نجيب محفوظ

بقلم  محمد جبريل

وضعتُ عن نجيب محفوظ كتابًا هو «نجيب محفوظ، صداقة جيلَين»، حاولتُ فيه أن أُحيط بعالَم محفوظ الأدبي والشخصي، من خلال صداقة قريبة وقراءات لكلِّ ما كتبه، ولكلِّ ما كُتب عنه. كما أفردتُ فصلًا عن الروائي الكبير في كتابي «آباء الستينيات».

والمفروض — في هذه المساحة — أن أتناول ما لم يسبق لي تناوله في شخصية محفوظ وأدبه، وهو أمر قد يفرض التكرار، لكن النهر العظيم المسمَّى نجيب محفوظ يحمل الكثير من الخصوبة والتجدُّد.

وبالتحديد، فسأُحاول أن أعرض في هذه الكلمات لبعض ما أُثير حول سيرة نجيب محفوظ الشخصية والفنية والفكرية والسياسية.

•••

كان نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا أصغر إخوته الستة. تفصل بينه وبين من يكبره مباشرة، عشر سنوات، ومن ثم فقد كانت علاقته بهم — والتعبير له — تجمع بين الأُخوة والأُبوة والأُمومة! ولعلِّي أُذكِّرك بكمال عبد الجواد و«وضعه» المتميِّز في البيت بين إخوته ياسين وفهمي وخديجة وعائشة.

وكان والد نجيب موظَّفًا صغيرًا، ثم عمل فيما بعدُ بالتجارة.

وقد بدأ نجيب محفوظ حياته الوظيفية في ١١ نوفمبر ١٩٣٤م. ظلَّ إلى ١٩٣٩م في سكرتارية جامعة فؤاد الأول، ثم نُقل إلى وزارة الأوقاف، وبقي بها إلى ١٩٥٤م عندما اختير مديرًا للرقابة الفنية بمصلحة الفنون، فمديرًا لمؤسسة دعم السينما، فمستشارًا لوزير الثقافة لشئون السينما، حتى أُحيل إلى المعاش في ١٩٧٢م، فأصبح — من يومها — كاتبًا متفرِّغًا في مؤسسة الأهرام.

تقلَّب محفوظ في وظائف مختلفة، لكنه ظلَّ على ولائه للوظيفة، واحترامه لها، ومراعاة طقوسها بدءًا بالحضور في الموعد المحدَّد، والانصراف في الموعد المحدَّد، وانتهاءً بالاعتناء بزرِّ الجاكتة، ووضع الطربوش فوق الرأس.

نتذكَّر الفنان نفسه — مع اختلافات واضحة — في وصفه للموظَّف القديم فؤاد أبو كبير؛ فهو «مثال حَسَن للموظف؛ مثال في اتزانه؛ فهو محترم حقًّا، ودءوب على العمل؛ فهو حمار شغل، ولم تزايله هذه الصفة يومًا منذ التحق بالخدمة بالكفاءة وهو ابن عشرين. وقد انطبع بالروتين حتى تغلغل في روحه، وسرى في سلوكه. حتى السلوك غير الرسمي؛ فهو يرجع إلى بيته كل يوم حوالي الثالثة، يتغدَّى وينام حتى الخامسة. ثم يمضي إلى القهوة حوالي السادسة، فيدخِّن النارجيلة، ويتكلَّم في الكادر والسياسة، ثم يلعب النرد، وأخيرًا يعود إلى بيته عند الحادية عشرة، فيتعشَّى عشاءً خفيفًا، ويصلِّي، ثم ينام» (كلمة في السر، مجموعة بيت سيئ السمعة). وتُعد الفترة من ١٩٥٠م إلى ١٩٥٤م من أخصب الفترات — فنيًّا — بالنسبة إلى الفنان؛ فقد عمل آنذاك مديرًا لمؤسَّسة القرض الحسن التابعة لوزارة الأوقاف؛ حيث التقى — من خلال — عمله بالكثير من الشخصيات التي تباينت في ظروفها الاجتماعية والمادية. ومع أنه من أسرة متوسطة، فقد عرف معنى الحاجة في عمله بوزارة الأوقاف، وهي تثمين الأشياء التي يرهنها أصحابها لقاء قرض حسن.

تزوَّج في ١٩٥٤م من السيدة عطية الله. كان صديقًا لأسرتها، ممَّا أتاح لكلٍّ منهما أن يتعرَّف إلى الآخر. وعندما طلب الاقتران بها، وافقت أسرتها التي كانت تعرفه جيدًا، وتمَّ عقد القران في أيام قليلة. وأثمر زواجهما أم كلثوم وفاطمة.

