الفصل التاسع

المفعول العكسي

من المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة الأمريكية

يعود السبب في قلق سايمون جروفر حيالَ انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي إلى النفقات الإضافية لرحلته، لكن هذا القلق بالذات هو ما دفعه إلى القيام بهذه الرحلة. وكونه يعمل هو نفسه في مجال التكنولوجيا، فإنه طلب بالفعل الدولارات الأمريكية التي يحتاجها عبْر هاتفه الذكي، وكانت جاهزةً ليتسلمها من مكتبٍ في مطار هيوستن. تختلف العمولة التي تتقاضاها الشركات عند بيع العملات، وكذلك الأسعار التي تقدِّمها مقابلها، اختلافًا كبيرًا. كان بوسع سايمون أن يحصُل على أمواله بعمولة أقل في مكان آخر، لكن راحته هي الأهم. في نهاية المطاف، سيشتري مكتب صرف العملات الأجنبية دولاراته من بنك إيميلي. وفي غضون ١٢ ساعة من مغادرته، سيقبض سايمون أمواله ويحجز في أحد الفنادق الذكية الكثيرة في هيوستن، وهي فنادقُ ذات أجواء مملة نوعًا ما وتستهدف المسافرين في رحلات عمل.

عاد الدولار إلى الوطن. خلال رحلته حول العالم، كان الدولار ينتقل إلكترونيًّا من بنك إلى آخرَ، فوزَّع الدخل، وحرَّك عجلات التجارة والازدهار، ودعم ميزان القوى. يجب أن يستمر تدفُّق المال عبْر النظام، وهذا النظام عالمي.

تغادر تريليونات الدولارات أمريكا كلَّ عام، لكن تصل إليها تريليونات أخرى أيضًا. وهذا أمرٌ ضروري من أجل اقتصاد كبير وديناميكي ومزدهر؛ اقتصاد مفتوح يشهد تداولاتٍ كثيفةً وتدفقًا للاستثمارات إلى الداخل والخارج. ويُعَد المسافرون في رحلات عمل أمثال سايمون جزءًا مهمًّا من هذا النشاط.

ستتناقص رِزْمة دولارات سايمون بسرعة؛ لأن أمريكا هي بلد الإكراميات. فمن سائقي سيارات الأجرة إلى النادلات، تُعتبر إضافة ١٥ إلى ٢٠ في المائة من قيمة الفاتورة أمرًا طبيعيًّا ومعتادًا. كما سيقدِّم بضعة دولارات أمريكية إلى مسئولة خدمات الاستقبال والإرشاد المتعاونة في الفندق الذي يقيم فيه؛ تلك المسئولة التي وجدت له طاولة في أفضل مطعم في المدينة. ما اسمُها؟ لورين ميلر.

تُعَد الإكراميات مصدرًا مهمًّا من مصادر دخل الموظفين أمثال لورين لأن أجْرها لا يكفي لتغطية تكاليف المعيشة في السنوات الأخيرة. فمعيشتنا، أي القوة الشرائية للمال، ومدى ثقتنا في مواردنا المالية يتأثران بالعلاقة بين الأجور وتكاليف المعيشة؛ أي مدى ارتفاعهما، ومعدَّل ارتفاعهما. أمريكا هي واحدة من أغنى بلدان العالم، لكنَّ راتب لورين لم يرتفع بالوتيرة التي ترغب فيها، ولا بالوتيرة التي كان يرتفع بها في السنوات السابقة. وتبقى القدرةُ على شراء كميات أكبرَ وذات نوعية أفضل — القدرة على تحمُّل تكاليف المعيشة في الطبقة التي تجسِّد الحُلم الأمريكي — أمرًا بعيد المنال.

•••

نتوقع جميعًا أن تستمر أحوالنا في التحسن. فقد وُعدنا بالنمو الاقتصادي وتحسُّن مستويات المعيشة ونحن نطمح إلى ذلك منذ عدة قرون. إذن كيف لنا أن نضمن إمكانيةَ تحقيق النمو المستمر، مع ارتفاع مستوى المعيشة؟

هناك الكثير من الأشياء التي تسهِم في تحديد مستوى معيشتنا. فأولًا، هناك الضروريات — المأكل والمشرب والمسكن والصرف الصحي والدواء — التي تمكِّننا من العيش. ثم هناك تلك الأشياء التي تجعل حياتنا مريحةً أكثر: كالنقل والتدفئة مثلًا. غالبًا ما يُعَد العمر الافتراضي للثلاجات ومدى توافرها دليلًا على مستوى المعيشة في بلدٍ ما. في القرن الحادي والعشرين، بالطبع، وخاصة في الغرب، كثيرًا ما نقيس مستوى معيشتنا بما نستطيع استهلاكه أو تحمُّل تكاليفه (وهذا يعني أنَّ نصيبَ الفرد من إجمالي الناتج المحلي هو المقياس الأكثر شيوعًا لمستوى المعيشة). إن أكبر عملية شراء سيُقدِم عليها معظم الناس هي شراء منزل. كانت التغيرات في أنماط التوظيف وأسعار المساكن، فضلًا عن خفض الإنفاق الحكومي، تعني أن الشباب هذه الأيام قد يكونون أقلَّ ثراءً من آبائهم. ففي المملكة المتحدة نجد أن فرص شاب بعمر الخامسة والثلاثين في امتلاك منزل أقل من فرص شخص وُلد في عام ١٩٠٠. ولا بد من مراعاة جودة الحياة أيضًا. فما مقدارُ وقت الفراغ لدينا؟ وهل نتمتع بصحة جيدة؟ وما مدى تلوُّث بيئتنا؟ وهل يمكننا الحصولُ على التعليم والاستمرار في تحصيله (تُعَد مستويات معرفة القراءة والكتابة مؤشرًا آخرَ)؟ وترتبط هذه الأسئلة ارتباطًا وثيقًا بمستوى المعيشة. فقد تكون الصحة والتعليم «سِلعًا» في حد ذاتها، لكنها تؤثِّر أيضًا في قدرتنا على كسب المزيد من المال؛ ومن ثَم إنفاق المزيد.

وعلى الرغم من وجود العديد من العوامل التي تحدِّد مستوى جودة حياتنا، فإننا نميل إلى استخدام الدخل مقياسًا لمستويات المعيشة؛ ذلك لأنه أسهلُ في القياس (على الرغم من أن كسب المزيد من المال لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق السعادة، وخاصة بعد مرحلة معينة). وهنا يتمثَّل مستوى معيشة لورين بالأجر الذي تتقاضاه.

في النهاية، يمثِّل أجرُ لورين الثَّمن الذي يمكن لشخصٍ ما دفْعه مقابل عملها. وكما هي الحال مع جميع الأسعار، يتعلَّق الأمر بالعرْض والطلب، وهما يختلفان تبعًا للوظيفة التي تعمل فيها ومكان عملها؛ ويؤثِّر أيضًا في فرصة حصولها على عملٍ من الأساس.

ويُقصد بالعرْض، في هذه الحالة، عدد العمال الموجودين، وعدد مَن يملكون المهارات اللازمة لتولي هذه الوظيفة. وكلما كانت المهارات أكثرَ ندرة، ارتفع السعر. ويمكن القول إن العثور على مسئول ماهر لخدمات الاستقبال والإرشاد أسهلُ من العثور على مديرٍ قادر على إدارة شركة متعددة الجنسيات. قد لا تشعر لورين أن أحد الرؤساء التنفيذيين في «سيليكون فالي» يساوي ألفًا منها، لكنَّ واقع سوق العمل يشير إلى خلافِ ما تشعر به. تعني المنافسة الشرسة على كلية الطب أو كلية الحقوق أن الطبيب أو المحامي المتوسط المستوى مطلوبٌ بشدة، ويتقاضى أجرًا سخيًّا في الولايات المتحدة.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه لا قيمةَ للمهارات إذا لم يكن هناك أحدٌ يريدها. فمثلًا، إذا كان سعر صرف الدولار المرتفع، يمنع الزوارَ من القدوم إلى تكساس والإقامة في فندق لورين، فإن رؤساءها سيشعرون بتوتر شديد. وربما تكون الزيادات في الأجور أقل؛ في الواقع، قد يبدأ مديرو الفنادق في التساؤل عما إذا كانوا بحاجة إلى الكثير من موظفي خدمات الاستقبال والإرشاد؛ أو حتى ما إذا كانوا بحاجة لهم من الأساس.

وإذا كان العكس هو الصحيح، وكان الطلب قويًّا، فستكون الحاجة قوية إلى مزيدٍ من الموظفين. في هذه الحالة، يجب أن ترتفع الأجور لجذب الموظفين الذين تحتاج إليهم الشركات والاحتفاظ بهم. إذا كان الفندق محجوزًا بالكامل على الدوام، فقد يتمكن رؤساء لورين من رفعِ أسعار الغرف. وقد يحتاجون إلى المزيد من الموظفين. وربما سيحاول رؤساء الفنادق المنافِسة اجتذابَ لورين للعمل معهم. والسبيل الأيسر إلى ذلك هي تأمينُ زيادة كبيرة في الراتب لأن مهاراتها ستصبح أكثرَ ندرة مقارنةً بالطلب. وعندها ستمتلك هي — وزملاؤها — مزيدًا من القوة للحصول على ما يريدون.

هم يريدون أجورًا توفِّر لهم حياةً كريمة، ويرغبون في تحسين مستوى معيشتهم وتحسين جودة حياتهم، وفي النهاية هم يريدون شراءَ المزيد. هل يمكنهم مثلًا تحمُّل تكاليف شراء هواتف أحدث، أو حجز عطلة أجمل؟ لذلك، يجب أن تفوق أجورهم مقدارَ الارتفاع في تكاليف المعيشة مهما كان، بحيث تمكِّنهم من شراء أشياء أكثر أو أفضل.

