل الأشياء الجيدة. لا أريدك أن تسمع وجهة نظرهم. قد تكون بسيطًا وعاديًّا في بعض النواحي؛ وأريدك أن تبقى كما أنت. هل تفهم؟»

ردَّ تافرنيك بجدية: «أنا أفهم.»

صاحَ أحدُ السُّعاة باسمها أسفلَ الممر الحجري. فربتت على كتفه واستدارت مبتعدة.

وقالت: «أسرِع الآن واحصل على المال. تعالَ لتراني عندما ينتهي كلُّ شيء.»

تركَها تافرنيك وهو يتنفَّس الصُّعَداء وشقَّ طريقه نحو شارع ستراند. في زاوية شارع ويلينجتون التقى بريتشارد وجهًا لوجه. توقَّفا في الحال. بدا أن ثمة شيئًا محرجًا بشأن هذا اللقاء. ربت بريتشارد على كتفه بألفة.

وسأله: «كيف حالك أيها الرجل العجوز؟»

أجابَ تافرنيك بارتباك: «أنا بخير. كيف حالك؟»

صرَّح بريتشارد: «أعتقد أنني سأكون أفضلَ عندما نتناولُ مشروبًا. تعالَ معي. لقد أحسنَّا صُنعًا تلك الليلة، أليس كذلك؟ سندخل حانة أمريكان بار هنا ونحتسي مشروب الجين الغازي.»

وفي الحال وجدا نفسَيْهما جالسَيْن على كرسيَّين مرتفعَيْن في ركن خالٍ من الحانة التي شقَّ بريتشارد الطريقَ إليها. احتسى تافرنيك شرابَه برَوية.

وقال: «أودُّ أن أطرح عليك سؤالًا أو اثنَين حول ليلة الأربعاء.»

أومأ بريتشارد برأسه.

وشجَّعه قائلًا: «فلتتفضَّل.»

قال تافرنيك: «يبدو أنك تأخذ الأمر برمته على أنه نوعٌ من المزاح.»

فسألَ المحقِّقُ مبتسمًا: «حسنًا، أليس هذا ما كان عليه؟»

هزَّ تافرنيك كتفَيه.

وصاحَ قائلًا: «لم يبدُ لي الأمر مزاحًا على الإطلاق!»

ضحكَ بريتشارد بسعادة.

وقال: «أنت لستَ معتادًا على الأمريكيين، يا صديقي الشاب. هنا في هذا الجانب، أنتم جميعًا حَرفيُّون بشكل مخيف. أنت لا تفترض بجديةٍ أنهم قصدوا أن يعطوني هذا العقار في تلك الليلة، أليس كذلك؟»

فصرَّح تافرنيك بروية: «لم أعتقد قطُّ أنه كان هناك أيُّ شك حول ذلك.»

مسَّدَ بريتشارد شاربه مفكِّرًا.

وقال: «حسنًا، أنت ساذَجٌ بالتأكيد، ومع ذلك لا أعرفُ لمَ لا تكون كذلك. الأمريكيون يميلون دائمًا إلى مثل هذه الألعاب. لا أقول إنهم لم يقصدوا إخافتي، إذا استطاعوا، أو إنهم لم يكن يُسعدهم أن يستخلصوا مني بعضَ المعلومات، أو ورقةً أو اثنتَين من الأوراق التي أحتفظ بها في مأمن. عندئذٍ كان سيحقُّ لهم المزاح حقًّا. ولكن بالنسبة إلى البقية، بالنسبة إلى محاولة إجباري على أخذ هذا العقار، كان هذا كلامًا فارغًا بالطبع.»

جلسَ تافرنيك في كرسيه ساكنًا تمامًا عدةَ دقائق.

ثم سألَ: «هل ستأخذ شرابَ جين غازيًّا آخرَ يا سيد بريتشارد؟»

«لِمَ لا؟»

طلبَ تافرنيك كأسًا أخرى من الشراب. وجلسَ على كرسيِّه وهو يصفِّر لنفسه.

ثم قال أخيرًا: «إذن فأنا أفترض، أنني بدَوت كالأحمق وأنا أخترقُ الحائط مثل المجنون.»

هزَّ بريتشارد رأسه.

