الفصل الثاني

اعتاد العمُّ تشارلس تدخينَ نوعٍ رديء من التبغ، حتى إن ابن أخيه اقترح عليه آخرَ الأمر أن يستمتع بتدخينه كلَّ صباح في المرحاض الصغير، الذي يقع في نهاية الحديقة، وقال العجوز في هدوء: «حسنًا جدًّا، يا سيمون، وهو كذلك يا سيمون، في أيِّ مكانٍ تريد، سيناسبني المرحاض الصغير تمامًا، فهو صحيٌّ للغاية.» فقال مستر ديدالوس دون مواربة: «عليَّ اللعنة … آه لو أعرف كيف تدخِّن مثل هذا التبغ المخيف، إنه شبيهٌ بالبارود وحق الإله.» فأجاب العجوز: «إنه لطيفٌ جدًّا يا سيمون، هادئٌ ومسكِّن.»

وعلى ذلك، أخذ العم تشارلس يختلف إلى مرحاضه الصغير كل صباح بعد أن يُلمِّع شعر قذاله١ ويمشِّطه، ثم ينظف قبعته الطويلة ويرتديها. وحين ينهمك في التدخين، لا يبدو منه وراء باب المرحاض٢ غير حافة قبعته العالية وطرف غليونه. وكان قد تعوَّد أن يغنِّيَ في «خميلته»، وهو الاسم الذي أطلقه على المرحاض الصغير الذي يشارك فيه القطة وأدوات الحديقة. كان يُدندن صباح كل يوم في سعادة بإحدى أغانيه المفضلة مثل: «أوه … ازرع لي خميلة»، أو «عيونٌ زرقاء وشعرٌ أصفر»، أو «أدغال بلارني». وترتفع في أثناء ذلك طيات الدخان الرمادية والزرقاء ببطءٍ من غليونه، وتختفي في ثنايا الهواء النقي.

وكان العم تشارلس رفيق ستيفن الدائم أثناء الشطر الأول من الصيف في «بلاك روك»، والعم تشارلس رجلٌ عجوزٌ قويٌّ أسمر البشرة جامد الأسارير، أبيض العارضَين، وكان قد اعتاد إنجاز بعض المهام بين المنزل الذي يقع في شارع «كاريسفورت» والمحلات التي تتعامل معها العائلة في الشارع الرئيسي للمدينة، وقد سَعِد بصحبته في هذه الجولات؛ لأن العم كثيرًا ما كان يغترف له في سخاء من كل ما هو معروض في المحل في الصناديق والبراميل المفتوحة إلى جانب مائدة الصراف؛ فقد يحدث أن يُمسكَ بحفنة من العنب مختلطة بالنشارة، أو ثلاث تفاحات أو أربع، ويدسَّها بسخاء في يدِ ابنِ أخيه، في حين يبتسم البائع لذلك في قلق، وحين يتصنَّع ستيفن التردد في أخذها يعبس العم ويقول: «خذها يا بني؟ أتسمعني؟ إنها تُفيد معدتك». وحين يفرغان من شراءِ كلِّ ما تتضمنه القائمة، يذهبان إلى المتنزه حيث يجدان «مايك فلن»، وهو صديقٌ قديم لوالد ستيفن، جالسًا على أحد المقاعد ينتظرهما، وعند ذلك يبدأ ستيفن في الجري حول المتنزه، ويقف «مايك فلن» عند البوابة قريبًا من محطة السكة الحديدية، ممسكًا بالساعة في يده، ويجري ستيفن حول الحديقة بالطريقة التي يفضلها «مايك فلن»: الرأس إلى أعلى، والركبتان مشدودتان جيدًا، واليدان ملتصقتان بالجنبَين. وحينما ينتهي هذا التمرين الصباحي، يبدأ الممرن في سرد تعليقاته، ويعمد أحيانًا إلى تصوير ما يقوله فيسير بسرعة في حركات مضحكة ياردةً أو ياردتين، وفي قدمَيه زوجٌ من الأحذية المطاطية الزرقاء. ويتجمع أحيانًا بعض الصبية والمربيات يَرقُبْنه في دهشة، وقد يبقَون لمشاهدته عندما يجلس ثانيةً مع العم تشارلس يتناقشان في الرياضة والسياسة. ومع أن ستيفن قد سمع والده يقول إن مايك فلن قد أخرج بعضًا من أفضل رجال السباق من تحت يديه، إلا أنه غالبًا ما كان يتطلع إلى وجه ممرِّنه السمين المغطى بالقليل من الشعر، وقد انحنى فوق أصابعه الطويلة المتربة التي يلفُّ بها سيجارته، ويرمق في عطف عينَيه الوادعتَين المنطفئتَين، اللتين قد تتركان متابعةَ الأصابع حين تنتهي من لفِّ السيجارة، وتُحملقان بغموضٍ في الفضاء الأزرق، ويُعيد ما تبقَّى من أليفة التبغ إلى الكيس ثانيةً، وغالبًا ما يعرج العم تشارلس في زيارة للكنيسة في طريق العودة إلى المنزل. وكان الحوض الذي يحتوي على الماء المقدس عاليًا، فكان الرجل العجوز يدفع بقبضته إلى الماء وينثره برشاقة على ملابس ستيفن وعلى أرض الرواق. وحينما كان العمُّ يصلِّي كان يركع على منديله الأحمر ويتلو الصلاة بصوت منخفض من كتاب صغير أسود اللون، طُبعت الكلمات المهمة في ذيل كل صفحة منه لجذب الانتباه. وكان ستيفن يركع إلى جانبه احترامًا لورعِه، وإن كان لا يشاركه هذا الورع، وكثيرًا ما تساءل ستيفن متعجبًا لِمَ كان يصلِّي بكل هذا الخشوع، ربما كان يصلِّي للأرواح التي تعبر المطهر أو لكي يمنَّ الله عليه بنهاية سعيدة، أو ربما كانت صلاته لله عسى أن يردَّ إليه جزءًا من الثروة الضخمة التي بدَّدها في «كورك».

وفي يوم الأحد، يخرج ستيفن مع والدِه وعمِّه العجوز في تريُّضِهم المعتاد. وكان العجوز يسير في خفة على الرغم من الدمامل التي تملأ قدمَيه. وكانوا عادةً يقطعون عشرة أو اثنَي عشر ميلًا، وكانت قرية «ستيلورجان» تقع في مفترق الطرق، فكانوا يميلون إما إلى اليسار نحو جبال دبلن أو إلى طريق «جوتستون» ومنه إلى مدينة «دندرم»، ثم يعودون إلى المنزل عن طريق «ساندي فورد». وعندما يغذُّون الخُطَى على الطريق أو يقفون عند أحد المحلات العامة الكئيبة في الطريق، كان الكبار يتحدثون دومًا عن الموضوعات المحببة إلى قلوبهم، عن السياسة الأيرلندية، وعن «مانستر»٣ وعن الأساطير الشائعة عن عائلتهم، وكان ستيفن يُصغي إلى هذه الأحاديث بأُذُن نهمة. وكان يُعيد الكلمات التي لا يفهمها مرارًا وتكرارًا حتى يحفظَها عن ظهر قلب، ويستشفَّ عن طريقها بعضَ لمحات الدنيا الحقيقية التي تحوطه. وبدا اليوم الذي سيتخذ فيه مكانه في حياة هذه الدنيا يقترب، وأخذ يستعدُّ خفيةً لتأدية الدور المهم الذي شعر أنه ينتظره، والذي لا يتفهم من طبيعته إلا أثرًا غامضًا.

وأما الأمسيات فكان حرًّا فيها، فينكب على قراءة نسخة ممزقة من ترجمة لرواية «الكونت دي مونت كريستو». وكانت شخصية هذا المنتقم الغامض تمثِّل في ذهنه رمزًا لكل شيءٍ غريب مرعب سَمِعه أو جال بخاطره. وفي الليل كان يبني على مائدة حجرة الاستقبال صورة لكهف الجزيرة الرائعة من أوراق صكوك المبيعات والزهور الصناعية، وورق اللفِّ الملون وشرائط الورق الذهبي والفضي الذي تُلَفُّ فيه الشيكولاتة. وحين كان يهدم ما بناه بعد أن يملَّ جماله الزائف، تخطر على باله صورة مرسيليا، والتكعيبات المشمسة، ومرسيدس بطلة الرواية، وعلى الطريق الذي يُفضي إلى الجبال خارج «بلاك روك»، يقع منزلٌ صغيرٌ أبيض اللون في الحديقة التي تغصُّ بها أشجار الورد، وقال لنفسه إن مرسيدس أخرى تسكن في هذا البيت. وكان يقيس المسافة في ذهابه وإيابه بهذه العلامة، وقد عاش في سلسلة طويلة من المغامرات يزدحم بها خياله، تبلغ في غرابتها مغامرات تلك الرواية، وكانت تنتهي بصورة له وقد أضحى أكبرَ سنًّا وأكثر رصانة، يقف في حديقةٍ يُضيئها القمر مع مرسيدس التي استهانَت بحبِّه سنين كثيرة من قبل، وهو يقول لها في حركة إباء حزينة ذات كبرياء: «إني لا آكل هذا النوع من الأعناب يا سيدتي.»

وصادق ولدًا يُدعَى «أوبري ميلز»، وكوَّن معه عصابةً للمغامرات في شارعهم. وكان أوبري يحمل صفارةً تتدلَّى من ثقبِ زرِّه ومصباحًا صغيرًا مشدودًا إلى حزامه، في حين حمل الآخرون عِصِيًّا قصيرة مشدودة إلى أحزمتهم على هيئة الخناجر. وقد اختار ستيفن — وكان قد قرأ عن طراز ملابس نابليون العادي — أن يظلَّ بدون رسميات، وقد ضاعف بذلك من مسرة استشارة الضباط له قبل إصدار الأمر. وكان أفراد العصابة يُغيرون على حدائق النسوة العجائز، أو يذهبون إلى القلعة ويتحاربون هناك على الصخور المغبرة التي تنمو عليها الأعشاب، ويعودون بعدها كالجوَّالين المتعبين، ورائحة الشاطئ العفنة تملأ خياشيمهم وأعشاب البحر في أيديهم وعلى شعرهم.

وكان البائع الذي يُحضر اللبن لعائلة أوبري وعائلة ستيفن واحدًا، وغالبًا ما كانَا يذهبان في عربته إلى «كاريكانيز» حيث الأبقار ترعَى بين الحشائش. وبينما الرجال منهمكون في حلب اللبن، يركب الأولاد الفرس الصغير كلٌّ بدوره حول الحقل، ولكن الأبقار دخلت حظائرها مع مقدم الخريف، وأصبح منظر فناء البقر القذر عند «ستراد بروك» المليء بالبِرَك الخضراء القبيحة، والروث السائل المتخثر وأجران النخالة ذات البخار، يملأ فؤاد ستيفن بالأسى. أصبحت هذه الأبقار التي كانت تبدو في الريف غايةً في الجمال في الأيام المشمسة، تُثير تقزُّزَه لدرجةٍ لا يحتمل معها النظر إلى اللبن الذي تدرُّه.

ولم يُزعجه قدوم سبتمبر هذه السنة، فلم يكن سيذهب ثانيةً إلى كلونجوز. وتوقفت التمرينات التي كان يؤديها في الحديقة عندما ذهب «مايك فلن» إلى المستشفى، أما أوبري فكان مشغولًا في مدرسته، وليس له من فراغٍ إلا ساعة أو ساعتين عند المساء؛ لذلك فقد تفرَّقت العصابة، ولم تَعُد هناك أيُّ غارات في المساء أو معارك فوق الصخور.

وكان ستيفن يركب العربة التي تُحضر اللبن في بعض الأحيان. وقد أزالت هذه النزهات الباردة ذكريات فناء البقر القذر، ولم يشعر بأيِّ تقززٍ عند مرأى شعر الأبقار والتبن المتناثر على معطف اللبَّان، وحينما تتوقف العربة أمام أيِّ منزلٍ، كان ينتظر حتى يلمح مطبخ المنزل المصقول أو الردهة الخافتة الأنوار، ولكي يُلاحظ الطريقة التي تحمل بها الخادمة الجرة والتي تغلق بها الباب. وجال بخاطره أن الرحلة بالعربة كل مساء لتوزيع اللبن حياة جميلة، لو كان لديه قفازات دافئة وكميات كبيرة من حبات الزنجبيل في جيبه يأكل منها أثناء الطريق. ولكن ذلك الإرهاص الذي أسقم فؤاده والذي جعل ساقَيه تنحنيان فجأة وهو يجري حول الحديقة، وهذا الإحساس نفسه الذي جعله ينظر في ريبة إلى وجه مدرِّبه السمين المغطَّى بالقش، حين كان ينحني على أصابعه الطويلة الملوَّثة، كلُّ هذا بدَّد كلَّ رؤى خطرَت له عن المستقبل، وقد شعر بطريقة مبهمة أن والده يعاني بعض المتاعب، وأن هذا هو سبب عدم عودته إلى مدرسة كلونجوز، كما كان يشعر أحيانًا بتغيير طفيف في منزله. وكانت هذه التغييرات التي حدثت في الأشياء التي يؤمن بثباتها تُمثل صدمات صغيرة لمفهومه الصبياني للدنيا. ولم يكن الطموح الذي يشعر به أحيانًا في ظلمات روحه يسعى إلى إيجاد منفذ له. وأفعم ذهنه بظلام مثل الذي يملأ العالم الخارجي، عند سماعه وقْعَ حوافر الحصان التي تضجُّ عبر طريق العربة العامة على طريق «روك»، والعلبة الصفيحية الضخمة تتأرجح مجلجلة خلفه. وعاد بذهنه إلى مرسيدس، وزحف قلقٌ غريبٌ على دمائه حين كان يعكف على صورتها، وأحيانًا، كانت تدفعه حمَّى عنيفة لأن يطوف وحيدًا في المساء عبر الطريق الساكن. وكان هدوء الحدائق والأنوار العطوفة في النوافذ تصبُّ الرقة في قلبه المضطرب. وضايقته ضجةُ الأولاد وهم يمرحون، ودفعَته أصواتهم لأن يشعر — بأكثر حدة عمَّا كان يشعر في كلونجوز — أنه يختلف كثيرَ الاختلاف عن الآخرين. لم يكن اللهو هو ما يرغب فيه، بل كان يريد أن يصادف في العالم الواقعي الصورة المجسدة للبطلة مرسيدس التي طالما تاقت إليها روحه. ولم يكن يعرف المكان أو الطريقة التي ينشد بهما هذه الصورة، ولكن أنبأه شعورٌ داخليٌّ أنها ستصادفه دون أن يفعل شيئًا من جانبه. سوف يتقابلان في هدوء كأنما يعرف أحدهما الآخر منذ مدة طويلة. وقد يحدث ذلك عند واحدة من هذه البوابات، أو في مكانٍ آخر أكثر سرية. سيكونان وحدهما يحيط بهما الظلام والسكون، وسوف تعمل الرقة العلوية على تغييره في هذه اللحظة، سيتحوَّل تحت تأثير عينَيها إلى شيء غير محسوس، ثم يتغير كليةً في لحظة واحدة، سيُفارقه الضعف والخوف والسذاجة في هذه اللحظة السحرية.