في وقت التضخم، عندما ترتفع الأسعار، سترتفع تكاليف معيشة لورين.

يبدو أن المصرفيين المركزيين والساسة بل حتى المستثمرين في جميع أنحاء العالم مهووسون بالتضخم. والتضخم هو المعدَّل الذي ترتفع به الأسعار في الاقتصاد عمومًا. أسعار ماذا؟ في الواقع أسعار كل شيء. يُقاس التضخم بالنظر إلى مجموعة الأشياء التي ينفِق الناس أموالهم عليها عادةً، من قصَّات الشعر إلى الزبدة إلى الإسكان. بمعنًى آخر، تكاليف كل مشتريات لورين بالإضافة إلى نفقاتها الأخرى.

تحدِّد شركاتٌ مختلِفة هذه الأسعارَ لأسباب مختلفة، لكن من منظور أعم وأشملَ، يمكن أن ترتفع الأسعار بشكل عام لعدة أسباب. وتشمل هذه الأسباب الزيادةَ الكبيرة في الطلب: إذ يملك الناس المال ويرغبون في إنفاقه، مما يعني أنه بوسع تجار التجزئة تغيير السعر. أو قد ترتفع الأسعار إذا ارتفعت تكلفة إنتاج السلع: وعلى الشركات تغطيةُ التكاليف المرتفعة للإنتاج. أو إذا كان هناك نقص في بعض السلع المهمة: وهذا قد يحدُث مثلًا مع الطعام أو النفط أو المنازل. كما رأينا في روسيا، وإلى حدٍّ ما في المملكة المتحدة بعد التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يمكن أن يؤديَ انخفاض سعر الصرف أيضًا إلى ارتفاع الأسعار عامةً؛ لأنه يرفع من تكاليف الواردات.

ترى الحكومات والمصرفيون المركزيون أن المعدَّل السنوي المثالي للتضخم يبلغ نحو ٢ في المائة، وغالبًا ما نقرأ عن «مقدار التضخم الذي تنشده الحكومة». قد يبدو مستغربًا أن يكون للحكومة حتى هدف يتعلق بمستوًى معيَّن من التضخم. فكيف يُعقل أن تستمر الأسعار في الارتفاع إلى الأبد، ولماذا قد يرغب أحد في حدوث ذلك؟ يعني ارتفاع الأسعار أن أجْر لورين يجب أن يستمر في الارتفاع ليتناسب مع الأسعار، إذا كانت تريد تحسين مستوى معيشتها. وبالتأكيد هذا يجعل الحياةَ أكثر صعوبة؟ لكن كما هي الحال مع الكافيين أو الشوكولاتة، فإن ارتفاع الأسعار ليس بالضرورة أمرًا سيئًا … شريطة أن يحدُث باعتدال.

يساعد الحفاظ على معدَّل تضخُّم منخفض نسبيًّا الاقتصاد على النمو بسلاسة. يشجِّع ذلك المستهلكين على إنفاق المزيد (فمن عساه سينتظر لشراء دراجة جديدة العام المقبل إذا كانت الأسعار سترتفع؟). ونظرًا لأن المستقبل مشرق، ستشعر الشركات بالثقة حيال الاستثمار من أجل التوسُّع وإنتاج المزيد.

لكن إذا ازداد التضخُّم بمعدَّل أسرع من اللازم، فإنه يؤدي إلى انخفاض قيمة الدولار الذي في جيوبنا وفي حساباتنا البنكية. ببساطة لم تَعُد لهذه الأموال القيمة السابقة نفسها. يمكن أن يؤديَ ارتفاع الأسعار إلى خلقِ حالةٍ من الذعر والفوضى؛ فقط اسأل أولئك الذين عاصروا فترة التضخم المفرِط في ألمانيا أو الأرجنتين.

وبالمثل، يمكن أن يؤديَ انعدام التضخم أو انخفاض الأسعار (الانكماش الاقتصادي) إلى أزمةِ ثقة في آفاق الاقتصاد. فسيؤجل الناس عمليات الشراء، لأنهم يتوقعون أن تنخفض أسعار الأشياء التي يخططون لشرائها في المستقبل، ومن ثَم ستتوقف الشركات عن الاستثمار. سيتباطأ النشاط الاقتصادي، وهذا سيؤدي إلى انخفاض الأسعار كثيرًا. وسينتج عن ذلك دوامةٌ انكماشية، وعواقبُ وخيمة. وفي الوقت نفسه، ستزداد القيمة الحقيقية للديون. الانكماش هو عدو النمو؛ ووضع هدف لتحقيق قدْر صغير من التضخم كلَّ عام يساعد في الحد من احتمالات حدوثه.

إن الحفاظ على مستوًى مقبول من التضخم ليس بالأمر السهل. يجب على صنَّاع القرار المحافظة على دوران عجلة الاقتصاد، واتخاذ إجراءات محفوفة بالمخاطر لتحقيق التوازن: يتعين عليهم أداء مهامَّ متعددةِ في الوقت نفسه كما يفعل البهلوان.

من وجهة نظر لورين ميلر، فإنها ستبحث عن زيادات في الأجور تسمح لها باستباق التضخم، لكي تتمكَّن من الاستمتاع بمستوًى معيشي أعلى. لكن كيف يمكن للشركات تحمُّل زيادات الأجور إضافةً إلى التضخم؟ إذا كان دخل الشركة من المبيعات يزداد بمقدار معدَّل التضخم فقط — لأن هذا هو معدَّل ارتفاع الأسعار — إذا دفعت رواتب أكثر للموظفين، ألن تخسر المال، أو حتى تخاطر بالإفلاس؟

تستطيع الشركة أن تدفع أكثرَ في حال كانت أرباحها آخذة في الازدياد. والأرباح أساسًا هي الفرق بين الأموال المتحصَّل عليها من المبيعات وتكلفة إنتاج السلع المبيعة. قد يبدو غريبًا أن نقول إن لورين «تنتج سلعًا»، لكنها إذا كانت موظفة نشيطة، وبذلت جهدًا إضافيًّا من أجل نزلاء الفندق، فإنها بذلك تجعل فندقها مميزًا عن بقية الفنادق، وهذا يمكِّنه من كسب المزيد من المال. إنها تسهِم في أرباحه بالطريقة نفسِها التي تسهِم بها امرأة تتولى تجميعَ جهاز راديو في شينزين في أرباح مينجتيان. في أي صناعة، وفي أي بلد، تعتمد زيادة الأرباح جزئيًّا على قدرة موظفي الشركة على إنتاج المزيد بتكلفة أقل. (يساعد بيع المزيد على ذلك أيضًا.)

الإنتاجية، في أبسط أشكالها، هي الكميةُ التي ينتجها العامل في الساعة. كلما أنتج العمال كميةً أكبر، انخفضت تكاليف إنتاج الشركة لكل وحدة. ونتيجةً لذلك، ترتفع طاقتها الإنتاجية. وبهذا تنمو الشركة نموًّا سريعًا وقد تحقِّق المزيدَ من الأرباح. فمع زيادة إنتاجية العمال، يمكن للشركة أن تدفع لهم المزيد، ما دامت منتجاتها مطلوبة.

أصبحت الإنتاجية بمثابة الهدف الرئيسي لدى الحكومات في جميع أنحاء العالم؛ لأنها تمكِّن الاقتصاد من النمو من دون الوصول إلى مستويات ضارة من التضخم. مع زيادة الإنتاجية، يزداد إنتاج السلع. فلا تندُر، ومن ثَم لا ترتفع الأسعار. وتزداد قيمة الأجور، نظرًا لتزايد الأموال المتوافرة لدى الناس وعدم زيادة أسعار السلع بالدرجة نفسِها. سيتوفر المزيد من السلع، وبتكاليفَ يمكن تحمُّلها. ستشعر لورين بأنها أكثرُ ثراءً، وستكون على استعداد أكبر لإنفاق أموالها. بما أن شركتها تؤدي أداءً جيدًا، فهي قادرة على دفع الأجور وزيادتها بسرعةٍ مماثلة أو أكبر من سرعة ارتفاع تكاليف السلع.

لكن من المؤكَّد أن زيادة الإنتاجية تعني أننا نحتاج إلى عدد أقل من العمال لإنتاج العدد نفسه من السلع، وهذا بدوره يؤدي إلى نقص عدد الوظائف عمومًا؟ في الواقع، يرى الكثيرون أن الاقتصاد المتنامي بسرعة يحتاج إلى المزيد من العمال لتلبية كل هذا الطلب الإضافي. وهذا معناه أن مستويات المعيشة سترتفع. ويصبح الجميع سعداء.

عبَّر مسئول البنك المركزي البريطاني آندي هالدين عن ذلك صراحة. فقد أشار إلى أن مستويات المعيشة في المملكة المتحدة، مَقيسة بدخل الفرد، قد ارتفعت ٢٠ ضعفًا منذ عام ١٨٥٠. ولو أن الإنتاجية ظلت على حالها خلال تلك الفترة، لبلغ مستوى المعيشة الآن ضعفَي ما كان عليه حينها وحسب. ولكان البريطانيون عالقين في العصر الفيكتوري. لكن بدلًا من ذلك، تمكَّن الجميع من تحقيق الازدهار بفضل العمال الأكْفاء الذين استعانوا بالآلات الحديثة والتكنولوجيا. لقد لوَّحت الإنتاجية بعصاها السحرية. انظر إلى أي قصة نجاح اقتصادي مستدام، وستجد أن الإنتاجية هي كلمة السر.

يُقصد بزيادة الإنتاجية تزويد العمال بالأدوات اللازمة لأداء عملهم بسرعةٍ أكبر، والتأكد من أنهم يعرفون كيفيةَ تنفيذ العمل المُسند إليهم.

