القول في إرشاد العامة

لو كان مَنْ وُكلت إليهم هداية العامة يؤمنون حقًّا بما يعظون لأثرت أقوالهم التأثير المطلوب ولقلَّ معظم ما نراه من شرور. الدين يطهِّر النفوس، وإذا آض إلى أيدي من لا يحسنون استعماله يُصبح عبارة عن رسومٍ وشعائرَ لا تدخل الصميم. الدين ينفع في هداية الطفل والبالغ وسلطانُهُ يسري إلى الأرواح والقلوب، ويجعل بين المرء وربه صلة محكمة، تحمله على أن يكون سره كعلانيته وظاهره كباطنه.

نرى المصلين في الجوامع إلى اليوم ليسوا بقليلٍ عددهم، ولكن هل علموا كلهم يا ترى بما يتلون وبما يُتلى عليهم؟ هل هَدَتْهُمْ صلاتهم إلى أن الله تعالى حرم عليهم الكذب والسرقة وأمرهم بالصدق والأمانة؟ ابحثوا في شئون هؤلاء المستهترين، هل ترون أكثرهم عمل بقليل مما أمره به الدين أم هو مسلم جغرافي، ومسلم تشهد بإسلامه تذكرة النفوس ووثيقة الهوية فقط؟

أرجو ألا أُتهم باستعمال الأسلوب الخطابي، وأنا لا أطلب ممن يتهمني بذلك إلا أن أدعوه ليحتك بالمرتزقة والتجار والفلاحين، فيشهد العجب من انحطاط الأخلاق. نرى السارق يسرق بدون نكير والكذاب يكذب ولا يخجل، ولو أردنا تصفية أبناء كل حرفة من مخازيهم ما ثبت على محك النقد إلا أفرادٌ قلائلُ في كل قرية وفي كل حي ومنزلة.

تدبروا أخلاق أكثر أهل القرى وأخلاق أهل المدن تَرَوا بعض الفلاحين والمدنيين سواءً، في الفساد وضعف الأخلاق، لا تكاد تجد الأمين المؤتمن إلا نادرًا، وكان الأجداد على عكس ذلك، تغلب الفضائل النفسية على السواد الأعظم منهم في الجملة. وأكثر من تعتقدون فيهم الأمانة يسرقونكم متى آنسوا منكم ضعفًا أو غفلة، أما الكذب فلم يسلم منه إلا مَنْ عصم ربُّك، وأما الغش فما أظن المانع لبعضهم من الاسترسال فيه إلا عِلْمُهم بأن اشتهارهم به يؤدي إلى قطع أرزاقهم!

أُمثِّل لكم بمثال واحد أُثبت به ما أقول، وهو تحت نظرنا كل ساعة وكل يوم، انظروا البياعات والحاجات هل تجدون أشياء كثيرة سلمت من الغش؟ يغشون في الكيل والوزن وفي القياس والذرع، وأكثرُ مواد الغذاء مغشوشة، فالغش يدخل الخبز واللحم والسمن والزيت والزبدة والقشدة والجبن والدبس والعسل واللبن الرائب الحليب وماء الزهر وماء الورد. وإذا أرادت الحكومة أن تسيطر على العامة والمرتزقة قد يشترك مَنْ تُنصِّبه لذلك مع الغشاشين، فيزيد لص كبير إلى أُولئك اللصوص الصغار، وهذا المسيطر قد يكون ممن يحمل شهادة أطول من قامته ولكن نفسيته دنيئة. معظم ما يعمل في السوق وفي خلوة مغشوش، الأدوية مغشوشة في الصيدليات، والقهوة والمرطبات مغشوشة في المقاهي، والحلويات والألوان المطبوخة في المطاعم مغشوشة. وأرباب المدارك من المستهلكين يعلمون هذا ولا يستنكرونه؛ لأنهم هم أيضًا مشاغيلُ بغشهم.