•••

توقَّفت قافلة العربات الصفراء، ذات صباح أمام الباب، ودخل الحمَّالون إلى المنزل لينقلوا الأثاث، وأخرجوا الأثاث عبر الحديقة الأمامية التي انتشرت فيها أكوام القش وأطراف الحبال، ووضعوه في العربات الضخمة الرابضة إلى جانب البوابة. وعندما تم ترتيبُ كلِّ شيء تحرَّكت العربات إلى الطريق في ضجة شديدة. وشاهد ستيفن هذه العربات تتثاقل عن طريق «الريون» من نافذة عربة القطار التي جلس فيها مع أمِّه دامعة العينَين.

لم تُشعل النار في ذلك المساء، وأسند مستر ديدالوس المحرِّك على قضبان سياج المدفأة الحديدية حتى يتمَّ الاشتعال، وأخلد العم تشارلس إلى النعاس في ركن من أركان الغرفة ذات الأثاث الثقيل والخالية من الأبسطة، وصورة العائلة مسندة إلى الجدار على مقربة منه، وألقى ضوء المصباح من فوق المنضدة نورًا واهنًا على الأرض الخشبية المغطَّاة بالوحل الذي تخلف عن أقدام الحمَّالين. وجلس ستيفن على مقعد بجوار والده، يُنصت إلى حديث طويل مفكك، لم يفهم منه في البداية إلا القليل أو لم يفهم شيئًا على الإطلاق، ولكنه بدأ يُدرك تدريجيًّا أن لوالده أعداء، وسيقع شجارٌ بينه وبينهم. وشعر أيضًا أنه سينضمُّ إلى مثل هذا الشجار، وأن بعض واجب قد أُلقيَ على كاهله. ونفث تحوُّله عن الراحة والنعيم في «بلاك روك»، وطوافه خلال المدينة المقبضة المغطاة بالضباب، وتفكيره في المنزل العاري الكئيب الذي سيشعر فيه الآن، نفث كل ذلك الكآبة والحزن في قلبه، ومرةً أخرى انتابه شعورٌ داخليٌّ بما ستكون عليه الأيام المقبلة. فَهِم كذلك سرَّ تهامُس الخدم معًا في الردهة، وسبب وقوف والده على سياج المدفأة موليًا ظهرَه إلى النار، وهو يتحدَّث بصوت مرتفع مع العم تشارلس، الذي كان يحثُّه على الجلوس لتناول غدائه. وقال مستر ديدالوس الأب وهو يحرِّك النار في نشاط: «ما زال في نفسي بقية يا ستيفن، لم نَمُتْ بعدُ يا بني العزيز، كلَّا، وبحق السيد المسيح (وليغفر لي الله) لم نقترب حتى من الموت.»

وكانت دبلن بالنسبة له إحساسًا جديدًا مُعقدًا. كانت السنون قد أثقلَت على العم تشارلس، حتى لم يَعُد قادرًا على الخروج لشراء ما يحتاجون إليه من الخارج. وأتاحَت ضجةُ الانتقال إلى المنزل الجديد لستيفن حريةً أكبر مما كانت له في «بلاك روك»، وقنع في البداية بالتجوال في حذر حول الميدان المجاور لمنزلهم، أو بالسير حتى منتصف شارع جانبي على الأكثر. ولكن حين رسم في ذهنه خريطة للمدينة الجديدة، اخترق شارعًا من شوارعها الرئيسية انتهى به إلى مبنى الجمرك. ومضى يسير بين المرافئ والموانئ متعجبًا من كثرة قطع الفلين التي تهتز وتتأرجح على صفحة المياه يُحيطها الزبد الأصفر الثقيل، ومن جموع حمَّالي الميناء وضجة العربات ورجل البوليس الملتحي ذي الملابس غير المناسبة. وأيقظت الحياة العريضة الغريبة التي أوحَتها إليه بالات البضائع التي رُصَّت تجاه الجدار أو أُلقيت بعيدًا عن البواخر، أيقظَت مرةً أخرى في نفسه ذلك القلق الذي بعث به جائلًا في المساء من حديقة إلى حديقة بحثًا عن مرسيدس.

وأحيانًا ما يحدث وسط هذا الجو الصاخب أن يتخيل نفسه في مرسيليا التي جاء ذكرُها في الرواية، لولا أنه كان يفتقد السماء الساطعة وتكعيبات العنب التي تغمرها الشمس. وحين تطلع إلى الموانئ والبحر والسماوات الخفيضة، نما في نفسه شعورٌ غامضٌ بالسخط، ومع ذلك فقد واصل تجواله هنا وهناك يومًا بعد يومٍ كأنما ينشد شخصًا يراوغه.

وذهب مرةً أو مرتين مع والدته لزيارة بعض أقاربه. ومرَّا في الطريق ببعض المحلات الجميلة، التي أُضيئت وزُيِّنت احتفالًا بعيد الميلاد. ورغم ذلك لم تُفارقه نوبةُ الصمت المرير. وكانت هناك أسبابٌ كثيرة لهذه المرارة التي يشعر بها، أسبابٌ بعيدة عنه وأخرى متعلقة به، كان يشعر بالسخط على نفسه لاستسلامه لبعض الدوافع القلقة التافهة وهو في هذه السن، ساخطًا كذلك على تغيُّرات الأحوال التي تُشكِّل العالم من حوله إلى رؤًى من القذارة والخيانة. ومع كل هذا، فلم يغيِّر سخطُه شيئًا من هذه الرؤى. ودأب على تسجيل ما يراه حوله في صبر، مُبقيًا ذاته على مبعدة، ومتذوقًا نكهتَه المميتة خفية.

كان يجلس ذات مرة على مقعد المطبخ الصغير بمنزل عمته، وكان هناك مصباحٌ ذو طاسة مُعلَّقًا على جدار المدفأة ذات الطلاء اللامع، وعمَّتُه تقرأ على ضوئه صحيفةَ المساء، وقد أسندتها إلى ركبتَيها، وشخصَت ببصرها مدةً طويلة إلى صورة باسمة في الصحيفة، وقالت في تأمُّل: «مابل هنتر الجميلة».

ووقفت فتاةٌ مصفوفة الشعر على أطراف أصابعها لتنظر إلى الصورة، وقالت في رقة: أتقف في وسط الطين؟

– إنها في مشهدٍ تمثيليٍّ صامتٍ يا عزيزتي.

وأحنَت الطفلةُ رأسَها المصفَّف الشعر على كُمِّ أمها، وهي تُحملق في الصورة، وتَمْتمت مخلوبة اللب: «مابل هنتر الجميلة».

واستقرَّ بصرُها طويلًا على هاتين العينين الرصينتَين الزاجرتَين، وتَمْتمت في حرارة: يا لَها من مخلوقة بديعة!

وسَمِع كلماتِها الصبيُّ القادم من الطريق حاملًا كيس الفحم، فأنزل حمْلَه على الأرض وهرع إلى جانبها ليرى، فأتلف أطراف الصحيفة بأصابعه الملونة بالأحمر والأسود، وأخذ يُزيح الفتاة شاكيًا أنه لا يرى شيئًا. ومرةً أخرى، كان جالسًا في حجرة الطعام الضيقة، في أعلى المنزل القديم ذي النوافذ المعتمة، والنيران الواهنة تُلقي ظلالها على الجدران، بينما تتجمع عتمة كثيفة على النهر عبر النافذة. وانهمكَت سيدةٌ عجوز في عمل الشاي أمام النار، وقصَّت أثناء انهماكها في العمل ما قاله الطبيب والقس على حالتها في صوتٍ خفيض، وعن تغيُّرات لاحظَها عليها مؤخَّرًا وعلى أحوالها وأقوالها الغريبة، وجلس يُنصت إلى كلامها ويتتبَّع في خياله مسارب المغامرات المفتوحة أمامه على أكوام الفحم وعلى القناطر، وفي السراديب وبين الأروقة المتعرجة وفي الكهوف المثلومة.

وشعر فجأةً بوجودِ شخصٍ أمام مدخل الباب، وظهر رأسٌ تُغلفه الغبشةُ التي تُهيمن على المدخل. وكانت هناك مخلوقة شبيهة بالقردة، أقبلت على هدى الأصوات التي تتحدث أمام النار. وانطلق صوتٌ من عند الباب يقول: أهذه جوزفين؟

فأجابت المرأة المشغولة أمام النار في مرح: كلَّا يا إيلين، إنه ستيفن.

– أوه … أوه … مساء الخير يا ستيفن.

فردَّ التحية، ولمحَ بسمةً بلهاءَ على الوجه الذي يقف أمام الباب.

وعادت المرأة العجوز تسأل: أتريدين شيئًا يا إيلين؟

ولكنها لم تردَّ على السؤال، وقالت: «لقد ظننت أنها جوزفين، لقد ظننتك جوزيفين يا ستيفن.» وأخذت تُردد ذلك مراتٍ عديدةً، ثم أخذَت تضحك في وهن.

ومرة أخرى كان يجلس وسطَ حفلٍ للأطفال في «هارولد كروس»، وقد ازدادَت طبيعتُه الصامتة اليقظة حدَّةً، حتى إنه لم يشترك في أيٍّ من الألعاب. وكان الأولاد يرقصون ويمرحون هنا وهناك، حاملين عليهم آثار ما تبقَّى من ألعابهم النارية. ورغم أنه حاول أن يشاركهم جذلهم، فقد شعر بنفسه شخصًا كئيبًا وسط القبعات وأغطية الرأس المرحة.

ولكنه بدأ يشعر بمتعة الوحدة بعد أن أدى أغنيته في الحفل، وتراجع إلى ركن الغرفة المنزوي، وفَعَل المرح فعل النسمات الهادئة فيه، بعد أن بدَا له في الحفل زائفًا تافهًا، وعبر حواسه في بهجة، ساترًا عن أعين الآخرين فورة دمائه الشديدة التي تنتابه حين تُمطر نظراتها من خلال حلقات الراقصين والموسيقى والضحك إلى ركنه المنزوي، محذرةً مداهنة منقبة مثيرة فؤاده.

وفي نهاية الحفل، وقف الأطفال الذين بقوا في الردهة يرتدون ملابسهم، وألقَت هي بوشاحٍ على كتفَيها، ثم ذهبَا سويًّا إلى العربة العامة، ورذاذ من أنفاسها الطيبة الحارة يتطاير في جذلٍ أمام رأسها المدثر، بينما يدق حذاؤها في سعادة على الطريق المغطى بالجليد. واستقلَّا العربة العامة الأخيرة في هذه الليلة، وكأنما عرفت الجياد العجفاء الداكنة ذلك، فأخذَت تهزُّ أجراسها في تلك الليلة الصافية تنبيهًا للناس. وكان الكمساري يتحدث مع السائق، ويُومِئان برأسَيهما مرارًا على ضوء المصباح الأخضر. وانتشرت بعض أوراق التذاكر الملوَّنة على مقاعد العربة الخالية، وتلاشَى كلُّ صوتٍ على الطريق، ولم يقطع سكونَ الليل شيءٌ إلا حين تحكُّ الجياد أنوفها بأنوف بعضها البعض فتهتزُّ أجراسها لذلك.

وبدَا عليهما الإنصاتُ للأجراس، وهو يقف على الدرجة العليا، وهي على السفلى، وصَعِدت إلى درجته مرات عديدة، وعادَت إلى درجتها ثانيةً حين كانا يتبادلان الحديث. ووقفت مرةً أو مرتين بجواره في الدرجة العليا بضعَ لحظات ناسيةً أن تنزل، ثم تهبط ثانية. ورقص فؤاده لمشهد حركاتها كما تتراقص قطعة الفلين على الموج، وسمع ما تقوله له عيناها من وراء أجفانها، وأدرك أنه سمع ما تقولانه قبل ذلك في ماضٍ سحيقٍ في الحياة أو في الخيال، ورآها تستعرض فتنتَها؛ رداءَها الجميل، ووشاحَ زينتها، وجواربها السوداء الطويلة، وأدرك أنه استسلم لها آلاف المرات، ومع ذلك كان صوتٌ داخل نفسه يتحدث حديثًا يعلو على ضجة فؤاده الراقص مسائلًا إياه: أيأخذ هديتها؟ وما كان عليه إلا أن يمدَّ ذراعه ليأخذها. وتذكَّر يوم وقف هو وإيلين في فناء الفندق، يراقبان الندل يرفعان أعلامًا على سارية من الخشب، بينما كلبٌ من كلاب الصيد يجري مذعورًا هنا وهناك على الحشائش المشمسة، وكيف أنها انفجرت فجأةً في نوبةٍ من الضحك، وجرَت تهبط على منحنى الممر، بينما وقف هو بلا حراك في مكانه — كما هو الآن — شاخصًا في هدوءٍ لما يجري أمامه. وجالَ بخاطره أنها تريده أن يحتضنها أيضًا؛ ولهذا جاءت معه إلى العربة، «إنَّ باستطاعتي أن أُمسك بها بسهولة حين تأتي نحوي، ولا أحد يرانا، إنَّ باستطاعتي أن أُمسك بها وأقبِّلها».