•••

نجيب محفوظ قاهري في معظم إبداعاته. إذا اسثنينا توظيفه للتاريخ الفرعوني، فإن القاهرة هي حدود هذه الإبداعات؛ بدءًا بأولى قصصه القصيرة إلى أحدث قصصه القصيرة، مرورًا بما يبلغ ٣٥ رواية، وحوالي ثلاثمائة قصة قصيرة. وكما يقول، فقد عاش حياة القاهرة، وكان — على حد تعبيره — شوارعيًّا بكل معنى الكلمة.

والحق أني لا أستطيع أن أنسى الكثير من شخصيات محفوظ. كم التقيت في الطريق بأحمد عبد الجواد وياسين وفهمي وكمال وكامل رؤبة لاظ ونفيسة وحسن أبو الروس وحسنين كامل علي ومحجوب عبد الدايم وإحسان شحاتة وسعيد مهران وصابر الرحيمي وعمر الحمزاوي وعيسى الدباغ وأحمد عاكف وعباس الحلو وحميدة وفرج إبراهيم، وعشرات غيرهم أجاد الفنان رسم ملامحهم الظاهرة وتحليل نفسياتهم، في أعماله!

مع ذلك، فأنت تستطيع التعرُّف إلى أبعاد الحياة المصرية في قراءتك لأعمال نجيب محفوظ؛ التاريخ والجغرافيا والمعتقدات والعادات والتقاليد والتطوُّرات السياسية. لا تقتصر مكوِّنات الصورة البانورامية على روايات مرحلة الواقعية الطبيعية، منذ «خان الخليلي» إلى الثلاثية، لكنك تجد تفصيلات مهمةً من الصورة في «اللص والكلاب» و«السمان والخريف» و«الطريق» و«الشحاذ»، إلى «قشتمر» آخر أعمال محفوظ الروائية. إنه ليس بلزاك مصر، ولا جبرتي مصر الحديثة؛ إنه نجيب محفوظ الذي لا يكتفي بالتصوير — شأن المدرسة الواقعية الطبيعية — ولا بمجرَّد التسجيل التاريخي أو الاجتماعي، شأن المؤرخين، لكننا نجد في مجموع أعماله نظرةً كلية، نظرةً شاملة، فلسفة حياة، أشرت إليها — قبلًا — في كتابي «نجيب محفوظ، صداقة جيلين» (عندما أُحيل الفنان إلى المعاش، قال في حوار صحفي: أُحس أن المعاش استمرار لحياتي العملية، بعد أن أتمتَّع بميزتَين؛ أولاهما الحرية، وثانيتهما التوحُّد للفن (أسماء لامعة، ٢٦)).

•••

اعتبر نجيب محفوظ الفن حياةً لا مهنة؛ «فحينما تعتبره مهنةً لا تستطيع إلا أن تشغل بالك بانتظار الثمرة. أمَّا أنا، فقد حصرت اهتمامي بالإنتاج نفسه، وليس بما وراء الإنتاج. وكنت أكتب وأكتب، لا على أمل أن ألفت النظر إلى كتاباتي ذات يوم، بل كنت أكتب وأنا معتقد أني سأظل على هذا الحال دائمًا» (نجيب محفوظ، صداقة جيلَين، ٦٤). كان يكتب الرواية بيقين أن «جميع الفنون مجزية، إلا الرواية فهي أقرب إلى الرهبنة، ويتناسب مجهودها مع جزائها تناسبًا عكسيًّا (المصدر السابق، ٦٤).

يقول: «عندما بدأت الكتابة، كنت أعلم أنني أكتب أسلوبًا أقرأ نعيه بقلم فرجينيا وولف، ولكن التجرِبة التي كنت أقدِّمها، كانت في هذا الأسلوب. ولقد تبيَّنت بعد ذلك أنه إذا كانت لي أصالة في هذا الأسلوب، فهي في الاختيار فقط. لقد اخترت هذا الأسلوب الواقعي، وكانت هذه جرأة. وربما جاءت نتيجة تفكير مني. ففي هذا الوقت كانت فرجينيا وولف تهاجم الأسلوب الواقعي، وتدعو للأسلوب النفسي. والمعروف أن أوروبا كانت مكتظةً بالواقعية لحد الاختناق. أمَّا أنا فكنت متلهِّفًا على الأسلوب الواقعي الذي كتبت به. كان هو أحدث الأساليب، وأشدها إغراءً وتناسبًا مع تجرِبتي وشخصي وزمني، وأحسست بأنني لو كتبت بالأسلوب الحديث سأصبح مجرَّد مقلِّد» (الجمهورية، ٢٨ / ١٠ / ١٩٦٠م).