كان أكثر العامة يبتعدون عن الغش في الوزن والكيل، وعن غش المائعات والسائلات، وما كان الفلاح يجوِّز لنفسه غش اللبن غالبًا؛ لأنه كان يعتقد أن الله تعالى يجازيه على فعلته بهلاك بقرته أو عنزته أو نعجته، وما كان يُحب أن يُخسر الكيلَ والميزانَ لأن الله له بالمرصاد، يعاقبه في الدنيا قبل الآخرة فيفجعه بأولاده، ويرزؤه بصحته أو دابته، ويسلط الأقوياء عليه ينهبونه ويسرقون ما ادخر من مال ومؤنة، أو يسلط عليه آفة تأتي على ما جمع. كان هذا الاعتقاد نافعًا جدًّا في دفع الأذى، يساعد المحتسب على القيام بإنفاذ قانونه على الناس في يُسْر وسهولة. وفي أيامنا تفلسف العامة؛ بل ألحدوا وتزندقوا، فظلوا يصلون ويصومون، ولكنهم يسرقون ويفحشون في سرقاتهم. وهذا مما ينذر بسوء المصير.

أنا كلما زدتُ معرفة بهذه الطبقات يسوء ظني بالمستقبل، وأُعزِّي نفسي بأن الأخلاق تتردى في الحروب، ولا بد أن تتحسن متى انجلت الغمرة وزالت الشدة، ولطالما تمنيت لو قاسمني السارق، برضاي، ما يريد أن يسرقه مني في سر، وكثيرًا ما قلت لهؤلاء الفلاحين وغيرهم: إذا طمعتْ أنفسكم في أخذ شيء من أشيائي قولوا لي، وأنا أنزل لكم عن بعضه برضاي فتأخذونه حلالًا طيبًا، ولا تطمعوا في أخذ شيء بدون علمي فأنا لا أريد أن أُسترقع وأستحمق. ولطالما قلت لبعض أرباب الصناعات خذوا أجرة حسنة على أن تعاهدوني ألا تسرقوا شيئًا في غيابي. ولكن نفوس أهل هذه الطبقة زُيِّنَ لها الربح من أي طريق أتى. ولكَم كنت أعطي العامل وأُكرمه، وكلما زدت في إكرامه استضعفني وغلا في نهبي.

لا ألوم من لا تدرك عقولهم إلا المنفعة المعجلة، وقد تجردوا من الفضائل الكسبية والفطرية، بقدر ما ألوم من يجيئون في طبقة أرقى من طبقتهم، وهم مناط الرجاء في الهيمنة عليهم.

رأيت هؤلاء الغَشَشة باعة وتجارًا، يجمعون أموالًا، ويبنون حوانيت وبيوتًا، ويقتنون مزارع وحدائق، ثم يبدَّد كل ما جمعوه بأدنى عارض، فكنت أحمد الله على ذهاب أموال جُمعت بالسُّحت وبالغش، وأجد ذلك عقوبة عادلة لهم. رأيت ثروات من احتكروا أصنافًا من القوت في الحروب تتمزق شر ممزق، وكذلك سيكون مصير أموال من تجردت نفوسهم من كل شفقة، واحتكروا ما الناس في أشد الحاجة إليه.

والآن ماذا يجب أن يُعمل لإصلاح هذا الفساد المستشري أو تخفيف ويلاته على الأقل، هنالك ثلاثة عوامل تُفيد في تقليم أظافر الفاسدين وتعيد إلى المجتمع صفوه الذي كان له في الدهر السالف. العامل الأول: تطبيق القانون على من يعبثون بحقوق الخلق بدون مسامحة ولا هوادة، فإن قوانيننا الشرعية والوضعية كفيلة بالسعادة، لو جرى تطبيقها على ما يجب ما احتجنا بعدها إلى وازع آخر. إلا أن المسألة تتوقف على إنفاذ تلك القوانين، والقوانين تغني غناءَها بالتطبيق لا بجمال مادتها، وانسجام عبارتها. وفي بعض الآثار: «يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن.» أي: أن مَنْ يُكف عن ارتكاب العظائم مخافة السلطان أكثر ممن تَكُفُّه مخافةُ القرآن والله تعالى، ولا بد من تضييق خناق المسيطرين على القوانين في إرشاد العامة إلى الجادَّة، وأن يُطرد المتساهل من عمله ولو كان يُعد من الرؤساء، فالسمكة تنتن من رأسها، كما يقول الأتراك في أمثالهم، والتفتيش يجب أن يتناول الكبار قبل الصغار، فبأيديهم تَسير شئون الناس سيرًا حسنًا أو تتلوَّى وتزيغ.