ولكنه لم يفعل شيئًا، وحين جلس وحيدًا في العربة المهجورة، مزَّق تذكرتَه إلى قِطَع صغيرة، وحملق في وجومٍ في أرضية العربة المغضنة.

وجلس في اليوم التالي إلى مائدة الغرفة العارية عدة ساعات، وقد وضع أمامه قلمًا جديدًا وزجاجةً من الحبر ودفترَ تمرينات جديدًا، وكتب في أعلى الصفحة الأولى — بدافع العادة — الحروفَ الأولى لشعار طائفة الجزويت:

«أ. م. ع»،٤ وظهر عنوان القصيدة التي كان يُعالج كتابتها عند أول سطر من الصفحة: إلى إ. ك،٥ وكان يعلم أن هذه هي البداية الصحيحة، فقد شاهد عناوين كثيرة مشابهة في ديوان شعر اللورد بايرون. وبعد أن كتب هذا العنوان ووضع تحته خطًّا، استغرق في أحلام يقظته وأخذ يرسم خطوطًا على غلاف الدفتر. تراءى لنفسه جالسًا على المائدة في «براي» صبيحة النقاش الذي حدث في يوم عيد الميلاد على الغداء، وهو يحاول أن يكتب قصيدةً عن «بارنل» على ظهر إحدى مفكرات والده. ولكن ذهنه رفض حينذاك أن يُعالجَ هذا الموضوع، وحين توقَّف عن الكتابة، غطَّى الصفحة بأسماء وعناوين بعض زملائه المعينين:
  • رودريك كيكام.

  • جون لوثون.

  • أنتوني ماكسويني.

  • سيمون مونان.

والآن، يبدو أنه سيفشل مرةً أخرى في الكتابة، ولكن تركيز الفكر على الحادثة التي يريد الكتابة عنها جعله يشعر بثقةٍ أشدَّ، وأبعد عن ذهنه خلال تلك العملية العناصر التي اعتبرها عادية عديمة الأهمية، ولم يَعُد هناك أثرٌ للعربة العامة نفسها أو رجال العربة أو الجياد، بل ولم يَعُد هو أو هي يظهران في وضوح، فدارَت القصيدة التي كتبها حول الليل والنسمة اللطيفة وضياء القمر الوضاء. كان يكمن شجنٌ مبهم في فؤادَي بطلَي قصيدتِه؛ إذ هما يقفان في صمتٍ تحت الأشجار الجرداء. وحين حانت لحظة وداعهما وتبادلَا قبلةً كان أحدهما يمانع فيها من قبل. وبعد ذلك كتب الحروف: ح. ل. د.٦ في أسفل الصفحة. وبعد أن أخفى الدفتر مضى إلى حجرةِ أمِّه، وحدَّق في وجهه في المرآة مدةً طويلة.

ولكن زمن فراغه وحريته كان يدنو من نهايته؛ ففي أحد الأيام عاد والده إلى المنزل مُحمَّلًا بكثير من الأخبار، شغله الحديث عنها أثناء الأكل.

وكان ستيفن ينتظر عودة والده؛ فقد كان الطعام لحمًا مفرومًا هذا اليوم، وسيسمح له والده بأن يأكل من الصلصة، ولكنه لم يستطعم مذاقَ اللحم؛ لأن ذكرى مدرسة كلونجوز ملأَت أطباقَه بزبدٍ من الاستياء.

قال مستر ديدالوس للمرة الرابعة: لقد مضيتُ إليه رأسًا عند ركن الميدان.

فقالت مسز ديدالوس: أعتقد أنه سيتمكن من ترتيب موضوع مدرسة بلفدير.

فقال مستر ديدالوس: سيتمكن من ذلك بالطبع، ألم أُخبرك أنه أصبح راعي الجزويت الآن؟

وقالت مسز ديدالوس: إني لم أسترح قط لفكرة إرساله إلى مدارس الإخوة المسيحيين.

فقال مستر ديدالوس: لعنهم الله! أيذهب مع «بادي ستنك» و«ميكي مد»، كلَّا، فليبقَ مع الجزويت ما دام قد بدأ معهم، فسوف ينفعونه في السنوات المقبلة، فبإمكانهم أن يُهيئوا له عملًا.

– وهم أغنياء جدًّا، أليس كذلك يا سيمون؟

– نوعًا ما، إنهم يعيشون عيشةً طيبة، لقد رأيت مائدتهم في كلونجوز، إنهم يهتمون بالتغذية بحق الإله، مثل ديوك القتال.

ودفع مستر ديدالوس بطبقه إلى ستيفن، ودعاه إلى التهام ما فيه من طعام، وقال: والآن يا ستيفن، يجب أن تعود إلى العمل يا عزيزي، فقد حصلتَ على إجازة طويلة حقًّا!

وقالت مسز ديدالوس: أوه … إني واثقةٌ أنه سيعمل باجتهاد شديد، خصوصًا حين يجد أخاه موريس معه.

فقال مستر ديدالوس: أوه، بحق القديس بول، لقد نسيت موريس، تعال هنا يا موريس، أيها المشاكس الغبي، أتعرف أنني سأبعث بك إلى المدرسة حين يعلمونك هجاء ق– ط– ه قطه، وسوف أشتري لك منديلًا صغيرًا لطيفًا كي تُجفف به أنفك، أليس هذا جميلًا؟

فابتسم موريس لوالده ثم لأخيه.

وثبت مستر ديدالوس نظارته على عينيه، وحدَّق النظر في ولديه، ومضغ ستيفن طعامه دون أن يُجيب على نظرات والده.

وقال مستر ديدالوس آخر الأمر: وبالمناسبة، لقد حدثني المدير — أو هو الراعي على وجه الدقة — عن قصتك مع الأب دولان، يا لَك من وقح.

فقالت مسز ديدالوس: كلَّا، لم يَقُل ذلك حقًّا يا سيمون؟

فقال المستر ديدالوس: كلَّا، كلَّا، ولكنه قصَّ عليَّ تفاصيل الموضوع، لقد كنَّا نتجاذب أطراف الحديث، والحديث ذو شجون، وعلى فكرة، أتدرين ماذا قال لي عمن سيحصل على وظيفة الهيئة؟ ولكني سأخبرك عن ذلك فيما بعد. حسنًا، فكما كنت أقول، كنَّا جالسين نتحادث في ودٍّ، وسألني عمَّا إذا كان الصديق الصغير ما زال يرتدي النظارات، ثم أخبرني بالقصة كلها.

– وهل كان مستاءً يا سيمون؟

– مستاء؟ كلَّا، لقد نعتَه بالرجل الصغير.

وقلَّد مستر ديدالوس النغمة الأنفية التي يتحدث بها راعي المدرسة، وهو يقول على لسانه: «وحين أخبرت المدرسين بهذه القصة وقت الغداء، ضحكت والأب دولان كثيرًا عليها، وقالت له: من الأفضل أن تُراعيَ الحذر أيها الأب دولان، وإلا فإن ديدالوس الصغير سيتسبب في عقابك، لقد ضحكنا كثيرًا على هذا، ها ها ها»، ثم تحوَّل المستر ديدالوس إلى زوجته، وقال ملاحظًا في صوته الطبيعي: «وهذا يُريك الروح التي يعاملون بها الأطفال هناك، آه … يا لَلحياة التي يعيشونها، حياة دبلوماسية». ثم قلَّد صوت راعي المدرسة مرةً ثانية، وهو يردِّد: «لقد أخبرت المدرسين بهذه القصة وقت الغداء، وقد ضحكت وضحكنا كلنا على هذا، ها ها ها».

•••

وحانت الليلة التي سيمثِّلون فيها تمثيلية عيد العنصرة، وتطلع ستيفن في نافذة غرفة تغيير الملابس إلى الممر الصغير، المغطى بالحشائش التي تمتد على جانبَيه صفوف المصابيح الصينية، وشاهد الزوار يهبطون درجات المبنى الرئيسي، ويتجهون عبر الممر إلى المسرح. وكان الخدم في ملابس السهرة، وخريجو المدرسة الكبار يتجمعون أمام مدخل المسرح في جماعات، ويستقبلون الزوار في حفاوة. وتمكن من رؤية وجه أحد القسس، وهو يضحك على ضوء توهُّج أحد المصابيح المفاجئ.

وكانوا قد أزاحوا القربان المقدس من على الهيكل، وأرجعوا بعض المقاعد الأمامية إلى الخلف، بحيث تُركت منصة المذبح الأولى وما قبلها خالية. وكانت هناك مجموعةٌ من العصيِّ الرياضية بجانب الجدار، كما رُصَّت أثقال التمرينات في أحد الجوانب، ووسط أكوام لا تُحصى من لفائف الأحذية والقمصان والفانلات الرياضية، كان حصان القفز المغطى بالجلد يقف منتظرًا دوره ليُحمل إلى المنصة، ويستقر بين الفريق الفائز في نهاية العرض الرياضي.

ومع أن ستيفن كان قد انتُخب سكرتيرًا للنشاط الرياضي، إعجابًا بمهارته في ميدان كتابة المقالات، إلا أنه لم يكن سيشترك في العرض الرياضي الذي سيجري في البداية، ولكنه سيشترك في المسرحية التي ستُقدم بعد ذلك، والتي سيمثِّل فيها الدور الرئيسي وهو دور المدرِّس الهزلي. وقد اختير لهذا الدور اعتبارًا لتكوينه الجسماني وسلوكه الرزين؛ فقد كان الآن في نهاية سنته الثانية في مدرسة بلفدير، وفي الصف الثاني بها.

وهبط عددٌ من الأولاد يرتدون البنطلونات القصيرة والفانلات من على المنصة في صخب، وساروا خلال الممر وفي ردهة الكنيسة، وكانتا مليئتين بالأولاد والمدرِّسين المتلهفين. وكان مدرِّس الألعاب السمين الأصلع يختبر بقدمه منطقةَ القفز في الحصان الخشبي. وجلس شابٌّ نحيفٌ يرتدي معطفًا طويلًا يراقب ما يجري عن كثب، وكان عليه أن يؤدي عرضًا خاصًّا بالعصا الرياضية التي كانت تطلُّ من فتحة جيب بنطلونه. وحين كان فريق آخر يستعد للصعود إلى المنصة، كانت تُسمَع أصوات ارتطام أدوات التمرين الخشبية بعضها بالبعض الآخر.

وبعد لحظة كان المشرف المتحمس يدفع أمامه الأولاد خلال الممر كقطيع من الإوَز، وهو يهز أطراف ردائه في عصبية ويصيح ليحث المتكاسلين على الإسراع. وكانت جماعةٌ ممن يمثِّلون فلاحي «النابوليتان» يتمرنون على مشيتهم المعروفة في آخر القاعة، بينما يحوط البعض رءوسهم بأذرعتهم، ويهز البعض سلال الزهور الصناعية وينحنون في احترام. وكانت هناك سيدة عجوز تركع في ثوب فضفاض أسود في ركن القاعة المظلم شمال المكان الذي يوضع فيه الكتاب المقدس على المذبح. وحين نهضت السيدة بدَت في رداء أحمر، ولها شعر صناعي وأشقر معقوص وقبعة قديمة الطراز من القش، وحاجبان أسودان خُطِّطا بالقلم: وخدَّان عليهما قليلٌ من الطلاء والبودرة. وسرَت همهمة عجب خفيضة في القاعة عند اكتشاف هذه الشخصية النسائية. واقترب أحد العريفين وهو يبتسم ويُحني رأسه من الركن المظلم، وقال للسيدة العجوز في بشاشة بعد أن حياها: «ما هذا الذي معك يا مسز تالون، أهي شابة صغيرة جميلة أم لعبة؟» ثم صاح في دهشة بعد أن انحنى ورأى الوجه الباسم ذا الطلاء: «كلَّا! بحق السماء، إنه الصغير «برتي تالون».»

وسمع ستيفن من مكانه بجانب النافذة صوتَ السيدة العجوز التي يُمثِّلها برتي وهي تضحك مع العريف، وسمع كذلك من ورائه همسات الإعجاب تصدر عن الأولاد، وهم يتقدمون ليرى الصبي الصغير، الذي كان عليه أن يؤديَ رقصة القبعة بمفرده، وصدرت رغمًا عنه حركةٌ تعبِّر عن نفاد الصبر، فترك حافة الشيش تسقط، وهبط الدرج الذي كان يقف فوقه وخرج من القاعة.

وذهب خارج مبنى المدرسة ثم توقَّف في الظل الذي كان يغمر الحديقة. ومن قاعة المسرح المواجهة ارتفعت أصوات ضجة النظارة، وبعض الأصوات النحاسية المفاجئة من المجموعة التي تمثِّل الجنود. وكان الضوء يَبِين من أعلى سقف المسرح الزجاجي، مما جعل المسرح يبدو كالسفينة المزدانة وهي تُلقي مراسيَها أمام المنازل، وتقودها مصابيحُها الواهنة إلى مرساها. وفُتح بابٌ جانبي في المسرح فجأةً وسطع خيطٌ من النور على الحشائش، وصدر عن السفينة عزفٌ موسيقي مفاجئ، مقدمة فالس، وحين أُغلق الباب الجانبي مرةً أخرى كان صوت الموسيقى الواهن مسموعًا على الرغم من ذلك. وأثارت العاطفةُ التي تحملها المقطوعات الافتتاحية وحركتها البطيئة المرنة في نفسه انفعالًا لا يمكن التعبير عنه، ذلك الانفعال الذي كان سببَ ضيقه طوال اليوم، وسبب مغادرته المسرح منذ دقائق مضَت، وانبعث الضيق منه كموجات صوت. وعلى أمواج الموسيقى السارية كانت تسبح السفينة تاركةً وراءها أنوار مصابيحها، ثم قطعَت الحركةَ الموسيقية ضجةٌ تُماثل ضجة المدفعية الصغيرة، انبعثت من التصفيق الذي استقبل به النظارةُ فريقَ حمل الأثقال على المسرح.