وكما هو معلوم لدى عشَّاق الفتى الساحر هاري بوتر، فإن التعويذات السحرية معقَّدة وبعيدة كلَّ البعد عن البساطة. فلو كانت هناك تعويذة أساسية لزيادة الإنتاجية، فمن المحتمل أن تكون مشابهة لتعويذات تغيير الهيئة — التي تُدرَّس للتلاميذ الكبار في هوجوورتس، والتي تحوِّل شيئًا إلى شيء آخرَ. قد تندرج هذه التعويذة السحرية الخاصة أيضًا تحت عنوان تحسينِ ما يُعرف باسم «جانب العرض» في الاقتصاد. إليكم ما تحتاجون إليه لأداء تعويذة الإنتاجية:

  • (١)

    التغيير التكنولوجي: من المحرِّكات البخارية إلى الحواسيب اللوحية، يمكن للمعدَّات المناسبة أن تجعل العمل أكثرَ بساطة.

  • (٢)

    وجود عدد كافٍ من العمال الذين يملكون المهارات؛ المعرفة اللازمة لكيفية أداء العمل، وتشغيل الآلات.

  • (٣)

    توفُّر السيولة النقدية: يحتاج الاستثمار في الأدوات والآلات الجديدة إلى الكثير من المال.

  • (٤)

    إدارة تتميز ببُعد النظر ومستعدة للمخاطرة بإنفاق هذه الأموال: قد لا يكون استرداد الأموال مضمونًا أو مؤكدًا مدة من الزمن.

  • (٥)

    حكومة داعمة تخلق بيئة صديقة للاستثمار، وتسمح ببناء البنية التحتية من الطرق إلى المدارس والمستشفيات. (لا جدوى من وجود القوى العاملة الماهرة ما لم تكن بصحة جيدة ويمكنها الوصول إلى العمل.)

  • (٦)

    العوامل المادية والجغرافية: إذا كنت تدير منجمًا للفحم، فأنت بحاجة إلى طبقة غنية بالفحم بداية الأمر.

    حتى الآن هذه قائمة شاملة لكلِّ ما تحتاج إليه لتوفير السلع. لكن لكي يحدُث السِّحر، فأنت بحاجة إلى المحفِّز المناسب:

  • (٧)

    مستوًى متزايد — ويمكن التنبؤ به — من الطلب لتحفيز العملية الإنتاجية وجعلها قابلة للاستمرار.

اجمع هذه العواملَ معًا، واجلس واستبشر خيرًا. من الصين إلى ألمانيا، يعود الفضل إلى الإنتاجية في تحقيق «المعجزات» الاقتصادية خلال المائة عام الماضية. إن نقل العمال من الحقول إلى المدينة لإنتاج السلع المصنَّعة للغرب كان يعني أن إنتاجية الصين زادت بسرعة مع تبنِّيها التحول الصناعي. شهد الاقتصاد الصيني نموًّا بمعدَّل يتجاوز في المتوسط ٨ في المائة سنويًّا من عام ٢٠٠٨ إلى عام ٢٠١٣. ومع ذلك، فإن تحويل الاهتمام بعيدًا عن التصدير في العامين الماضيين أدَّى إلى تراجع معدَّل النمو هذا. يتساءل بعض الناس عما إذا كان ذلك يمكن أن يحول دون تحقيق طموحات الصين في أن يصبح اقتصادها الأغنى على هذا الكوكب. في حالة ألمانيا، كان النمو القوي للإنتاجية يعني أن الاقتصاد قادرٌ على أن ينموَ بسرعة كافية لاستيعاب المهاجرين من دون ارتفاع في معدلات البطالة.

تجميع كل هذه العوامل معًا في الوقت نفسه، والحصول على المزيج الصحيح، أصعبُ بكثير مما يبدو عليه. كما أنه يستغرق وقتًا. وهذا ما ستؤكده أيٌّ من تلك الدول «المعجزة»، فما من اقتصاد يحقِّق نجاحًا مبهرًا بين عشية وضحاها. كما حذَّرت جيه كيه رولينج، مبتكرة شخصية هاري، من أن تغيير الهيئة هو «عمل شاقٌّ للغاية … عليك تنفيذه بإتقان تام». وبعبارة أخرى، يتطلب التحول مزيجًا من التخطيط الدقيق والصبر والجمع بين كلٍّ من الطلب والعرض بشكل مناسب. ومن السهل جدًّا أن ينحرف عن مساره.

منذ الأزمة المالية في عام ٢٠٠٨، حدث شيء غريب في معظم البلدان الغنية، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة. لقد تباطأ نمو الإنتاجية على الفور. وفي بعض الحالات، بدا أن إنتاجية العمال قد انخفضت. بعد الانهيار، اتسم التحسُّن بزيادة سريعة في أعداد الوظائف، ويعني ذلك وجودَ زيادة إجمالية في الإنتاج. لكن نمو الإنتاجية — ونمو الأجور — ظل ضعيفًا للغاية (وكما سنرى، كان أضعف من نمو الأرباح). ما الذي كان يجري؟ ألم تنتبه لورين ميلر لمتطلبات وظيفتها؟

لم يفهم أحدٌ تمامًا هذا التراجع في الإنتاجية، لكن يمكن أن نجد الإجابة لدى رؤساء الشركات. حين اندلعت الأزمة، قرَّر البعض أنه من الأسهل تخطيها مع موظفيهم، بدلًا من تسريحهم، خاصةً عندما تكون العقود مرنة بشأن ساعات العمل، ويكون أجرُ العمال رخيصًا نسبيًّا. في أواخر القرن العشرين، كان ثمة قلقٌ كبير بشأن ظهور «وظائف ماك» (سُميت على اسم سلسلة مطاعم الهمبورجر)؛ ويُقصد بها الوظائف التي لا تتطلب مهاراتٍ عالية والتي تكون الأجور فيها منخفضة وذلك في المجالات المزدهرة مثل البيع بالتجزئة والأنشطة الفندقية، والتي شكَّلت الجزء الأكبر من الوظائف الجديدة المُحدَثة في الغرب. تساءل النقَّاد — ولا يزالون يتساءلون — عن مقدار القيمة التي تضيفها إلى الاقتصاد. بالإضافة إلى ذلك، شهدنا في أعقاب الأزمة ظهورَ العقود التي تتضمن ساعات عمل غير محدَّدة — وأجورًا أقل، وعددًا أقل من الساعات المضمونة وعددًا أقل من المزايا (الإجازات المرضية مدفوعة الأجر، والتدريب، وما إلى ذلك). وقد تزامن ذلك مع صعود عمالقة شبكات الإنترنت — مثل أمازون — واقتصاد «العمل الحر»، ممثلًا في تطبيق سيارات الأجرة «أوبر» أو عملاق توصيل الطعام «ديليفرو». تَعِدُ هذه الوظائف بتكاليفَ أقلَّ لأرباب العمل وبمرونةٍ أكبرَ بمقدورهم الاستفادة منها بشكلٍ أساسي.

حتى عندما تحسَّن الوضع مجددًا، اختارت العديد من الشركات الاعتمادَ على العمالة الرخيصة نسبيًّا. دفع الحذر بالعديد من أرباب العمل إلى القلق من الاستثمار. فلم ينفكوا يؤجلون الاستثمار في حواسيبَ جديدة أو معدات تنظيف أكثرَ كفاءة مثلًا، وهي أدوات من شأنها أن تساعد على زيادة إنتاجية عمالهم. بعد أن شهد الموظفون الأزمةَ المالية، شعروا بالارتياح لمجرد حصولهم على وظيفة، حتى لو كانت الأجور متدنية وساعات العمل غير محددة. وبالطبع، قلَّصت بعض الشركات حجمها، ما أدَّى إلى زيادة الأعباء على عدد أقل من الموظفين المكلَّفين بتنفيذ العمل. لكن تلك الشركات تمثِّل أقلية في الواقع.

في السنوات الأخيرة، تزايدت المخاوف من أن آلية تطبيق الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين قد أضرَّت بنمو الإنتاجية. تعمل الشركات بشكلٍ متزايد بِناءً على طلب المساهمين. وبينما تبحث صناديق التقاعد الكبيرة عن نمو مستقر في استثماراتها على مدى عدة عقود، فإن العديد من المساهمين الآخرين قد ينصبُّ اهتمامهم على الأجل القصير، ويركِّزون على الفوز السريع لزيادة الدولارات التي يكسبونها. ومن الممكن أن يصبح الاستثمار — وهو أضخم إنفاق تتحمله الشركة، التي قد تجني ثماره فقط من خلال إنتاجية أفضل على المدى البعيد — غيرَ ذي أولوية. تطوُّر آخر حديث هو نمو صناديق الأسهم الخاصة، التي تمثل كبار المستثمرين وتستثمر مباشرة في الشركات، أو حتى تمتلكها مباشرة. ينصبُّ تركيزها — وهو نهج منهجي أكثر — على خفض التكاليف والحصول على نتائجَ سريعة.

ونتيجة هذا كلِّه هو أنه عقب الانهيار، تتوافر وظائفُ أكثر، لكن إنتاجيتها تكون أضعف والأجور فيها تصير أقلَّ مما كانت عليه في السابق. عادةً ما تعني الزيادة في التوظيف زيادةَ الأجور؛ لأنها تعني أن أصحاب العمل يحتاجون حقًّا إلى هؤلاء العمال ويتنافسون من أجل توظيفهم والاحتفاظ بهم، لكن ليس هذا هو الحال هذه المرة.

في السنوات الأخيرة، أربك لغزُ الإنتاجية الخبراءَ الاقتصاديين والحكومات. يهدُف بنك الاحتياطي الفيدرالي وهو البنك المركزي لدى لورين ميلر، إلى ارتفاع الأسعار بنحو ٢ في المائة سنويًّا — وهو معدَّل التضخم المنشود — لأن هذا الارتفاع يمثل اقتصادًا ينمو بوتيرة سليمة ومستدامة. ويُعتقد أن هذا يتوافق مع ارتفاع الإنتاجية بنحو ١,٥ إلى ٢ في المائة سنويًّا، أي إن الأجور يجب أن ترتفع بنحو ٣,٥ إلى ٤ في المائة سنويًّا.