وأجابَ: «لقد بدوتَ كما أنت في الحقيقة، بدوت شخصًا جَسورًا. أنا لا أزعم أن كلَّ هذا كان مجردَ تظاهر. لا يمكنك أن تثقَ في تلك العصابة. كان ذلك الوغد في الخارج جادًّا على أي حال. ورغم كل شيء، كما تعلم، لم يكونوا ليتركوني إذا انسحبتَ أنت بهدوء. فليس هناك شخصٌ آخر يخشَونه بالقدر نفسِه. وليس هناك شخصٌ آخر يعرف هذا القَدْر من المعلومات عنهم.»

أعلنَ تافرنيك: «حسنًا، سوف نترك الأمر عند هذا الحد. على الرغم من ذلك، فأنت تعرف الكثيرَ عن كل هؤلاء الأشخاص؛ ولذا أتمنى أن تخبرني شيئًا أرغب في معرفته كثيرًا.»

ردَّ المحقق بسرعة: «إنني أعرفُ كلَّ ما أعرف؛ لأنني لا أقول أيَّ شيء. واحد كوكتيل فقط، أليس كذلك؟»

هزَّ تافرنيك رأسه.

وقال: «لقد شربتُ أول كوكتيل لي الليلة الماضية. تناولتُ العشاء مع البروفيسور وابنته.»

سألَ بريتشارد بسرعة: «ليس إليزابيث؟»

هزَّ تافرنيك رأسه.

وأجابَ: «مع الآنسة بياتريس.»

وضعَ بريتشارد كأسه.

وتساءلَ: «قُلْ لي يا تافرنيك، أنت على علاقة طيبة مع تلك الشابة، الآنسة بياتريس، أليس كذلك؟»

أجابَ تافرنيك: «بالتأكيد. أنا أكِنُّ لها احترامًا كبيرًا.»

تابعَ بريتشارد بجِدية: «إذن، فأنا أستطيع أن أخبرك كيف تُسدي لها صنيعًا. انْأَ بها عن ذلك الوغد العجوز. انْأَ بها عن كل هذه العصابة. صَدِّقني إنها تبحث عن المتاعب بمجردِ حديثها إليهم.»

اعترضَ تافرنيك قائلًا: «لكن هذا الرجل العجوز هو والدها، ويبدو أنه يحبُّها حبًّا جمًّا.»

استطرد بريتشارد: «لا تُصدِّق ذلك. إنه لا يحبُّ إلا نفسه والحياة المُيسَّرة. ضَعْ في اعتبارك أنه عاطفي، ولديه الكثير من المشاعر، وأنه سيعصر عيناه لتذرفَ الدمع، وكل هذه الأشياء، لكنه سيبيع روحه، أو روح ابنته، مقابل القليل من وسائل الراحة الإضافية. الآن لا تعرف إليزابيث مكان أختها بالضبط، ولا تجرؤ على أن تُبْدي قلقها، أو على البحث عنها والاستفسار عن مكانها. ولدى بياتريس الفرصةُ للابتعاد، ويمكنني أن أخبرك أنه سيكون من الأفضل بكثير لها أن تفعل ذلك.»

قال تافرنيك مصرِّحًا: «حسنًا، أنا لا أفهم ذلك على الإطلاق. أنا أكرهُ الألغاز.»

وضعَ بريتشارد كأسَه الفارغة.

وقال: «انظر، هذه القضية أخطرُ من أن نتحدَّث عنها وكأننا نُثرثر. لقد حذَّرتُك، وإذا كنتَ حكيمًا فسوف تتذكَّر هذا التحذير.»

قال تافرنيك مُصرًّا: «قل لي هذا الشيء فقط. قل لي ما هو سبب الشجار بين الأُختَيْن؟ ألا يمكن القيام بشيءٍ للجمع بينهما مرة أخرى؟»

هزَّ بريتشارد رأسه.

وأجابَ: «لا شيء. وفقًا للوضع الحالي، من الأفضل أن يظلَّا منفصلتَيْن. هلا نخرج؟»

تبعَه تافرنيك إلى خارج المكان. أمسكَ بريتشارد بذراعه وهو يستدير نحو شارع ستراند.

قال: «صديقي الشاب، سأُسْديك نصيحة. يقول الكتاب المقدَّس إنك لا تستطيع أن تخدم الله والمال. أَعِدْ صياغة ذلك وفقًا للموقف الحاليِّ وتذكَّر أنه لا يمكنك خدمة إليزابيث وبياتريس في الوقت نفسه.»

سألَ تافرنيك: «وماذا بعد؟»

انتظر المحقِّقُ حتى أشعل السيجارَ الأسود الطويل بين أسنانه.

ثم قال: «أعتقدُ أن من الأفضل أن تَقصُر انتباهك على بياتريس.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