وظهرت في الظلمة نقطةٌ من الضياء الأحمر عند نهاية المبنى الملحق قرب الطريق، وحين توجَّه ناحيتها اشتمَّ رائحةَ عطر فوَّاح واهنة. كان صبيَّان يقفان عند ناصية أحد أبواب المنازل يدخنان، وقبل أن يَصِل إليهما، عرف «هارون» من صوته.

وصاح صوتٌ عالٍ غليظ: ها هو ديدالوس العظيم! مرحبًا بصديقنا الصدوق! وانتهى هذا الترحيب بضحكة ناعمة صفراء بعد أن صافحه هيرون، ثم أخذ ينكش الأرض بعصاه، فقال ستيفن وقد توقَّف وأخذ يردِّد الطرف بين هيرون وصاحبه: «ها أنا ذا».

ولم يكن يعرف الشخص الآخر، ولكنه عرف منه على ضوء طرفَي السيجارتَين المشتعلتَين في الظلام وجهًا شاحبًا مرفهًا تَنُوس عليه الابتسامة، وجسمًا طويلًا يرتدي معطفًا سميكًا وقبعةً صلبة، ولم يُكلِّف هيرون نفسه عناءَ تقديم ستيفن لصديقه، بل قال بدلًا من ذلك: لقد كنت أحدِّث صديقي «واليس» عن المتعة التي سنشعر بها لو أنك قلَّدت مدير المدرسة في دور الناظر الذي ستمثِّله الليلة. سيكون ذلك طرفة جميلة ممتعة. وقام هيرون بمحاولة فاشلة لتقليد صوت المدير الخشن المدعي أمام صديقه، ثم سأل ستيفن وهو يضحك من فشله أن يقوم هو بذلك، وحثَّه قائلًا: هيَّا يا ديدالوس، إن بإمكانك تقليده في دقة، وهو يقول: مَن لا يطيع أوامر الكنيسة يكون بالنسبة لك وثنيًّا حقيرًا.

وصدرت من «واليس» الذي التصقَت السيجارة بشفتَيه عبارةُ غضب هادئة قطعَت على زميله التقليد، وقال: «لعن الله هذا المبسم»، وأخرجه من فمه وهو يتأمله بابتسام ثم بعبوس وأضاف: «إنه يلتصق دائمًا هكذا، أتستعمل المبسم؟»

فردَّ ستيفن: أنا لا أدخن.

فقال هيرون: كلَّا، إن ديدالوس شابٌّ مثاليٌّ، إنه لا يدخن ولا يذهب للهو ولا يغازل، ولا يسبُّ أيَّ شيء أو كلَّ شيء.

وهزَّ ستيفن رأسه وابتسم في وجه خصمه المتورِّد المتغير بفمه الذي يُشبه منقار الطير. وكان قد فكَّر في مرةٍ سابقة في غرابة الشبه بين وجهِ هيرون ووجه الطيور وفي الاسم أيضًا،٧ وكانت خُصلةٌ باهتة من الشعر تُشبه خُصلةَ الأسد تتدلَّى على جبهته. وكانت جمجمتُه ضيقةً ضامرة، وأنفُه رفيعًا معقوفًا بين عينَيه المتقاربتَين الجامدتَين. وكان هذان الخصمان زميلَيه في الدراسة، وكانوا معًا في الفصل ويصلُّون معًا في الكنيسة، ويتحادثون معًا على مائدة الطعام. ولما كان تلاميذ الصف الأول جميعًا من البُلَداء الكُسالى، كان ستيفن وهيرون طوال العام قائدَي الفصل الحقيقيِّين؛ فهما اللذان يذهبان إلى مدير المدرسة معًا ليطلبَا يوم إجازة للمدرسة، أو لطلب العفو عن أحد التلاميذ. وقال هيرون فجأة: على فكرة، لقد شاهدت والدك يدخل المسرح.

واختفت الابتسامة من على وجه ستيفن؛ فقد كان هدوءُه ينقلب ثورةً في لحظة واحدة عند أي إشارة إلى والده سواء من التلاميذ أو الأساتذة. وانتظر في صمت وخشية ما سيقوله هيرون بعد ذلك. ولكن هيرون لكزَه بكوعه بحركة ذات مغزى، وقال: إنك لجروٌ مخادعٌ.

فقال ستيفن: لماذا؟

فقال هيرون: تظن أن بإمكانك إخفاء الأمر عن الجميع، ولكني أؤكد لك أنك جروٌ مخادعٌ.

فقال ستيفن في وداعة: هل لي أن أسألَك عمَّ تتكلم؟

فردَّ هيرون: طبعًا يحقُّ لك هذا … لقد رأيناها، أليس كذلك يا واليس؟ ويا لَها من جميلة فاتنة، وكثيرة السؤال. قال والدك: وأيَّ دورٍ سيلعب ستيفن يا مستر ديدالوس؟ ألن يغنِّيَ ستيفن يا مستر ديدالوس؟ وكان والدك يُحدِّق فيها بشدة من وراء نظارته حتى ظننتُ أنه قد اكتشف أمرك هو الآخر. لو كنت مكانك لما كان ذلك يهمني على الإطلاق، فهي فاتنةٌ مدهشةٌ، أليس كذلك يا واليس؟

وطافَت لمحةُ غضب على ذهن ستيفن لتلك التلميحات التي تُقال على مسمعٍ من أحد الغرباء، الذين لا يهمُّهم أن يسمعوا عن اهتمام فتاة به. وكان ستيفن لا يفكر طيلة اليوم إلا في اللحظة التي افترقَا فيها في العربة العامة عند «هارولد كروس»، والعواطف المتفرقة التي أثارها ذلك في نفسه، والقصيدة التي كتبها عن ذلك الموقف. وظل يتخيل مقابلةً أخرى معها؛ فقد كان يعرف أنها ستحضر المسرحية. وجاش ذلك القلق القديم في صدره مرةً أخرى، مثلما حدث له ليلة السهرة الفائتة، ولكنه لم يجد متنفسًا له هذه المرة في الشعر. كان يفصل بين هذين الحدثَين سنتان من النضج والمعرفة، سنتان تقفان في وجه مثل هذا المتنفس. وكان ينبثق هذا التيار من الرقة الحزينة في نفسه طيلة اليوم، وينعكس عليها في مدٍّ وجزر، مما آلمَ نفسَه إلى أن اضطرَّته رقةُ المشرف والولد الصغير المتنكر إلى الخروج بعد أن نفد صبرُه.

ومضى هيرون في قوله: ولذلك يجب عليك أن تعترف أننا قد كشفنا أمرَك تمامًا هذا المرة، ولن تستطيع أن تتظاهر أمامي مرةً أخرى بأنك قديس، وأراهن على ذلك.

وضحك بعد ذلك ضحكةً خالية من البهجة، ثم انثنى كما كان أولًا وضرب ستيفن بعصاه في خفة على باطن ساقه، كأنما يوبِّخه مازحًا.

وكان غضب ستيفن قد تبخَّر فعلًا، ولم يكن قد اغترَّ بما قيل أو اهتزَّ، غير أنه رغب لهذا الموقف أن ينتهيَ. ولم يكد يشعر بالغضب إزاء ما بدا له من فظاظتهما الحمقاء؛ فقد كان يعلم جيدًا أن مغامرته مع الفتاة كانت ماثلةً في ذهنه بلا خطر عليها من هذه الكلمات، وانعكست على وجهه ابتسامةُ خصمه المزيفة.

وكرر هيرون، وهو يُعاود ضربه بعصاه على باطن ساقه: «اعترف». وكانت ضربته مزاحًا أيضًا، ولكنها كانت أشدَّ من الضربة الأولى.

وشعر ستيفن بجلده يتوهج قليلًا دون أن يشعر بألم، ثم انحنى في طواعيةٍ وأخذ يتلو صيغة «الاعتراف»، كأنما يُجاري مزاج صاحبَيه في المزاح. وانتهى الموقف على خير؛ فقد أغرق هارون وواليس في الضحك من هذه الاستهانة بالمقدسات، ولم يصدر الاعتراف إلا من بين شفتَي ستيفن فقط. وحين كانوا يتبادلون هذا الحديث المشار إليه، انتقل ذهن ستيفن بفعل ذكرى سابقة إلى مكان آخر، حين شاهد الغمازَين القاسيَين الواهنَين على جانبَي شفتَي هارون الباسمتَين، وحين شعر بضربة عصاه على باطن ساقه، وحين سمع كلمة التحذير المألوفة: اعترف.

وقعَت هذه الحادثة السابقة التي عادت إلى ذاكرته الآن، عند نهاية الفصل الأول في المدرسة حين كان في الصف السادس. كانت طبيعته المرهفة ما زالت ترزح قلقةً تحت مظاهر دبلن السقيمة، وقد وجد نفسه بعد سنتين من الاستغراق في الفكر في وسط محيط جديد، حيث تُؤثر كلُّ حادثة وكلُّ شخص في نفسه إلى حدٍّ بعيد، ويثقل عليه بالمغريات أو يجذبه بها، ويملأ نفسه دومًا بتيارات القلق والأفكار المريرة في الحالتين، وكان يُمضي وقت الفراغ الذي تسمح له به حياته المدرسية في صحبة مؤلفين هدَّامين، كان عنفهم وجموحهم في الكتابة يُضرم النيران في عقله قبل أن يخرج منه على شكل كتابات فجة.

وكان يعتبر المقال الذي يكتبه هو حصيلة الأسبوع، وكان يتنبَّأ كل ثلاثاء أثناء ذهابه إلى المدرسة بما يقع حوله في الطريق، أو يُحفز نفسه ليلحق بشخص يسير أمامه قبل مرور مدة معينة، أو يخطو بقدمَيه في حذرٍ على الطريق وهو يقول لنفسه هل سيكون الأول في المقال الأسبوعي أو لا يكون.

وفي أحد هذه الأيام، انقطع حبلُ انتصاراته فجأة، فقد أشار المستر «تيت» أستاذ اللغة بإصبعه إليه، وقال بخشونة: مقالة هذا الفتى بها هرطقةٌ دينية:

وساد السكونُ الفصل، ولم يقطعه مستر تيت بل دسَّ يدَه بين ساقَيه، بينما أحدثَت ملابسُه الكتانية المنشَّاة صريرًا عند الرقبة والرسغين. ولم ينظر ستيفن إليه. كان صباح يوم من أول أيام الربيع، وكانت عيناه لا تزالان ضعيفتَين متوجعتَين. كان يشعر بالفشل والإحباط، بقذارة ذهنه وقذارة بيته، وشعر بحافة ياقته المقلوبة الناتئة على رقبته.

وأعادت ضحكةٌ عالية قصيرة من مستر تيت بعض الراحة إلى الفصل. قال: ربما لم تعرف ذلك.

وسأل ستيفن: أين؟

وسحب مستر تيت يدَه المتسربة ونشر المقالة بين يديه.

– هنا … عن الخالق والروح … إر إر إر … آه … «دون أي إمكانية للاقتراب أكثر». هذه هرطقة.

وتمتم ستيفن: إنما عنيتُ «دون أي إمكانية للوصول».

كان هذا تسليمًا. وطوى المستر تيت المقال بعد أن هدأ وناولها له، وهو يقول: آه … للوصول … هذا شيءٌ آخر.

ولكن الفصل لم يهدأ بهذه السرعة، ورغم أن أحدًا لم يُحادثه في الموضوع بعد الحصة، إلا أنه كان يستشعر فرحًا خبيثًا عامًّا غامضًا يضطرم من حوله.

وبعد ليالٍ قليلةٍ من هذا التأنيث العلني، كان يسير حاملًا خطابًا عبر طريق «درو مكوندرا» حين سَمِع صوتًا يهتف به: «قف».

والتفتَ فرأى ثلاثة طلاب من صفِّه الدراسي قادمين نحوه في الظلمة. كان هيرون هو الذي صاح به، يسير بين اثنين من مُرافقيه وهو يشقُّ الهواء أمامه بعصًا رفيعة شقًّا ينتظم مع خطواتهم. وكان «بولاند» صديقه يسير إلى جواره وقد ارتسمت ابتسامةٌ واسعة على وجهه، بينما «ناش» على بُعْد خطواتٍ خلفهما ينهج من المشي ويحرِّك رأسه الأحمر الضخم.

ولما انعطف الأولاد إلى طريق «كلونليف» معًا بدءوا في الحديث عن الكتب والمؤلفين، وأخذوا يذكرون الكتب التي كانوا يقرءونها، وكم من الكتب تحوي مكتبات آبائهم في منازلهم. واستمع ستيفن إليهم في عجب؛ فواحدٌ منهم — بولاند — كان بطيء الفهم، وآخر— ناش — كسول الفصل. وبعد شيء من الحديث عن مؤلفيهم المفضلين، أعلن ناش أن «الكابتن ماريات» هو أعظم الكتب.

فقال هيرون: هراء، اسأل ديدالوس … مَن هو أعظم كاتب يا ديدالوس؟

ولمس ستيفن نبرةَ السخرية في السؤال، وقال: تعني من بين كُتَّاب النثر؟

– أجل.

– أعتقد أنه نيومان.

فسأل بولاند: أهو الكاردينال نيومان؟

فردَّ ستيفن: أجل.

وازدادت البسمةُ اتساعًا على وجه ناش المليء بالنمش، حين تحوَّل إلى ستيفن وهو يقول: وهل تحب الكاردينال نيومان يا ديدالوس؟

وقال هيرون لرفيقَيه الآخرَين موضحًا: أوه … يقول الكثيرون إن نيومان يمتلك ناصيةَ أفضل أسلوب نثري، وبالطبع فهو ليس بشاعر.

وسأل بولاند: ومَن هو أحسن شاعر يا هيرون؟

وردَّ هيرون: اللورد تينسون بالطبع.

