الفصل الثالث

زحفَت عتمةُ ديسمبر الخاطفة متعثرة في هذرٍ بعد اليوم الكئيب، وشعر ستيفن إذ هو يتطلع من وراء إطار نافذة الفصل الكئيب بجوفه يتشوق إلى الطعام، وأمَّل أن يكون هناك «يخنة» في الغذاء، من الكرنب والجزر والبطاطس المهروسة وقِطَع لحم الخنزير السمينة، ويُغرق كل هذا في صلصة بها كثيرٌ من الفلفل ومغشاة بالدقيق، وأشار عليه جوفه بأن يُفرغ هذه الخلطة في معدته.

ستكون ليلةً كئيبة غامضة، وستُضاء المصابيح الصفراء هنا وهناك في حي العاهرات القذر بعد هبوط الليل المبكر. ويسير في خطٍّ ملتوٍ في هذا الطريق أو ذاك، ويقترب دائمًا أكثر فأكثر في رجفة خوف وفرح، حتى تقودَه قدماه فجأةً إلى أحد الجوانب المظلمة. وتكون العاهرات في بداية خروجهن من المنازل للاستعداد لليل، يتثاءَبن في كسلٍ بعد النوم ويسوِّين دبابيس الشعر في خُصلاتهن، ويمرُّ بينهن في هدوء، ينتظر لفتةً مفاجئة من رغبته، أو نداءً مفاجئًا من أجسادهن العطرة اللدنة إلى روحه التوَّاقة للخطيئة.

وإذ هو يطوف في سيره بحثًا عن هذا النداء، تتنبَّه وسائل الحس عنده في دقة إلى كل ما يجرحها أو يخجلها وقد أعمَتها الرغبة، فترى عيناه دائرةَ الجعة السوداء على سطحِ مائدةٍ بلا مفرش أو صورة جنديَّين في وقفة انتباه، أو إعلان مزخرف، وتسمع أذناه لغوَ التحيات المدوي.

– هالو برتي، أما قررتَ شيئًا؟

– أهذه أنتِ أيتها الحمامة؟

– رقم عشرة، هناك نيللي في خدمتك.

– مساء الخير يا زوجي، ألَا تأتي لحظة؟

واتسعَت المعادلة الرياضية التي دوَّنها في دفتر مُسَوَّداته لتتخذ هيئةَ ذيل طاووس متمدد يشتمل على عيون ونجوم. وحين أُزيلت العيون والنجوم من مؤشراته، أخذ الذيل ينطوي على نفسه ثانيةً، وأضحَت المؤشرات التي تظهر وتختفي عيونًا تنفتح وتنغلق، والعيون التي تنتفح وتنغلق أضحَت نجومًا تُولد ونجومًا تنطفئ. وحملت الدورة الرحيبة للحياة النجمية عقله المرهق خارجًا إلى الحافة ثم داخلًا إلى المركز، يرافق ذلك موسيقى قصية تصحبه خارجًا وداخلًا، أي موسيقى؟ واقتربت الموسيقى وتذكَّر كلماتها، كلمات شذرة قصيدة الشاعر شيللي عن القمر الذي يتجول وحيدًا شاحبًا من الإرهاق. وبدأت النجوم تتساقط محطومة وغشَت الفضاءَ سحابةٌ من الغبار النجمي.

وسقط النور السقيم في وهن أكثر على الصفحة؛ حيث بدأت معادلة جبرية أخرى تكشف عن نفسها في بطءٍ وتبسط ذيلها العريض. كانت هي روحه قد خرجت لملاقاة التجربة، تكشف نفسها في كل خطيئة، تبسط منارة أنجمها المتوهجة ثم تنكمش على نفسها مرةً أخرى، تَخْفت في بطءٍ ثم تُطفئ أنوارها ونيرانها. لقد انطفأت تمامًا، وملأ السديم الظلام البارد.

وسادَت روحَه لا مبالاة هادئة. عند أول خطيئة له انبعثَت فيه موجة من الحيوية، وخاف أن يشوِّه الإفراطُ جسده أو روحه، ولكن حملَته بدلًا من ذلك موجة الحيوية على صدرها خارج ذاته وأعادَته إليها ثانيةً عند انحسارها. ولم يتشوَّه شيء من جسده أو روحه بل قام سلامٌ خفيٌّ بينهما، وكان السديم الذي انطفأت حميَّتُه عنده عرفانًا باردًا لا مباليًا بالنفس. كان قد ارتكب الكبرى عدة مرات، وأدرك أنه بينما يخاطر بحلول اللعنة الأبدية عليه لأول خطيئة اقترفها، فإنه يضاعف ذنبه وعقابه بكل خطيئة يقوم بها بعد ذلك. ولم تُفلح أيامه ولا أعماله أو أفكاره في التكفير عنه، فقد كفَّت ينابيع السماحة المقدسة عن إنعاش روحه. وكان كل ما يستطيع أن يأمل فيه أن يربح لنفسه قدرًا من السماحة الحقة بصدقةٍ يجود بها على شحاذٍ يفرُّ من دعواته. كانت تقواه قد ذهبت أدراج الرياح، ماذا تُجديه صلاته حين يُدرك أن روحه تشتهي دمارها؟ ومنعه الخوف من بذل صلاة واحدة لله في المساء، رغم إدراكه أن بوسع الله أن يقبض روحه أثناء نومه ويقذف بها إلى أغوار الجحيم قبل أن يضرع في طلب الرحمة، وأوحَت إليه سورة خطيئته وخوفه من الله خوفًا خاليًا من الحب بأن معصيته أجلُّ من أن يكفِّر عنها كلها أو بعضها، عن طريق ولاءٍ زائفٍ للذي يرى كلَّ شيء والذي وَسِع علمُه كلَّ شيء.

– «حسنًا «إينس» أنا أُعلن أن لك رأسًا، ولكن عصاي لها رأس كذلك. أتريد أن تقول إنك لا تستطيع أن تُخبرني ما هو الجذر الرياضي الأصم؟»

وأيقظ الردُّ العاثر قبسَ ازدرائه لزملائه. لم يكن يشعر بأي عارٍ أو وجلٍ أمام الآخرين، وكان ينظر في صبيحة أيام الآحاد ببرود؛ إذ يعبر باب الكنيسة إلى المصلين الذين يقفون عاري الرءوس في صفوف أربعة أمام الردهة، يحضرون القداس معنويًّا بينما هم لا يستطيعون شهوده أو سماعه. وصدَّه ورعُهم الخائر ورائحة زيت الشعر الرخيص السقيم الذي يدهنون به رءوسهم عن المذبح الذي يصلُّون أمامه. وسقط في حبائل مداهنة الآخرين، فقد كان يشك في براءتهم ويتملقها في سهولة.

وعلَّق على جدار غرفة نومه قائمةً وضَّاءة، هي شهادة اختياره مشرفًا لجمعية «العذراء المقدسة ماري» في المدرسة. وحين كانت الجمعية تلتقي في الكنيسة الصغيرة لتلاوة القداس الصغير، كان مكانه يقع في المركع ذي الطنافس على يمين المذبح، حيث يقود منه جناح الأولاد خلال الردود. ولم يُؤلمه زيفُ موقفه، ولو حدث في بعض الأوقات أن خالجه شعورٌ بأن ينهض من مكان الشرف الذي يجلس فيه، ليعترف أمام الجميع بعدم أحقيته لذلك المكان ويغادر الكنيسة، كانت تجعله يُحجم عن ذلك نظرة واحدة إلى وجوه من حوله. وكانت استعارات سفر «المزامير» النبوئية تُهدئ من كبريائه العقيمة. وأسرَت أمجاد العذراء روحه، الزيت والمر واللبان التي ترمز كلها لنسبها الملكي، ثم شعارها: النبات الذي يُزهر متأخرًا، والشجرة التي تُزهر متأخرة، ويرمزان للنمو التدريجي عبر العصور لشعائرها الدينية بين بني الإنسان. وحين جاءه الدور لقراءة الدرس عند نهاية القداس، قرأه في صوت مقنع، مهدهدًا ضميره على موسيقاه:

Qusi cedrus exaltata sum in Libanon et quasi cupressus in monte Sion. Quasi palma exaltata sum in Gades et quasi plantation rosae in Jericho. Quasi uliva speciosa in campis et quasi platanus exaltata sum juxtga aquam in plateis. Sicut cinnamomun et balsamum aromatizans odorem dedi et quasi myrrha electa dedi suavitatem odoris.١

كانت خطيئته التي حجبَته عن مرأى الإله قد قادَته إلى مقربة من ملاذ الخاطئين، وبدَت عينا العذراء كما لو كانتا ترقبانه في عطف ليِّن، ولم تكن قداستها تبعث أيَّ هوان في نفس الخاطئ الذي يتقرب إليها، ولا النور الغريب الذي يشعُّ في وهنٍ على جسدها الهش، وإن كان عليه أن يهجر الخطيئة والتوبة يومًا، فلن يدفعَه إلى ذلك سوى أن يُصبح فارسًا، آه لو تتحول نحوها روحُه لتدخل نعيمها في خجل بعد رعونة شهوته الجسدية التي أنهكت نفسها، إلى تلك التي شعارها نجم الصباح، المشرق المنغم، الذي يحكي عن السماء ويبعث في النفس السلام. كان يحدث ذلك حين تهمهم الشفاه باسمها في رفق، الشفاه التي لا تزال تحوم عليها الكلمات المشينة القذرة ومذاق القبلات الفاجرة.

كان ذلك غريبًا، وحاول أن يفكر كيف يحدث، ولكن العتمة التي كانت تتزايد في الفصل غطَّت أفكاره، ودقَّ الجرس، وأشار المدرس إلى المسائل الهندسية المقررة للدرس القادم وخرج. وأخذ «هيرون» يغني دون تنغيم:

«صديقي الحميم بومبادوس.»

وعاد «إينيس» الذي كان قد ذهب إلى الفناء يقول: لقد حضر فرَّاش الإدارة يسأل عن المدير.

وحكَّ يدَيه ولدٌ طويل خلف ستيفن وقال: هذا من حظنا، ولنا أن نمرح طوال هذه الساعة، فلن يأتيَ إلينا إلا بعد منتصف الثانية، وعندها تسأله بعض الأسئلة عن الوعظ يا ديدالوس.

واستمع ستيفن إلى ما يجري حوله من حديثٍ وهو يميل إلى الخلف، ويجري خطوطًا كيفما اتفق على المسودة التي أمامه. وكان «هيرون» يقطع الحديث من وقتٍ لآخر بقوله: «اصمت، اصمت، لا تكن كالطبل الأجوف.»

وكان غريبًا أيضًا أن يجد لذةً في الحفاظ على قواعد الكنيسة الصارمة إلى مداها، وفي اختراق حُجُبِها الصامتة ثم لا يحدث إلا أن يزيد ما يسمعه وما يشعر به من إدانته. وكانت الجملة التي قالها القديس جيمس، إن مَن يخطئ في واحدة فقد أخطأ في الكل، تبدو له قبلًا جملة فارغة، إلى أن بدأ يتلمس في الظلام الوضعَ الذي أصبح فيه، فقد انبعث من بذور الشهوة الشريرة كلُّ الخطايا الرئيسية الأخرى: الزهو بالنفس، وازداء الآخرين، الإسراف في إنفاق المال على المسرات المحرمة وحسد مَن لا يستطيع مجاراة خطاياهم، واغتياب الصالحين، والاستمتاع الشَّرِه بالطعام، والغضب السقيم المحدج، حين كان يعكف على أشواقه، ومستنقع القذارة الروحية والجسدية الذي سقط فيه كيانُه كلُّه.

وحينما كان جالسًا في مقعده يُحملق في هدوء إلى وجه المدير الأريب العاتي، كان عقله يهرب هنا وهناك من الأسئلة العجيبة التي كانت تعرض له. لو أن رجلًا سرق جنيهًا في شبابه واستخدمه في جمع ثروة عريضة، فكم يكون عليه أن يُعيد، الجنيه الذي سرقه فقط أم الجنيه مضافًا إليه الربح المركب المتجمع عن المدة المنقضية، أم عليه أن يُعيد كلَّ ثروته؟ وإذا أراق أحدهم الماءَ المقدس المعدَّ لتعميد طفل ما قبل تلاوة كلمات التعميد، فهل يصح عماد الطفل؟ هل يصح التعميد بالماء المعدني؟ كيف يتفق أن آية تَعِد الفقراء بجنة السماء بينما تَعِد آية ثانية الودعاء بأنهم سيرثون الأرض؟ لماذا كان القربان المقدس مبنيًّا على صنفَي الخبز والنبيذ ما دام يسوع المسيح يكون حاضرًا جسدًا ودمًا، روحًا وألوهية في الخبز منفصلًا وفي النبيذ منفصلًا؟ وهل تتضمَّن كسرةٌ صغيرة من الخبز المقدس كلَّ جسد ودم يسوع أم جزءًا فقط من الجسد ومن الدم؟ وإذا حال النبيذُ إلى خلٍّ وتحلَّل القربان إلى عفن بعد أن يكونا قد تقدَّسا، فهل يوجد فيهما يسوع المسيح بعد ذلك كلِّه كإلهٍ وبشرٍ؟

– ها هو، لقد حضر؟

كان أحد التلاميذ قد رأى من مكانه بالقرب من النافذة المدير وهو قادمٌ من الإدارة. وفتح الجميع كُتُبَ الوعظ وانحنت كلُّ الرءوس عليها في صمت. ودخل المدير واتخذ مكانه فوق المنصة، وحثَّت ستيفن ركلة خفيفة من الولد الطويل الذي يجلس خلفه لكي يسأل سؤالًا صعبًا، ولكن المدير لم يطلب كتاب الوعظ ليستمع إلى الدرس منه، بل عقد يدَيه فوق الدرج وقال: ستبدأ الخلوة٢ عند أصيل الأربعاء تكريمًا للقديس «فرانسيس إكسافير»، الذي نحتفل بعيده يوم السبت، وستستمر الخلوة من يوم الأربعاء حتى يوم الجمعة، وسيُخصص أصيل الجمعة لسماع الاعترافات بعد صلاة المسابح، فإن كان أيٌّ منكم قد تعوَّد على الاعتراف لقسٍّ معينٍ فالأفضل له ألَّا يغيِّرَه، وسيقام القداس في التاسعة تمامًا من صباح الأحد، ويتم التناول المقدس للمدرسة كلها. أما السبت فسيكون إجازة، وبما أن يومَي السبت والأحد سيكونان إجازة، فقد يظن بعض الأولاد أن الإثنين إجازة، فحاذِروا أن تقعوا في هذه الغلطة. أعتقد أنك «يا لويس» ربما تقع في هذه الغلطة.