ومع وفرة الكتابات التي عُنيت بالترجمة لنجيب محفوظ، فلعل هذه الكلمات ليحيى حقي هي الأشد صدقًا في التعبير عن أبعاد الشخصية المتفرِّدة: «ليس بيننا أديب يعرف أصول فنه مثل نجيب. من أجل هذا الفن وحده دخل كلية الآداب، ودرس الفلسفة وعلم الجمال، واطَّلع اطلاع الفاهم الفاحص الواعي على غُرَر الأدب العالمي، بل دخل معهد الموسيقا الشرقية، وأجلس «القانون» على ركبتَيه، ولبس «الكستبان» في سبابتَيه. وأشهد أني لم أحدِّثه في مشكلة فنية إلا هداني إلى الصواب، وإلى المراجع، وتتبَّع لي المسألة من جذور أمِّ أمِّها. وأجل صفة فيه أن عمله أكثر بكثير جدًّا من كلامه. ولو كتب كما يتكلَّم، لكان أيضًا إمامًا لا يبارى في الأدب الفكاهي. ولو شاء أن يضع على الورق ما يقوله شفاهًا لأصدقائه وجلسائه في ندواته، لكان إمام هذا الجيل في النقد أيضًا. ولعلك قرأت تحليله البارع، وتفسيره الذكي، لمسرحية «لعبة النهاية» (عطر الأحباب، مؤلفات يحيى حقي، هيئة الكتاب، ص٦٦. وكان كاتب هذه السطور قد أجرى حوارًا مع محفوظ، حلَّل فيه مسرحية بيكيت «لعبة النهاية»، ونُشر في الملحق الأدبي والفني لجريدة «المساء» في ١٩٦٣م).

ولعلي أُضيف إلى ذلك قول شكري عياد: إن نجيب محفوظ أديب دارس، لا يتكئ على الموهبة وحدها، ولا يتنقَّل بين فنون الأدب إلا عن إدراك عميق لخصائص كل فن» (تجارب في الأدب والنقد، ٢٢٨). وقد ظلَّ نجيب محفوظ يعمل في صمت أكثر من عشر سنوات، ويضع أُسس الرواية المصرية دون أن يلتفت أحد كثيرًا إلى خطورة ما كان يفعله (الثورة والأدب، لويس عوض، ١٣٧).

وظني أن نجيب محفوظ خدع الكثيرين ممن وجدوا فيه روائيًّا فقط. الرواية هي الإبداع الأهم للرجل، لكنه مارس كل ألوان الكتابة بدءًا بالمقال الفلسفي، فالترجمة، فالقصة القصيرة، والرواية، والسيناريو السينمائي، والمسرحية، والخاطرة. طال توقُّفه أمام بعض تلك الألوان، مثلما حدث في المقال الفلسفي والسيناريو، واكتفى — أحيانًا — ببضع محاولات، مثلما فعل في مسرحياته ذات الفصل الواحد، والتي كانت انعكاسًا لرغبته في إثارة حوار حول بواعث هزيمة يونيو ١٩٦٧م. ولعلي أختلف مع الفنان في قوله (١٩٨٠م) إنه لم يحاول أن يكتب سيرته الذاتية؛ ذلك لأنه كان قد أعلن — قبلًا — أنه كمال عبد الجواد في الثلاثية. وكان الإعداد الأول ﻟ «المرايا» أن تكون سيرةً ذاتية للفنان، وتراجم لأبطال رواياته.

•••

ومحفوظ يحرص على أن تكون الفصحى لغة السرد والحوار، لإيمانه بأن «اللغة العامية من جملة الأمراض التي يعاني منها الشعب، والتي سيتخلَّص منها حتمًا حين يرتقي. وأنا أعتبر العامية من عيوب مجتمعنا، مثل الجهل والفقر والمرض تمامًا» (المجلة، ديسمبر ١٩٦٢م)، بل إنه يرى في العامية «حركةً رجعية، والعربية حركةً تقدُّمية. اللغة العامية انحصار وتضييق، وانطواء على الذات، لا يناسب العصر الحديث الذي ينزع للتوسُّع والتكتُّل والانتشار الإنساني» (صباح الخير، ١٦ / ٢ / ١٩٥٦).

•••

القول بأن النقاد أهملوا نجيب محفوظ فترةً طويلة، فلم ينتبهوا إليه إلا بعد روايته التاسعة «بداية ونهاية» (أدباء معاصرون، رجاء النقاش، كتاب الهلال، ٢٤١)، وهو ما أكَّده الفنان في أكثر من حوار صحفي، كقوله: «حياتي بدأت بإهمال طويل، وانتهت باهتمام كبير (أسماء لامعة، مفيد فوزي، مكتبة مدبولي، ٣٣). ثم قوله فيما بعد: «ضاع وقت جيلنا في تحطيم الحواجز.»