فقال ناش: آه … أجل، اللورد تيسنون، لدينا ديوان أشعاره في مجلد واحد بالمنزل.

وعند ذلك نَسِي ستيفن اليمينَ الصامتة التي كان يُرددها، وانفجر قائلًا: تينسون شاعر! ما هو إلا مجردُ ناظمِ قوافٍ.

فقال هيرون: ما هذا؟ الجميع يعرفون أن تينسون هو أعظم شاعر.

فردَّ ستيفن: بايرون طبعًا.

واشترك الرفاق الثلاثة في ضحكة ازدراء بدأها هيرون.

وسأل ستيفن: علامَ تضحكون؟

فقال هيرون: منك. بايرون أعظم شاعر! إنه شاعر الجهال ليس إلا.

وقال بولاند: لا بد وأنه شاعرٌ لطيفٌ.

فقال ستيفن وهو يتحول إليه في جرأة: عليك أن تُغلق فمك. إن كل ما تعرفونه عن الشعر ما تكتبونه على الألواح في الفناء وتعاقبونه من أجله.

وفي الحقيقة، كان قد قيل إن بولاند قد كتب على ألواح الفناء الفقرة التالية، عن أحد زملاءِ صفِّه كان معتادًا على العودة إلى المنزل على حصان صغير:

بينما كان تايسون يركب قاصدًا أورشليم،
سقط وأصاب بطنَه الألمُ المقيم.

وقد أفحمَت المرافقين هذه الوخزة، ولكن هيرون استمر في كلامه:

– وعلى كل حال، كان بايرون هرطاقًا وخليعًا كذلك.

وصاح ستيفن بحرارة: لا أهمية عندي لما كان عليه.

وقال ناش: ألَا يهمُّك إذا كان هرطاقًا أم لا؟

فصاح ستيفن: وماذا تعلم أنت عن هذا الموضوع؟ إنك لم تقرأ في حياتك سطرًا من الشعر عدا الترجمات، وكذلك بولاند.

فقال بولاند: إنني أعرف أن بايرون كان رجلًا سيئًا.

وصاح هيرون: إليك، أمسكَا هذا الهرطاق.

وفي لحظة كان ستيفن سجينًا.

وواصل هيرون كلامه: لقد أزعجك تيت ذلك اليوم بشأن الهرطقة التي كانت في مقالك.

فقال بولاند: سأقول له غدًا.

فقال ستيفن: هل ستقول له حقًّا؟ ستخاف أن تفتح فمك.

– أخاف؟

– نعم تخاف على حياتك.

فقال هيرون وهو يلطم ساقَي ستيفن بعصاه: «احترم نفسك.»

وكانت إشارة الهجوم، فقيَّد ناش ذراعَيه من الخلف بينما أمسك بولاند ساقًا من سيقان نبات القرنبيط طويلة كانت ملقاةً في قناة المجاري. وقاوم ستيفن، وركل بقدميه خلال ضربات العصا ولطمات الساق المعقودة، حتى ارتكز على سور من الأسلاك الشائكة.

– اعترف أن بايرون لم يكن طيبًا.

– كلا.

– اعترف.

– كلا.

– اعترف.

– كلا، كلا.

وأخيرًا بعد عدة دفعات، خلص بنفسه حرًّا.

وتوجَّه معذِّبوه ناحيةَ طريق جونز ضاحكين يسخرون منه، بينما تعثَّر هو وقد أعمَته دموعه، مُلوِّحًا بقبضتَيه في جنون وهو ينشج باكيًا.

وبينما هو لا يزال يُردد صيغة «الاعتراف» خلال انهماك سامعيه في الضحك، وبينما كانت مناظر هذه الأحدوثة المريرة لا تزال تترى في حدة وسرعة على ذهنه، تساءل لِمَ لا يحمل أي ضغينة لهؤلاء الذين عذبوه. لم ينسَ أبدًا ذرَّة من جُبْنهم وقسوتهم، غير أن ذكرى ذلك المشهد لم تَعُد تبعث فيه أي غضب. وعلى ذلك، تبدَّت له أوصاف الحب والكُرْه العميقَين التي قرأ عنها في الكتب غير حقيقية. وحتى في تلك الليلة التي تلمَّس فيها الطريق إلى بيته متعثرًا عبر طريق «جونز»، شعر أن هناك قوة تنزع عنه بسهولة ذلك الغضب الذي نسج فيه خيوطه فجأة، مثلما تُنزع القشرة عن الثمرة اللينة الناضجة.

وظل واقفًا مع رفيقَيه عند نهاية المبنى الملحق يستمعون في كسلٍ إلى حديثهم أو إلى انفجارات التصفيق في المدرج. وكانت هي تجلس هناك مع الآخرين وربما تنتظر ظهوره. وحاول أن يستعيد منظرَها ولكنه لم يستطع. لم يستطع سوى أن يتذكَّر أنها ارتدَت وشاحًا حول رأسها كالقلنسوة، وأن عينَيها السوداوَين قد دعتَاه وأوهنتَا من عزمه. وتساءل هل تفكر فيه كما يفكر فيها. وفي الظلمة، في غفلةٍ عن الاثنين الآخرين، أراح أطراف أصابع يده على راحة يده الأخرى في خفة وهو لا يكاد يلمسُها. غير أن ضغطَ أصابعها كان أخفَّ وأكثر انتظامًا. وفجأة، تخلَّلت ذكرى لمساتها عقلَه وجسده كالموجة الخفيفة.

وأقبل صبيٌّ يجري نحوهم في المبنى الملحق. كان مضطربًا لاهثَ الأنفاس.

صاح: آه يا ديدالوس، إن دويل في مأزق عظيم بسببك. عليك أن تذهب فورًا وترتديَ ملابس التمثيل. يحسن بك أن تُسرع.

فقال هارون للرسول بالتفاتةٍ متعالية: سيأتي حالًا، حين يريد ذلك.

فالتفت الصبيُّ إلى هيرون وردَّد: ولكن دويل في مأزق عظيم.

فردَّ هيرون: هل لك أن تُخبرَ دويل مع عظيم تحياتي أنني أصبُّ اللعناتِ عليك.

فقال ستيفن الذي لم يكن يهتمُّ كثيرًا بمسائل الكرامة هذه: حسنًا، إنَّ عليَّ أن أذهب الآن.

فقال هيرون: لو كنتُ مكانك لما ذهبت، عليَّ اللعنة لو كنتُ أذهب. ليست هذه بالطريقة التي يجب أن يستدعيَ بها طلبةَ الصفوف العليا. في مأزقٍ … حقًّا، أعتقد أنه يكفيه أن تُشارك في تمثيليَّته القديمة السخيفة.

ولم تُغرِ ستيفن روحُ الزمالة المشاغبة التي لاحظها مؤخرًا في غريمه بالخروج على ما تعوَّده من الطاعة الهادئة. ولم يَثِق في هرج هذه الزمالة ومرجِها وتشكَّك في إخلاصها، تلك الزمالة التي تبدَّت له إرهاصًا مؤسفًا لطَور الرجولة. وكانت مسألة الكرامة التي أُثيرت هنا — ككل المسائل المشابهة — تافهة بالنسبة له. وبينما كان ذهنه يتابع خيالاته الخفية، ويتحول في ترددٍ عن هذه المتابعة، سمع من حوله أصواتَ أبيه وأساتذته يحثُّونه على أن يكون جنتلمانًا فوق كل شيء، ويحثونه على أن يكون كاثوليكيًّا طيِّبًا فوق كل شيء. وبدَت هذه الأصوات جوفاء في أُذُنَيه الآن. وحين افتتحَت صالة الرياضة سَمِع صوتًا آخر يحثُّه أن يكون قويًّا، ورجلًا مكتمل الصحة، وحين بدأ الإحساس بحركة اليقظة القومية في المدرسة أمره صوتٌ آخرُ أن يكون مخلصًا لبلده ويساعد على رفعِ راية لغتها وتقاليدها. وكما تنبَّأ هو؛ ففي مثل هذا العالم الدنيوي، يمكن أن يأمرَه صوتٌ دنيويٌّ أن يساهم بعمله على الارتفاع بحالة والده المنهارة. وفي الوقت نفسه، يحثُّه صوتُ رفاق المدرسة أن يكون فتى دمثًا، يحمي الآخرين من اللوم أو يتوسط من أجلهم، ويبذل جهده للحصول على إجازات للمدرسة. وقد أدى طنينُ كلِّ هذه الأصوات الجوفاء به إلى أن يتوقف في ترددٍ عن متابعةِ هذه النداءات. كان يُنصت لها فترة ما كان يسعد إلا حين يكون قصيًّا عنها، بعيدًا عن متناولها، وحيدًا أو في صحبة رفاقه الوهميِّين.

وفي غرفة الملابس، وجد جزويتيًّا سمينًا نديَّ الوجه مع رجلٍ متقدمٍ في السن، يرتدي ملابس زرقاء رثة، غارقين في العمل بعلبة من الطلاء والطباشير. وكان الأولاد الذين طُليت وجوههم بالمساحيق يسيرون هنا وهناك، أو يقفون ساكنين في حرج، يتلمَّسون وجوههم بطريقة حذرة بأطراف أصابعهم المسترقة. وفي وسط حجرة الملابس، وقف جزويتيٌّ شابٌّ — وكان في زيارةٍ للمدرسة آنذاك — وهو يهزُّ نفسه في إيقاع منتظم على أطراف أصابع قدميه حتى الكعبين وبالعكس، وبينما انعقدَت يداه نحو الأمام داخل جيوبه الجانبية. وكان رأسه الصغير متوَّجًا بخُصلاتٍ حمراءَ لامعةٍ من الشَّعر، ووجهه الحليق يتوافق مع رقة ثوبه الكهنوتي الناصعة وحذائه اللامع.

وبينما كان ستيفن يرقب هيئته المهتزة ويحاول أن يقرأ ما ترمز له ابتسامةُ القس الساخرة في نفسه، طاف بذاكرته قولٌ سَمِعه من والده قبل أن يُرسلوا به إلى كلونجوز، يذكر أنه يمكن تمييز الجزويتي من طراز ملابسه. واعتقد في الوقت نفسه أنه يرى مشابهةً بين عقلية والده وعقلية هذا القس الباسم الحسن الملبس، وأحسَّ أن في ذلك تدنيسًا لحرمة وظيفة القس أو لحجرة الملابس ذاتها، التي انتهى سكونُها الآن وضجَّت بالحديث وبالمزاح، وعَبِق هواؤها بروائح الدهن وغاز المشاعل.

وبينما كان الكهل يرسم التجاعيد على جبهته، ويُضيف الألوان السوداء والزرقاء على فكَّيه، أنصت ستيفن في شرود إلى صوت الشاب الجزويتي السمين، وكان يطلب منه أن يتكلم ويُخرج المقاطع في وضوح. وكان يسمع الفرقة تلعب لحنَ «زنبقة كيلارني»، وأدرك أن الستار سوف يرتفع بعد لحظات قليلة. ولم يشعر برهبة المسرح ولكنه شعر بالمهانة من الدور الذي كان عليه أن يلعبه، ودفع ذكر بعض سطوره بالدم فجأةً إلى وجنتَيه الملطختَين بالمساحيق، ورأى عينَيها الجادَّتَين المغريتَين ترقبانِه من بين النظارة. وأزاحَت صورتُهما شكوكَه على الفور، وخلفتا إرادته وقد تماسكَت. وبدا كما لو أن طبيعةً أخرى غير طبيعته قد أعارَته نفسها، وأثر حماس الشباب من حوله في خشيته المتقلبة وغيرها. وبدا في لحظة واحدة نادرة كما لو اشتمله مظهرُ الطفولة الحقيقي. وبينما كان يقف وراء الكواليس مع غيره من الممثلين، شارك في المرح الذي ساد الجميع، حيث رفع قسَّان قويَّان الستارَ بعد أن قامَا بانحناءات واهتزازات عنفية.

وما هي إلا لحظات قليلة حتى وجد نفسه فوق خشبة المسرح وسط الأضواء الزاهية والديكورات المعتمة، يمثِّل أمام فراغ من وجوه عديدة، وأدهشه أن يرى التمثيلية التي كانت في البروفات شيئًا متفككًا لا حياة فيه، قد اتخذت فجأةً حياةً خاصةً بها، وبدَت الآن كما لو أنها تمثِّل نفسها بنفسها، وما هو ورفاقه سوى مساعدين لها بأدوارهم. وحين أسدل الستار على المنظر الأخير سمع الفراغ يضجُّ بالتصفيق، ورأى من خلال شقِّ الكواليس الجسم البسيط، الذي مثَّل أمامه وهو يتشوه بطريقة سحرية، وفراغ الوجوه يتكسر في جميع الأنحاء وينشطر إلى جماعات لها ما يشغلها.

وغادر خشبة المسرح بسرعة وخلَّص نفسه من ملابس التمثيل، وعبَرَ الكنيسة الصغيرة إلى حديقة المدرسة، والآن وقد انتهت التمثيلية تصرخ أعصابُه طلبًا لمخاطرة أخرى، وأسرع في طريقه كأنما ليلحق بها. كانت أبواب المسرح قد فُتحت وخرج النظارة منها. وفي الممرات، كان يتخيل مرسى السفن عليها، وقد علقَت بعض القناديل في نسمة الليل، تهتزُّ شعلتها في وجوه. واعتلى درج الحديقة في عجلة حريصًا على ألَّا تفلتَ منه إحدى الضحايا، وشقَّ طريقَه خلال زحام الردهة، واجتاز الجزويتيَّين اللذين وقفا يرقبان الخروج، وينحنيان ويشدَّان على أيدي الزوار. وتقدَّم إلى الأمام في عصبية متظاهرًا بالعجلة، وهو لا يكاد يشعر بالبسمات والتطلعات واللمزات، التي يُثيرها منظرُ رأسه المغطَّى بالبودرة في طريقه.