في السنوات الأخيرة، لم يحدُث أيٌّ من ذلك. زاد أجر الأمريكي العادي بنسبة تتراوح بين ٢ و٣ في المائة سنويًّا منذ عام ٢٠٠٧. وهذا أسرعُ من ارتفاع الأسعار بنسبة ١ في المائة فقط. لذا ظل أجرُ لورين على حاله تقريبًا، ولم يتزايد تزايدًا ملحوظًا. الوضع أسوأ في المملكة المتحدة، حيث انخفضت الأجور الحقيقية، بعد احتساب تكاليف المعيشة، بنسبة ١٠ في المائة بالقيمة الحقيقية في السنوات الست التي أعقبت الأزمةَ المالية. وفي أوروبا، فإن اليونان التي ضربتها الأزمة المالية هي وحدَها القادرة على تعويض هذا الانخفاض.

إحدى العراقيل التي تزيد من تعقيد لغز الإنتاجية هي المشكلة الشائكة المتمثلة في كيفية قياس الإنتاجية. ويُقصد بالإنتاجية عمليًّا مقدار الإنتاج مقارنةً بعدد الأشخاص اللازمين لتحقيقه. لكن كيف نقيس الإنتاج؟ إن قياسه أمرٌ سهل في مجال التصنيع؛ إذ يمكننا حسابُ عدد السيارات التي تخرج من خطوط الإنتاج. كما أن حساب مقدار المحاصيل من الحقول الريفية، أو عدد ناطحات السحاب التي ظهرت في أفق هيوستن أمرٌ بسيط. وفي بعض مشروعات قطاع الخدمات، من السهل تسجيلُ عدد الزبائن الذين يتسوقون في «وول مارت» في كل ساعة، أو عدد الزبائن الذي يمكن لمصفِّف الشعر أن يقص شَعرهم أو يجفِّفه. لكن كيف يمكن قياس إنتاجية لورين؟ هل هو عدد المعلومات والنصائح التي يمكن أن تقدِّمها للزوار؟ أم عدد الدرجات التي تحصل عليها في استطلاعات قياس رضا نزلاء الفندق؟ يسلِّط هذا السؤال الضوءَ على أحد أهم المشكلات المتعلقة بقياس الإنتاجية: فهي تركِّز على قياس مقدار الإنتاج لكل فرد، والذي قد يصعب قياسه، وهي أيضًا لا تأخذ الجودةَ في الاعتبار.

يبذل مدقِّقو الحسابات المكلَّفون بقياس هذه الأمور قصارى جهدهم، لكن المشهد يتغير دائمًا. فمثلًا، أفرزت تداعيات الأزمة المالية في القطاع المصرفي فئاتٍ جديدة من القوانين وعمليات التدقيق. وتطلَّب ذلك توظيفَ أعداد كبيرة من الموظفين الجدد المعنيين بمراقبة الامتثال. في ظاهر الأمر، فإن زيادة عدد الموظفين من دون زيادة الإنتاج يعني إنتاجيةً أقل. لكن هؤلاء الأشخاص موجودون لضمان أن يكون المنتج النهائي أفضلَ وأكثرَ أمانًا، ومن ثَم أكثر كفاءة وملاءمة للغرض منه. كما أن التطور السريع للتكنولوجيا قد جعل مواكبةَ هذه التغيرات أمرًا صعبًا على الإحصائيين. ومع أن الاستثمار كان ضعيفًا على أرضِ الواقع في قسمٍ كبير من العالم الغربي، لا سيَّما في القطاع المصرفي أو قطاع الإنشاءات على سبيل المثال، فإنه أدَّى بلا شك إلى زيادة الكفاءة. وهذا قد يعني أن العمال في الواقع أكثرُ إنتاجية مما تشير إليه الإحصاءات الرسمية؛ لكننا ما زلنا لا نجني العوائد.

بإيجازٍ نقول إن الإنتاجية يُنظَر إليها على أنها العصا السحرية لزيادة النمو وتحسين مستويات المعيشة، لكنها قد تكون مراوغة وبعيدة المنال، وما من أحدٍ يعرف على سبيل اليقين كيفيةَ الوصول إليها، أو تحقيقها. وحتى عندما تتزايد الإنتاجية، فقد تكون النتيجة غيرَ مؤكدة: فقد لا تتحسَّن الأجور بالضرورة.

في الولايات المتحدة، بين نهاية الحرب العالمية الثانية وأوائل سبعينيات القرن العشرين، كانت الزيادة في الإنتاجية مساويةً للزيادة في الأجور. ومع ذلك، انخفضت الزيادة الحقيقية في الأجور منذ ذلك الحين. ولم يحصُل العمال قط على جميع المكاسب الناتجة عن كفاءتهم المتزايدة. وسنحتاج إلى كتاب آخرَ لنناقش السببَ الكامن وراء هذه الحالة. لكن باختصار، يمكن تغييرُ العلاقة بين الإنتاجية ومستويات المعيشة من خلال تحوُّل في السلطة بين العمال وأرباب العمل. قد يعني ذلك أن الأرباح الأعلى لشركةٍ لا تعني أجرًا أعلى لعمالها. إن حصة العمال اليوم من إجمالي الناتج المحلي، أي دخْل الأمة، هي أقلُّ مما كانت عليه قبل ٤٠ عامًا. وفي عام ٢٠١٦، بلغ دخل رؤساء أكبر الشركات الأمريكية ما يقارب ٣٠٠ ضِعف دخْل موظفيهم العاديين. وكان ٢٠ ضِعفًا في عام ١٩٦٥. منذ الأزمة المالية، بشَّرتنا الصحف بحدوث ما يُعرف باسم «ربيع المساهمين» بشكل متكرر في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة — إذ صوَّت كبار المستثمرين مثل مسئولي صناديق التقاعد ضد الزيادات الكبيرة في أجور رؤساء الشركات «القطط السِّمان». لكن جهودهم ذهبت سدًى: إذ استمرت الفجوة بين قاعة الاجتماعات والمتاجر على أرض الواقع في الاتساع.

في أوقات الرخاء، سيرى الرؤساء، عند موافقتهم على زيادة الأجور، مدى سرعة زيادة التضخم، ويضيفون القليل إليها. وقد يتوقَّف مقدار الزيادة على «قوة» الطلب في سوق العمل، ومدى الحاجة الماسة لجذب الموظفين. بينما في هذه الأيام، يبدو أن سلطة العمال أضعف. تعتمد هذه السلطة جزئيًّا على وجود نقابة للعمال لها وزن ويمكنها المساومة على الأجور أو التهديد بالإضرابات. بالطبع، قد تتمكن النقابة من تأمين زيادة الأجور لأعضائها، حتى لو لم ترتفع الأرباح. وهذه الأجور العالية قد تحفِّز العمال على زيادة إنتاجيتهم. لكن إذا لم يحققوا زيادةً في إنتاجيتهم، فمن المرجَّح أن تكون زيادة الأجور هذه قصيرة الأجل. ستضطر الشركة إلى تسريح العمال أو الإفلاس. لقد تدهورت القوة النقابية في الغرب إلى حدٍّ ما، ويمكن أن يؤديَ تخفيف القواعد إلى تسهيل توظيف العمال بموجب عقود تتضمن ساعات عمل غير محددة.

ربما يكون التركيزُ على تزويد المساهمين بالنمو والعائدات والأرباح قد أتى على حساب العمال. وتزداد صحة هذا الكلام باطراد مع ظهور الشركات المتعددة الجنسيات، التي قد تعود ملكيتها لصناديق الأسهم الخاصة أو المساهمين الأجانب، الذين على الأرجح ليس لديهم مصلحةٌ في رفع مستويات المعيشة المحلية. وبالمثل، في سوقٍ تنافسية، تنقل العديد من الشركات عملها إلى خارج البلاد، وتستعين بمصادرَ خارجية تكون أجور العمال فيها أرخصَ في أماكنَ مثل الهند. وفي المقابل، قد تقيم قواعدَ في البلدان التي تكون فيها معدلات الضرائب أقل. تحظى دبلن بشعبية كبيرة بين عمالقة التكنولوجيا لهذا السبب. يمكن أن يدفع الموظفون الثَّمن نتيجةً لتجاوز التكنولوجيا ونظامنا المالي حدودَ البلاد.

إن مستويات المعيشة للأمريكيين العاديين لا ترتفع بالسرعة التي يرغبون فيها، أو بالسرعة التي ينمو بها الاقتصاد. بطريقةٍ ما، فشلت موجة التغيير، ربما بسبب نقص الاستثمار الخاص، أو بسبب سياسة الحكومة أو لعدم توافر الوظائف المناسبة والعمال المناسبين. وحتى عند تحقيق مكاسب من الإنتاجية، ومن زيادة الكفاءة التكنولوجية، ستتناقص حصة العمال من المكاسب. يعني التطور التكنولوجي الحالي، أو الثورة الصناعية الرابعة، أنه بوسعنا تنزيلُ فيلم في ثوانٍ، أو التحدُّث إلى الأصدقاء الموجودين في قارة أخرى وجهًا لوجه. لكن هل يجعلنا جميعًا أكثر ثراءً؟ ربما يكون التطور التكنولوجي قد غيَّر نوعيةَ حياتنا أكثرَ من مستوى معيشتنا. وهذا قد يكون مثالًا على التعبير السائد «الفائز يأخذ كل شيء»؛ إذ تكون النُّخبة فقط مؤهلة للاستفادة المالية من التطورات التكنولوجية، بينما تبقى أجور الآخرين على حالها.