هذا القول، فيه الكثير من الصحة، ولكن من الصعب — وربما من الظلم أيضًا — أن نُغفل دور الناقدَين الكبيرَين سيد قطب وأنور المعداوي، وأقلام نقدية أخرى، داخل مصر وخارجها. وأذكر تمنِّي سيد قطب — عند صدور «كفاح طيبة» — أنْ لو كان الأمر في يده، لطبع آلاف النسخ من هذه الرواية؛ لتكون في يد كل شاب، ولتدخل كل البيوت. ثم أكَّد الناقد أن كاتب الرواية يستحق التكريم والإجلال (الرسالة، ٣ / ١٠ / ١٩٤٤م). وتحدَّث سيد قطب عن «خان الخليلي» فأكَّد أنها «تستحق أن يُفرد لها صفة خاصة في سِجل القصة المصرية الحديثة» (سيد قطب: كتب وشخصيات، مطبعة الرسالة، ١٧١)، «وهي تستحق هذه الصفة؛ لأنها تسجِّل خطوةً حاسمة في طريقنا إلى أدب قومي واضح السمات، متميِّز المعالم، ذي روح مصرية خالصة من تأثير الشوائب الأجنبية — مع انتفاعه بها — نستطيع أن نقدِّمه مع قوميته الخاصة على المائدة العالمية، فلا يندغم فيها، ولا يفقد طابعه وعنوانه، في الوقت الذي يؤدِّي فيه رسالته الإنسانية، ويحمل الطابع الإنساني العام، ويساير نظائره في الآداب الأخرى» (المصدر السابق، ١٧١). أمَّا أنور المعداوي، فقد كتب عن رواية محفوظ «بداية ونهاية» إنها دليل عملي على أن الجهد والمثابرة جديران بخلق عمل فني كامل. وأضاف الكاتب: لقد أتى عليَّ وقت ظننت فيه أن نجيب محفوظ قد بلغ غايته في «زقاق المدق»، وأنه لن يخطو بعد ذلك خطوةً أخرى إلى الأمام. أقول غايته هو، لا غاية الفن؛ لأن «زقاق المدق» كانت تمثِّل في الظنون أقصى الخطوات الفنية بالنسبة إلى إمكانياته القصصية. ولهذا خُيِّل إليَّ أن مواهب نجيب قد تبلورت هنا، وأخذت طابعها النهائي، وتوقَّفت عند شوطها الأخير، وممَّا أيَّد هذا الظن أن المستوى الفني في «السراب» — وقد جاءت بعد «زقاق المدق» — كان خطوةً واقفة في حدود مجاله المألوف، ولم تكن الخطوة الزاحفة إلى الأمام. كان ذلك بالأمس. أمَّا اليوم، فلا أجد بُدًّا من القول بأن «بداية ونهاية» قد غيَّرت رأيي في إمكانيات نجيب، وجعلتني أعتقد أنه قد بلغ الغاية التي كنت أرجوه لها، غايته هو غاية الفن حين كانت الغايتان مطلبًا عسير المنال. إنني أصف هذا الأثر القصصي الجديد لهذا القصاص الشاب، بأنه عمل فني كامل. هذا الوصف، أو هذا الحكم، مردُّه إلى أن أعماله الفنية السابقة كانت تفتقر إليها على الرغم من المزايا المختلفة التي تحتشد بين يدَي صاحبها، وتحدِّد مكانه في الطليعة من كُتاب الرواية» (نماذج فنية من الأدب والنقد: أنور المعداوي، لجنة النشر للجامعيين، ص١٨٦).

وبالطبع، فإن الالتفات إلى أعمال نجيب محفوظ، والاهتمام بها، لم يقتصر على المعداوي وقطب. ثمة قطاع مهم من المثقفين والقراء العاديين، وجدوا في أعماله نقلةً للرواية العربية. وأذكر أني كتبت من قبل: نجيب محفوظ كنز اكتشفناه نحن، ولم ينبِّهنا إليه الأجانب. اكتشَفَه من قرأ له، وأُعجِب به، ووجد فيه مثلًا أعلى. والقول بأن نجيب «عاش يكتب خمسين سنةً دون أن يكتشف أي ناقد في مصر أنه عملاق»، هذا القول مشكلة الكاتب الشخصية، مشكلة أنه قرأ محفوظ كما قرأ الآخرين، فلم تتوضَّح له الفوارق بين حجم الفنان نجيب محفوظ وأحجام الآخرين. أمَّا نحن الذين قرأنا نجيب محفوظ جيدًا، واستوعبناه جيدًا، وتفهَّمناه جيدًا، وعرفنا مدى خطورته وتأثيره وجدواه، واتخذناه مثلًا أعلى، ربما حتى في سلوكياتنا الشخصية، فإننا نزعم باكتشاف كنز نجيب محفوظ منذ «خان الخليلي» التي يمكن أن نؤرِّخ بصدورها بدء تطوير فن الرواية في بلادنا.