– أنا يا سيدي؟ لماذا يا سيدي؟

وبعثَت ابتسامةُ المدير الكالحة موجةً قصيرة من المرح في فصل الأولاد. وبدأ قلب ستيفن ينثني ويَذبُل في بطءٍ من الخوف مثل الزهرة التي تموت.

وواصل المدير حديثه في رزانة: أعتقد أنكم تعرفون كلكم قصة حياة القديس «فرانسيس إكسافير» راعي مدرستكم، لقد انحدر من أسرة إسبانية قديمة ذائعةِ الصيت، وتذكرون أنه كان واحدًا من أوائل مَن تَبِعوا القديس «إغناطيوس»، لقد تقابلا في باريس حيث كان «فرانسيس إكسافير» يعمل أستاذًا للفلسفة بجامعتها، وتشرَّب هذا النبيل الشاب المثقف اللامع أفكار مؤسسنا المجيد قلبًا وروحًا، وتعرفون أن القديس «إغناطيوس» قد أرسله بناءً على طلبه للتبشير بين الهنود، وتنقَّل من بلد إلى بلد في الشرق، من أفريقيا إلى الهند، ومن الهند إلى اليابان، لتعميد الناس. ويقال إنه أتمَّ تعميدَ عشرة آلاف وثنيٍّ في شهر واحد. ويقال إن ذراعه اليمنى قد أصبحت عاجزةً من طول ما رفعها فوق رءوس مَن كان يُعمِّدهم، ورغب عندئذٍ في السفر إلى الصين لضمِّ مزيدٍ من الأرواح إلى الله، ولكنه مات من الحمَّى في جزيرة «سانشيان». كان قديسًا عظيمًا، القديس «فرانسيس إكسافير» خادم الإله العظيم.

وتوقَّف المدير، ثم واصل كلامه وهو يهزُّ يدَيه المعقودتَين أمامه:

– كان إيمانه يهز الجبال، يضم عشرة آلاف روح إلى الله في شهر واحد! إنه قائدٌ حقٌّ، يصدق على شعار جماعتنا: «إلى مجد الله العظيم». قديسٌ له قوة عظمى في السماء، تذكَّروا: قوة تتشفع لنا في أحزاننا، قوة تُنيلنا كل ما نضرع من أجله إن كان صالحًا لروحنا، وفوق كل شيء، قوة تُمكِّن لنا مسرة التوبة إن نحن أخطأنا. قديسٌ عظيمٌ، القديس «فرانسيس إكسافير» صائد الأرواح العظيم.

وتوقَّف عن هزِّ يدَيه المعقودتَين، وأسندهما إلى جبينه ثم أخذ ينظر ذات اليمين وذات اليسار في دقةٍ إلى سامعيه من وراء عينَيه السوداوَين الصارمتَين، وفي الصمت الذي ساد المكان أحالت نارهما السوداء العتمة إلى وهجٍ أصحم. وذوَى فؤاد ستيفن كزهرة الصحراء حين تهبُّ عليها رياح السموم من بعيد.

•••

– «تذكَّروا آخرتكم دائمًا فلا تقعوا في الخطيئة».

– يا صغاري الأعزاء إخوتي في الدين، هذه الكلمات من كتاب الجامعة، الفصل السابع، الآية الأربعون، باسم الأب والابن والروح القدس، آمين.

جلس ستيفن في الصف الأخير من الكنيسة الصغيرة، وجلس الأب أرنال إلى مائدة على يسار المذبح، وقد اشتمل بعباءة ثقيلة على كتفَيه، وكان وجهه مشدودًا، وقد ترك الربو آثارًا في صوته. وأعادت صورة وجه أستاذه العجوز الذي انبعثت في ذهنه بطريقة غريبة حياتَه في كلونجوز إلى تفكيره: الملاعب الفسيحة التي تموج بالأولاد، حفرة الملعب، المقبرة الصغيرة على طريق الأشجار، حيث حلم أنه دُفن، ظلال النيران على جدار المستشفى حيث رقد مريضًا، ووجه الأخ ميشيل الأسيف. وعادت روحه عند استعادة هذه الذكريات روح طفل مرةً أخرى.

– لقد اجتمعنا هنا اليوم يا أعزائي الصغار إخوتي في الدين، لنمضيَ فترةً قصيرة بعيدًا عن ضوضاء العالم الخارجي، لكي نحتفل ونكرِّم واحدًا من أعظم القديسين، رسول الهنود، وهو أيضًا القديس الراعي لمدرستكم، القديس «فرانسيس إكسافير». لقد اجتمع تلاميذ هذه المدرسة عامًا بعد عامٍ، منذ زمنٍ أطول من أن يتذكَّرَه أيٌّ منكم أو أتذكَّرَه أنا، اجتمعوا في هذه الكنيسة نفسها ليقوموا بالخلوة السنوية قبل يوم عيد راعيكم القديس فرانسيس. وقد مرَّ الزمن وأحدثَ تغييراتِه، ومَن منكم يستطيع ألَّا يتذكَّرَ التغيرات التي حدثت في السنوات القليلة الماضية؟ ربما يكون كثيرٌ من الأولاد الذين جلسوا في هذه المقاعد الأمامية منذ سنواتٍ مضَت في بلادٍ بعيدةٍ الآن، في المداريات اللاذعة الحرارة، أو مثقلين بواجبات عملهم أو في المعاهد اللاهوتية، أو يرحلون عبر البحار التي لا تحدُّها حدود، أو ربما يكون ربهم العظيم قد استدعاهم لحياة أخرى وأعفاهم من مشقة الحياة الدنيا. ومع مرور السنين التي تجلب معها كثيرًا من التغيير إلى الأفضل أو إلى الأسوأ، ما زال طلبة هذه المدرسة يُكرِّمون ذكرى قديسهم العظيم، ويقومون كل عام بخلوتهم السنوية في الأيام التي تسبق يوم العيد الذي خصَّصته أمُّنا المقدسة الكنيسة، لحفظ اسم وصيت واحد من أعظم أبناء إسبانيا الكاثوليكية عبر العصور.

– والآن، ما معنى هذه الكلمة: الخلوة، ولماذا يعتبرها الجميع أفضل وسيلة لأي شخصٍ يريد أن يعيش حياةً مسيحية حقة أمام الله وأمام الناس؟ الخلوة، يا أعزائي الصغار، تعني الانسحاب فترةً من مشاغل الحياة، مشاغل هذه الدنيا الدائبة العمل من أجل فحص حال ضمائرنا، وللتفكر في أسرار الدين المقدس ولنفهم سبب وجودنا في هذه الدنيا فهمًا أفضل. وإنني أنوي في خلال هذه الأيام القليلة أن أعرض أمامكم بعض الأفكار فيما يختص بالأشياء الأربعة المتعلقة بآخرتنا. وهذه الأشياء كما تعلمون من دروس الوعظ هي: الموت، والحساب، والنار والجنة. وسنحاول أن نفهمها أشدَّ الفهم خلال هذه الأيام القليلة، حتى يمكنَنا أن نستمدَّ من فهمنا إياها منفعةً دائمةً لنفوسنا. وتذكَّروا يا أولادي الأعزاء أن الله قد خلقنا في هذه الدنيا لغرض واحد، ولغرض واحد فقط، هو تنفيذ إرادته المقدسة ولإنقاذ أرواحنا الخالدة، وكل ما عدا ذلك لا قيمة له، لا حاجة بنا سوى إلى شيء واحد: خلاص الروح. ماذا يُجدي الإنسان لو كسب الدنيا جميعًا وخسر روحه الخالدة؟ آه … صدِّقوني يا أولادي الأعزاء ليس هناك ما يعوِّض المرء في هذه الدنيا البائسة عن مثل هذه الخسارة.

– وعلى هذا سأسألكم يا أولادي الأعزاء أن تطردوا من أذهانكم خلال هذه الأيام القليلة كلَّ الأفكار الدنيوية، سواء عن الدروس أو عن اللهو أو المطامح، وأن تُركزوا انتباهَكم كلَّه في الحالة التي عليها نفوسكم. وليست بي حاجة إلى تذكيركم بأنه على كلِّ شخصٍ منكم أن يحافظ على السلوك الهادئ الورع، وأن يبتعد عن أيِّ لهوٍ غير لائقٍ خلال أيام الخلوة. وعلى الأولاد الكبار أن يراقبوا الحفاظ على هذه العادات، وإني أتطلع بصفة خاصة إلى عريفي وأعضاء جماعة السيدة المباركة وجماعة الملائكة المقدسين؛ لكي يكونوا قدوةً حسنة لزملائهم الطلبة.

– فلنحاول إذن بهذه الخلوة تكريمًا للقديس فرانسيس بكل قلوبنا وبكل عقولنا، وستحلُّ بركة الله على دروسكم طوال العام. ولكن عليكم فوق كل شيء أن تجعلوا من هذه الخلوة شيئًا يمكنكم أن ترجعوا إليه في السنوات المقبلة، حين تكونون بعيدين عن هذه المدرسة في وسطٍ مختلفٍ تمامًا، شيئًا ترجعون إليه في غبطة وعرفان، وتشكرون الله أن منحكم هذه الفرصة لوضع اللبنة الأولى لحياة مسيحية ورعة كريمة، وإذا كان هناك — كما قد يحدث — أيُّ شخص مسكين في أيٍّ من هذه الفصول في هذه اللحظات، قد أفقده الحظُّ العاثر عطفَ الإله القدسي، وسقط في أحضان الخطيئة البشعة، فإني أصلِّي وأثق غاية الثقة في أن تكون هذه الخلوة نقطةَ تحوُّل في حياة هذا الشخص، أصلِّي لله متشفعًا بفضائل خادمه «فرانسيس إكسافير»، لكي يقود هذا الشخص إلى درب التوبة الخالصة، وأن يكون التناول المقدس في يوم القديس فرانسيس من هذه السنة عهدًا أبديًّا بين الله وهذا الشخص على التوبة، فلتكن هذه الخلوة خلوةً مشهودة لمَن عدل ولمن ظلم وللقديس والخاطئ على السواء.

– ساعدوني يا إخوتي الصغار الأعزاء في الدين، ساعدوني بإنصاتكم الورع، بتكريسكم أنفسكم وبسلوككم. اطردوا من أذهانكم كلَّ الأفكار الدنيوية ولا تفكروا إلا في آخرتكم، الموت والحساب، والنار والجنة. قالت الحكمة الجامعة: مَن يتذكر هذه الأشياء فلن يُخطئ إلى الأبد. مَن يتذكر آخرته فسيعمل ويفكر واضعًا إياها نصبَ عينَيه، وسيعيش حياةً طيبة ويموت ميتةً طيبة، مؤمنًا ومدركًا أنه إن كان قد ضحى بالكثير في هذه الحياة الأرضية، فإنه سُيعطى أضعافًا مضاعفة في الحياة الأخرى، في المملكة الأبدية، وهي نعمة أرجوها لكل واحدٍ منكم يا أعزائي الصغار، باسم الآب والابن والروح القدس، آمين.

وحين كان عائدًا إلى منزله برفقة أصحابه صامتين، كان يبدو وكأنما يحوط عقلَه ضبابٌ كثيف، وانتظر في حالة من الخدر العقلي لهذا الضباب أن ينقشع ويُظهر ما كان يُخفيه. وتناول طعام الغداء بشهيةٍ كدرة. وحين انتهى الغداء وبقيَت الأطباق خاليةً إلا من بقايا الدهن على المائدة، قام وتوجَّه إلى النافذة، مزيلًا الزبد الكثيف من فمه بلسانه ولاعقًا إياه من فوق شفتيه. وهكذا انحدر إلى درك الحيوان الذي يلعق أولاده بعد الأكل. هذه هي النهاية إذن. وبدأ خيطٌ رفيع من الخوف يخترق ضباب عقله، وضغط وجهه على حافة النافذة ونظر خارجًا إلى الطريق المظلم، وعبرت أشباحٌ هنا وهناك خلال الضوء السقيم، وهذه هي الحياة، وضغطت الحروف التي تكوِّن اسمَ دبلن على عقل، يتجاذب أحدهما الآخر هنا وهناك في غلظة بإلحاح بطيء خشن. كانت روحه تتضخم وتتخثر إلى كتلة من الدهن، وتنغمس أكثر فأكثر بخوفها السقيم في ظلمة كئيبة متوحدة، بينما يقف جسده مجردًا عن الحركة وعن الشرف، ينظر من عينين مظلمتين، عاجزًا، قلقًا، آدميًّا، إلى إلهٍ سقيمٍ يتطلع إليه.

وجلب اليوم التالي معه الموت والحساب، فهزَّ روحه في بطء من يأسها الساكن. وتحوَّل خيط الخوف الرفيع إلى رعب اجتاح روحه، حين نفث صوت الواعظ الحاد الموت فيها، وعانى من ألمه. وشعر برعدة الموت تلمس أطرافه ثم تزحف نحو قلبه، وغشاوة الموت تحجب عينَيه، ومراكز الذهن البراقة تنطفئ واحدةً إثر أخرى كالمصابيح، وقطرات العرق الأخيرة، تنضح على الجلد، وعجز الأعضاء التي تموت، ثم بوهن أكثر حتى يصبح على حافة الكف عن الخفقان، والتنفس، التنفس الضعيف، الروع الآدمية الضعيفة العاجزة، تجهش وتزفر، تُقرقر، وتضج في حلق الإنسان. لا مفر! لا مفر! إنه يموت، هو نفسه، جسده الذي استسلم له يموت. أنزلوه إلى القبر، ودقُّوه في صندوق خشبي، الجثة، احملوها خارج المنزل على أكتاف مَن استأجرتموه لذلك، إلى القبر، لتتعفن، ليتغذَّى عليها الدود الزاحف وتلتهمها الفئران الجارية ذات البطون السمينة.