ينتج عن هذا وجودُ الكثير من العمال الذين لا يشعرون بعدم الرضا نظرًا إلى أنهم يشهدون ارتفاعَ الأسعار من حولهم من دون أن تشهد أجورهم أيَّ تحسُّن. نتوقع ارتفاع مستويات المعيشة، وقد ترتفع إذا ارتفعت الإنتاجية، لكن هذا ليس ما نشهده في الوقت الحالي. الأمر مهم ليس فقط من الناحية الأخلاقية أو السياسية، بل من الناحية الاقتصادية أيضًا. إذا كان العمال يمتلكون مالًا أقل لإنفاقه، فإن الطلب في الاقتصاد سيتقلص عمومًا. إذا زادت الإنتاجية، فلا بد من وجود طلب لإعطاء دفعة للإنتاج.

•••

تشعر لورين ميلر بالسعادة لحصولها على وظيفتها، مع أنها ترغب في الحصول على المزيد من المال لأداء تلك الوظيفة؛ وتساعدها في ذلك الإكراميات التي يدفعها العملاء مثل سايمون جروفر. كما أن الحكومة الأمريكية أيضًا سعدَت لأن سيمون قد أتى، حاملًا معه الدولارات؛ فكل بلد يريد أن يكون المال الوارد إليه أكبرَ أو يساوي المال الصادر منه. لقد كسبت لورين هذا الدولار، والآن يمكنها إنفاقه. وإذا كان هناك أمرٌ ترغب فيه الحكومة، فهو أن تضمن استمرار لورين في الإنفاق، حتى لو كان جهاز الراديو الذي تشتريه مصنوعًا في الصين وليس في الولايات المتحدة.

فالإنفاق الاستهلاكي يعزِّز النمو، ويشكِّل النسبة الأكبر، عادةً ٦٠ في المائة، من إجمالي الناتج المحلي في الاقتصادات الحديثة. إذا كان إنتاج السلع وتحسين الإنتاجية هو جانب العرض، فإن إنفاقنا يوفِّر التوازن الضروري: الطلب. إن المستهلكين الأمريكيين أقوياء بصفة خاصة. وتمثل مصاريفهم مجتمعة سُدس الاقتصاد العالمي. ولكن أينما كنا، ومهما كان دخلنا، سنكون أكثر ترددًا في الإنفاق إذا كنا غير متأكدين من الظروف الحالية أو المستقبلية. فالثقة أساسية. يمكن أن تؤثِّر إيجابيات وظيفتنا، وقيمة منزلنا، وحتى البيئة السياسية على مدى قوة — أو عدم قوة — عامل الشعور بالرضا. يعتمد ذلك أيضًا، بالطبع، على مقدار الأموال المتوافرة في جيوبنا. ربما إذا اضطُرت لورين إلى دفع ضرائب أقل، فستشعر بأنها أكثر ثراءً، وسيكون لديها المزيد لتنفقه؟

مصلحة الضرائب (دائرة الإيرادات الداخلية) هي «الوكالة الأكثر هيبةً في أمريكا». فواحد من كل ٥ دولارات من إجمالي الناتج المحلي في الولايات المتحدة يذهب إلى العم سام؛ أي الحكومة الفيدرالية. تأتي هذه الأموال، على سبيل المثال، من الرسوم على أرباح الشركات أو السلع المبيعة في المتاجر أو الدخل أو الضرائب الأخرى. يأتي ثلث إيرادات دائرة الإيرادات الداخلية من ضرائب الدخل التي يدفعها الأمريكيون مثل لورين ميلر، وهي ستدفع المزيد لحكومتها المحلية في صورة ضرائب الولاية.

بالطبع، ليس لكل شخص علاقةٌ مباشرة بالقدْر نفسه مع مصلحة الضرائب. فالبعض لا يدفعون حصتهم من الفاتورة. وأسباب ذلك كثيرة. فالبعض يتهربون من الدفع لأن دخلهم يأتي من مصادرَ غير مشروعة: كالمخدرات أو الدعارة، على سبيل المثال. ويتهرب آخرون من الضرائب عن طريق الاحتفاظ بالنقود بعيدًا عن الشركات المشروعة، مثل بعض الأوليغارشيين الروس الذين يشترون منازلَ في قبرص. هذا غير قانوني. أو، كما كشفت «وثائق الجنة»، هناك أفراد أثرياء — مثل بونو، مغني فرقة «يو تو» — قادرون على تحمُّل تكاليف المحاسبين والمخطَّطات الخارجية المعقَّدة التي تؤدي إلى خفض فاتورة الضرائب. وهذا أمرٌ قانوني، ما لم تكن هذه المخططات مصمَّمة فقط لتسهيل التهرب الضريبي، كما كان الحال مع مخطَّط للاستثمار في الأفلام الخاسرة، الذي يروَّج له على أنه يسمح للمستثمرين بشطب خسائرهم من استحقاقاتهم الضريبية. قد نجد بين متجنبي الضرائب أيضًا شركاتٍ متعدِّدة الجنسيات — من بينها «أمازون» و«فيسبوك» — تدَّعي (قانونيًّا) أن مقرَّها في بلدانٍ ذات معدلات ضريبية أقل من أجل خفض فواتيرها. ويبرِّرون موقفهم عادةً من خلال الإشارة إلى أنهم يخلقون عددًا كبيرًا من الوظائف التي يشغَلها الموظفون الذين يدفعون الضرائب.

سواء كان تجنُّب الضرائب (القانوني) أو التهرُّب منها (غير القانوني)، فإن النتائج هي نفسها. ويعني هذا قدرًا أقلَّ من الأموال التي تُجبى من أجل الإنفاق الحكومي، والتي تغطي غالبًا ما لا يستطيع القطاع الخاص توفيره أو لا يريد توفيره. المثال الأكثر وضوحًا هو السلع العامة: وهي الأشياء التي لا يُستثنى منها أحد، ولا يمنع استخدام أحدِهم لها من استمتاع الآخرين بها، مثل الهواء النظيف أو الدفاع. ثم هناك أشباه السلع العامة، التي لا تتناسب تمامًا مع تعريف السلع العامة. قد تشمل الحدائقَ العامة أو الطرق (التي يمكن أن يمنع الازدحام المروري الجميع من استخدامها). فهذه السلع، من الناحية النظرية، تفيد الجميع؛ لذلك يجب على الجميع الدفع. لكن إذا دفع البعض فقط، وكان بمقدور الجميع الاستفادةُ منها، فستكون هناك مشكلة مشابهة لمشكلة «الراكب المجاني».

وهناك أيضًا الأشياء التي يجب أن تكون متاحة للجميع بغض النظر عن الظروف أو الرغبات الفردية. فهي لها «منفعة اجتماعية» تتجاوز منفعتَهم الخاصة. ويشمل ذلك توفيرَ التعليم والصحة. تدريب الأطباء، على سبيل المثال، يفيد المجتمعَ بالإضافة إلى توفير دخل أعلى للشخص المعني. لكن الشكل الذي تتخذه هذه السلع الاجتماعية وآلية تمويلها يُعَد موضعَ خلاف مستمر. تفخر المملكة المتحدة بالخدمة الصحية الوطنية التي يموِّلها الممولون، لكن بعض الأمريكيين يرفضون فكرةَ دعم تكلفة اعتلال صحة الآخرين. إنهم يفضِّلون الدفع لشركات التأمين على أساس ظروفهم الخاصة.

قد تقرِّر الحكومات أيضًا استخدام بعض أموالها لتوفير شبكة أمان للعاطلين عن العمل أو المرضى أو المسنين، وإعادة توزيع الدخل في جميع أنحاء البلاد. ويمكن أيضًا استخدامُ الضرائب للتأثير على السلوك، أو للتأثير على الأسواق: مثلًا التعريفات الجمركية على السلع الصينية التي تخفِّض من احتمالية أن يشتريَها الناس.

تعتمد القرارات المتعلقة بالضرائب الحكومية، ومقدارها، وما تُنفَق عليه هذه الضرائب على الاعتبارات السياسية. يدفع الأمريكيون أكثرَ من ٢٥ في المائة من إجمالي ناتجهم المحلي ضرائبَ، لكنَّ منافسيهم في أوروبا يدفعون في المتوسط ٣٤ في المائة. عادةً ما كانت الولايات المتحدة، بأعبائها الضريبية المنخفضة نسبيًّا، أقربَ إلى اقتصاد «السوق الحرة»؛ لأن البعض يشعرون بأن المبالغة في الضرائب والإنفاق يجعل الاقتصاد أقلَّ فعالية، ويقلل من الاختيار وسيطرة المستهلكين على ثرواتهم ومصائرهم.

إن خفض الضرائب للمساعدة في الظروف الاقتصادية الصعبة هو أداةٌ قائمة بذاتها تستخدمها الحكومات. إنها طريقة سريعة ومباشرة لمنح الناس المزيدَ من المال، لكن ماذا لو كان ذلك يعني أن الحكومة لا تستطيع بعد ذلك توفيرَ الأساسيات التي تساعد على زيادة الإنتاجية؟ فالهند، على سبيل المثال، تحتاج إلى ضرائبَ للإنفاق على البنية التحتية الأساسية.