حقيقة أن النقد لم يتناول أعمال محفوظ بالكم الذي تناول به تلك الأعمال عقب صدور «زقاق المدق» في طبعتها الشعبية. أذكر حفاوة أستاذتنا سهير القلماوي بالزقاق في حديث إذاعي، وإعجاب المثقفين بها، إلى حد إقدام الصديق الناقد المخضرم توفيق حنا على وضع دراسة نقدية عن الرواية، فاق عدد صفحاتها صفحات الرواية نفسها، وإن لم يُتَح لتلك الدراسة أن تصدر بعد.

لكن التفات النقد لم يكن خيرًا كله، وبالذات في أواسط الخمسينيات، قبل أن يصبح محفوظ هذه المؤسسة القومية، كما وصفه لويس عوض فيما بعد. فقد شُنَّت عليه حرب قاسية لأسباب أيديولوجية محضة، قدَّرت بعض الأقلام النقدية أن أدبه يعبِّر عن نقيضها. ولولا عناد الثيران الذي وصف به محفوظ نفسه، في مقابل التجاهل النقدي، ثم في مقابل التسلُّط النقدي، لأسكت قلمه، خاصةً وأن السينما كانت قد وهبته كلمة السر التي يستطيع بها أن يغترف ما يشاء من مغارتها السحرية. كان قد أصبح كاتبًا للسيناريو مرموقًا. وأذكِّرك بالخبر الذي نشرته مجلة أسبوعية — آنذاك — عن التقاء الفنانة هدى سلطان بالقاص يوسف جوهر وكاتب السيناريو نجيب محفوظ، لمراجعة سيناريو فيلمها القادم، «دنيا».

كان نجيب محفوظ يُلح على أنه يكتب للقارئ المصري، لكنه — فيما أتصوَّر — كان يُدرك أنه أديب مصري لكل العالم. أذكر ملامحه المتأثِّرة وهو يحدِّثني عن الحفاوة النقدية — والشعبية — بأعماله في امتداد الوطن العربي: هل تصدِّق أنه لم يترجَم لي عمل واحد حتى الآن؟ وألف التواضع في أحاديثه وتصرُّفاته، لكن طموحاته — المشروعة — كانت بلا آفاق.

•••

عانى نجيب محفوظ — عقب حملة إعلامية أخيرة لابتزازه بتصريحات ملوَّنة وذات ضجيج — اتهامات غير مسئولة بأنه رجل كل العصور، بمعنى أنه هادن كل السلطات، في كل العهود، فلم ينله رذاذ من الأذى الشديد الذي لحق بالكثير من المبدعين والمفكرين.

والحق أن أعمال كاتب ما لم تواجه سذاجة التأويلات، بل سوء نيتها، مثلما واجهت أعمال نجيب محفوظ. كلٌّ يحاول تفسيرها بما يرضي اتجاهه، بصرف النظر عن ذلك الاتجاه، ومدى اقترابه من الأعمال، أو ابتعاده عنها.

لقد أسقط الفنان من أحداث التاريخ — في رواياته الفرعونية — على أحداث معاصرة، وعبَّر — في روايات مرحلة الواقعية الطبيعية — عن أحداث معاصرة. لم تخذله موهبته ولا ثقافته المتفوِّقة في تقديم صياغة فنية ناضجة، وأكثر تفهُّمًا لمتطلَّبات التكنيك الروائي، قياسًا إلى إبداعات سابقة ومعاصرة.

أذكر قوله لي: الأدب له حِيَل لا حصر لها؛ فهو فن ماكر، وليس وضعه وضع الفكر المباشر. أنت باعتبارك مفكِّرًا مباشرًا تقول كلامًا واضحًا، ولكن الأديب لديه الرمز، ولديه أمور أخرى يستطيع بواسطتها أن يتحايل، فيعبِّر عن كلمته بشيء من اليسر لا يتاح عادةً للمفكِّر. أمَّا العقبة الأولى فهي فقدان الحرية.

بل إن «أولاد حارتنا» — التي كاد يدفع حياته مقابلًا لإبداعها — يجد يحيى حقي أن الفنان «حقَّق بها ما عجز عنه غيره من الكُتاب. حقَّق الأمل الذي كنا نتطلَّع إليه، وهو ارتفاع، الأدب عندنا إلى النظرة الشاملة والتفسير الفلسفي الموحَّد للبشرية جمعاء، ووضع تاريخ الإنسانية كله في بوتقة واحدة» (عطر الأحباب، مؤلفات يحيى حقي، هيئة الكتاب).

ولعل موقف محفوظ الفكري والاجتماعي والسياسي في آنٍ، يتبدَّى في أعقاب نكسة ١٩٦٧م مباشرة. كان حرصه على وضوح عمله الفني هو الأرضية التي تقف عليها أعمال تلك الفترة، وأن يكون الصدق جسر علاقته بقُرائه، حتى لو عاد بفن القصة العربية — كما قال لي — إلى أحد أشكاله الأولى، المقامة، أو يكتب خُطبًا ووعظًا، أو موضوعات إنشائيةً تغيب عنها لغة الفن.