وحين خرج إلى السلَّم وجد أسرته بانتظاره عند أول مصباح. ولاحظ في لمحةٍ أن وجهَ كلِّ فرد فيهم كان مألوفًا لديه. وجرى على الدرج في غضب وقال لوالده بسرعة: عليَّ أن أُنجزَ مهمةً في شارع جورج، وسوف أعود للبيت بعدكم.

وجرى عبر الطريق دون أن ينتظر سؤال والده، وبدأ يهبط التلَّ في سرعة قاتلة، كان لا يكاد يعرف أين يسير. كانت الكبرياء والأمل والرغبة تُرسل بضباب البخور المثير للأعشاب المسحوقة إلى فؤاده أمام بصيرة عقله. حثَّ خطاه يهبط التل وسط ضجة الأبخرة التي تصاعدت فجأة، أبخرة الكبرياء الجريحة والأمل المحطوم والرغبة الباطلة. تصاعدَت سابحةً أمامه، أمام عينَيه الجزعتين في دخان كثيف مثير. ومرَّت أمامه إلى أن صفا الهواء وبرد مرةً ثانيةً في النهاية.

وظل ستارٌ يحجب عينَيه، ولكنهما لم يعودَا يحترقان، ومنحَت قوةٌ ما الراحةَ لخطواته، قوة شبيهة بتلك التي كانت دومًا تنفض عنه ثياب الغضب والضيق. وتوقَّف ساكنًا وتطلَّع إلى رواق مبنى المشرحة المظلم، ومنه إلى الدرب المظلم المرصوف في الجانب. وقرأ كلمة «مسدود» على جدار الدرب، وتنفَّس الهواء الثقيل العطن في بطء. وفكر: هذه بقايا الجياد والقش العطب، إنها رائحةٌ طيبة أتنفُّسها، وستُهدئ من قلبي، إن قلبي هادئ تمامًا الآن، سأعود أدراجي.

•••

جلس ستيفن مرةً أخرى إلى جوار والده في ركن عربة قطار في «كنجز بروج». كان مسافرًا مع والده في قطار المساء إلى «كورك». وحين زفر القطار دخانه وهو يغادر المطحة تذكَّر دهشتَه الصبيانية منذ سنين خلت، وكل واقعة من وقائع أول أيامه في «كلونجوز»، ولكنه لم يشعر بأي دهشة الآن. ورأى الأرض المعتمة تنزلق أمامه، وأعمدة التغلراف الصامتة تمرُّ في سرعةٍ أمام نافذته كل أربع ثوانٍ، والمحطات الصغيرة المضيئة يُديرها قليلٌ من الحراس الصامتين، ويُلقي بها القطار من ورائه وهي تلمع لحظةً في الظلمة مثل حباتٍ مشتعلةٍ يُلقيها أحدُ المتسابقين خلفه.

واستمع في فتورٍ إلى حكايات والده عن «كورك» وعن مراتع شبابه فيها، يتخلَّلها تنهدات أو جرعات من القنينة التي يحملها في جيبه، كلما ظهرت في القصة صورةُ أحد أصدقائه الذين ماتوا، أو حينما يتذكَّر فجأةً الغرضَ من زيارته الحالية للمدينة، واستمع ستيفن ولكنه لم يشعر بأي مشاركة وجدانية. كانت صور الموتى جميعًا غريبةً لديه ما عدا صورة العم تشارلس، وهي صورة كادت تَذْوِي من الذاكرة في المدة الأخيرة، وعلى الرغم من ذلك عرف أن أملاك والده ستُباع في المزاد، وشعر بالدنيا تُكذِّب أحلامه في خشونة حين تُجرِّده هو أيضًا مما يمتلكه.

واستسلم للنعاس عند «ماري بوره». وحين استيقظ كان القطار قد خرج من «مالو»، وقد نام والده متمددًا على المقعد الآخر. كان نور الفجر البارد يرقد على البلدة، على الحقول الخالية من الناس وعلى الأكواخ المغلقة، وفتَنَ النومُ المرعب عقلَه، وهو يراقب البلدة الصامتة أو يُنصت من وقت إلى آخر لزفرات والده العميقة أو حركات نومه الفجائية!

وغمره جوارُ النائمين غير المرئيِّين بخشية غريبة، كما لو كان بإمكانهم إيذاؤه، وصلَّى لكي يطلع النهار سريعًا. وبدأ صلاته التي لم يُوجهها إلى الله أو إلى أحد القديسين برعدة؛ إذ زحفت نسمة الصباح الباردة من خلال صدع باب المركبة إلى قدميه، وأنهاها بسلسلة من الكلمات الحمقاء ابتدعها لتُوافق إيقاع القطار الملح. وفي صمتٍ كانت أعمدة البرق «تُمسك بالوحدة» لأنغام الموسيقى الراكضة المنتظمة كلَّ أربع ثوانٍ. وخففت هذه الموسيقى العنيفة من خشيته، وإذ انحنى مستندًا على إفريز النافذة، ترك جفونه تنغلق ثانيةً، ودخلوا إلى «كورك» في غمضة عين، بينما كان الصباح لمَّا يزل في مطلعه، وأتم ستيفن نومَه في إحدى غُرَف النوم بفندق فيكتوريا. وكان ضوء الشمس الدافئ اللامع يتدفق من خلال النافذة، وكان باستطاعته سماع ضجة المرور. كان والده يقف أمام التسريحة، يتفحص شعره ووجهه وشاربه بعناية شديدة، ويمدُّ رقبته عبر قارورة الماء ويسحبها ثانيةً من الجانب حتى يتمكن من رؤيةٍ أفضل. وبينما هو يفعل ذلك كان يغنِّي لنفسه في رقةٍ وبلكنةٍ وتعبيرٍ غريبَين:

الشباب والبله،
يدفع الشباب للزواج؛
ولذلك لن أبقى هنا
بعد الآن يا حبيبتي،
وما لا يمكن علاجه طبعًا،
لا بد من بتره طبعًا؛
ولهذا سأرحل
إلى أمريكا.
حبيبتي جميلة،
حبيبتي جميلة؛
كالحمرة الجيدة،
حين تكون جديدة،
ولكن، حين تكون عتيقة،
وحين تكون باردة،
فإنها تذوي وتموت؛
مثل ندى الجبال.

وقد ساعد الإحساسُ بالمدينة الدافئة المشمسة في الخارج، والارتجافات الحانية التي كان صوتُ أبيه يُوشي بها الهواء الغريب الهانئ، ساعد على تبديد سُحُب مزاج الليل الكئيب من عقل ستيفن. ونهض بسرعةٍ ليرتديَ ملابسه، وقال حين انتهت الأغنية: هذه الأغنية أحسن أغانيك الأخرى من نوع «تعالوا جميعًا».

فسأل مستر ديدالوس: أتظن ذلك؟

فقال ستيفن: إني أحبها.

فقال مستر ديدالوس وهو يعقص أطراف شاربه: إنها نشيدٌ قديمٌ لطيفٌ. آه، ولكن كان ينبغي عليك أن تسمع «ميك لاسي» وهو يغنِّيها. «ميك لاسي» المسكين! كانت له حيلٌ صغيرة وأنغامٌ رقيقة يُوشيها بها، لا أتمكن أنا من أدائها. كان هو الفتى الذي يصلح لأداء إحدى أغاني «تعالوا جميعًا» إن كنت تحب ذلك.

وأمر مستر ديدالوس بأطباق الطعام للإفطار، واستفهم خلال الأكل من النادل بدقةٍ عن الأخبار المحلية. وحين كان يذكر اسمًا من الأسماء، كان يحدث في كلامهما نوعٌ من الخلط؛ إذ كان النادل يقصد به الشخص الذي يحمل الاسم حاليًّا، بينما يقصد مستر ديدالوس أبا هذا الشخص أو ربما جده.

قال مستر ديدالوس: حسنًا، آمل ألَّا يكونوا قد غيروا مكان مدرسة الملكة؛ لأنني أريد أن أريَها لصغيري هذا.

وكانت الأشجار مزهرة على طول طريق «ماردايك»، ودخلَا إلى المدرسة، وقادهما البواب الثرثار عبر زاويتها الرباعية، ولكن كان يُوقف مسيرتهما على الفسيفساء ردٌّ من البواب بعد كل دستة من الخطوات.

– آه … ماذا تقول؟ وهل مات «بوتل بيلي» المسكين؟

– أجل يا سيدي، مات يا سيدي.

وخلال هذه التوقفات، كان ستيفن يقف في حرج خلف الرجلين، متعبًا من هذا الموضوع، ينتظر في قلقٍ أن يبدأ السير ثانيةً، وفي الوقت الذي عبروا فيه الزاوية الرباعية، كان قلقه قد تحوَّل إلى حمَّى، وعجب كيف أن والده الذي عرَفه رجلًا مدققًا فطنًا قد خدعَته وسائل البواب الوضيعة، كما أصبحت اللهجة الجنوبية الحية، التي عملت على تسليته طول الصباح تُضايق سمْعَه الآن.

ودخلوا إلى مدرج التشريح حيث جال مستر ديدالوس — يساعده البواب — بحثًا عن حروف اسمه الأولى على المدرجات. وبقيَ ستيفن في الخلفية، وقد أحزنه أكثر ما أحزنه ظلمة المدرج وسكونه، وما حمله من مظهر الدراسة المضنية الجامدة. وقرأ كلمة «جنين» منقوشة عدة مرات على الخشب الأسود الملطخ بأحد المدرجات. وأيقظ الرمز المفاجئ دماءه، وبدا كما لو أنه يشعر بطلبة المدرسة الغائبين من حوله، وهو يجفل من صحبتهم. وبعثت الكلمة المنقوشة على المدرج أمامه رؤية كاملة عن حياتهم، رؤية عجزت كلمات والده أن تبعثها فيه. كان طالبٌ عريض المنكبين ذو شارب ينقش حروف الكلمة في جدٍّ بمديةٍ، بينما وقف طلبةٌ آخرون أو جلسوا بالقرب منه يضحكون من عمله. ولكز واحدٌ منهم مرفقه فالتفت الطالب الكبير نحوه عابسًا، كان يرتدي ملابس فضفاضة وحذاء ذا رقبة لوَّحته الشمس.

ونودي اسم ستيفن، وجرى هابطًا سُلَّم المدرج، حتى يبعد ما وسعه من هذه الرؤية، يرمق الحروف الأولى من اسم والده عن كثَب، ويُخفي وجهَه المتوهج.

ولكن الكلمة والرؤية قفزتا أمام عينَيه، وهو يسير عائدًا عبر الزواية الرباعية وتجاه بوابة المدرسة. وصُدم إذ وجد في العالم الخارجي أثرًا مما كان قد اعتبره حتى ذلك الوقت مرضًا جامحًا فرديًّا يختصُّ به تفكيره، وتدافعَت أحلامُ نهاره المروعة على ذاكرته، أثارت هذه الكلمات المجردة تلك الأحلام أمامه فجأةً في عنفٍ مرةً أخرى، وفتح لها الباب في الحال، وسمح لها أن تجتاحَ تفكيره وتحطَّ منه، وهو يتعجب دائمًا من أين أتت هذه الأحلام، من أيِّ كهفٍ من الصور المروعة. وكان يبدو دائمًا حين تغمره هذه الأحلام ضعيفًا ذليلًا مع الآخرين، وقلقًا سقيمًا مع نفسه.

وصاح مستر ديدالوس: آه يا إلهي … هذه هي البقالة بالتأكيد. طالما سمعتني أتحدَّث عن البقالة، أليس كذلك يا ستيفن، طالما ذهبنا إلى هناك بعد أن نُوقع أسماءنا، جماعة منا: هاري بيرد وجاك مونتن الصغير وبوبي دياس، وميك لاسي الذي حدثتُك عنه هذا الصباح وجوي كوربت، وجوني كيفرز المسكين الصغير طيب القلب من «تانتيل».

واهتزَّت أوراق الأشجار على طول طريق ماردايك وهمسَت في ضوء الشمس. ومرَّت جماعة من لاعبي الكريكت، رجالٌ رشيقون في ملابس فانلة وبيلزر، ويحمل واحدٌ منهم الحقيبة الداخلية الخضراء الطويلة. وفي أحد الشوارع الجانبية الهادئة، كانت تقف فرقة ألمانية من خمسة عازفين يرتدون يونيفورمًا كالحًا، ويعزفون بآلاتهم النحاسية الهادئة أمام نظارة مكونة من بعض الأعراب وصبيان المحلات الكسالى. وكانت خادمةٌ في غطاء رأس أبيض وميدعة٨ بيضاء تُروي أصصَ النباتات في إحدى الشرفات، وكانت تلتمع كلوحٍ من حجر الجير تحت الوهج الدافئ. وجاءه صوت بيانو من إحدى النوافذ المفتوحة، يرتفع طبقة إثر طبقة حتى أعلى الطبقات الموسيقية.

وسار ستيفن إلى جوار والده، يستمع إلى قصص سبق له الاستماع إليها، ويستمع مرةً أخرى لأسماء المعربدين ممن كانوا ندماء والده، ثم تفرقوا أو ماتوا. وتصاعد سقمٌ واهٍ إلى فؤاده، واستدعى لذاكرته موقفه المبهم في بلفدير، ولدًا حرًّا، قائدًا يخاف من سلطته ذاتها، مزهوًّا، حسَّاسًا، متشككًا، يصارع قذارة حياته ومتاعب ذهنه. وتطلَّعت إليه الحروف المنقوشة على خشب المدرج الأسود الملطخ، ساخرةً من ضعفه الجسماني وحماساته العديمة الجدوى، باعثةً احتقاره لنفسه على قصفه القذر الجنوبي. وازداد لعابُ حلقه مرارةً ودنسًا عند الازدراء، وصَعِد السقمُ الواهن إلى عقله، فأغلق عينَيه لحظةً ومضى في سيره في الظلمة.