– «ثم تحاسب روح الخاطئ إذ يكون الأصدقاء ما يزالون يقفون دامعي العينين بجوار السرير، وفي آخر لحظة من لحظات الوعي، تمرُّ أحداث الحياة الأرضية كلها أمام رؤيا الروح. وقبل أن يكون لديها وقتٌ للتأمل، يموت الجسد وتقف الروح في رعب أمام الحساب، ويتحول الله الذي كان دائمًا رحيمًا إلى إله عادل. لقد صبر طويلًا، يساند الروح الخاطئة مفسحًا لها الوقت للتوبة وتاركًا إياها فترةً من الزمن». ولكن هذا الزمن مضى، الزمن هو أن تخطئ وأن تتمتع، الزمن هو السخرية من الله ومن تحذيرات كنيسته المقدسة، الزمن هو تحدِّي جلالته ومخالفة أوامره، أن تخدع إخوانك، وأن ترتكب خطيئة إثر خطيئة، وأن تُخفيَ فسادك عن أعين الآخرين. ولكن هذا الزمن انقضى، وجاء الآن دور الله، ولن يخدعَه أحدٌ أو يمكر به، فتخرج كلُّ خطيئة حينئذٍ من مكمنها، تخرج أكثر هذه الخطايا تمردًا ضد إرادة الله، وأكثرها تدنيسًا لطبيعتنا الفاسدة الضعيفة، كما تظهر أقل نقيصة وأعظم المنكرات. ماذا يُجدي المرء عندئذٍ أن يكون إمبراطورًا أو قائدًا عظيمًا أو مخترعًا مدهشًا أو أعلم العالمين؟ كلُّهم سواء أمام حساب الله، فهو يكافئ الطيبين ويعاقب المسيئين. تكفي لحظةٌ واحدة لمحاسبة روح الإنسان، لحظة واحدة مفردة بعد موت الجسد وتُوضع الروح في الميزان، وينتهي الحساب الفردي وتمرُّ الروح إلى مقر السعادة أو إلى سجن المطهر أو يُقذف بها صارخةً إلى غياهب الجحيم.

ولا يقتصر الأمر على هذا، فلا بد أن تُثبَت عدالة الله أمام بني الإنسان؛ فبعد الحساب الفردي، هناك الحساب العام، لقد جاء يوم الدينونة، جاء يوم القيامة وسقطت نجوم السماء على الأرض كالتِّين الذي تُلقي به الشجرة التي هزَّتها الرياح. وأصبحت الشمس، نور الله العظيم، مثل وَبَرِ الخيش. واصطبغ القمر بلون الدماء، وطُويت السماء كاللفافة، وظهر كبير الملائكة ميخائيل، أمير أهل السماء، مجيدًا مرعبًا، في السماء، وقد وضع قدمًا على البحر وقدمًا على اليابسة، ونفخ في النفير مُعلنًا انقضاء الزمن.

وملأت الكون نداءاتُ كبير الملائكة الثلاثة. الزمن الآني، والزمن الماضي، ولكن ليس هناك زمن مستقبل. وتهرع أرواحُ البشرية جميعًا عند النداء الأخير إلى وادي «يهوشافات»، غنيُّها وفقيرها، سيدها ومسودها، حكيمها وساذجها، طيِّبُها وسيِّئها. وتجتمع في هذا اليوم الأعلى روحُ كلِّ إنسان موجود، وأرواحُ كلِّ مَن سيُولدون إلى هذا اليوم، جميع أبناء وبنات آدم، واهًا … لقد أتى يوم الحساب الأعلى! لم يَعُد حَمَل الله المحتقر، لم يَعُد يسوع الناصرة الوديع، لم يَعُد رجلَ الأحزان، لم يَعُد الراعي الطيب، بل يأتي الآن فوق السحاب، في قوته وصولجانه، تحفُّ به تسع جوقات مترنمة من الملائكة، ملائكة ورؤساء ملائكة، إمارات، قوى وفضائل، عروش وسيادات، شيروبيم وصيرافيم، الله القادر على كل شيء، الله الخالد.

ويتكلم، ويسمعون صوته في أقصى بقاع الفضاء، وفي الهاوية التي لا قرار لها، القاضي الأعلى، حيث لا نقضَ لحكمه ولا يُستطاع له من نقض. ويدعو الطيبين إلى جانبه، طالبًا منهم الدخول إلى مملكة النعيم وخلودها التي أعدَّها لهم. ويُبعد المسيئين عنه، ويصيح بهم في جلالته التي أساءوا إليها: «ارحلوا عني أيها المعلونون، إلى النار الأبدية التي أُعدَّت للشيطان وأتباعه.» آه، يا لَه من عذاب للخطاة التعساء حينئذٍ! ويفترق الصديق عن صديقه، والأبناء عن الآباء، والأزواج عن زوجاتهم. ويبسط الخاطئ المسكين ذراعَيه نحو مَن يعزهم قلبه في الحياة الدنيا، نحو من سبقت له السخرية من تقواهم وورعهم، نحو مَن حاولوا إرشاده إلى الطريق القويم، إلى أخ رحيم، إلى أخت حبيبة، إلى الأم والأب اللذين أحبَّاه كثيرًا. ولكن سبَق السيفُ العَذَل، ويتحول العادل عن الأرواح التعسة الملعونة التي تظهر الآن أمام أعين الجميع في طبيعتها الكريهة الشريرة. آه أيها المنافقون، آه أيتها القبور البيضاء، آه يا مَن تقدِّمون للدنيا وجهًا هادئًا باسمًا، بينما داخلية نفوسكم مستنقع كريه للخطيئة، ماذا سيكون خطبكم في هذا اليوم العصيب؟

وسوف يأتي هذا اليوم، سيأتي … لا بد أن يأتي، يوم الممات ويوم الحساب. كُتب على الإنسان أن يموت ثم يُحاسَب، الموت يقين، وميعاد الموت وطريقته ليست يقينية، عن طريق المرض الطويل أو عن طريق حادثة مفاجئة، يأتي ابن الله في الساعة التي لا نتوقعها منه، لا بد أن تكون مستعدًّا إذن في أية لحظة، فأنت ترى أنك قد تموت في أي لحظة، الموت نهايتنا جميعًا، الموت والحساب، اللذان جلبهما إلى الدنيا خطيئة أبوَينا الأوَّلَين، هما الباب الذي يُغلق وجودنا الأرضي، الباب الذي يُفتح إلى المجهول والمستور، بابٌ لا بد لكل روح أن تعبرَه، وحيدة، لا عون لها إلا أفعالها الطيبة، دون صديقٍ أو أخٍ أو أبٍ أو معلِّمٍ يساندها، وحيدة ترتجف. فلنضع هذه الفكرة نصبَ أعيننا على الدوام فلا نستطيع أن نُخطئ، والموت الذي يبعث الفزع في نفس الخاطئ يكون لحظةَ نعيم لمن سار في الطريق السليم، محافظًا على الواجبات التي يفرضها عليه مكانه في الحياة، حافظًا لصلواته في الصباح وفي المساء، يؤدي شعائر التناول المقدس بين آنٍ وآخر، ويقوم بالأعمال الطيبة الرحيمة، ولا يبعث الموت الفزع في نفس الكاثوليكي التقي المؤمن، أو الشخص العادل. ألم يستدعِ الكاتب الإنجليزي العظيم «أريسون» وهو على فراش الموت الشاب الفاسد «إيرل أوف وورويك» ليُريَه كيف يقابل المسيحي نهايته؟ المسيحي التقي المؤمن وحده، هو وحده الذي يستطيع أن يقول من قلبه:

«أيها اللحد، أين انتصارك؟
أيها الموت، أين وخزتك؟»

كل كلمة كانت له. كان غضب الله موجَّهًا إلى خطيئته البشعة الخفية. لقد عملت سكين الواعظ في قرارة ضميره المكشوف، وشعر الآن بروحه تتقرح من الخطيئة. أجل، الواعظ على حق، لقد جاء دور الله، لقد ربضت روحه في قذارتها كالوحش في عرينه، ولكن نداءات نفير الملاك دفعَته خارج ظلمة الخطيئة إلى النور، وحطَّمَت كلمات القضاء التي صاح بها الملاك هدوءَه الكاذب في لحظة، وهبَّت رياح اليوم الأخير خلال عقله، وفرَّت خطاياه عاهرات خياله ذوات العيون الماسيَّة أمام العاصفة، تصيح كالجرذان الفزعة التي تحتمي بعرفة الفرس.

ووصلَت إلى أُذُنَيه المحترقتَين ضحكةٌ ناعمة لفتاة إذ هو يعبُر الميدان في طريقه إلى البيت، وأثَّر الصوت البهيج الواهن في فؤاده أكثر من نداء النفير، وتحوَّل جانبًا دون أن يقوى على رفع بصره، وحدَّق في ظلال العشب المتشابك إذ هو سائر. وطفح العار على فؤاده المصطك وغمر كيانه كلَّه، وظهرت أمامه صورة «إمَّا»، واندفع طوفان العار مرةً أخرى من فؤاده تحت تأثير عينَيها، آه لو علمت كيف استعبدها عقلُه أو كيف مزَّقت شهوتُه البهيمية براءَتها وداست عليها! أهذا هو غرام الشباب؟ أهذه هي الفروسية؟ أهذا هو الشعر؟ وعفنت تفاصيل خلاعته القذرة تحت أنفه: مجموعة الصور التي غطاها السواد والتي خبَّأها في ماسورة المدفأة، وطالما رقد في أحضان عارها أو خلاعتها المدلَّة يُخطئ بالفكر والعمل، وأحلامه الشاذة التي تزدحم بمخلوقاتٍ شبيهةٍ بالقردة وبعاهرات لهن عيون تلتمع كالجواهر، والخطابات الطويلة القذرة التي كتبها في نشوة الاعتراف المذنب، وحملها أيامًا وأيامًا ليُلقيَ بها بعد ذلك تحت ستار الليل في ركنِ حقلٍ بين الحشائش، أو تحت عتبة أحد الأبواب أو في تجويف سور، حيث يمكن أن تعثرَ عليها إحدى الفتيات أثناء تريُّضِها وتقرأَها خفية، مجنون! مجنون! هل يمكن أن يكون قد فعل هذه الأشياء حقًّا؟ وانبجس العرق البارد على جبهته حين تكثَّفت الذكريات القذرة في عقله.

وحين زال عنه ألمُ العار حاول أن ينتشل روحَه عن عجزها الكريه، كان الله والعذراء المباركة بعيدين جدًّا عنه. كان الله جدَّ عظيم وصارمًا، وكانت العذراء المباركة جدَّ طاهرة وقدسية. وتخيَّل أنه يقف بجوار «إمَّا» في أرض فسيحة، ثم ينحني في خشوع والدموع تُبلل عينَيه ويُقبِّل مرفق ردنها.

وقفَا معًا تحت سماء المساء المتألقة الحنون، وسحابةٌ تتجه إلى الغرب وسط بحر السماء الأخضر الشاحب، في الأرض الفسيحة، طفلان أذنبَا، وقد أساء خطؤهما بشدة إلى عظمة الله رغم أنه خطأ طفلين، ولكنها لم تستأ، تلك التي لا يضارع جمالُها أيَّ جمال أرضي، يُبهر الناظرين، ولكنها مثل نجم الصباح الذي هو شعارها، مشرق ومنغم. لم تكن العينان التي حوَّلَتهما نحوه تبدو فيهما الإساءة أو اللوم، وضمَّت أيديَهما وقالت مخاطبةً فؤاديهما: تصافحَا يا ستيفن و«إمَّا». إنه مساءٌ جميل الآن في السماء. لقد أذنبتما، ولكنكما طفلاي على الدوام، إنه قلبٌ يحبُّ قلبًا آخر. تصافحَا يا طفليَّ العزيزَين، وستكونان سعيدَين معًا وسيحب قلب الواحد منكما الآخر.

غَمَرَ الضوءُ القرمزي السقيم الذي تسرَّب من الأعراش المسدلة الكنيسةَ الصغيرة. ومن الشق الصغير الذي يفصل العرش الأخير وإطار النافذة، انبعث نورٌ واهن كالرمح ولمس نحاس الشمعدانات المزخرف فوق المذبح، والذي كان يلتمع كعدة الملائكة في المعركة.

كان المطر ينهمر على الكنيسة، وعلى الحديقة وعلى المدرسة. ستُمطر إلى الأبد في هدوء، وترتفع المياه بوصةً بوصة، وتغطِّي الحشائش والأعشاب، وتغطِّي الأشجار والمنازل، وتغطِّي الشواهد وقمم الجبال. وتستحيل كلُّ مظاهر الحياة هشيمًا: الطيور والإنسان، والأفيال، الخنازير والأطفال، في هدوءٍ، وتُصبح أجسامًا تطفو في هدوء وسط نثار العالم وحطامه، وسيستمر هطول الأمطار أربعين يومًا وأربعين ليلةً حتى تغطي المياه وجه الأرض.

هذا ممكن، لمَ لا؟

– «وسَّعت الهاوية نفسها وفغرَت فاها بلا حد»، يا أعزائي الصغار، إخوتي في الدين، هذه الكلمات مأخوذة من سفر «أشعيا»، الإصحاح الخامس، الآية الرابعة عشرة، باسم الأب والابن والروح القدس، آمين.

وتناول الواعظ ساعةً بغير سلسلة من جيب ردائه الكهنوتي، وفحص قرصَها في صمتٍ ووضعها في صمتٍ أمامه على المائدة، وبدأ يتحدث في نبرة هادئة.

– كان آدم وحواء، يا أولادي الأعزاء، أبوَينا الأولَين كما تعرفون، وتذكرون أن الله خلقكم حتى تمتلئ المقاعد التي خلت في السماء بسقوط لوسيفر وملائكته المتمردين. وكان لوسيفر على نحو ما يُقَصُّ علينا «ابنَ الصباح»، ملاك مضيء قوي، ومع ذلك فقد سقط، سقط وسقط معه ثلث أهل السماء، سقط وقُذف به وبملائكته المتمردين في جهنم، وماذا كانت خطيئته؟ هذا ما لا نستطيع الجزم به. ويقول علماء اللاهوت إنها خطيئة التكبر، الفكرة الخاطئة التي ارتكبها لحظة واحدة: «نوم سيرفيام»، لن أخدم، لقد أساء إلى جلالة الله في لحظة فكر دامت لحظة، وطرده الله خارج السماء إلى جهنم إلى الأبد.

– خلق الله آدم وحواء إذن ووضعهما في عدن، في سهل دمشق، هذه الحديقة الجميلة المتألقة بنور الشمس والألوان، وتزخر بالنباتات الفاخرة، ومنحَتها الأرض المثمرة خيراتها. وكانت الحيوانات والطيور خُدَّامَهما المطيعين، ولم يعرفَا العلل التي تتعرض لها أبدانُنا ولا الأمراض ولا الفقر ولا الموت، وكان لهما كل ما كان في وسع الله العظيم الكريم أن يُقدِّمَه لهما. ولكن الله فرض عليهما شرطًا وحيدًا: طاعة كلمته، فلم يكن لهما أن يأكلا من ثمار الشجرة المحرمة.