لذلك، فإن بعض النقاد يعتبر السياسة هي المحور الرئيسي في حياة محفوظ، وفي فكره وفنه، وأنها المؤثِّر الأول في تكوينه العقلي، والدافع المحرِّك لتوجهاته الأدبية (البيان الكويتية، أكتوبر، ١٩٨٩م). ويقول الفنان: «إن العواطف والانفعالات السياسية من المصادر الأساسية لتجرِبتي الفنية. بل تستطيع أن تقول إن السياسة والعقيدة والجنس كانت المحاور الثلاثة التي دار حولها إنتاجي، والسياسة هي المحور الجوهري بين هذه المحاور الثلاثة، فلم تخلُ رواية من رواياتي من السياسة.»

وقد أدان محفوظ فساد العهد الملكي في «القاهرة الجديدة» و«بداية ونهاية»، وانتقد سلبيات الثورة — في ظل حكم عبد الناصر — في «ميرامار» و«ثرثرة فوق النيل» و«حب تحت المطر» … إلخ.

ويحدِّد محفوظ «خمَّارة القط الأسود» بأنها «أول عمل عبثي بعد النكسة مباشرة» (الأهرام، ١٢ / ١٠ / ١٩٨٤م). ثم تتالت الأعمال العابثة شكلًا، الواقعية مضمونًا، تنتقد الفترة، وتُعَريها، وتُدينها، في فنية عالية، ورفض للتقريرية والمباشرة والجهارة.

ولا يخلو من دلالة قول الفنان حين سُئل عن قصته «الخوف»: «إن لديَّ استعدادًا لأن أكتب قصةً من هذا النوع خدمةً لرأي أحترمه، ولظروف سياسية أُحب أن أمارس دوري فيها، حتى لو قُدِّر لهذه القصة أن تموت فور انتهاء المناسبة التي كتبت عنها، ومن أجلها» (الآداب، يوليو، ١٩٧٣م). وكما يقول، فقد كان نقده لفترة ما بعد الهزيمة «نقد سلبيات، وليس رفضًا لثورة ١٩٥٢م؛ فهو نقد كاتب منتمٍ للثورة، لا رافض لها.»

ومع ذلك فإن أعمالًا كثيرةً له مُنعت من النشر بالأهرام؛ الحب تحت المطر، الجريمة، الكرنك، قلب الليل. وعندما حاول نشر إحداها في غير الأهرام، تدخَّلت الرقابة.

نجيب محفوظ هو التعبير الأصدق، ربما من كتابات المؤرِّخين، عن صورة المجتمع المصري في مراحل متعاقبة من حياته. والمتأمِّل لآرائه التي تضمَّنتها أعماله، أو آرائه التي نقلتها وسائل الإعلام، يلحظ أنه كان دومًا إلى جانب اليقين الديني والعلم والعدالة الاجتماعية، فضلًا عن أنه كانت له آراؤه التي نختلف فيها معه — وأزعم أني كنت أول المخالفين لتلك الآراء في كتابي «نجيب محفوظ، صداقة جيلَين»، وهي تتصل بقضية الصراع العربي الصهيوني — وإن ظلَّ للرجل في نفسي مكانة الرائد، والأستاذ، والوالد، والقيمة الكبيرة.

منذ أوائل الستينيات، كنت أحرص على زيارة أستاذنا نجيب محفوظ في كل الأماكن التي أستطيع فيها أن أُناقشه. أسأله، وأتلقَّى الإجابة. أتعرَّف إلى جوانب من سيرة حياته، وقراءاته، والأساتذة الذين تتلمذ على أيديهم، وفلسفته في إبداعاته، وقصة القصة فيما يكتب، وكانت محصلة ذلك كله كتابات شبه يومية كنت أنشرها في «المساء».

وسألني صديقي الدكتور محمد فتوح الأستاذ بدار العلوم — ذات يوم — مداعبًا: كلما قلَّبت صحف الستينيات في دار الكتب، طالعتني كتاباتك عن نجيب محفوظ، فهل كنت مراسل جريدتك عند نجيب محفوظ؟

والحق أني كنت مراسلًا للإعجاب بإبداعات محفوظ، منذ قرأت له «خان الخليلي»، ثم حرصت على قراءة كل ما كتب حتى مقالاته الفلسفية في المجلة الجديدة وقصصه القصيرة في ثقافة أحمد أمين ورسالة الزيات، كنت أخلو إليها في دار الكتب بالساعات، أحاول تلمُّس بدايات عميد الرواية العربية.