وكان ما يزال يسمع صوت والده:

– حين تخرج إلى الدنيا يا ستيفن، كما سيحدث حتمًا يومًا من الأيام، تذكَّر مهما فعلت ألَّا تختلط إلا بالمهذبين، لقد استمتعتُ بحياتي حين كنت في مثل سنِّك، اختلطتُ برفاقٍ مهذبين دمثين. وكان كلُّ واحد منَّا يستطيع القيام بشيء ما، فواحدٌ له صوتٌ جميلٌ، وآخر ممثلٌ جيدٌ، والثالث باستطاعته أداء أغنية هزلية طيبة، وآخر مجذفٌ ماهرٌ أو لاعبٌ ماهرٌ بالكرة والمضرب، وغيره يقصُّ قصصًا جميلةً، وهكذا … لم نُضِع دقيقةً واحدةً من عمرنا، واستمتعنا بوقتنا وعرفنا الحياة جيدًا. ولم يُسِئ ذلك إلينا بأي حال، ولكنا كنَّا جميعًا من الرجال المهذبين يا ستيفن، أو على الأقل — أعتقد ذلك — وأيرلنديين طيبين شرفاء أيضًا. هذا هو نوع الرفاق الذي أريدك أن ترتبط بهم، رفاق من النوع السليم. إني أتحدث إليك كصديق يا ستيفن، فأنت ممن يؤمنون بأن الابن يجب أن يخاف أباه، كلَّا، كلَّا، إني أعاملك كما عاملني جدُّك حين كنت ولدًا صغيرًا. لن أنسى أبدًا اليوم الذي ضبطني فيه وأنا أدخن. كنت أقف يومًا عند طرف «الشارع الجنوبي» مع بعض رفاقي من الشباب، وكنَّا واثقين أننا من الكبار؛ لأننا نرشق الغَلايين في زوايا أفواهنا. وفجأة مر الوالد، ولم يَقُل حرفًا، بل إنه لم يتوقف عن السير. وفي اليوم التالي، وكان يوم أحد، خرجنا معًا للنزهة، وحين كنا عائدين للمنازل، أخرج علبة السجائر وقال: على فكرة يا سيمون، لم أكن أعرف أنك تدخن، أو شيئًا من هذا القبيل، وحاولت بالطبع أن أتحمل الموقف بقدر ما أستطيع، وقال: إذا كنت تبغي تدخينًا طيبًا عليك بهذا السيجار، لقد أهدانيه أحد الضباط الأمريكيِّين الليلة الماضية في «كوينز تاون».

وسمع ستيفن صوت والده يتكسر في ضحكة كانت بالإجهاش أشبه.

– لقد كان أوسمَ رجال كورك في هذا الوقت، بحق الإله. كانت النساء يتوقفنَ لينظرنَ إليه في الطرقات.

وأنصت إلى إجهاشة والده تمرُّ في ضجةٍ عبر حلقه، وفتح عينَيه بدافعٍ عصبيٍّ، وأحال شعاع الشمس الذي تكسَّر فجأة على عينَيه السماء والسحب إلى عالمٍ وهميٍّ من كُتَلٍ مظلمةٍ ذات فواصل على هيئة بحيرات من الضوء الوردي المعتم، وكان عقله ذاته سقيمًا غير ذي حول، ولم يكن يكاد يستطيع أن يفسر حروف لوحة إعلانات المحال التجارية. كان يبدو كما لو كان قد وضع نفسه بعيدًا عن نطاق الواقعية بطريقة حياته الشاذة. ولم يكن من شيء يؤثر عليه في العالم الواقعي، أو يبادله الحديث إلا إذا استمع فيه لصدى الصيحات الحانقة التي تتردد داخل نفسه. لم يكن بإمكانه الاستجابة لأيِّ داعٍ أرضيٍّ أو بشريٍّ، كان أبكمَ لا يستجيب لدواعي الصيف أو مباهج الصحبة، متعبًا مثبطًا من صوت أبيه. لم يكن يكاد يتعرف على أفكاره في أفكاره ذاتها، وأخذ يُردِّد لنفسه في بطءٍ: أنا ستيفن ديدالوس، أسير إلى جوار والدي واسمه سيمون ديدالوس، نحن في كورك بأيرلندا، وكورك مدينة، وحجرتنا في فندق فيكتوريا، فيكتوريا وستيفن وسيمون. سيمون وستيفن وفيكتوريا أسماء.

وفجأة! أخذت ذكريات طفولته تعتم، وحاول أن يبعث بعضًا من لحظاتها الصبوحة، ولكنه لم يستطع، لم يستعِدْ سوى أسماء … دانتي، بارنل، كلين، كلونجوز، صبيٌّ صغيرٌ، تُدرس له الجغرافيا سيدةٌ عجوزٌ تحتفظ بفرشاتين في دولابها، ثم أرسلوا به من البيت إلى المدرسة، وقام بأول تناول مقدس له وأكل حلوى العرقسوس من قبعة الكريكت، وشاهد ضوء النيران وهو يقفز ويتراقص على جدار غرفة النوم الصغيرة بالمستشفى، وحلم أنه مات. والمدير يتلو القداس وهو يرتدي غفارةً سوداءَ وذهبيةً، ودفنه في مقبرة الطائفة الصغيرة، بجانب طريق الجير الرئيسي، ولكنه لم يَمُت آنذاك، بارنل مات، لم يَقُم أي قداس للميت في الكنيسة الصغيرة ولا طقوس، لم يَمُت، بل ذُرِّي كالغشاوة في الشمس. كان قد أضاع أو تاه بعيدًا عن الوجود، فهو ليس بعدُ موجودًا، ما أغرب التفكر بأنه قد غاب عن الوجود بهذه الطريقة، ليس بالموت بل بالذوي في الشمس أو بالضياع والنسيان في مكان ما من الكون. كان من الغريب رؤية جسده الصغير يظهر ثانيةً لحظة، صبيٌّ صغيرٌ في بذلة رمادية ذات زنار، يداه في جيوبه الجانبية وسراويله مثبتة عند ركبتَيه بشرائط مرنة.

وفي مساء اليوم الذي بِيعت فيه ممتلكات والده، تَبِعه ستيفن في دعة، يتجولان في أنحاء المدينة من حانة إلى حانة، وكان المستر ديدالوس يقصُّ الحكاية نفسها على بائعي السوق والبارمانات وخادمات البار، والمتسولين الذين كانوا يلحُّون في طلب صدقة، بأنه من أهالي «كورك» القدماء، وأنه حاول وهو في دبلن التخلص من اللهجة الكوركية مدة ثلاثين عامًا، وأن الغلام الذي بجانبه هو ولده الأكبر الذي ليس إلا وغدًا من أوغاد دبلن.

وكانا قد انطلقَا في الصباح من مقهى «نيوكومب»، حيث ارتطم كأس المستر ديدالوس في ضجةٍ بالطبق، وحاول ستيفن أن يُخفيَ الدلائل المشينة التي تُظهر إغراق والده في الشراب في الليلة الماضية، بنقل مقعده وبالسعال. وتتابعت مظاهر الهوان، من ابتسامات بائعي السوق الزائفة ووثبات وغمزات فتيات الحانة اللاتي كان يغازلهن الأب، إلى تحيات أصدقاء الأب وكلماتهم المشجعة. أخبروه أن به سماتٍ كثيرةً من جده، ووافق مستر ديدالوس قائلًا إنه مثالٌ كريهٌ، واكتشفوا آثار اللهجة الكوركية في حديثه، وجعلوه يعترف بأن نهر «لي» أكثر جمالًا من نهر «لايفي»، وأراد أحدهم أن يختبر معلوماته في اللاتينية، فجعله يُترجم فقراتٍ قصيرةً من «ديلكتوس»، وسأله إن كان صحيحًا أن تقول:

Tempora mutatur et mutamur in illis.

أو

Tempora mutatur et nos mutamur in illis.٩

وأوقع آخر الاضطراب فيه، وكان رجلًا عجوزًا خفيف الحركة يدعوه المستر ديدالوس «جوني كاشمان»، بأن سأله أيهما أجمل، فتيات دبلن أم فتيات كورك.

فقال مستر ديدالوس: دَعْه وشأنه، إنه ليس من هذا الطراز. إنه ولدٌ متزنٌ مفكر، لا يُشغل رأسه بهذا الهراء.

فقال العجوز القميء: إذن فهو ليس ابن والده.

فقال المستر ديدالوس وهو يبتسم في انشراح: لست أدري على أية حال.

وقال العجوز القميء لستيفن: كان والدك مغازلًا جريئًا في كورك في زمانه، أتعلم ذلك؟

وغض ستيفن من بصره متأملًا أرضية الحانة المرصوفة التي دخلا إليها.

فقال مستر ديدالوس: لا تحشُ رأسه بهذه الأفكار، دَعْه لخالقه.

فقال العجوز القميء: «لن أحشوَ أية أفكار في رأسه بالتأكيد، إنني في سنِّ والده»، ثم قال لستيفن: وأنا جدٌّ أيضًا، أتعلم ذلك؟

فقال ستيفن: حقًّا؟

فقال العجوز القميء: أجل بحق الإله، فلديَّ حفيدان يتواثبان هناك في «صنداي ول»، والآن … كم تظنني أبلغ من العمر؟ إني أتذكر منظرَ جدِّك في معطفه الأحمر وهو خارجٌ إلى الصيد، كان ذلك قبل مولدك.

فقال مستر ديدالوس: أجل، بل قبل التفكير في ذلك.

فردَّد العجوز القميء: لقد رأيته بحق الإله، وأكثر من ذلك، بإمكاني أن أتذكر جدك الأكبر، جون ستيفن ديدالوس العجوز، وكان يأكل الحديد والنار، يا لَها من ذكريات بالنسبة لك.

فقال واحدٌ آخر من الجماعة: يرجع ذلك إلى ثلاثة أو أربعة أجيال، آه يا «جوني كاسمان» … لا بد أنك تناهز المائة.

فقال العجوز القميء: حسنًا، سأُخبرك بالحقيقة، إنني لم أتجاوز السابعة والعشرين من عمري.

فقال المستر ديدالوس: يُحسب عمرنا على قدر إحساساتنا، ولكن … أفرغ ما بيدك حتى نُؤتَى بغيره. هيه يا تيم أو يا توم، أو كيفما يكون اسمك، علينا بنفس الشراب ثانيةً، بحق الإله، لا أشعر أنا نفسي بأنني أتعدَّى الثامنة عشرة. هذا هو ابني لا يتجاوز عمرُه نصفَ سنوات عمري، ومع ذلك فأنا أحسن منه حالًا طوال أيام الأسبوع.

فقال السيد الذي تحدث سابقًا: خفِّف الوطء الآن يا ديدالوس، أظن أنه قد حان الوقت الذي تتراجع فيه إلى الصف الخلفي.

فأكد مستر ديدالوس: كلَّا بحق الإله، سوف أتحدَّاه في أداء لحن تينور أو في قفز حواجز خمسة، أو في الجري وراء كلاب الصيد في الريف، كما كنت أفعل منذ ثلاثين عامًا مع «كيري بوي» أحسن مَن يفعل ذلك.

فقال العجوز القميء وهو يدقُّ على جبهته، ويرفع كأسه ليُفرغها حتى الثمالة: ولكنه سيقهرك في هذه.

فقال المستر ديدالوس: حسنًا، أتمنى أن يكون رجلًا طيبًا في حياته مثل والده، هذا كل ما يمكنني قوله.

فقال العجوز القميء: إن كان كذلك فسيكون طيبًا.

فقال المستر ديدالوس: نشكر الرب يا جوني أننا عشنا طوال هذه المدة، ولم نرتكب سوى أهون الضرر.

فقال العجوز القميء: ولكن لنا كثيرًا من الطيبات يا سيمون، نشكر الرب أننا عشنا طوال هذه المدة وفعلنا الكثير من الطيبات.

ورأى ستيفن الكئوس الثلاثة ترتفع من على الخوان؛ ليشرب والده ورفيقاه نخبَ ماضيهم. كانت هوة من المصير أو من الطباع تفصله عنهم.

كان عقله يبدو أكبر من عقلهم، يسطع في برودٍ فوق خلافاتهم ومسراتهم وأحزانهم، مثلما يسطع قمرٌ على أرضٍ أصغر منه، لم تَثُر فيه الحياة أو الشباب مثلما ثَارا فيهم من قبل. لم يعرف أبدًا مسرة صحبة الآخرين، ولا قوة العافية الرجولية العنيفة ولا الاحترام البنوي. لم يَثُر في روحه إلا شهوة باردة قاسية مجردة عن الحب. كانت طفولته قد ماتت أو هي فقدت، وماتت أو فقدت معها قابليته للمسرات الصغيرة. وكان يجنح وسط الحياة مثل قشرة القمر الجدباء.

أأنت شاحبٌ من الإرهاق؟
من التصعيد في السماء والتطلع إلى الأرض.
في جولاتك المنفردة …؟

وردَّد لنفسه سطورًا من هذه الشذرة لشيللي، وأشعره تراوحُها بين الضعف الإنساني الحزين ودورات النشاط غير الإنساني الواسع المدى — بالرعدة، ونسيَ أحزانه البشرية الخاصة الواهنة.

•••

انتظرت والدة ستيفن مع أخيه وأحد أولاد عمه في ركنٍ من أركان «بلاس فوستر» الهادئ، في حين صَعِد ستيفن ووالده الدرج وسارَا عبر البواكي حين كان حرَّاس «هايلاند» يسيرون في عرضٍ عسكريٍّ، وحين دخلا إلى الصالة الكبرى ووقفا أمام الخزينة، أخرج ستيفن الشيكات التي حُررت على محافظ بنك أيرلندا بمبلغ ٣٣ جنيهًا، وهو الجائزة التي حصل عليها عن معرضه ومقالاته، وسلَّمه الصرَّاف هذا المبلغ على هيئة أوراق مالية وعملات على التوالي، وأودعها جيبه في هدوء مصطنع، وتحمل مصافحة الصرَّاف الودود الذي جاذب والده أطراف الحديث، والذي تمنَّى له حياةً ناجحة في المستقبل. كان متبرمًا من حديثهما، ولم يستطع أن يُبقيَ قدمَيه ساكنتين، وانشغل الصرَّاف عن خدمة الآخرين بقوله إن الزمن متغير، وليس هناك من شيء يماثل توفير أفضل تعليم ممكن للابن مهما تكلَّف من أموال، وسار المستر ديدالوس في الردهة متريثًا، يُحدِّق فيما حوله وفي السقف، وأخبر ستيفن الذي كان يستحثُّه بأنهما يقفان الآن في مجلس العموم ببرلمان أيرلندا القديم.