لكن البعض رأى أن الضرائب الأقل يجب أن تدُل على أن الحكومة تجني المزيدَ من المال إجمالًا. في ثمانينيات القرن العشرين، خفَّضت أمريكا بالفعل معدَّلاتها الضريبية سعيًا لتحقيق هذا الهدف. كان كل ذلك بفضل خبير اقتصادي يُدعى آرثر لافر، وهو أحد الأشخاص المفضَّلين لدى الرئيس ريجان. قال لافر إن المعدلات الضريبية الأعلى ستجلب المزيدَ من الأموال حتى نقطة معينة. لكنه قال إنها، بعد نقطة معينة، ستثبط عزيمة لورين وزملائها عن العمل. وربما يقرِّرون الانتقالَ إلى الخارج، أو العمل ساعاتٍ أقلَّ، أو إخفاء ما يحصُلون عليه من إكراميات من مصلحة الضرائب. قد تعني المعدَّلات الضريبية الأعلى تحصيلَ ضرائبَ أقلَّ وحوافزَ أقلَّ للشعب الأمريكي ليكون رائدَ أعمال وينمِّي اقتصاده. ونشأ منحنى لافر، وهو علاقة على شكل سَنام بين المعدَّل الضريبي والإيرادات الضريبية.

هل أفلح الأمر؟ خفَّضت إدارة ريجان معدَّل ضريبة الدخل لأصحاب الدخول العالية من ٧٠ في المائة إلى ٢٨ في المائة. وارتفعت إيراداتُ ضريبةِ الدخل من ٥١٧ مليار دولار أمريكي في عام ١٩٨٠ إلى ٩٠٩ مليارات دولار أمريكي في عام ١٩٨٨، أسرعَ من ارتفاع الدخل خلال تلك الفترة. لكن شهدت تلك الفترة أيضًا حملةً هائلة على الثغرات الضريبية والمتهربين. لذلك من الصعب معرفةُ ما إذا كانت الزيادة في تحصيل الضرائب قد انخفضت بسبب خفض المعدلات الضريبية أم لا.

وقد طغى على كل هذا تضاعُف إجمالي رصيد الديون الحكومية إلى ثلاثة أمثاله في عهد ريجان. ربما كان الرئيس الجمهوري من محبي الضرائب المنخفضة لكنه لم يكن مقتصدًا تمامًا. فقد أنفق أكثرَ من معظم أسلافه، نسبةً إلى دخل أمريكا. لم تأتِ الحرب الباردة بثمن بخس. حتى إن الفاتورة الأولية لنظام الدفاع الصاروخي «حرب النجوم» وصلت إلى عدة مليارات. رسَّخت تلك الفترة موقفَ أمريكا كدولة تعتمد على الآخرين لتوفير الأموال التي تحتاج إليها الحكومة. وفي الوقت نفسه، ظل منحنى لافر موضوعًا لجدال محتدِم.

أثَّر مقدار الضرائب التي تفرضها الحكومات ومقدار إنفاقها تأثيرًا كبيرًا على النشاط الاقتصادي ككل، رغم أن هذه الطريقة قد عفا عليها الزمن. في ثلاثينيات القرن العشرين، تبنَّى العالم الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز استخدام «السياسة المالية» التي تتضمَّن تعديلَ الضرائب والإنفاق الحكومي للسيطرة على الطلب في الاقتصاد. وكان يؤمن بأن هذه إحدى الطرق لتحقيق معدَّل النمو المطلوب.

هل تريد إعطاءَ الاقتصاد انطلاقةً قوية؟ بمقدور الحكومة أن تنفق أكثرَ، مما يعني تحرُّك كمية أكبرَ من الأموال في جميع أنحاء الاقتصاد. على سبيل المثال، يوفِّر مشروع بنية تحتية كبير تموله الحكومة وظائفَ للناس، ومن ثَم يصبح لديهم المزيد من المال لإنفاقه، وفي النهاية سيساعد ذلك على زيادة الإنتاجية. كما أن بمقدورها بدلًا من ذلك خفضَ الضرائب لتوفير المزيد من الأموال للورين ميلر وزملائها من الموظفين.

هل تريد إبطاء النمو الاقتصادي للحد من التضخم المخيف إذا كانت الأسعار ترتفع بسرعةٍ أكبرَ من المقبول؟ إذن عليك خفض تدفُّق الإنفاق الحكومي، بحيث تصبح هناك أموال متداولة أقل. أو يمكنك فرضُ ضرائبَ أعلى على البضائع في المتاجر، على سبيل المثال.

حظي استخدامُ السياسة المالية بوصفها وسيلةً لإدارة النشاط الاقتصادي بشعبيةٍ هائلة في خمسينيات القرن العشرين وستينياته. ثم جاءت صدمة أسعار النفط في سبعينيات القرن العشرين وفقدَ الناس إيمانهم بهذا النظام. واعتبروه أداةً ضعيفة لا يمكن التنبؤ بنتائجها. كما أن التغييرات في الضرائب والإنفاق استغرقت وقتًا طويلًا كي تُؤتي مفعولها، ولم يكن واضحًا مقدارُ التعديلات المطلوبة لعلاج المشكلات. كانت هذه السياسة مكلفة أيضًا؛ لأن معناها كان غالبًا أن الحكومات ستضطر إلى اقتراض الكثير من المال عندما تريد إنفاق المزيد. لا بأس بذلك، ما دام الاقتصاد ينمو بسرعة كافية للتعويض.

لكن ارتفاع أسعار النفط تسبَّب في قفزة كبيرة في الأسعار وتباطؤ عجلة الاقتصاد في البلدان المستوردة للنفط. كما أدَّى إلى ظهور مصطلح اقتصادي جديد: الركود التضخمي، الذي يعني النموَّ الراكد والتضخم المرتفع. وقد ترك هذا صنَّاع السياسات المالية في حَيرة من أمرهم. لم تستطِع أدواتهم الضريبية والإنفاق الحكومي معالجةَ كلتا المشكلتين في وقت واحد. وبحلول القرن الحادي والعشرين، كان «الضبط المالي» المستهدف قد سقط على قارعة الطريق. في العقود السابقة، كان من المتوقَّع أن تستجيب الحكومات للصدمات المالية التي حدثت في عام ٢٠٠٨ من خلال زيادة الإنفاق، وكان ذلك ليعطي الأسرَ التي تترقَّب الوضع بقلق دفعةً قوية. وقد زعم البعض في الواقع، على غرار جون مينارد كينز، أن المزيد من الإنفاق سيحفِّز النمو والدخل، ومن ثَم سيجلِب ذلك المزيدَ من الإيرادات الضريبية في نهاية المطاف. وقد يخفِّف ذلك من عجز الحكومة.

لكن بدلًا من ذلك، اعتمدت العديد من الحكومات في مواجهة التكاليف الضخمة لمحاولات إنقاذ النظام المالي الحلَّ الأيديولوجي البديل وأعلنت برامجَ تقشُّف مطولة. وواجه بعض الموظفين الحكوميين تجميدَ الأجور في ظل خفض الخدمات العامة بدلًا من تأمين دخلهم بحيث يضمن لهم حياةً كريمة.

وكان التركيز أساسًا على خفض حجم الدَّين العام. لماذا؟ كان الهدف الرئيسي من ذلك الإثبات للمقرضين وحاملي السندات مثل الحكومة الصينية أو صندوق التقاعد الألماني أن هذه الحكومات لا تزال جديرةً بالائتمان. كما زعموا أن مدفوعات الفائدة على هذه الديون شكَّلت عبئًا كبيرًا على الممولين الحاليين والمستقبليين. الحكومات المثقَلة بالديون تَدين بالعرفان لدائنيها؛ وهؤلاء الدائنون ليسوا فقط دولَ العالم الثالث التي تمثِّل ديونها مشكلةً ضخمة. وسواء أكان ذلك بسبب الأزمة أم سوء الإدارة أم مطالب السكان المتزايدين والمتقدمين في السن، فإن العديد من الحكومات في جميع أنحاء العالم تَعُد ديونها مصدرَ إزعاج كبير.

ربما شعرَ بعض الأمريكيين بعد الانهيار أنَّ تجاوزات المصرفيين كلَّفتهم منازلهم. وأصبحوا مضطرين إلى دفع ثَمن إضافي لأن الحكومات حجبت دولاراتهم. لكن إذا كانت الحكومات المدينة لا تستطيع أن تنفق للمساعدة أو لا تريد ذلك، فما الذي بمقدورها فِعله؟

تعطي الناس المزيدَ من المال.

•••

ثمة طرقٌ أخرى لوضع المال في جيوب الناس. فبدءًا من سبعينيات القرن العشرين، أصبحت «السياسة النقدية» أداةً حديثة للسيطرة على إنفاق لورين ميلر ونشاطها في الاقتصاد ككل. وكما يوحي اسم هذه السياسة، فإنها تتعلق بمقدار المال المتوافر وسعره. يقاس سعر المال بِناءً على تكلفة اقتراضه. وهذا كل شيء عن أسعار الفائدة.

عادةً ما يكون سعر الفائدة الرئيسي لأي بلد هو السعر الذي يقرِض به البنك المركزي البنوكَ الأخرى، أو تقرِض البنوك بعضها بعضًا بِناءً عليه. في البلدان المختلفة، يمكن أن تحدِّد الحكومة نفسُها أو البنك المركزي سعرَ الفائدة. ويُحدِّد هذا السعر المبلغَ الذي يمكن إقراضه للأسر والشركات، وسعر الفائدة الذي سيدفعونه مقابل القرض.

يُعتبر التلاعب بسعر الائتمان، ومكافأة الادخار، أداةً قوية. يشكِّل الرهن العقاري أكبرَ مصدر للديون لكثير من الناس. ويؤثِّر المبلغ الذي يتعيَّن عليهم إنفاقه لسداد دفعات هذا الرهن على المبلغ المتبقي لإنفاقه في أوجه أخرى. وبالمثل، إذا كان ادخار المال لا يوفر عائدًا جيدًا، فقد لا يزعج الناس أنفسهم، ويختارون إنفاقه بدلًا من ذلك.