وحين عدت من رحلة طويلة خارج مصر، كان قد مضى على نجيب محفوظ في رحلة المعاش حوالي ١٥ عامًا، ولم يعد من الميسور، أن تتواصل جلساتنا، أُفيد من آرائه وتوجيهاته وروحه الطيبة الذكية. ظروفه الصحية فرضت عليه أن يخصِّص موعدًا محدودًا ومحدَّدًا لاستقبال الأصدقاء والإعلاميين والدارسين في مصر وخارجها.

قرَّرت أن أحترم ظروف الرجل، فلا أُثقل عليه، وإن تكرَّرت قراءاتي لأعماله. لقد صدر له من الروايات ما يفوق — كمًّا وكيفًا — ما صدر لأي أديب عربي في امتداد الأجيال الأدبية، وما زلت أُفيد من المخزون المعرفي الذي كان ثمار أعوام متصلة من النقاش الموضوعي بين أستاذ متعمِّق الثقافة وتلميذ يحاول الاستزادة من المعرفة.

وأصررت على قراري حين علَت أصوات الذين نسبوا أنفسهم إلى نجيب محفوظ بالبنوة والوراثة وابتزاز الرجل — لا يحضرني تعبير آخر — بتصريحات ربما قالها من قبيل الفضفضة في جلسات تصوَّر أنها بين أصدقاء.

لنجيب محفوظ آراؤه المُعلنة، سواء في إبداعاته، أو في حواراته مع وسائل الإعلام، وفي كتاباته التي تنشرها له الأهرام منذ سنوات، فلا جديد في تلك الآراء بما يستدعي إظهار المفاجأة، ورفع عصا التخويف، واتهام الرجل بما يسيء إلى وطنيته.

هل أذكِّرك ببعض تلك الآراء، في مراحل متعاقبة من التاريخ الشخصي والإبداعي لمحفوظ؟

يقول: «لقد كتبتُ كل القصص في ظل عهود، كان التفاؤل فيها يُعتبر نوعًا من التخدير والرضا بالواقع، ونهايات قصصي الحزينة ليس كل ما فيها هو الحزن. إن فيها حثًّا على الثورة، على أوضاع المجتمع وتغيير نظمه. قد ينتحر البطل، ولكن لماذا انتحر؟» ويقول: «الأرض الثابتة التي أستطيع أن أُسمِّيها عقيدةً عندي، هي الأفكار الاشتراكية، ما عدا ذلك فإنه يندرج تحت عبارة البحث المستمر.» ويقول: «طالما هناك إنسان يستغل الآخرين، فالفساد والشر قائمان. الذي يستغل شرير، والمستغل بائس، والعلاقات بينهما حقد وكراهية، وما بين الشر والبؤس لا تطلُّعَ إلى الله. إنني أطلب الحياة، حياة إنسانية، علاقات الناس تقوم على الحب والتعاون حتى يستطيعوا أن يتجهوا إلى الله. أنا لست فيلسوفًا، ولكني أحلم. وهذه أحلامي. أتطلَّع إلى لون من ألوان الحياة تستطيع أن تُطلِق عليه «الصوفية الاشتراكية»، حياة هي التطلُّع إلى الله، والإنسان لا يستطيع أن يعرفه إلا إذا ارتفعت حياته إلى مستوًى نظيف خالٍ من المفاسد والشرور» … إلخ.

وإذا كان البعض قد أخذ على محفوظ أنه بدَّل آراءه، فإن الباعث كما قلت هو أسلوب الابتزاز الذي عومل به الرجل. حاولوا أن يستنطقوه بما شغلته عنه ظروفه الصحية والعمرية، وابتعاده الفعلي عن واقعنا السياسي والاجتماعي، اللهم إلا المشاركة في جلساتٍ للمسامرة بين أصدقاء حقيقيين — مثل مجموعة الحرافيش — تؤنس وحدته بدعابات وذكريات مشتركة، بينما حاول البعض ممن فرض صداقته على الرجل، أن يمتص الثمرة التي وهبتنا كل ما لديها، متناسيًا أن نجيب محفوظ قال ما لديه، وقدَّم لنا إبداعات تعتز بها ثقافتنا العربية المعاصرة.

المؤسف أن تلك المحاولات لم تنظر إلى أبعد من قدمَيها، ولا أدركت مدى الإساءة التي تحيق ليس بشخص نجيب محفوظ وحده، وإنما بثقافتنا العربية إطلاقًا.

قد يرى البعض أن ما نُسب إلى نجيب محفوظ من آراء كان يجب مناقشته، والرد عليه. ومع تناسي هؤلاء لظروف الرجل — وهي ظروف واضحة — فقد كان من حق نجيب محفوظ أن يقتصر النقاش على آرائه، فلا يمتد إلى شخصه، بحيث لا نُلغي — ببساطة مذهلة — تاريخًا طويلًا من الفن الجميل، والثقافة الرفيعة، والريادة الإبداعية التي يدين لها بالفضل كل مبدعي الأجيال التالية.