قال في ورع: ليساعدنا الله! آه حين يفكر المرء في رجالات تلك الأيام يا ستيفن. هيلي هتشنسون وفلود وهنري جراثان وتشارلس كندال بش، ثم وصلنا الآن إلى الأرستقراط الذين جلبهم لنا الحظ، القادة الحاليِّين للشعب الأيرلندي في وطنه وفي خارج وطنه، بحق الإله، إنهم لا يستحقون أن يُمنحوا مدفنًا مساحته عشرة أكرات لهم جميعًا. كلَّا يا ستيفن، أيها الشاب العجوز، إني آسفٌ إذ أقول إن من عندنا الآن أغبياء، مثل الأغنية التي تقول: عندما خرجت مرتاضًا صباح أحد أيام مايو الجميلة، في شهر يوليو الجميل المرح.

كانت ريح أكتوبرية لاذعة تهبُّ حول البنك، وكان للأشخاص الثلاثة الذين يقفون عند نهاية الممر المليء بالطين خدودٌ خاملة وأعينٌ دامعة.

ونظر ستيفن إلى أمه التي تشتمل أردية خفيفة، وتذكَّر أنه رأى منذ أيامٍ قليلةٍ دِثارًا ثمنُه عشرون جنيهًا في فترينات محلات «بارناردو».

قال مستر ديدالوس: حسنًا، انتهينا من هذا.

قال ستيفن: يحسن بنا أن نذهب للغداء، أين؟

قال مستر ديدالوس: الغداء؟ أظن ذلك! ماذا؟

قالت مسز ديدالوس: إلى أيِّ محلٍّ ليس غالي الأسعار.

– في «أندردون»؟

– أجل … أي مكان هادئ هناك.

قال ستيفن بسرعة: هيَّا بنا، لا تهمُّ مسألة الغلاء هذه.

وسار أمامهم في خطوات قصيرة عصبية، مبتسمًا، وبذلوا جهدهم حتى يُلاحقوا خطاه، باسمين أيضًا من لهفته.

قال والده: على رِسْلِك، مثل الأولاد الطيبين، لست إلا في أول طريق الكسب، أليس كذلك؟

وسالت أموال الجائزة من بين أصابع ستيفن في فترةِ لهوٍ سريعة، كانت تُحمل إليهم لفافات كبيرة من المأكولات والكماليات والحلوى المجففة. وكان يشتري كل يوم دفتر مواصلات لأسرته، ويقود كل ليلة جماعة من ثلاثة أشخاص أو أربعة إلى المسرح لمشاهدة مسرحية «إنجومار» أو «سيدة ليون». وكان يحمل في جيوب معطفه ألواحًا من شيكولاتة «فينا» لأجل ضيوفه، في حين يكتظُّ جيب بنطلونه بكميات من العملات الفضية والنحاسية. واشترى الهدايا لكل شخص، وملأ غرفته بالزخارف، وخطط كثيرًا من المشروعات، وأعاد ترتيب كتبه هنا وهناك فوق رفوفها، وعكف على جميع أنواع قوائم الأسعار، وأقام نوعًا من الدويلة تضم أفراد أسرته، حيث توجد وظيفة لكل شخصٍ يؤديها، وافتتح قرضًا في البنك لأسرته، وفرض القروض على المستدينين الراغبين، حتى يستمتع بكتابة الوصولات وحساب الأرباح على المبالغ المقترضة. ولمَّا لم يَعُد بإمكانه أداء تلك الأعمال، صار يتجول في المدينة هنا وهناك في العربة العامة.

ثم انتهى فصل المرح، وتشقق وعاء الأزهار ذو الطلاء الأحمر، بينما ظلت ألواح الخشب التي تُغطي جدران غرفته في كسائها الناقص وطلائها السقيم.

وعاد أهل بيته إلى حياتهم الطبيعية، لم تَعُد أمام والدته بعد ذلك فرصة لتأنيبه على تبذيره، وعاد هو أيضًا إلى حياته السابقة في المدرسة. وتحطمت مشروعاته الجديدة كلها، وسقطت الدويلة، وانتهى قرض البنك وأغلق خزائنَه وحساباتِه على خسارةٍ معقولة، وبطلت قواعد الحياة الجديدة التي نسجها حول نفسه.

ما أغفل ما كانت آماله! لقد حاول أن يُشيد سدًّا من النظام والرقة في وجه تيار الحياة السقيمة التي تحوطه، وأن يمنع ترداد هذه التيارات القوي في نفسه، عن طريق قواعد للسلوك واهتماماتٍ نشطة وعلاقاتٍ بنوية جديدة، عبثًا … لقد غمرت المياه حواجزه من الخارج ومن الداخل، وبدأت تياراتها تتدافع مرةً أخرى فوق السد المحطوم.

ورأى أيضًا بوضوح أن وحدته الذاتية عبث. لم يقترب خطوةً واحدة نحو حياة مَن نشد الاقتراب منهم، ولا تخطَّى الحقدَ والخجل القلقَين اللذين فرَّقاه عن أمه وأخيه وأخته. لم يكن يكاد يشعر أنه من نفس دمائهم، بل يقف منهم في قربى كفالة غامضة، ابنٌ بالتبني وأخ بالتبني.

وتحوَّل إلى تهدئة لهفات قلبه المستعرة التي تخيل كلَّ شيء عداها باطلًا غريبًا. ولم يعبأ بارتكابه الخطيئة الكبرى، ولم يبالِ بأن حياته قد أصبحت نسيجًا من الهروب والزيف، ولم يكن هناك من شيء مقدس بعد الرغبة الوحشية داخله، والتي تدعوه لتحقيق الأعمال التي يحلم بها في يقظته. كان يتحمل في لامبالاة تفاصيلَ مغامراته السرية المخجلة، حين ينتشي لتدنيسه في صبرٍ كلَّ ما يجذب انتباهه من صور. وكان يتحرك في النهار وفي الليل بين صور مشبوهة للعالم الخارجي. وربما تأتي إليه بالليل من خلال انعطافات ظلمة النوم، صورة كانت تبدَّت له في النهار برؤية رصينة، وقد غيَّر المكرُ الشهواني سحنتها، ولمعَت عيناها في سرورٍ بهيميٍّ، غير أن النهار كان يُؤلمه بذكريات مغامراته الخليعة الخافتة، وبإحساسٍ حادٍّ مهينٍ بالتعدي.

وعاود تجوالاته، وقادَته أمسيات الخريف المسدلة من شارع إلى شارع، مثلما قادَته منذ سنوات على طول طرق «بلاك روك» الهادئة. ولكن لم يبعث فيه منظر الحدائق الأمامية المنسقة ولا أنوار النوافذ العطوفة أيَّ أثر رقيق في نفسه الآن، غير أن طيف «مرسيدس» كان يخترق خلفية ذاكرته في بعض الأوقات عند هدوء رغباته، حين كان يخلي الانغماس المدمر مكانه للفتور اللطيف، ورأى مرةً أخرى المنزل الصغير الأبيض وحديقة الورد على الطريق المفضي إلى الجبال، وتذكَّر حركة الإباء الحزينة ذات الكبرياء التي سيقوم بها هناك، واقفًا وإياها في الحديقة التي يُضيئها القمر بعد سنوات من الغربة والمخاطرة. وكانت خطب «كلود ملنوت» الرقيقة تتصاعد إلى شفتَيه في مثل هذه اللحظات وتُخفف من قلقه، ويلمسه نذيرٌ رقيقٌ بالموعد الذي كان ينتظره حينئذ، وبالمقابلة المقدسة التي كان يتخيلها عند ذاك، والتي سيخلع عن نفسه عندها الضعف والوجل والسذاجة، برغم الحقيقة الرهيبة التي تقف بين آماله حينذاك وآماله الآن.

ومرَّت هذه اللحظات، واندلعَت نيران الشهوة المدمرة ثانيةً، وهجرت سطور الشعر شفتَيه، واندفعت الصرخات المبهمة والكلمات البهيمية المكبوتة من عقله، لتشقَّ طريقًا لنفسها. كانت دماؤه في ثورة، وكان يتجول هنا وهناك في الطرق المظلمة القذرة، مخترقًا أغوار الحواري والأزقة ببصره، منصتًا في لهفةٍ لأيِّ صوتٍ كان يزأر داخل نفسه كالوحش الضاري العاوي. كان يبغي أن يُخطئَ مع واحدةٍ من جنسه، أن يُجبر مخلوقًا آخر أن يُخطئَ معه، وأن ينتشيَ وإياها في الخطيئة. وشعر بوجود مظلم يتحرك فوقه في إذعان في الظلمة، ووجود دقيق يهدر كالفيضان، يملأ جوانحه تمامًا. وحاصر هديره أُذُنَيه، كهدير جمهرة نائمة، بينما اخترقَت تياراته الدقيقة كيانه. وتقلَّصت يداه وانضمَّت أسنانه حين عانى ألمَ الاختراق. ومدَّ ذراعَيه في الطريق لتقبضَا بسرعة على الشكل الهش المنهار الذي حاوره وأثاره، وانطلقَت من بين شفتَيه الصرخةُ التي خنقها هذه المدة الطويلة في حلقه. انطلقَت منه نُواحًا يائسًا من جحيم المعاناة، وماتت في نُواحِ الاستعطاف الثائر، صرخة هجر مجحف، صرخة هي صدى لكتابة بذيئة كان قد قرأها على جدار دورة مياه راشح. وجال في متاهات الطرق الضيقة القذرة، وكان يسمع تفجُّرَ الأصوات الجشَّاء ومجادلات المغنين السكارى وفأفآتهم من الحواري الدنسة. ومضى في السير غير مستاء، يتساءل عمَّا إذا كان قد ضلَّ طريقَه إلى حيِّ الدعارة. وكانت نسوةٌ وفتيات يعبرنَ الطريق من منزل إلى منزل، في ملابس طويلة زاهية. كنَّ على مهلٍ من أمرهن ومعطرات. وغمرَته الرعدة وخفَت الضوءُ من عينَيه، وقامت نيران المصابيح الصفراء أمام ناظره المتعب، أمام السماء الغبشاء وهي تحترق كأنما هي أمام الهيكل المقدس. وتجمَّعت جماعاتٌ من الناس أمام الأبواب وفي الردهات المضاءة، وقد ارتدت من الملابس ما يناسب طقسًا معينًا، كان في عالم آخر، لقد استفاق من سُبات قرون.

ووقف ساكنًا في منتصف الطريق، وقلبُه يجلجل بين ضلوعه، ووضعت امرأة شابة ترتدي فستانًا طويلًا أحمر يدَها على ذراعه لتستوقفه، وحملقَت إلى وجهه وقالت في مرح: «مساء الخير يا عزيزي ويلي.»

وكانت حجرتها دافئةً مضيئة. ورقدَت عروسٌ خشبية ضخمة على المقعد بجوار الفراش وقد انفرج ساقاها. وحاول أن يتكلف الكلام حتى يبدوَ مستريحًا وهو يراقبها إذ تنضو عنها ثوبها، ويلاحظ حركات رأسها المعطر الواعية ذات الكبرياء.

وجاءت إليه وهو واقفٌ وسط الحجرة، واحتضنَته في بهجة ورصانة، وضمَّته ذراعاها المستديرتان إليها في ثبات. وإذ رأى وجهها مرفوعًا نحوه في هدوءٍ جديٍّ، وشعر بخفقات صدرها الدافئة الهادئة، انفجر في بكاءات هستيرية، والتمعَت دموعُ فرح وراحة في عينَيه الفرحتَين، وانفرجَت شفتاه رغم أنهما لم تنطقا.

ومرَّت بيدها الرنانة خلال شعره، وهي تدعوه بالوغد الصغير.

قالت: أعطني قُبلة.

ولم تطاوعه شفتاه الانحناء لتقبيلها، كان يريد أن تُمسك به في قوة بين ذراعَيها، أن تُهدهده في بطء، في بطء.

شعر بنفسه فجأة بين ذراعَيها، وقد أصبح قويًّا غيرَ وجلٍ وواثقًا من نفسه، ولكنَّ شفتَيه لم تُطاوعاه الانحناء لتقبيلها.

وأحنَت رأسَه بحركة مفاجئة ووصلَت شفتَيها بشفتَيه، وقرأ معنى حركاتها في عينَيها الصريحتين المرفوعتين إلى أعلى. كان ذلك فوق احتماله، وأغلق عينَيه وقد سلَّم نفسه إليها جسدًا وعقلًا، غيرَ واعٍ لشيء في الدنيا سوى ضغطِ شفتَيها الرقيقتَين المنفرجتين الداكنتين. كانتا تضغطان على ذهنه كما تضغطان على شفتَيه، كأنما هما أداة كلام مبهم، وشعر بينهما بضغطٍ غامضٍ وَجِل، أشد ظلمةً من غشية الخطيئة، أشد رقةً من الصوت أو العبير.

١  قَذَاله ما بين الأُذُنَين من مؤخرة الرأس جماع مؤخرة الرأس.
٢  مرحاض: الكنيف، بيت الخلاء والنظافة، دورة المياه.
٣  رواية فرنسية تأليف إسكندر ديماس الأب.
٤  «إلى مجد الله العظيم»، وهو شعار جماعة الجزويت المسيحية.
٥  إمَّا كليري، الفتاة التي يحبُّها ستيفن.
٦  عبارة «الحمد لله دائمًا».
٧  كلمة Heron تعني الطائر «مالك الحزين».
٨  مِيدَعة: ثوب غير ذي كمَّين، ثوب مُتبدل.
٩  «زماننا متغيرٌ ومتقلبٌ في طروادة»، والعبرة هنا في وضع كلمة nos في الجملة ومكانها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