عندما تكون الظروف صعبةً على مستوى الاقتصاد كله، تحدِّد السلطات أسعارَ الفائدة. بالنسبة إلى لورين، فإن التأثير الرئيسي لهذا سيكون على رهنها العقاري. يمنحها انخفاضُ سعر فائدة الرهن العقاري المزيدَ من النقود الفائضة لتنفقها كما تشاء؛ وقد تشعر حتى بالإغراء لاقتراض المزيد، ويعزِّز هذا بدوره إنفاقها. يجب إقناع الشركات بالاستثمار أكثر، لأن أموالها لا تكسب الكثيرَ إذا كانت موجودة في البنك، ويبدو معدَّل العائد المحتمل على الاستثمار أكثرَ جاذبية. ويتعيَّن على الحكومات أن تدفع أقلَّ للاقتراض، كي لا تضطر إلى زيادة الضرائب بالقدْر نفسه.

يحدُث العكس عندما تريد الحكومة الحدَّ من النمو الاقتصادي. ينفق الناس الكثيرَ من المال، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وازدياد التضخم. فترتفع أسعار الفائدة، مما يجعل الاقتراضَ مكلفًا أكثرَ للناس، ومن ثَم تصبح الأموال المتوافرة لديهم أقلَّ بصفة عامة. فيقترضون أقل، ويدفعون المزيد من الفائدة على القروض التي لديهم. هذا يشجِّعهم على ادخار المزيد والإقلال من الإنفاق.

تعالج السياسة النقدية التضخم إلى حدٍّ كبير من خلال العمل على الطلب الكلي في الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، يمكن إبقاءُ تكاليف الإنتاج (جانب العرض) منخفضةً عن طريق دفع الشركات لتحسين الإنتاجية، أو عن طريق فرض الضرائب والإنفاق على بناء البنية التحتية. تقع العديد من العوامل الأخرى التي تقف وراء التضخم، مثل أسعار النفط أو ضعف سعر الصرف، إلى حدٍّ كبير خارجَ سيطرة صانعي السياسات. قد تعكس هذه العوامل التغيراتِ العالمية، وكما رأينا، يمكن أن تكون متقلِّبة. إنها مصدر إزعاج دائم. من ناحية أخرى، ساعد تزايد الواردات الرخيصة الثمن من الصين، على سبيل المثال، في إبقاء الأسعار منخفضة دون الحاجة إلى أسعار فائدة أعلى.

وكما أنه ليس من السهل تحسينُ الإنتاجية، فإن استخدام السياسة النقدية قد يكون صعبًا في الممارسة العملية. إنه ليس علمًا دقيقًا. من الصعب معرفةُ وقت تغيُّر أسعار الفائدة ومقدار هذا التغير. كما أنه من الصعب قياسُ التأثير النهائي، وكذلك الوقت الذي سيستغرقه. هذه السياسة مليئةٌ بالمخاطر ويمكن أن تكون نتيجتها غيرَ متوقعة. إذا أتقنت تطبيقها فسوف يحصل الاقتصاد على فرصةٍ جديدة للحياة. بينما يمكن أن يتسبب أيُّ سوء تقدير في أضرار بالغة. هذا هو نظام السياسة المستخدَم على مستوى العالم بأكمله تقريبًا في الاقتصادات الكبرى في القرن الحادي والعشرين؛ لذلك، بالطبع، كان هذا النظام أولَ ما لجأت إليه البنوك المركزية عندما حدثت الأزمة المالية. لقد استخدمت قواعدَ اللعبة نفسها التي كانت تستخدمها لعقود وخفَّضت أسعار الفائدة. لقد كانت خطوة مألوفة لهم تدربوا عليها جيدًا، لكن حجمها كان مذهلًا وغير مسبوق.

في أوائل عام ٢٠٠٨، خفَّض بنك الاحتياطي الفيدرالي سعرَ الفائدة الرئيسي الذي فرضه على البنوك للاقتراض إلى الصفر تقريبًا. وقد تحرَّكت بلدان أخرى كثيرة في الاتجاه نفسِه. كان هذا مؤشرًا واضحًا على حجم الصدمة الهائل الذي تعرَّض له النظام المالي العالمي، والإجراءات اللازمة لمنعه من تدمير ثروات الناس في الغرب. لكن كان يُخشى ألا يكون هذا كافيًا لإنقاذ أولئك الأكثر تضررًا من الأزمة وضمان توفُّر عمل لهم لجني المال الذي يحتاجون إليه لتأمين قوت يومهم.

ماذا لو أعطوا الناسَ مزيدًا من المال، كي يتمكنوا من الاستمرار في الإنفاق؟ على الرغم من أن بنك إنجلترا وبنك الاحتياطي الفيدرالي مسئولان عن طباعة النقود، فإنه لا يُسمح لهما بطباعة المزيد من المال ووهبه ببساطة. إنهما لا يستطيعان خلقَ شجرة أموال سحرية. أم ربما يستطيعان؟

يستطيعان في الواقع إنتاجَ المزيد من الدولارات أو الجنيهات (إلكترونيًّا، بلمسة زر واحدة). تستطيع البنوك المركزية إنتاجَ النقد (أو الاحتياطيات) للبنوك التجارية حسب رغبتها، وهذا بالضبط ما فعلَته. وبفضل هذه الاحتياطيات، تستطيع البنوك التجارية أيضًا إنتاجَ المال، من خلال تقديم الائتمان. لديهم المزيدُ من الأموال لإقراضها، بتكلفة أقل، لعدد أكبر من الأشخاص أو الشركات، مما يعزِّز النمو والوظائف. يستطيع البنك المركزي أيضًا شراءَ السندات الحكومية (وغيرها من الأصول، في بعض الحالات) من البنوك أو المؤسسات كصناديق المعاشات التقاعدية. وبالنظر إلى أن بائعي هذه السندات لديهم المزيدُ من النقد، فإنهم قادرون على الاستثمار أكثرَ في الأسهم والصناديق الأخرى. إن زيادة الطلب على السندات سيعني انخفاضَ أسعار الفائدة، وهذا سيؤثِّر بدوره على بقية جوانب الاقتصاد أيضًا.

تُعرف هذه العملية باسم التيسير الكمِّي. عندما وُضع موضع التنفيذ بعد أزمة عام ٢٠٠٨، كان غير تقليدي وغير مجرَّب إلى حد كبير، وتجريبيًّا بدرجة كبيرة. لم يعرف أحدٌ ما إذا كان سينجح أو كم من الوقت سيستغرق. إن إضافة الكثير من الأموال إلى الاقتصاد بسرعة أكبرَ من اللازم قد تكون محفوفة بالمخاطر. قد لا يكون هناك ما يكفي من السلع أو الخدمات لإنفاقها، مما يعني أنها قد تؤدي في النهاية إلى رفع الأسعار رفعًا حادًّا. لكن الحكومات اليائسة في الغرب كانت مستعدة لضخ الأموال في هذه المقامرة الضخمة.

بين عامي ٢٠٠٨ و٢٠١٦، ضخَّت الحكومة الأمريكية ٣,٧ تريليونات دولار في التيسير الكمي؛ أنفق بنك إنجلترا أكثرَ من ٤٠٠ مليار جنيه إسترليني، أو نحو ٦٠٠ مليار دولار أمريكي. كما استُخدم المزيد من الوسائل المباشرة: ضُخت مليارات الدولارات الأمريكية في الاقتصادات من خلال التخفيضات الضريبية أو زيادة الإنفاق. في وقت الأزمات، كانت الحكومات تلجأ إلى التدابير الكينزية. لكن هذا النهج لم يدُم طويلًا.

كانت التأثيرات تتشكل ببطء، ومن ثَم كان من الصعب مراقبتها. كانت الحكومات تتكاتف في محاولة لحماية الملايين من الناس، لكنها كانت تتحسَّس طريقَها في الظلام. ومع ذلك، فإن النمو على جانبي المحيط الأطلنطي عاد إلى الحياة، مما جلب معه الوظائف. لم يقتصر الأمر على تمسُّك المصرفيين، وفي ذلك إيميلي مورجان، بوظائفهم، بل استُحدثت العديد من الوظائف في جميع المجالات، ولو أنها كانت عادةً وظائفَ أقلَّ أجرًا وأقلَّ أمانًا. تميزت الأزمة المالية في المملكة المتحدة بكونها إحدى أشد فترات الانكماش، التي شهدت أبطأ انتعاشٍ على الإطلاق.

هل كان ضخُّ المال هو الحل؟ مَن المستفيد بالفعل؟ بولا ميلر أم بنك إيميلي؟ من الصعب معرفةُ ما كان سيحدث لولا ضخُّ التيسير الكمي، لكن بنك إنجلترا يقدِّر أن أول ٢٠٠ مليار جنيه إسترليني من الضخ عزَّزت الإنفاق — قيمة الاقتصاد البريطاني — بنسبة تصل إلى ٢ في المائة. لذلك وفَّر مخزونًا ماليًّا تبلغ قيمته نحو ٣٠ مليار جنيه إسترليني (نحو ٤٠ مليار دولار أمريكي).

أين ذهب المبلغ الإضافي البالغ نحو ١٧٠ مليار جنيه إسترليني؟ ذهب مباشرةً إلى أيدي صناديق التقاعد والمستثمرين الذين تعاملت معهم إيميلي وإلى بنكها. دخل المبلغ في النظام المالي، فغذَّى المزيدَ من الطلب على الأسهم والسندات، ودفع أسعارها إلى الارتفاع، وكسبت المؤسسات المالية وموظفوها المزيدَ من الأرباح والعمولات. فقد نافست البنوك المركزية الرهانات الجامحة التي أدَّت إلى الأزمة المالية بمقامرة خاصة بها، واستفادت البنوك من الغنائم إلى حدٍّ كبير. يعرف معظم المقامرين أن الحظوظ تعاكسهم، لكن في كازينو الأسواق المالية، لا يزال بمقدورِ مَن يضعون رهانًا غير حكيم جني أرباح كبيرة منه.