•••

وإلى يوم فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل — كان الرجل يعتقد أن دوره، أو دور جيله، لا يطمح إلى هذه الذروة. أذكر قوله لي: إن ما كتبناه، ونكتبه، تعبير عن همومنا وهموم جيلنا، ولا ينبغي أن يجاوز جيلنا حياته لحظةً واحدة.

قلت: سؤال سخيف .. لكن الإجابة تفرض السؤال أحيانًا: متى يشعر جيل نجيب محفوظ أنه قد بدأ يجاوز حياته؟

قال: عندما يستنفد أغراضه.

– متى؟

– عندما يؤدِّي رسالته.

– وما هي؟

– ماذا أقول لك يا صديقي؟ .. عدنا إلى طلب الاستقلال، فضلًا عن الوصول إلى الحياة العصرية، ممثلةً في الصناعة والعلم (المساء، ١٠ / ٧ / ١٩٧٠م).

•••

بدأ نجيب محفوظ حياته الإبداعية كاتبًا للقصة القصيرة. نشر أعماله الأولى في «الرسالة» و«الثقافة»، بالإضافة إلى مقالاته الفلسفية في «المجلة الجديدة». ثم تفرَّغ محفوظ للرواية، فكتب رواياته التي وظَّف فيها التاريخ الفرعوني. ثم كتب «خان الخليلي»، أولى روايات مرحلة الواقعية الطبيعية — وليست «القاهرة الجديدة» كما يظن الكثيرون — واقتصرت إبداعاته لسنوات على الرواية. وكانت الثلاثية هي آخر ما كتب في تلك المرحلة، قبل — أو متزامنةً مع — ثورة يوليو. وطال صمته خمسة أعوام، تفرَّغ في أثنائها لكتابة السيناريو السينمائي. ثم كتب «أولاد حارتنا» بدايةً لمرحلة طرحت العديد من القضايا المجتمعية والسياسية والميتافيزيقية. عاد — بعد نشرها مسلسلةً في «الأهرام» — إلى كتابة القصة القصيرة، فتقاسمت إبداعَه مع الرواية، حتى كاد يُخلص — في الأعوام الأخيرة — لفن القصة القصيرة، ربما لأنه — كما قال في أحد حواراته — يعد نفسه في محطة سيدي جابر، للنزول في محطة الإسكندرية، فهو يُحجِم عن البدء في مشروعات تستلزم جهدًا ووقتًا.

ومنذ «دنيا الله» — أولى المجموعات بعد «أولاد حارتنا» — حتى هذه المجموعة التي بين يدَيك، كتب نجيب محفوظ الكثير من الإبداعات القصصية، ضمنها مجموعات: دنيا الله، بيت السمعة، خمَّارة القط الأسود، تحت المظلة، حكاية بلا بداية ولا نهاية، شهر العسل، الحب تحت المطر، الجريمة، الحب فوق هضبة الهرم، الشيطان يعظ، التنظيم السري، صباح الورد، الفجر الكاذب، القرار الأخير.

•••

أمَّا هذه المجموعة، فسأظل أعتز بأني أنا الذي اخترت عنوانها «صدى النسيان» حين طلب أستاذنا سعيد السحار — حادي العديد من الأجيال الأدبية، بدءًا بجيل لجنة النشر للجامعيين — أن أقدِّم لهذه المجموعة، بحبي المؤكَّد لشخصية محفوظ، ولإبداعه.

اخترت اسم واحدة من قصص المجموعة عنوانًا لها، ووافق نجيب محفوظ على الاختيار.

وكانت هذه هي المرة الثانية التي يوافق فيها أستاذ كل الأجيال على اسم مجموعة له ليس من اختياره. أشرت — من قبل — إلى موافقته على اقتراح سعيد السحار بأن يحذف كلمة «تحت» من مجموعته «تحت المظلة». فلما أعلنت إشفاقي على اسم القصة القصيرة التي كانت قد لقيت صدًى بين القُراء والنقاد، يفوق ما لاقته روايات كثيرة، لأدباء آخرين، وافق نجيب محفوظ على تسمية «تحت المظلة»، وصدرت بها المجموعة فعلًا.

•••

يبقى أن هذه الكلمات لا تستهدف التقديم، ولا النقد، ولا حتى الإشارة إلى ما تضمُّه المجموعة من قصص؛ فأنا أدرى الناس بموضعي قياسًا إلى موضع عميد الرواية العربية.

حسبي أن أحاول التعبير عن حب طالب لأستاذ، أفاد منه، ليس على المستوى الفني فقط، وإنما على المستوى الإنساني، وسلوكيات الحياة اليومية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