ولكن هيهات يا أولادي الصغار الأعزاء، فقد سقطَا هما أيضًا؛ فقد جاءهما الشيطان الذي كان يومًا ملاكًا متألقًا وابنًا للصباح ثم تحوَّل إلى شيطان مريد، جاءهما على شكل حية، أمكر الحيوانات طرًّا، لقد حسدهما، فلم يكن وهو العظيم الذي سقط ليحتمل أن يمتلك الإنسان الذي صُنع من صلصال الإرث الذي أفقدَته خطيئته إياه إلى الأبد. جاء إلى المرأة، الأضعف شأنًا من الاثنين، وصبَّ من بلاغته في أُذُنَيها سمًّا، واعدًا إياها — وآهًا لكفران هذا الوعد! — أنها إذا أكلت هي وآدم من الثمار المحرمة فسيصبحان كالآلهة، بل سيصبحان كالله نفسه. واستسلمت حواء لأحابيل كبير المخادعين، فأكلت التفاحة وأعطَتها كذلك لآدم الذي لم يكن له من الشجاعة الأخلاقية ما يمكنه من مقاومتها. وأدى لسان الشيطان السام مفعولَه، وسقطَا.

– ثم سُمع صوت الله في تلك الحديقة مناديًا الإنسان الذي خلقه ليناقشَه الحساب. وظهر ميخائيل أمير أهل السماء وفي يده سيف من اللهب أمام المذنبين وطردهما من عدن إلى الدنيا، دنيا المرض والتعب، دنيا القسوة والخيبة، دنيا العمل والمشقَّات، ليكسبا عيشهما بعرق جبينهما، وكم كان الله رحيمًا بعد كل ذلك! لقد أشفق على أبوَينا المسكينَين المحتقرَين، ووعد بأن يُرسل لهما من السماء في الوقت الضروري واحدًا، يشفع لهما ويجعلهما ابنَي الله مرةً أخرى ووريثَي مملكة السماء. وهذا الواحد، شفيع الإنسان الذي سقط، سيكون الابن الوحيد الذي يُنجيه الله، الشخص الثاني في الثالوث المقدس، الكلمة الخالدة.

– وجاء، ولدَته عذراء طاهرة، ماري الأم العذراء. وُلد في حظيرة أبقار رثة في «يهودا». وعاش ثلاثين سنة نجارًا متواضعًا حتى حانَت ساعة رسالته، وخرج ساعتَها وقد أفعمه حبُّ الإنسانية ودعا الناس لسماع البشارة الجديدة.

– وهل أنصتوا له؟ أجل أنصتوا ولكن لم يستمعوا لندائه، وأمسكوه كالمجرمين، وسخروا منه كالحمقى، وباعوه ليشتروا لصًّا محكومًا عليه بالموت، وجلدوه خمسة آلاف سوط، وتوَّجوه بتاجٍ من الأشواك، وساقوه في الطرقات وسط غوغاء اليهود وجنود الرومان، ونزعوا عنه ملابسه وعلَّقوه في المشنقة، وضربوا جانبه بالحراب، وتدفَّقت المياه والدماء من جسد ربنا المثخن بالجراح.

– وحتى في هذا الوقت، في ساعة الألم العلوي هذه، شعر شفيعنا الرحيم بالشفقة على بني الإنسان، حتى في هذا المكان، على تلِّ الجلجلة، أسس الكنيسة الكاثوليكية المقدسة التي جاء الوعد بأن طاقات جهنم لن تقوى عليها، أسَّسها على صخور العصور، ومنحها من روحه الكريمة ومن المقدسات والتضحيات، ووعد بأنه إذا أطاع الناس كلمة الكنيسة سيُفتح لهم باب الحياة الأبدية، ولكن إذا سدروا في غيِّهم بعد كل ما فُعل من أجلهم، فلن يبقى لهم سوى أبدية العذاب: الجحيم.

ووهَنَ صوتُ الواعظ، وصمت، وشبَّك راحتَيه لحظةً ثم فرَّقهما واستأنف كلامه: والآن، فلنحاول أن نتصور لحظة حسب قدرتنا طبيعة مقر الملعونين الذي أعدَّته عدالة الرب المستاء لعقاب الخاطئين. الجحيم سجنٌ ضيقٌ مظلمٌ كريه الرائحة، مقر المردة والأرواح الضائعة، مليء بالنيران والدخان، وقد قصد الله ضيق هذا السجن خصيصًا لمعاقبة مَن رفض أن تحدَّه قوانينه، وفي سجون الدنيا، يكون للأسير المسكين بعضُ حرية الحركة على الأقل، حتى لو كان ذلك بين جدران زنزانته الأربع أو في فناء السجن، ولكن ليس كذلك الحال في الجحيم، فهناك يتكوَّم المساجين بعضهم فوق بعض في سجنهم الرهيب بفعل عدد الملعونين الضخم، ويقال إن سُمْك جدران هذا السجن يبلغ أربعة آلاف ميل، وتبلغ درجة تقييد الملعونين وعجزهم شدة أن القديس المبارك «آنسلم» ذكر في كتابه عن المشابهات أنهم لا يستطيعون حتى أن يُبعدوا عنهم دودة تقرض عيونهم.

وهم يرقدون في ظلام يحوطهم من كل جانب، فتذكَّروا أن نيران الجحيم ليس لها نور، فكما فقدت نيران النير البابلي حرارتَها ولم تفقد ضوءَها بأمرٍ من الله، كذلك تتَّقد نيران الجحيم إلى الأبد في ظلام بينما تحتفظ بشدة سعيرها بأمرٍ من الله، فتكون عاصفة لا نهاية لها من الظلمة، لهيب مظلم، ودخان كبريت محترق مظلم، وتتراكم في وسطه الأجساد واحدًا فوق الآخر دون فرجة هواء، ومن بين الرزايا التي ابتُليت بها قديمًا أراضي الفراعنة لم يكن هناك أفظع من الظلمة، فماذا نُسمِّي إذن ظلمة الجحيم التي لا تدوم ثلاثة أيام فقط بل إلى الأبد.

وتزيد الرائحة الفظيعة هذا السجن الضيق المظلم بشاعةً، فكما يُحكى لنا، سوف تنصرف كلُّ قاذورات العالم، كل نفايات الدنيا وقمامتها إلى هذا المكان، كما تنصرف إلى بالوعة ضخمة قذرة، وذلك حين يطهر العالم حريق اليوم الأخير الهائل، كذلك يملأ الكبريت الذي يحترق هناك في كميات هائلة الجحيم برائحته التي لا تُطاق، بينما تزفر أجساد الملعونين رائحة وبائية تكفي زفرة منها — كما يقول القديس «بون أفنتير» — لكي تنتقل العدوى إلى العالمِ كلِّه، وهواء دنيانا ذاته — هذا العنصر النقي — يصير إذا انحبس فترةً لا تطيقه الصدور، فتصوروا إذن كيف يكون كدر هواء الجحيم، وتصوروا جثة كدرة متعفنة قد بقيت مدةً تتحلَّل في القبر حتى أصبحت مثل كتلة هلامية من العفونة السائلة، تصوروا مثل هذه الجثة وقد أصبحت فريسةً للنيران، وقد شوَّهها لهبُ الكبريت المحترق ويُرسل تحللها المغثي الكريه دخانًا خانقًا كثيفًا. ثم تصوروا بعد ذلك هذه الرائحة النتنة الكريهة، وقد تضاعفت ملايين وملايين المرات من ملايين وملايين الجثث العفنة المكومة فوق بعضها البعض في الظلمة المبخرة، فطرٌ بشريٌّ ضخمٌ متعفنٌ، تصوَّروا كلَّ هذا تكُنْ لكم فكرة عن رائحة الجحيم.

– ولكن هذا النتن رغم بشاعته ليس أعظم ما يتعرض له الملعونون من عذاب جسماني، «فعذاب النار هو أعظم العذابات التي استعبد بها أيُّ طاغية إخوانه من البشر». ضع إصبعك لحظةً في لهب شمعة، فتشعر بألم النار، غير أن نيران أرضنا قد خلقها الله لنفع الإنسان، لتحفظ عليه شعلة الحياة وتُعينه في الصناعات النافعة، بينما لنيران الجحيم صفة مختلفة، وقد خلقها الله لتعذيب وعقاب الخاطئ الذي لا يتوب، وكذلك تلتهم نيران دنيانا مادتها على حسب قابلية هذه المادة للاشتعال، حتى إن المهارة البشرية قد نجحت في ابتكار مستحضرات كيميائية لمنع أثرها أو تخفيفه. ولكن مادة الكبريت الذي يلتهب به الجحيم صُممت خصيصًا لتظل مشتعلة إلى الأبد في شدة لا تُماثلها شدة. وفوق ذلك، فإن نيران أرضنا تُدمر الشيء الذي تحرقه، حتى إنه كلما كانت شدتُها أكبرَ كانت مدة استعمالها أقصر، ولكن لنيران الجحيم صفة تجعلها تُبقي على ما تحرق، وبالرغم من أنها تشتعل بقوة لا تُصدَّق، فهي تشتعل إلى الأبد.

– وكذلك فإن مدى نيراننا الأرضية محدودٌ دائمًا، مهما كانت درجة قوتها أو انتشارها، ولكن بحيرة نيران الجحيم لا حدود لها، لا شواطئ لها، ولا يُعرف لها قرار. وقد جاء في الألواح أن الشيطان ذاته حين سأله أحد الجنود، اضطر إلى أن يعترف أنه إذا أُلقي جبل بأكمله في هوَّة الجحيم المشتعل، فسوف يحترق في لحظة مثل قطعة الشمع، ولن تحرق هذه النيران الفظيعة أجساد الملعونين من ظاهرها فقط، بل ستكون كلُّ روح ضالة جحيمًا لنفسها، وتتلظَّى شريانات حياتها بالنيران المتقدة فيها. آه، ما أفظع نصيب هذه المخلوقات البائسة. الدماء تتقلَّى وتغلي في العروق والمخ يغلي في الجمجمة، وتتوهج القلوب في الصدور وتنفجر، وتستحيل الأمعاء كتلة ملتهبة كاللباب المحترق، وتتوهج العيون الرقيقة كالكرات المنصهرة.

– ورغم ما قلتُه عن قوة هذه النار وصفاتها واتساعها، فهي لا تعتبر شيئًا حين تُقاس إلى درجة عنفها، درجة من العنف تتناسب مع طبيعتها كأداةٍ اختارَتها الحكمة الإلهية للعقاب البدني والروحي على السواء. إنها نارٌ تستمد عنفها من غضب الله مباشرة، ولا تعمل من تلقاء نفسها بل كأداة للانتقام الإلهي. وكما يُطهر ماء العماد الروح بينما هو يطهر الجسد، كذلك تُعذب نيرانُ العقاب الروح إذ هي تُعذب الجسد. وهي تعذيبُ كلِّ عضو من أعضاء الحس في الجسد وكل ملكات الروح، فالعيون يغمرها ظلامٌ دامسٌ لا يُنفذ إليه، وتَزْكُم الروائحُ الكريهة الأنوف، وتصطخب الآذانُ بالصيحات والصراخ واللعنات، والذوق بالمذاق الكريه والوسخ النجس والقاذورات الخانقة التي لا مسميات لها، واللمس بالمناخس والمسامير الملتهبة وألسنة اللهب القاسية. ومن خلال العذاب الذي تتعرض له وسائل الإحساس، تتعذب الروح الخالدة إلى الأبد في ذات جوهرها وسط الفراسخ والفراسخ من النيران المشتعلة، التي تلهبها في هوَّة الجحيم جلالة الإله القادر المستاء، وتُهدهدها زفرات غضب الله العظيم إلى مزيد من الديمومة والشدة.

– وأخيرًا تصوروا زيادة عذاب هذا السجن الجهنمي عن طريق المعلونين أنفسهم. ففي دنيانا هذه، تكون الصحبة الشريرة ضارة، حتى إن النبات بسليقته يبتعد عن صحبةِ كلِّ ما هو ميت منه أو ضار للبقية، وفي الجحيم تنعكس كلُّ القوانين، ولا تكون هناك فكرة عن الأسرة أو الوطن أو عن الصلات أو العلاقات، ويُعوِّل الملعونون ويصرخون في وجه بعضهم البعض، ويزيد من عذابهم وحنَقِهم وجودُهم إلى جوار أناس يتعذبون ويحنقون مثلهم تمامًا. ولا وجود هناك لأيِّ إحساس إنساني. وتملأ صرخات المعذبين الخطاة الهوَّة السحيقة حتى أقصى أركانها، وتفعم أفواه الملعونين بالكفر ضد الله وبالكراهية تجاه زملائهم المعذَّبين وباللعنات ضد الأرواح التي شاركَتهم خطيئتهم. وكانت العادة في الأزمنة القديمة عقاب قاتل أبيه، وهو الرجل الذي يرفع يده القاتلة في وجه أبيه، إنزاله إلى أعماق البحر في جوال ومعه ديك وقرد وحية، وكانت وجهة منظر المشرِّعين الذين صاغوا هذا القانون الذي يبدو قانونًا قاسيًا في أيامنا هذه، هي عقاب المجرم بصحبته للحيوانات المؤذية الكريهة، ولكن ما قيمة أثر هاته الحيوانات الخرساء بالقياس إلى أثر اللعنات، التي تنهال من شفاه الملعونين المحترقة وحلوقهم المقعية في الجحيم، حين يتعرفون في إخوان شقائهم هؤلاء الذين ساعدوهم وعاونوهم على الخطيئة، هؤلاء الذين بذرت كلماتُهم البذور الأولى للأفكار الشريرة والحياة الشريرة في أذهانهم، هؤلاء الذين قادَتهم اقتراحاتهم الطامعة إلى مدارج الخطيئة، هؤلاء الذين أغرَتهم عيونهم واجتذبَتهم عن مسارح الفضيلة، ويتحولون نحو هؤلاء الشركاء، زاجرين ولاعنين إياهم، ولكنهم يائسون عاجزون، فقد فات أوان التوبة.