والعامل الثاني: الخطباء والوعاظ، فهؤلاء من واجبهم أبدًا أن يبينوا للفاسدين مغبة عملهم على أنفسهم وعلى الجماعة، يقولون ما يقولون لهم عن عقيدة، لا كلامًا لا يتعدى أطراف الشفاه، يختلطون بالناس ويُنوِّعون الأساليب لمن يهم الجماعةَ إرجاعُهم إلى الطريق السوي، ويخاطبونهم باللغة التي يفهمونها، ويدلونهم من طريق العقل والنقل إلى كل ما فيه صلاحُ نفوسهم، والبعد بها عن الكذب والخديعة.

والعامل الثالث — وهو الأهمُّ: قيامُ الأمة، على اختلاف طبقاتها، بهداية الضالين، وتذكيرهم بحقيقة دينهم ومصالح دنياهم، ومقاطعتهم إذا سرقوا وكذبوا، يبينون لهم السبب الذي من أجله قاطَعوهم. وعلى الصالحين أن يعتقدوا أنهم بعملهم هذا يقومون بواجب مقدس، وإذ هم رحموا حيث لا تحلُّ الرحمة تضيع حقوقهم وحقوق غيرهم، وعليهم أن يعتقدوا أن واجب كل إنسان أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أنه هو القانون وهو الحكومة، وأنه متى تهاون فيما يرى ويسمع من منكر ولم يتقدم لإصلاحه يُعد خائنًا لأمته وخائنًا لنفسه، فإن الفرد في معظم الأُمم الراقية في الغرب يعاون الحكومة في مهمتها، ويعتقد أنه إذا لم يهيمن بنفسه على من يخرق القوانين يُعد شريك الجاني والمجرم.

وهذا العامل الثالث من أشد العوامل الناجعة في هداية الزائغين من العامة، خصوصًا إذا أوهم الخواصُّ العوامَّ أنهم ليسوا أرقى منهم كثيرًا، وأن بينهما درجة إذا صعدوها ماثَلُوهم، وكانوا موضع الرعاية والحرمة، ولا يؤلم العامة أكثر من احتقارهم. ومن هنا جاء حسدُ الفقراء للأغنياء، وإعراضُ الجهلاء عن العلماء، وغيرةُ الضعفاء من الأقوياء.

إذا اجتمعت هذه العوامل الثلاثة وعُملت بإخلاص وجِدٍّ ينصلح الجزء الأعظم من الأمة، وبإصلاحه ندخل في طور جديد ونحمد غبَّ القوانين المرعية، وإذا بقيت كما هي اليوم عادت كعلم جابر اقرأ تفرح جرب تحزن. ومن كان صلاحه بيده وهو يهمله لا يبالي فأنذره بمصير من يعلمون ولا يعملون. ا.ﻫ.

•••

هذا نص خطاب ألقيته في المجمع العلمي العربي، على طبقات من الناس فيهم أعظم أصحاب السلطان، فانزعج بعضهم لسماعه. وقال كبير فقهائهم: إنني قمت بما كان الواجب عليهم أن يقوموا هم به! وزارني بعض من لاحظوا أنني عرَّضت بهم يشرحون لي فرط غيرتهم على مصلحتهم وأنهم يعملون جهدهم لمنع هذا الغش الماثل في نطاق عملهم. وانتهى الأمر عند هذا الحد، لم يغير المغيرون شيئًا وكيف يغيرون وهم ما اعتادوا إلا العناية بما يدخل جيوبهم وعيابهم، لا يهمهم سواه ولو خربت الدنيا. رأيت أن أضم ما قلت إلى هذه الفصول؛ لتعرف الأجيال القادمة مبلغ بعض الحاكمين والمحكوم عليهم من العلم والعمل في عهدنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