ووفقًا لبنك إنجلترا أضاف التيسير الكمي نسبة ٢٦ في المائة إلى أسواق الأسهم والسندات. من المفترض أن تزيد قوة سوق الأسهم الثقةَ العامة، وتبعث بعضَ الشعور بالرضا في الاقتصاد وتشجِّع الإنفاق. لكن قلة من السكان يمتلكون الكثيرَ من الأسهم بالفعل؛ إذ ينتمي جزءٌ كبير من تلك الثروة إلى السكان الأغنى الذين يمثلون نسبة ٥ في المائة. لذا فإن الغالبية العظمى من الأسر ربما لم تستفِد استفادةً مباشرة من التيسير الكمي. توقَّف ما حصلوا عليه على إنفاق إيميلي وزملائها والمساهمين الأثرياء. أسهم ما أنفقوه في المتاجر والمطاعم، على العقارات أو في أيام العطلات، في تعزيز دخْل الآخرين. هذا هو ما يسمَّى بالأثر الانتشاري. لكن هذا لم يحقِّق نفعًا بالضرورة، لأن الأغنياء أكثرُ ميلًا لادخار أموالهم أو استثمارها، بدلًا من إنفاقها. فوفقًا لتقديرات مؤسسة الاقتصاد الجديد، حصلت أغنى ١٠ في المائة من الأسر على ما بين ١٢٧ ألفًا و٣٢٢ ألف جنيه إسترليني من التيسير الكمي. ربما تكون هذه «الأموال الرخيصة» قد أسهمت في تضخيم المزيد من الفقاعات، على سبيل المثال في سوق الأوراق المالية، أو حتى لدى أقوى المساهمين في سوق الإسكان.

ماذا عن سوق الإسكان عمومًا؟ شهدت العديد من المناطق في الولايات المتحدة الأمريكية ارتفاعًا في أسعار العقارات، ولا سيما في المدن الكبرى، إلى مستويات أعلى من مستويات ما قبل الأزمة. وأصبح متوسط تكلفة المنزل البريطاني أغلى بنسبة ٢٠ في المائة مما كان عليه في عام ٢٠٠٧. يكلِّف المنزل الآن ستة أضعاف ما يكسبه البريطاني العادي في السنة. بينما قبل ٤٠ عامًا، كان يتعين على مشتري المنزل أن ينفق ثلاثة أضعاف ما يكسبه. هناك نمط مماثل، وإن كان أقلَّ وضوحًا، في الولايات المتحدة. فقد ارتفعت أسعار المنازل إجمالًا بسرعة أكبر من ارتفاع الدخول على مدى تلك الفترة، نظرًا لتزايد الطلب بسرعة أكبر من بناء المساكن، واتساع نطاق الائتمان المتوافر. وهذا يعني أن امتلاك المنازل أصبح أكثرَ صعوبة. إن فرص البريطانيين البالغين من العمر ٣٥ عامًا في امتلاك منزل أقل من فرص أجدادهم في العمر نفسه. وعندما يمتلكون منزلًا، يتعين عليهم تحمُّل المزيد من الديون. لكن الذين تمكنوا من شراء عقار منذ مدة طويلة نسبيًّا، فإن ارتفاع قيمته يعني أن كميةً متزايدة من الثروة ستكون مرتبطة بالأبنية. وهذه مشكلة ستؤدي إلى عدم المساواة في الثروة بين الأجيال في جميع أنحاء الغرب.

ويواصل الطلب الارتفاعَ في المناطق المرغوب فيها، على الرغم من سياسات الإقراض الأكثر حذرًا منذ الأزمة، ويخفق نشاط بناء المساكن في مواكبة الطلب. بعد ١٠ سنوات من الانهيار، كانت أسعار المنازل في لندن ١٢ ضِعف متوسط الأجر. ومع ذلك، فإن أسعار الفائدة المنخفضة تعني أنه بمجرد أن المواطن يمتلك عقارات، سيكون بمقدوره المحافظة على امتلاكه لها، على الأقل في الوقت الحالي. تستهلك مدفوعات الرهن العقاري الآن نسبةً أصغر في المتوسط من الدخل في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة مما كانت عليه قبل ٣٠ عامًا. لكن ارتفاع أسعار الفائدة يمكن أن يغيِّر ذلك.

وتشمل تبعات الأزمة المالية المزيدَ من التشريعات واللوائح الرقابية، والمزيد من عدم المساواة. وبوسعنا القول إن مكتسبات التيسير الكمي لم يستفِد منها السكان كلُّهم. كان الاعتماد على المال الرخيص الجاهز — أو ما يسمَّى بالائتمان — هو الذي عزَّز الفوضى، إلا أن الحل الذي ارتُئي للمقترضين المتخَمين بالقروض كان مزيدًا من الائتمان، أو بعبارة أخرى مزيدًا من المال. لكن هذا الحل لم يضَع حدًّا للمشكلة. وانفجرت فقَّاعة الائتمان لكن الحكومات لم تستطِع منْعها من إعادة التضخم.

وبعد مرور عَقد على الأزمة، لا تزال الندوب واضحة. وبلغ مستوى الديون المستحقة على الأسر مستوياتٍ قياسية جديدة. في جميع أنحاء أمريكا، ازدهرت أشكال الائتمان غير المضمون من قروض البلاستيك إلى قروض السيارات. وفشلت الأزمة المالية في إضعاف تلك الشهية. بل شجَّعت أسعار الفائدة المنخفضة المستخدَمة لتصحيح آثار تلك الأزمة على تزايدها. لا يزال التعطش للدولارات قويًّا. لكن الفرق هو أن النظام المالي يخضع الآن لمزيد من الضمانات، التي تهدُف إلى التأكد من أن مثل هذه الأزمة لا يمكن أن (أو بالأحرى، يجب ألا) تندلع مرة أخرى.

•••

ما الذي يربط الحكومات والمستهلكين والشركات في جميع أنحاء العالم؟ الدَّين.

تستمر دورةُ العيش بما يتجاوز إمكانياتنا. وبصرف النظر عن اضطرابٍ مثل انهيار كبير، أو حرب كبرى، نحتاج إلى الاستمرار في الإنفاق والإنتاج إذا أردنا تحسينَ أنماط حياتنا والحفاظ على الاقتصاد، للاستفادة من سحر الإنتاجية وتحقيق مستويات معيشية أفضلَ في المستقبل.

إن اعتماد المستهلكين على الاقتراض يُعَد أمرًا مسلَّمًا به من البنوك المركزية. لذلك تعتمد هذه البنوك على السياسة النقدية. لكن يجب فهْم سلوك المستهلك هذا بأدق التفاصيل من أجل معرفة التغييرات اللازمة للوصول بالاقتصاد إلى حالته المرغوب فيها. لا يتَّبع المستهلِك دائمًا المسارَ العقلاني المتوقَّع. إذا حدث ذلك، سيكون عمل المصرفيين المركزيين والمتنبئين أسهلَ بكثير.

تشعر لورين ميلر، مثل الكثيرين، بالدهشة من مشتريات الآخرين، وما ينفقون دولاراتهم عليه. يمكنها أثناء الانتظار في طابور الخروج أن تتخيَّل القصةَ الكامنة وراء كل متسوِّق. وكذلك الاقتصاديون يجدون عاداتِ المستهلكين ككل رائعة. فالمبلغ الذي ينفقونه والأشياء التي ينفقونه عليها له آثار بعيدة المدى. فالدولارات التي في أيديهم قادرةٌ على التحكُّم في مصير الاقتصاد.

وفي جميع أنحاء أمريكا — وخارجها — تحدِّد هذه القرارات مقدارَ السلع والخدمات التي ستُنتَج في نهاية المطاف. وهذا بدوره يحدِّد المواقعَ التي تحتاج إلى العمال، وما يجب أن ينتجوه. وتُعرف النتائج باسم التدفق الدائري للدخل. في الواقع، مع بلوغ إجمالي الإنفاق الاستهلاكي الأمريكي خُمس إجمالي الناتج المحلي العالمي، يصير الأمر أشبهَ بموجة مد دائرية. وهي موجة من الدولارات، تجتاح المستهلك وصولًا إلى المُنْتِج في جميع أنحاء العالم ثم تعاود الكرَّة.

في وقتنا الحالي، يقترض العديد من المستهلكين في الغرب للإنفاق، وغالبًا ما ينفقون على الواردات الرخيصة. يُموَّل هذا الاقتراض الرخيص، جزئيًّا، من قِبل الصين وغيرها ممن يُقرضون الأموالَ لأمريكا. الجميع يريد — بل يحتاج — أن تواصل لورين الإنفاقَ: الحكومة الأمريكية والحكومة الصينية والمستثمرون وصناديق التقاعد في جميع أنحاء العالم. يستمر الجميع في الإقراض ظنًّا منهم أن الأمور ستستمر دائمًا في التحسُّن، وأن الأرباح ستستمر في الارتفاع، وأن تعويذة الإنتاجية سيُكتَب لها النجاح على الدوام. يربط الدَّين والإيمان كل ذلك معًا.

من خلال اختيار جهاز الراديو هذا في الممر ١٧ من «وول مارت»، كانت لورين مشاركةً في الحفاظ على موجة الدخل التي تلفُّ العالَم. عندما دخلت عبْر الأبواب الآلية لهذا المعبد المكيف للبيع بالتجزئة، كان هدفها التسوق. كانت تلعب دورها الصغيرَ في النظام العالمي؛ إذ ساعدت في ضمان تزايد ثروات وسلطة رجال مثل وانج جيانلين، وفي تمكين اقتصاد أمريكا من التأثير على أولئك الذين يبدو أنهم غير متصلين به، على بُعد أميال عديدة، مثل دينيس جرينجر. في الوقت الحالي، يضمن التاريخ والتجارة والسياسة والنظام المالي الراسخ هيمنةَ الدولار؛ أيًّا كان مكانك في العالم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