– وتصوروا أخيرًا العذاب الرهيب الذي ستُلاقيه الأرواح الملعونة، مَن أغرى غيره ومَن استسلم للإغراء على السواء، على يدي أصحاب الشيطان، وسيعذِّب هؤلاء الشياطين الملعونون بطريقتين: بالصحبة وباللوم. وتقصر أفكارنا عن إدراك فظاعة هؤلاء الشياطين. ولقد رأت القديسة كاترين السيناوية شيطانًا ذات مرةً، وكتبت بعد ذلك تقول إنها تفضِّل أن تسير طوال حياتها على طرقٍ من الفحم المشتعل، على أن تنظر مرةً أخرى لمدة لحظة واحدة إلى مثل هذا الوحش المرعب. لقد أصبح هؤلاء الشياطين الذين كانوا في يوم من الأيام ملائكة جميلي الطلعة، على قبحٍ وبشاعةٍ تُعادلان درجة جمالهم القديم، وهم يسخرون ويهزءون من الأرواح الضالة التي جروها إلى مدارج الهلاك. وهذه الشياطين الكريهة هي أصوات الضمير في الجحيم، لماذا أخطأت؟ لماذا استمعت إلى إغراءات أصدقائك؟ لماذا تحوَّلت عن سُبُلِك الورعة وأعمالك الطيبة؟ لماذا لم تتجنب دواعي الخطيئة؟ لماذا لم تترك هذه الصحبة الشريرة؟ لماذا لم تهجر هذه العادة الداعرة، هذه العادة القذرة؟ لماذا لم تستمع إلى نصائح مَن تعترف له؟ وحتى بعد أن سقطت للمرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة للمرة المائة، لماذا لم تَتُب عن وسائلك الشريرة وتتحول إلى الله الذي ينتظر توبتك ليغفر لك خطاياك؟ والآن لقد فات أوان التوبة. هناك الزمن الآتي والزمن الماضي، ولكن ليس هناك زمن مستقبل! الزمن معناه الخطيئة خفية، الانغماس في الحمأة، الزهو، اشتهاء المحرمات، الاستسلام لدوافع الطبيعة الدنيا في الإنسان، الحياة مثل الحيوانات، بل أسوأ منها؛ لأنها مجرد بهائم وليس لها من الحجَى ما تعقل به؛ هناك زمنٌ ماضٍ، ولكن لن يكون هناك زمن مستقبل أبدًا. لقد تحدث الله إليك عن طريق كثير من الأصوات ولكنك لم تستمع، لم تكن لتسحقَ هذا الزهو وهذا الغضب من قلبك، لم تكن لتُعيد ما أخذته عن غير حق، لم تكن لتطيع أوامر كنيستك المقدسة ولا تحافظ على واجباتك الدينية، لم تكن تهجر رفاقك الخبيثين، ولم تكن لتترك تلك المغريات الخطرة. هكذا تكون لغة هؤلاء المعذبين الشياطين، كلمات زجر وتعنيف، كلمات كراهية واشمئزاز، أجل، اشمئزاز؛ لأن الشياطين أنفسهم حين أخطئوا فقد أخطئوا خطيئة تتناسب مع طبيعتهم الملائكية، تمرد الفكر، وحتى هم، هؤلاء الشياطين الكريهون يتحوَّلون ازدراءً وثورةً عن التأمل في هاته الخطايا التي تجلُّ عن الوصف، والتي ينتهك الإنسان الحقير معبد الروح القدس بارتكابها، منتهكًا ومدنسًا نفسه.

– آه يا صغاري الأعزاء، إخوتي في الدين، فليكن من نصيبِ كلٍّ منا ألَّا نستمع إلى هذا الزجر. أقول فليكن من نصيبنا، إني أصلِّي بحرارةٍ إلى الله حتى لا يكونَ أيُّ روح فرد من الموجودين في هذه الكنيسة اليوم ضمن المخلوقات البائسة، التي سيدعوها القاضي الأعظم إلى الرحيل من أمام عينَيه إلى الأبد، وحتى لا يسمعَ أيُّ واحد منا عبارةَ النبيذ الرهيبة تُجلجل في أُذُنَيه: «ارحلوا عني أيها الملعونون، إلى النار الأبدية التي أُعدَّت للشيطان وأتباعه!»

وسار ستيفن من مكانه في الكنيسة وساقاه ترتجفان وفروة رأسه ترتعد كما لو مسَّتها أصابع الجان. وارتقى الدَّرج وسار في الممر بين الجدران التي عُلقت عليها المعاطف وواقيات المطر كالمجرم المشنوق دون رأس، تقطر، ودون شكل. وكان يخشى عند كل خطوة أن يكون قد مات، وأن تكون روحه قد انتزعَت من غمد الجسد، وأنه يثبُ رأسًا في الفضاء.

لم يكن باستطاعته أن يثبِّت ساقَيه على الأرض. وجلس في تثاقلٍ إلى دُرجه، وفتح أحدَ كُتُبه بطريقة عشوائية وعكف عليه. كانت كل كلمة موجهة إليه، وهذا حق. الله عظيم، له أن يدعوه إليه الآن، يدعوه إذ هو يجلس إلى قِمَطره قبل أن يُتاح له وقت يتنبَّه فيه إلى الدعوة. لقد دعاه الله، أجل؟ ماذا؟ أجل؟ واقشعر بدنُه حين شعر باقتراب ألسنة اللهب النهمة. وجَمُد حين شعر دورة الهواء الخانق من حوله، لقد مات. أجل، لقد حوسب، واجتاحت بدنَه موجةٌ من النيران، واحدة ثم موجة أخرى. وبدأ مخُّه يتوهج، وأخرى، وأخذ مخُّه يئزُّ ويجيش داخل الجمجمة المتشققة، وانبجس اللهبُ من جمجمته مثل نبات «النورة»، يصرخ في شيء يُشابه أصوات: الجحيم! الجحيم! الجحيم! الجحيم!

وتحدَّثت أصوات بقربِه:

– إلى الجحيم.

– أعتقد أنه قد دفع بكل ذلك إلى رءوسكم.

– ويا لَه من دفع! لقد سبَّب لنا جميعًا خوفًا عظيمًا.

– هذا ما تستحقون، حتى تعملوا.

وانحنى إلى الخلف في قِمَطره في ضعف. لم يَمُت، لقد أمهله الله رغم ذلك. كان لم يزَل في عالم المدرسة المألوف. وكان مستر «تيت» و«فنسنت هيرون» يقفان أمام النافذة يتحدثان ويمزحان ويتطلعان إلى المطر الكئيب في الخارج، وهما يهزَّان رأسَيهما:

– أتمنى أن يصفوَ الجو، فقد عزمتُ على القيام برحلة على الدراجات مع بعض الرفاق إلى «مالاهايد»، ولكن ستكون الطرق مليئة بالأمطار.

– قد يصفو الجو يا سيدي.

وهدهدَت الأصوات التي يعرفها جيدًا من روحه، الكلمات المألوفة، وهدوء الفصل: حين تصمت الأصوات ويملأ السكون صوت الماشية الرقيق، وهي ترعى الكلأَ حين يأكل الأولاد الآخرون طعامهم في هدوء.

ما زالت أمامه فرصة، آه يا مريم، يا ملاذ الخاطئين، تشفَّعي له! آه أيتها العذراء الطاهرة، أنقذيه من وهدة الموت!

وبدأ درس الإنجليزية بامتحانٍ في التاريخ. ومرَّت الشخوص الملكية، والمحظيات والمتآمرون والأساقفة مثل الأشباح الخرساء خلف نقاب أسمائها. ماتوا جميعًا، وحوسبوا جميعًا. ما نفع الإنسان لو كسب الدنيا جميعًا وخسر روحه؟ لقد فَهِم أخيرًا، وانبسطَت حوله الحياة الإنسانية، وأدَّى السلام حيث يعمل الناس مثل النمل في أخوة، بينما ينام موتاهم على التلال الهادئة، ومسَّه مرفق ذراع زميله وتأثَّر فؤاده، وحين تكلَّم ليرد على سؤال المدرِّس، سمع روحه مغمغمةً بهدوء الندامة والانسحاق.

وغاصَت روحه إلى أعماق الهدوء، لا تحتمل بعد ذلك معاناة آلام الخوف، وترسل صلاةً واهنة إذ هي تغوص. أجل، ما زالت أمامه مهلة، بإمكانه أن يتوب في أعماق قلبه ويغفر الله له، ثم يرى الأعلون في السماء ماذا سيفعل للتعويض عن ماضيه، حياة كاملة، كل ساعة من ساعات هذه الحياة، ما عليكم سوى الانتظار.

– كلها يا إلهي، كلها، كلها!

وأتى رسولٌ إلى الباب ليُعلن أن الاعتراف جاهزٌ الآن في الكنيسة. وغادر أربعة أولاد الغرفة، كما سمع آخرين يهبطون إلى الردهة. وأحاطت قلبَه برودةٌ راعدة، ليست في قوتها أكثر من ريح خفيفة، غير أنه بدا كما لو أنه وضع أُذُنَه على عضلة قلبه، إذ هو يُنصت ويتألَّم في سكون، فيشعر بهذه البرودة قريبة واهنة، ويُنصت إلى رفيف القلب.

لا مفر، لا بد أن يعترف، أن ينطق بما فعله وبما فكَّر فيه في كلمات، خطيئة إثر خطيئة. كيف؟ كيف؟

– أيها الأب، إني …

واخترقَت الفكرةُ جسدَه الرقيق كالنصل البارد اللامع: الاعتراف. ولكن لن يكون ذلك أبدًا في كنيسة المدرسة الصغيرة. سوف يعترف بكل شيء، كل خطيئة اقترفها أو جالَت في خاطره، بإخلاص، ولكن لن يكون ذلك بين رفاق مدرسته، سوف يهمس بعاره بعيدًا عنهم في أحد الأماكن المظلمة. وتضرع إلى الله في خشوع ألَّا يغضب منه؛ لأنه لم يجرؤ على الاعتراف في كنيسة المدرسة. وفي هوان روحي تام طلب في صمتٍ مغفرةَ القلوب الصبيَّة التي تحوطه.

ومرَّ الوقت.

وجلس ثانيةً في الصف الأول من الكنيسة الصغيرة. وكان نور النهار قد بدأ يَذبُل في الخارج. وإذ كان الضوء يتسرب من خلال الأعراش الحمراء السقيمة، بدا كما لو كانت شمس اليوم الأخير تغرب، وقد تجمَّعت الأرواح كلها ليوم الحساب.

– «إنني قد نُبذت بعيدًا عن عينَيك.» كلماتٌ مأخوذة يا صغاري الأعزاء إخوتي في الدين، من كتاب المزامير، الإصحاح الثلاثون، الآية الثالثة والعشرون، باسم الآب والابن والروح القدس، آمين.

وبدأ الواعظ يتحدث في لهجة هادئة ودود. كان وجهه عطوفًا وقد عقد أصابعَ كلِّ يدٍ من يدَيه في لطف، وقد شكَّلت وحدةُ أطرافها هيئةَ القفص الواهن.

– حاولنا هذا الصباح في تأملاتنا عن الجحيم أن نُقيمَ ما يدعوه راعينا المقدس في كتابه عن التمرينات الروحية: تركيب المكان. أي إننا قد حاولنا أن نتصور في مخيلاتنا بوسائل الحس العقلية الصفة المادية لهذا المكان المخيف، والعذابات الجسمانية التي يتحملها ساكنو الجحيم جميعًا. أما هذا المساء فسوف نتأمل قليلًا طبيعة العذابات الروحية للجحيم.

– تذكروا أن الخطيئة منكرٌ ذو حدَّين، فهو خضوع حقير لنوازعِ طبيعتنا الفاسدة نحو الغرائز الدنيا، لكلِّ ما هو فظٌّ حيوانيٌّ، وهي أيضًا تحول عما تُشير به علينا طبيعتُنا العليا، تحول عن كلِّ ما هو طاهر مقدس، تحول عن الله المقدس ذاته؛ ولهذا السبب تُعاقب الخطيئة العظمى في الجحيم بطريقتين مختلفتين، طريقة جسمانية وطريقة روحية.

وأعظم كل هذه الآلام الروحية آلام الخسران الشديدة القوة، حتى إنها في الحقيقة في حدِّ ذاتها أعظم من العذابات الأخرى مجتمعة. يقول القديس توماس، نطاسي الكنيسة العظيم، النطاسي الملائكي كما يُدعى، إن أشد اللعنات سوءًا توجد هنا، في تجريد حجَى الإنسان كليةً من النور الإلهي، وفي تحول عواطفه في عنادٍ عن كمال الله. وتذكروا أن الله كيانٌ كاملٌ كمالًا مطلقًا، وعليه تكون خسارة هذا الكيان خسارةً مؤلمةً ألمًا مطلقًا. وليس لنا في هذه الحياة من فكرة واضحة عما ستكون عليه مثل هذه الخسارة، ولكن سيُدرك الملعونون في الجحيم إدراكًا كاملًا ما خسروه بسبب خطاياهم، وأن خسارتهم إياه خسرانٌ بائنٌ لا رجوع فيه، مما يزيد من عذابهم.

ففي ذات لحظة الموت، تنكسر أغلال الجسد فتاتًا وتطير الروح على الفور إلى الله، كما لو تطير إلى مركز وجودها. تذكَّروا يا أولادي الأعزاء الصغار أن أرواحنا تتوق إلى جوار الله. لقد أتينا من الله، ونحيا بالله، ونخص الله، إننا مِلكه، ملكه ملكية مطلقة. الله يحب كل روح حبًّا إلهيًّا، وكل روح إنسانية تحيا في هذا الحب. وكيف يكون الأمر غير هذا؟ كل نسمة نستنشقها، كل فكرة تعبر أذهاننا، وكل لحظة من لحظات الحياة تصدر عن كمال الله الذي لا ينفد. ولئن كان يؤلم الأم أن تفترق عن وليدها، والرجل أن يبتعد عن مدفأته وعن بيته، والصديق أن يفترق عن صديقه، إذن تصوروا آلام الروح المسكين وأشجانه وهو يتأمل بعيدًا عن حضرة الخالق الكامل كمالًا ساميًا، المحب الذي دعا تلك الروح من الوجود إلى العدم وأعانها على الحياة وأحبَّها حبًّا لا يمكن إدراكه. وحين تفترق تلك الروح إلى الأبد عن كمالها العظيم، عن الله، وتشعر بآلام هذا الفراق، وتُدرك تمامًا أن الحال لن يتبدل، يكون هذا أعظم عذاب يمكن أن تتحمله الروح المخلوقة، «باينا دامني»، ألم الخسران.

أما الألم الثاني الذي سوف يعذب أرواح الملعونين في الجحيم فهو ألمُ الضمير، فكما تتكاثر الديدان في الأجسام الميتة عن طريق التعفن، كذلك سوف تتعذب أرواح الخاسرين عذابًا مستمرًّا من عفن الخطيئة، ووخز الضمير، دودة الوخز المثلثة كما دعاها البابا إينوسنت الثالث، ستكون أول وخزة تخزها هذه الدودة القاسية هي ذكرى المسرات السابقة. آه! يا لَها من ذكرى مروعة في وسط اللهب الذي يدمر كلَّ شيء، سيتذكر الملك الجبار بلاطه، ويتذكر العالِم الخبيث مكتباتِه ووسائلَ بحثه واطلاعه، ويتذكَّر المغرم بالمسرات الفنية تماثيلَه الرخامية وصِوَره وغيرها من الذخائر الفنية، ويتذكر مَن كان يبتهج بمسرات الطعام موائدَه الحافلة والأطباق ذات الذوق الجميل والأنبذة المختارة، وسيتذكر البخيل أكداسَ ذهبه، والسارق ثروتَه غير المشروعة، والقتلة الغضبَى المنتقمون القساة الأعمالَ العنيفة الدموية التي عاثوا فيها فسادًا، ويتذكر الملوثون الزناة ما أبهجهم من مسرات قذرة لا تُوصف. سوف يتذكر الجميع كل هذا، وسوف يزدرون أنفسهم ويزدرون خطاياهم، فكم ستبدو هذه المسرات سافلة في عين الأرواح، التي حُكم عليها بالعناء في نيران الجحيم دهورًا ودهورًا. كم سيهتاجون وينفثون أحزانهم حين يُدركون أنهم خسروا سعادة السماء من أجل نفاية الأرض، من أجل قطعٍ معدنية قليلة، من أجل تكريم زائف، من أجل راحة جسمانية، من أجل إثارة للأعصاب، سوف يندمون حقًّا وتكون هذه هي الوخزة الثانية لدودة الضمير، أسفٌ متأخرٌ لا يُجدي عن الخطايا التي ارتُكبت. وتصر العدالة الإلهية على أن يتركز فكرُ هؤلاء التعساء الأشقياء دومًا على الخطايا التي اقترفوها، وفوق ذلك، كما يبين القديس «أوغسطين»، سوف يبعث الله فيهم إدراكه الخاص للخطيئة، حتى تظهر لهم خطاياهم بجماعِ شرِّها البشع، كما تظهر في عين الله نفسه. سوف يشاهدون خطاياهم في أتمِّ بشاعتها ويندمون، ولكن لات ساعة ندم، فيعولون أسفًا على الساعات الطيبة التي أهملوها فيما مضى. وهذه هي آخر وخزة من وخزات دودة الضمير وأكثرها عمقًا وقسوة. سيقول الضمير: كانت أمامك الفرصة والوقت للتوبة، ولكنك لم تَتُب، لقد أنشأك والدك نشأةً دينية، وكانت مقدسات الكنيسة وأعمالها وجلالها في عونك، وكان لديك أتباع الله يعظونك ويقودونك للهدى إذا ضللت، ويغفرون لك خطاياك مهما كانت كثرتها ومهما كان نكرها، لو أنت اعترفت وتُبْت، كلَّا، لم تفعل ذلك، بل سخرت من أتباع الدين المقدس، وأدرتَ ظهرك للاعتراف، وتمرغت أكثر فأكثر في حمأة الخطيئة. وقد استدعاك الله، وهددك، وابتهل إليك أن تعود إليه. آه، يا لَلعار ويا للشقاء! لقد ابتهل إليك حاكمُ الكون وأنت مخلوق من طين، لكي تُحبَّه وهو صانعك، ولكي تحافظ على قوانينه. كلَّا، لم تفعل، والآن لو أنك أغرقت الجحيمَ كلَّه بدموعك إن كان ما يزال باستطاعتك البكاء، لن يُكسبك هذا البحر من الندم ما قد كان بإمكانِ دمعةِ ندمٍ صادقٍ واحدة تُراق في أيام الحياة الدنيا أن تُكسبَك إياه. وتتضرع الآن من أجل لحظة من الحياة الدنيا تتوب فيها ولكن هيهات. لقد فات هذا الوقت، فات إلى الأبد.

– هكذا تكون وخزة الضمير ذات الأبعاد الثلاثة، الثعبان الذي يفري قرار فؤاد التعساء في الجحيم حتى يملأَهم بالهياج الجحيمي، فيلعنون أنفسهم لحماقتهم ويلعنون صحابهم الأشرار الذين جلبوا عليهم هذا الخراب، ويلعنون الشياطين الذين أغرَوهم في الحياة ثم سخروا منهم في الأبدية، بل إنهم يلعنون ويسبُّون الكيان الأعلى الذي ازدروا كماله واصطباره واستهانوا بهما، ولكنهم لا يستطيعون تجنُّبَ عدالته وقوته.

– والألم المثالي الذي يتعرض له الملعونون هو ألمُ الامتداد، فالإنسان في هذه الحياة الدنيا رغم ما يستطيع ارتكابه من شرور، لا يستطيع ارتكابها كلها في لحظة واحدة، فكلُّ شرٍّ يُصحح شرًّا آخر ويُبطل مفعوله كما يفعل السم في سمٍّ آخر، ولكن يحدث عكس ذلك في الجحيم، فبدلًا من أن يُبطل نوع من العذاب عذابًا آخر، يُضفي عليه قوة أشد. وكما أن الملكات الداخلية أشد كمالًا من الحواس الخارجية، كذلك فلها قابلية أكثر للمعاناة، وكما تتعرض كلُّ وسيلة من وسائل الحس بما يناسبها من العذاب، كذلك يكون حال كل ملكة من ملكات الروح، فيُعذب الخيال بالصور الفظيعة، والإحساس بتراوح من اللهفة والهياج، والعقل والحجى بظلمة داخلية أشد رعبًا من الظلمة الخارجية التي تسود هذا السجن المخيف. ورغم لا فاعلية الحقد الذي يسيطر على هذه الأرواح الشيطانية، فهو يكمن في شر الامتداد الذي لا حدود له، الديمومة غير المحدودة، حالة مخيفة من الخور لا نكاد نتحقق منها إلا إذا أدركنا نكرَ الخطيئة ومدى كراهية الله لها.

– ثم هناك ألمُ الحدة في مقابل ألمِ الامتداد رغم أنه مواكبٌ له، والجحيم هو مركز الشرور. وكما تعرفون، تشتد حدة الأشياء في مراكزها عنها في أطرافها البعيدة، وليس هناك من أضداد أو أمزاج من أي نوع لتلطِّف من آلام الجحيم أو تخفِّفها على أيِّ وجهٍ من الوجوه. كلَّا، بل إن الأشياء الطيبة في حد ذاتها تنقلب شرًّا في الجحيم، فالصحبة التي هي مصدر راحة للمعذبين في كل مكان تنقلب هناك إلى مصدر دائم للعذاب، والمعرفة التي يشتاق إليها الجميعُ كخير العقل الرئيسي تُصبح مكروهة هناك كراهية الجهل، والضوء الذي تشتهيه جميعُ المخلوقات ابتداءً من سيد الخلق إلى أصغر نبات في الغابة سوف يزدرى جد الازدراء، وتكون آلامنا في هذه الحياة الدنيا إما غير بالغة الطول أو غير بالغة العنف؛ لأنه إما أن تغلبَها الطبيعة بالتعود عليها أو تُنهيها بالاستسلام لثقلها، ولكن عذابات الجحيم لا يمكن أن يغلبها التعود؛ لأنه في الوقت الذي تكون فيه بالغة الحدة تكون في ذات الوقت ذات أشكال متغيرة باستمرار، فيستمد كلُّ ألم نارًا من الألم الآخر ويُضفي الثاني على الأول نيرانًا أشدَّ قسوةً واضطرامًا.

ولا يمكن كذلك أن تفرَّ الطبيعة من هذه العذابات الحادة المختلفة بالاستسلام لها؛ لأن الروح تزداد وتتساند في شرورها حتى يزدادَ عظمُ آلامها. امتدادٌ لا حدَّ له من العذاب، حدةٌ لا تُصدَّق من الآلام، أنواع لا نهائية من وسائل التعذيب، هذا ما تمليه الجلالة الإلهية التي أغضبها الخطاة، هذا ما تتطلبه قداسةُ السماء التي ازدراها العصاة حبًّا في مسرات الجسد الفاسد الشهوانية الحقيرة، هذا ما تُصر عليه دماء حَمَل الله البريء الذي أُريق شفاعةً للخطاة وداس عليه أسفل السافلين.

– وآخر العذابات وأعظمها في هذا المكان المخيف هو أبدية الجحيم، أبدية؟ آه، يا لها من كلمة شديدة مرعبة: أبدية! أي عقل إنساني يمكن أن يفهمَها؟ وتذكروا أنها أبدية للألم كذلك، وحتى لو لم تكن آلام الجحيم على ما هي عليه من الفظاعة لأصبحت غير محدودة نظرًا لأنه مقدرٌ لها الاستمرار إلى الأبد. ولكن في الوقت نفسه الذي تكون فيه أبدية فهي — كما تعرفون — حادةٌ حدةً لا تُحتمل وعنيفةٌ عنفًا لا يُطاق. وحتى لو قاسى المرءُ من وخزة حشرة من الحشرات طوال الأبدية، لكفى بهذا من عذاب أليم، فماذا يكون الحال إذن في معاناة عذابات الجحيم المتعددة إلى الأبد؟ إلى الأبد! إلى أبد الآبدين! ليس سنةً أو دهرًا بل إلى الأبد. حاولوا أن تتصوروا بشاعة هذا المعنى. لقد رأيتم مرارًا الرمال على الشاطئ، كم لطيفة ذراتها الدقيقة! وكم عدد من هذه الذرات الصغيرة يملأ كف الصبي الصغير في لهوه. تصوروا بعد ذلك جبلًا من هذه الرمال ارتفاعه مليون ميل، يرتفع من الأرض إلى السماء السابعة، وعرضه مليون ميل، يمتد إلى أقصى الفضاء، وسُمْكه مليون ميل. وتصوروا أن مثل هذا العدد الهائل الذي لا يُحصى من ذرات الرمال، قد تضاعف بعدد ما هناك من أوراق على الشجر، وبعدد قطرات مياه المحيط الهائل، وبعدد ريش الطيور، وقشور الأسماك، وشعر الحيوانات، وذرات الهواء العريض المترامي، وتصوروا أن طائرًا صغيرًا يأتي عند نهاية كل مليون سنة إلى هذا الجبل، ويحمل في منقاره ذرةً دقيقةً من رماله. كم تمرُّ من ملايين فوق الملايين من القرون، قبل أن يحمل مثل هذا الطائر مجردَ قدم مربع من هذا الجبل، وكم يمرُّ أيونات فوق أيونات الدهور قبل أن يحمله كله؟ ومع هذا، ففي نهاية هذه الحقبة الزمنية الهائلة لا يمكن القول بأنه قد مرت ولا لحظة واحدة من الأبدية، ولا تكاد تكون الأبدية قد بدأت بعد مرور هذه البليونات والترليونات من السنين. فإذا ارتفع هذا الجبل مرةً أخرى بعد أن يتم نقله، وإذا عاد الطائر ثانيةً وبدأ في نقله مرةً أخرى ذرةً وراء ذرةٍ، وإذا استمرت هذه العملية بعدد النجوم في السماء والذرات في الهواء وقطرات المياه في البحار، والأوراق على الشجر والريش على الطيور، والقشور على الأسماك، والشعر على الحيوانات، فبعد كل هذا النقل والارتفاع مرات لا تُحصى ولا تُعد لهذا الجبل العريض الهائل، لا يمكن القول بأن لحظةً واحدةً من الأبدية قد مرت، بل إنه عند نهاية هذه الحقبة، بعد هذه الحقبة الأيونية التي يَحارُ فيها الفكر، لا تكاد الأبدية تكون قد بدأت بعد.

– وقد تمثَّل قديس مبارك مرةً صورةً للجحيم (وكان واحدًا من آباء الجزويت كما أعتقد)؛ فقد بدا له كأنه يقف في وسط ردهة عظيمة مظلمة، ساكنة إلا من دقات ساعة ضخمة. واستمرت الدقات بغير توقف، وبدا لهذا القديس أن صوت الدقات كان تكرارًا مستمرًّا للكلمات: أبدًا، مطلقًا، أبدًا مطلقًا، أبدًا في الجحيم، مطلقًا في الجنة، مبعد عن طلعة الله أبدًا، ولا يتمتع بالرؤية المباركة مطلقًا، تُساط بالنيران ويقرض فيك الدود وتُنخس بالحراب المشتعلة أبدًا، ولا تتحرر من هذه الآلام مطلقًا، يكون ضميرك مثقلًا والذكرى مؤلمة والعقل مفعمًا بالظلمة واليأس أبدًا، ولا تستطيع من كل هذا فرارًا مطلقًا، تسبُّ وتلعن أبدًا الشياطين الكريهة التي تشهد شقاء مَن وقعوا في حبائلها في شهوة شيطانية، ولا تشهد أردية الأرواح المباركة البراقة مطلقًا، تصيح أبدًا من هوَّة النيران متضرعًا من أجل لحظةٍ واحدةٍ من الراحة من هذا الألم المخيف، ولا تتلقى مطلقًا ولو لحظة واحدة عفوًا من الله، تتألم أبدًا، ولا تتمتع بشيء مطلقًا، ملعونٌ أبدًا، ولا سبيل إلى الإنقاذ مطلقًا، أبدًا، مطلقًا، أبدًا، مطلقًا، آه، يا لَه من عذاب مخيف! أبدية من الآلام اللانهائية، من العذاب الجسدي والروحي اللانهائي، دون شعاع واحد من الألم، دون لحظة راحة واحدة من الألم الذي لا نهاية لحدَّته، من عذابٍ لا حدود لتنوعاته، من تعذيبٍ يُبقي أبدًا ما يدمِّره، من أسًى ينقضُّ دومًا على الروح بينما هو ينهش الجسد، أبديةٌ كل لحظة فيها في حد ذاتها أبدية من العذاب. هذا هو العقاب المخيف الذي أعده الله العادل القدير لكل من مات وهو خاطئ.

– أجل، الله العادل! فالإنسان الذي يقتصر تفكيرُه على الحدود الإنسانية، يعجب من أن يخصص الله عقابًا أبديًّا ومطلقًا في نيران الجحيم، لكل من ارتكب خطيئةً كبيرة واحدة، وهو يفكر بهذه الطريقة لأن أوهام الجسد الحمقاء وظلمة الفهم الإنساني قد أعمَته، فهو لا يستطيع إدراك شر الخطيئة الكبرى البشع، وهو يفكر بهذه الطريقة لأنه عاجزٌ أن يُدرك أن الخطيئة البسيطة لها طبيعة منكرة بشعة، حتى إنه إذا كان الله القادر على كل شيء لينهي الشقاء والشر من العالم، الحروب والسرقات والجرائم والموت والقتل مقابل أن يترك خطيئةً صغيرة واحدة تمرُّ دون عقاب، خطيئةً بسيطة واحدة مثل كذبة أو نظرة غضب أو لحظة كسل مقصودة، لما كان يفعل ذلك وهو الله العظيم القدير؛ لأن الخطيئة سواء كانت في الفكر أو في العمل هي خرقٌ لناموسه، ولا يكون الله إلهًا إن لم يُعاقب خارق الناموس.

– وقد تسبَّبت خطيئةٌ واحدة، لحظة من كبرياء الفكر المتمرد، في سقوط لوسيفر وثلث أهل السماء من أمجادهم، وخطيئةٌ واحدة، لحظة حماقة غضب أخرجت آدم وحواء من عدن، وجلبت الموت والشقاء على العالم. وقد نزل ابن الله الوحيد إلى الأرض ليُصلح ما فسد من جراء هذه الخطيئة، وعاش وتألم ومات أشنع ميتة بعد أن تعلَّق ثلاث ساعات على الصليب.

– آه يا صغاري الأعزاء إخوتي في يسوع المسيح، هل نُسيء إذن إلى هذا الشفيع الطيب ونُثير غضبه؟ هل ندوس ثانيةً على الجسد الممزق المقطَّع؟ هل نبصق على هذا الوجه المليء بالألم والحب؟ هل نسخر نحن أيضًا كاليهود القساة والجنود الطغاة من هذا المخلِّص العطوف الذي وطئ من أجلنا معاصر الألم؟ كل كلمةٍ من كلمات الخطيئة جرحٌ في جنبه الرقيق. كلُّ عمل من أعمال الخطيئة شوكةٌ تخرق رأسه، كلُّ فكرة غير طاهرة يستسلم لها المرء عن قصدٍ رمحٌ حادٌّ تخترق هذا القلب المقدس الحنون، كلَّا! كلَّا، مستحيلٌ أن يفعل أي مخلوق آدمي ما يسيء إلى الجلالة المقدسة بهذا القدر، ما يستحق عليه العقاب الأبدي، ما يُعيد صلب ابن الله ويجعل منه أضحوكة.

– أضرع إلى الله أن تكون كلماتي الضعيفة قد أفادت اليوم في تأكيد القداسة في النفوس الطيبة، وفي تقوية الإيمان المزعزعة، وأن يُعيد النفس الضعيفة التي ضلَّت إلى طريق الهداية، إن كان بينكم مثل هذه النفس. أضرع إلى الله، واضرعوا أنتم أيضًا معي، حتى نتوب عن خطايانا.

سأطلب منكم الآن، كلكم، أن تُردِّدوا ورائي نصوص العهد، راكعين هنا في هذه الكنيسة المتواضعة في حضرة الله. إنه هناك في الهيكل يشتعل حبًّا للبشرية، على استعداد لإراحة المعذبين، لا تخافوا، مهما يكن عدد خطاياكم ومهما تكن بشاعتها، فسيغفر لكم إن تبتم عنها. لا تذروا الخجل الدنيوي يُمسك بكم عن التوبة. الله هو الإله الرحيم الذي لا يرغب في الموت الأبدي للخاطئ، بل يرغب في الهداية والبقاء على قيد الحياة.

– إنه يدعوكم إليه، إنكم له، خلقكم من لا شيء. لقد أحبكم كما يحب الإله. إن ذراعَيه مفتوحتان لتقبِّلكم حتى لو كنتم قد أخطأتم في حقه. تعالَوا إليه يا أيها الخطاة المساكين، أيها الخطاة المساكين المذنبون المغرورون، الآن هو الوقت المناسب، الآن وقت التوبة.

ونهض القس، واستدار إلى المذبح ثم جثَا على عتبة الهيكل، وسط ما ساد من وجوم. وانتظر حتى جثا كلُّ مَن كان بالكنيسة، وسكتَت آخر ضجة فيها، ثم رفع رأسه وتلا نصَّ العهد، جملةً جملة في حمية. وردَّد الأولاد ما تلاه جملةً جملة، وأحنى ستيفن رأسَه وقد التصق لسانه بحلقه، وأخذ يصلِّي بمجامع فؤاده.

– يا إلهي!

– يا إلهي!

– إنني آسفٌ من قلبي.

– إنني آسفٌ من قلبي.

– لأنني قد أسأت إليك.

– لأنني قد أسأت إليك.

– وإنني أبغض خطاياي.

– وإنني أبغض خطاياي.

– فوق كل الشرور الأخرى.

– فوق كل الشرور الأخرى.

– لأنها تُغاضبك يا إلهي.

– لأنها تُغاضبك يا إلهي.

– أنت يا مَن تستحق.

– أنت يا مَن تستحق.

– كل حبي.

– كل حبي.

– وإنني أنوي مخلصًا.

– وإنني أنوي مخلصًا.

– بمعونتك المقدسة.

– بمعونتك المقدسة.

– ألَّا أُسيء إليك ثانيةً أبدًا.

– ألَّا أُسيء إليك ثانيةً أبدًا.

– وأن أصلح من حياتي …

– وأن أصلح من حياتي …

•••

وصَعِد إلى غرفته بعد العشاء حتى يخلوَ إلى روحه، وبدَت روحُه كما لو كانت تزفر مع كل خطوة، صَعِدت روحُه مع قدمه عند كل خطوة، تزفر في صعودها خلال منطقة لزجة من الجهامة.

وتوقَّف في الرواق الذي يقود إلى الباب، ثم أمسك بالمقبض القيشاني وفتح الباب بسرعة، وانتظر في خوفٍ وروحه تنحلُّ في داخله، يصلِّي في صمتٍ حتى لا يمسَّه الموت؛ إذ هو يطأ مدخل الغرفة، وحتى لا تسيطرَ عليه الشياطين التي تسكن الظلمات. ومع ذلك بقيَ عند المدخل كما لو كان مدخل كهف مظلم، كان ممتلئًا بوجوه وعيون كلها تنتظر وتراقب. وهتف به صوتٌ غامضٌ من الظلمة.

– بالطبع كنَّا نعلم تمامًا أنه بالرغم من اكتشافها، فسيجد صعوبةً كبيرة في محاولة إغراء نفسه لتحاول تأكيد السلطة الروحية؛ ولذلك كنَّا نعلم تمامًا.

وظهرَت له وجوهٌ تُهمهم وتُراقب، ملأت همهمات الأصوات سقف الكهف. وغمر الخوف بدنه وروحه، ولكنه خطا إلى داخل الغرفة بثباتٍ وقد رفع رأسه في شجاعة، مدخل الباب، والغرفة، نفس الغرفة، نفس النافذة، وقال لنفسه في هدوء إن هذه الكلمات التي بدأت ترتفع مهمهمةً في الظلمة لا معنى لها على الإطلاق. وقال لنفسه إن الغرفة غرفته ببابها المفتوح.

وأغلق الباب، وسار بخفة إلى الفراش، وجثا بجواره وغطَّى وجهه بيدَيه. وكانت يداه باردتَين رطبتين، وآلمَته برودةُ أطرافه. وأقضَّ مضجعَه التعبُ الجسماني والبرودة والإعياء، وأثار أفكاره. لماذا هو جاثٍ هناك كالطفل يتلو صلواته؟ لكي يخلوَ إلى روحه، ليتفحص ضميره، لكي يُواجه خطاياه وجهًا لوجه، لكي يستعيدَ أوقاتها ووسائلها وظروفها، لكي يبكيَ عليها. ولم يستطع البكاء، ولم يستطع أن يستعيدَها إلى ذاكرته. لم يشعر إلا بضنى الروح والجسد، وشعر بكيانه كله وذكرياته وإرادته وإدراكه وجسده مخدرًا تعبًا.

كان هذا من فعل الشيطان لكي يبدد أفضل أفكاره ويُثقل ضميره. يهاجمه على أبواب الجسد الجبان الذي أفسدَته الخطيئة، وزحف إلى فراشه وغطَّى نفسه بالملاءة جيدًا وغطَّى وجهه ثانيةً بيديه، وصلى إلى الله في وجلٍ لكي يغفر له ضعفه. لقد سقط في الخطيئة. لقد أخطأ حتى أُذُنيه في حق السماء وأمام الله، حتى إنه لا يستحق أن يُدعَى ابن الله.

هل من المتصور أنه هو ستيفن ديدالوس، هو الذي فعل هذه الأشياء؟ وزفر ضميره زفرة الجواب. أجل، لقد فعلها هو، خفية، في دنس، مرةً بعد مرةٍ، وأعماه عصيانه الخاطئ، وجَرُؤَ على ارتداء مسوح القداسة أمام الهيكل المقدس ذاته، بينما روحه في الداخل كتلة حية من الفساد. كيف لم يُرْدِه الله قتيلًا؟ وأحاطت به مجموعة خطاياه تزفر حوله، وتجثم فوق أنفاسه من كل الأنحاء. وحاول أن ينساها بالصلاة، وقد جذب أطراف جسمه على بعضها وأغلق جفنَيه، ولكن وسائل الحس في روحه ظلت مفتوحة، فرأى الأماكن التي أخطأ فيها رغم أن عينَيه كانتا مغلقتَين بشدة، وسمع خطاياه رغم أن أُذُنَيه كانتا مغلقتَين بإحكام. لقد رغب بكل ما لديه من إرادة ألَّا يرى وألَّا يسمع، واجتاحَته الرغبة حتى ارتجف تحت وطأة رغبته، وحتى أغلقت وسائل الحس في روحه منافذها. أُغلقت لحظة ثم فتحت أبوابها ثانيةً، ورأى …

حقلٌ من الطفيليات والعوسج وحزمات القريض المجزوزة. وبين جزز النباتات الجامدة الكريهة الرائحة ترقد عُلَب الشاي، والدماء المتخثرة ودوائر الروث الجامدة ملقاة هنا وهناك. ويجاهد نورٌ واهنٌ من بين كل هذه القاذورات من خلال الطفيليات الشوكية الخضراء. وانبعثت في خمول رائحةٌ نتنةٌ واهنةٌ كالنور من بين علب الشاي ومن الروث العفن الجامد.

وكانت هناك مخلوقات أخرى في الحقل. واحد، ثلاثة، ستة، مخلوقات تتحرك في الحقل هنا وهناك. مخلوقات ماعزية٣ ذات وجوه بشرية، ذات قرون وذقون خفيفة ورمادية في لون المطاط، يلتمع مكر الشر في عيونها الجامدة، وهي تتحرك هنا وهناك، وتجرُّ وراءها ذيولها الطويلة. وكان يضيء وجوهها النحيلة فتحة أفواهها ذات الغل القاسي. وكان واحدٌ منها يقبض على زنارٍ ممزقٍ من قماش الفانلة حول ضلوعه، وآخر يتشكى في رتابة وقد التصقَت لحيتُه بالطفيليات المجزوزة. وكانت الكلمات اللينة تصدر عن شِفاهها الخالية من اللعاب، وهي تحفُّ في دوائر بطيئة وتدور مقتربة أكثر فأكثر حتى لتُطبق، حتى لتُطبق، والكلمات اللينة تصدر عن شفاهها، وذيولها الطويلة الهفهافة ملطخة بالروث العفن، وتقذف بوجوهها المرعبة إلى أعلى …

النجدة!

وقذف عنه الملاءات في جنون ليحرر وجهه ورقبته. هذا هو جحيمه، لقد أراه الله الجحيم الذي ينتظره عقابًا له على خطاياه: جحيمٌ نتنٌ، بهيمي، خبيث، جحيمٌ من الشياطين الداعرة الماعزية. من أجله! من أجله.

وقفز من الفراش والعبير البخاري ينصبُّ في حلقه، ويُثقل على أمعائه ويُثيرها، هواء! هواء السماء! وتعثَّر في خطاه نحو النافذة، يئنُّ من الإعياء ويكاد يُغشى عليه، وعند الحوض تملَّكه تشنجٌ داخلي، وتقيَّأ كثيرًا في ألمٍ وهو يُمسك جبهته الباردة في عنف.

وحين استنفدت النوبة نفسها سار بضعفٍ نحو النافذة ورفع فروازها، وجلس في ركنٍ من الكوَّة وارتكز بمرفقه على مقدمة الشباك. كان المطر قد انقطع، وكانت المدينة تنسج حول نفسها غشاءً من الهالة الصفراء من بين الأبخرة المتحركة من منطقة نور إلى منطقةِ نورٍ أخرى. كانت السماء لمَّا تزل مضيئة في وهنٍ والهواء طيب الأنفاس، كهواء الدغل الذي أدركَته شآبيبُ المطر. وعاهد قلبه عهدًا وسط الهدوء والأنوار المتألقة والأريج الهادئ.

وصلَّى:

– «لقد انتوى مرةً أن ينزل إلى الأرض في مجده السماوي ولكننا أخطأنا، فلم يستطع أن يزورنا في أمانٍ إلا في جلالة متخفية وضياء مغطًّى لأنه هو الله؛ ولهذا جاء بنفسه في ضعفٍ وليس في قوة، وأرسلك وأنت مخلوق مكانه، في عذوبة بشرية وفي تألق يلائم حالتنا، والآن فإن وجهك وهيئتك يا أمي العزيزة يحدِّثنا عن «الأزل»، ليس كالجمال الأرضي الخطر رؤياه، ولكن كنجم الصباح الذي هو شعارك، لامع منغم، يتنسم الطهر، ويحكي عن السماء ويبعث السلام، آه يا بشير النهار، آه يا هداية الحاج! ارشدينا كما أرشدتنا دائمًا. اهدينا من الليل البهيم عبر البرية الكئيبة إلى سيدنا يسوع، اهدينا إلى مستقرنا».

وأظلمت الدموعُ عينَيه، ورفع بصره إلى السماء في خضوع وبكى طهره الذي خسره.

وغادر المنزل حين أقبل المساء، وأثارت أول لمسة للهواء المظلم الرطب وضجة الباب وهو يُغلق خلفه الألم في ضميره ثانية، وكانت الصلوات والدموع قد هدهدته. اعترف! اعترف! لا يكفي هدهدةُ الضمير بالدموع والصلاة. لا بد أن يجثوَ أمام تابع الروح القدس ويعترف بخطاياه الخبيثة في صدق وندم، ولا بد أن يكون قد جثَا واعترف قبل أن يسمع ثانيةً دورة الباب على المدخل حين ينفتح لاستقباله، وقبل أن يرى المائدة وقد أُعدت للعشاء في المطبخ مرةً أخرى.

وتوقَّفت آلام الضمير، وسار إلى الأمام في خفةٍ خلال الطرق المظلمة. كان هناك صواري أعلام عديدة في هذا الطريق، وطرق كثيرة في هذه المدينة، ومدنٌ كثيرة في العالم. ولكن الأبدية لا نهاية لها. لقد وقع في الخطيئة الكبرى، بل إن الخطيئة الواحدة خطيئة كبرى، يمكن أن تحدث في لحظة واحدة.

ولكن بأي سرعة؟ بالرؤية أو التفكير بالرؤية. ترى العينان الشيء دون أن تكونا قد رغبتا أولًا في أن ترياه، ثم يحدث ذلك في لحظة، ولكن هل يعقل هذا الجزء من الجسد أم ماذا؟ الحية، أكثر الحيوانات مكرًا. لا بد أن تعقلَ ما ترغب فيه في لحظة واحدة ثم تمدَّ في رغبتها لحظة وراء لحظة، في خطيئة، فهي تشعر وتعقل وترغب. يا لَه من شيء مرعب! مَن الذي جعله هكذا، جزءًا بهيميًّا من الجسد يعقل بطريقة بهيمية ويرغب بطريقة بهيمية! أيكون ساعتها هو أم شيئًا غير إنساني تُحرِّكه روح أدنى؟ وغمر السقم روحه حين جالت بخاطره حياة خدرة ملتوية، تُغذِّي نفسها على لباب حياته الرقيق، وتمنُّ على قاذورات الشهوة. آه، لماذا كان ذلك كذلك؟ لماذا؟

وانتفض في ظلال هذه الأفكار، محقِّرًا نفسَه في خوف الله الذي خلق كلَّ شيء، وخلق كل إنسان، جنون مَن يفكر في مثل هذا؟ وانتفض في الظلمة والقبح، وصلى في صمتٍ إلى ملاكه الحارس حتى يمتشقَ حسامَه، ويطرد به الشيطان الذي يوسوس إليه.

وانقطعَت الوسوسة، وأدرك بوضوح أن روحه قد أخطأت في الفكر وفي العمل عمدًا عن طريق جسده. اعترفْ! لا بد أن يعترف بكل خطيئة. كيف يمكن أن ينطق لسانه بما فعله إلى القس؟ لا بد لا بد، أو كيف يتأتى له أن يشرح ذلك دون أن يموت من الخجل؟ أو كيف فعل مثل هذه الأشياء دون خجل! رجل مجنون! اعترف! لا بد من ذلك حتى يعود حرًّا دون خطايا مرةً أخرى! ربما يُدرك القس ذلك! آه يا إلهي العزيز!

وسار إلى الأمام في طرقٍ ضعيفةِ الإضاءة، يخشى أن يتوقف لحظةً حتى لا يبدوَ محجمًا عما ينتظره، ويخشى أن يصل إلى ما يشتاق إليه. كم هي جميلة لا بد أن تكون تلك الروح الطاهرة حين ينظر الله إليها في حب!

كانت فتيات قذرات يجلسنَ على حافة الطريق خلف سلالهن، وقد تهدَّل شعرهن الرطب فوق حواجبهن. لم يكنَّ جميلات المنظر؛ إذ يربضن بين القاذورات، ولكن الله يرى أرواحهن، وإذا كانت أرواحهن طاهرة يكنَّ مشرقات المنظر، ويحبهن الله حين يراهنَّ، وهبَّت على روحه نسمةُ هواء مدمر كئيب، ما أقسى أن يفكر كيف سقط، وما أقسى أن يشعر هذه الأرواح أحب إلى الله من روحه، وهبَّ عليه النسيم، وتخطَّاه إلى آلاف الآلاف من الأرواح الأخرى التي تسطع عليها محبة الله، شديد حينًا وقليل حينًا آخر، وأنجم بارقة آنةً وآنة أخرى معتمة. تسبح وتهوي. وخطت الأرواح البارقة أيضًا، تستقيم وتهوي. وتنضوي في زفرة متحركة. روح واحدة ضائعة، روحٌ دقيقةٌ، روحه. اهتزت شعلتها مرةً ثم انطفأت، منسية، ضائعة. النهاية، يباب أسود بارد ماحٍ.

وعاد إليه إحساسه بالمكان منحسرًا في بطءٍ في رقعة طويلة من الزمن، مظلمًا غائبًا عن الشعور، غائبًا عن الحياة، واتخذ المنظرُ القذر شكلًا من حوله، اللهجات الشعبية، مصابيح الغاز المشتعلة في الحوانيت، رائحة السمك والخمر ونشارة الخشب المبتلة والرجال والنساء يروحون ويجيئون. وكانت امرأةٌ عجوزٌ توشك على عبور الطريق وصفيحة غاز في يدها. وانحنى وسألها إن كانت هناك كنيسة قريبة.

– كنيسة يا سيدي؟ أجل يا سيدي، كنيسة شارع «تشيرش».

– «تشيرش»؟

ونقلت الصفيحة إلى يدها الأخرى وأشارت له، وبينما كانت تبسط يدها المعروقة القذرة من تحت أهداب وشاحها، انحنى أكثر نحوها وقد أحزنه صوتها وهدَّأ من خاطره.

– شكرًا لك.

– عفوًا يا سيدي.

كانت شموع المذبح المرتفع قد انطفأت! غير أن عبير البخور كان لا يزال يفوح في أسفل البناية المعتم. كان بعض عمال ملتحين ذوي وجوه ورعة يُخرجون ظلةً من باب جانبي، والقندلفت يساعدهم بإشارات وكلمات هادئة، وكان قليلٌ من المؤمنين ما زالوا يصلون في مهلٍ أمام مذبحٍ جانبيٍّ، أو يجثون في الصفوف قريبًا من أماكن الاعتراف. واقترب في وجلٍ وجَثَا في آخر صفٍّ، حامدًا هدوء الكنيسة وسكونها وظلالها العبقة. وكان اللوح الذي جثَا عليه ضيقًا متآكلًا، وكان الجاثون بقربه من أتباع يسوع الرقيقي الحال. لقد وُلد يسوع فقيرًا كذلك وعمل في حانوت نجار يقطع عروق الخشب ويسويها، وأول ما تكلم عن مملكة الله كان للصيادين الفقراء، وقد علَّم بني الإنسان جميعًا أن يكونوا ودعاء بسيطي القلوب.

وأحنى رأسه فوق يديه، داعيًا قلبه أن يكون وديعًا بسيطًا حتى يصبح مثل الجاثين حوله، ولكي تتقبل صلاته كما تتقبل صلاتهم، ورغم أنه يصلي بجوارهم إلا أن ذلك كان صعبًا. كانت الخطيئة تملأ روحه قذارة، ولم يجرؤ على طلب الغفران في ثقةٍ بمثل ما يفعل هؤلاء الذين دعاهم يسوع إلى جانبه أول ما دعا بوسائل الله الخفية، النجارين والصيادين والفقراء البسطاء الذين يعملون في مهنٍ وضيعةٍ كقطع الخشب وتشكيل أخشاب الأشجار وإصلاح شباك الصيد في صبر.

ومرَّ شخصٌ طويلٌ من أمام الجانب الأقصى من الكنيسة، وسرَت حركةٌ بين التائبين. ونظر أمامه بسرعةٍ في آخر لحظة ولمح لحيةً طويلةً شهباءَ ورداء الكابوتشين٤ البُنيَّ اللون، ودخل القس القبو واختفى فيه. ونهض تائبان ودخلا مكان الاعتراف من كلا الجانبَين، وانزاح الحاجز الخشبي، وأزعجت السكون همهمة خافتة. وبدأ دمه يُهمهم في عروقه، همهمةً مدنيةً خاطئة دعيت من سباتها لتسمع الحكم بموتها. وسقطَت نتفٌ صغيرة من اللهب، وسقط رمادٌ مسحوقٌ في رقة، سقط على مساكن البشر. وتحركوا، واستفاقوا من سُباتهم وقد أزعجهم الهواء الساخن.

وأُغلق الحاجز ثانيةً، وخرج التائب من جانب القبو، وجُذب الحاجز الآخر، ودخلت امرأةٌ في هدوء وخفة إلى حيث كان يجثو التائب الأول، وارتفعت الهمهمة الخافتة مرةً أخرى.

ما زال بإمكانه مغادرة الكنيسة. باستطاعته أن ينهض ويضع قدمًا أمام الأخرى، ويخرج في هدوء ثم يجري، ويجري ويجري مسرعًا خلال الطرقات المظلمة. ما زال بإمكانه أن يهرب من العار. لو أنها كانت أي جريمة مخيفة أخرى غير هذه الخطيئة بعينها! لو أنها كانت القتل! وسقطت نتفٌ صغيرةٌ ملتهبة وأحرقته في جميع الأنحاء، وأفكار مخجلة، وأفعال مخجلة. وغطَّاه العارُ كلُّه مثل الرماد الناعم المتوهج الذي يتساقط باستمرار. أيصوغ كل هذا في كلمات! لسوف تتوقف روحه عن الوجود مختنقة عاجزة.

وأُغلق الحاجز ثانيةً، وخرج تائبٌ من جانب القبو القصي، وفُتح الحاجز القريب، ودخل تائب مكان التائب الآخر الذي خرج لتوه، وطافت ضجةٌ هامسة رقيقة في غيمات متبخرة إلى خارج القبو، كانت هي المرأة: غيمات متبخرة رقيقة، بخار هامس رقيق، يهمس ويختفي.

ودقَّ صدرُه بقبضةِ يدِه في وداعة وخفية. سوف يكون في وفاقٍ مع الآخرين، ومع الله في ستار المتكأ الخشبي. سوف يحب جاره، وسوف يحب الله الذي خلقه والذي يحبه. سوف يجثو ويصلِّي مع الآخرين ويكون سعيدًا. وسوف ينظر الله إليه وإليهم ويحبهم أجمعين. من السهل أن يكون طيبًا، إن نير الله عذبٌ وخفيف. من الأفضل ألَّا يكون المرء قد أذنب على الإطلاق، أن يكون المرء طفلًا على الدوام، فإن الله يحب الأطفال الصغار ويجعلهم يأتون إليه. الخطيئة شيءٌ مرعب محزن، ولكن الله رحيم بالخطاة المساكين الذين يتوبون توبةً صدوقًا، ما أصدق ذلك! هذه هي الطيبة حقًّا.

وأُغلق الحاجز فجأة، وخرج التائب، وحل عليه الدور، ونهض في رعب وسار تلقائيًّا إلى القبو.

لقد حانت اللحظة أخيرًا، وجثَا في الظلمة الداكنة، ورفع عينَيه إلى مشهد الصلب المعلَّق فوقه، يستطيع الله أن يرى أنه قد تاب. سوف يحكي كل خطاياه. سيكون اعترافه طويلًا طويلًا، وسيعرف كلُّ من في الكنيسة أي خاطئ كان، فليعرفوا. هذا صحيح، ولكن الله وعد أن يغفر له إن هو تاب. وهو قد تاب، وعقد يدَيه ورفعهما نحو المشهد الأبيض، يصلي بعينَيه المظلمتين، يصلي بكل جسده المرتعد، يهزُّ رأسه جيئةً وذهابًا مثل المخلوق الضائع، يصلِّي بشفاه المتقطعة الصوت:

– آسف! آسف! آسف.

وارتفع الحاجز الخشبي، وتقلَّص قلبُه داخل صدره. وظهر وجهُ قسٍّ عجوز عند الكوة، شائحًا عنه، مرتكزًا على إحدى ذراعيه، ورسم علامة الصليب وطلب من القس أن يباركَه لأنه قد أخطأ.

ثم تلا «الاعتراف» في خوف وقد أحنى رأسه، وتوقف عند عبارة «خطيئتي الشديدة النكران» لاهث الأنفاس.

– متى كان آخر اعتراف لك يا ولدي؟

– منذ فترة طويلة يا أبي.

– منذ شهر يا ولدي؟

– أكثر يا أبي.

– ثلاثة شهور يا ولدي؟

– أكثر يا أبي.

– ستة شهور؟

– ثمانية شهور يا أبي.

لقد بدأ، وسأله القس:

– وماذا تذكر منذ هذه الفترة؟

وبدأ يعترف بخطاياه: القداسات التي أهملها، والصلوات التي لم يؤدِّها، والأكاذيب.

– شيءٌ آخر يا ولدي؟

خطايا الغضب وحسد الآخرين، والشَّرَه، والغرور، والعصيان.

– شيءٌ آخر يا ولدي؟

لا مفرَّ، وتمتم: لقد ارتكبت خطيئة الإثم يا أبي.

ولم يُدر القس رأسه.

– وحدك يا ولدي؟

– و… مع الآخرين.

– مع النساء يا ولدي؟

– أجل يا أبي.

– هل كنَّ متزوجات يا ولدي.

لم يكن يعرف، وتدفقت خطاياه من فمه واحدةً وراء الأخرى، تدفقت في نقاط دنسة من روحه، منبثقة تنز مثل القرح، تيار خطيئة دنس، ونزَت آخر الخطايا في قذارة ودنس، ولم يَعُد هناك ما يقال من خطايا، ونكس رأسه، مغلوبًا على أمره.

وكان القس صامتًا، ثم سأل:

– كم عمرك يا ولدي؟

– ستة عشر عامًا يا أبي.

ومرَّر القس يدَه عدة مرات على وجهه، ثم ارتكز بجبينه على يده، ومال نحو الكوَّة وتحدث في بطءٍ، ولمَّا تزَل عيناه مخفوضتَين، وكان صوته واهنًا هرمًا.

قال: إنك صغيرٌ جدًّا يا ولدي. إني أتضرع إليك أن تترك هذه الخطيئة. إنها خطيئةٌ مرعبة، فهي تقتل الجسد وتقتل الروح، وهي سببُ كثيرٍ من الجرائم والمصائب. اتركها يا ولدي بحق الرب، إنها هادرةٌ للكرامة والرجولة، لا تستطيع التكهن بما ستقودك إليه هذه العادة أو متى ستنقلب ضدك. وطالما ترتكب هذه الخطيئة يا ولدي المسكين، فلن تساوي ذرة واحدة في عين الله. صلِّ إلى أمنا ماري لمساعدتك. ولسوف تساعدك يا ولدي. صلِّ إلى ماري المباركة حين تخطر هذه الخطيئة على بالك، إني واثقٌ أنك ستفعل هذا، أليس كذلك؟ إنك نادمٌ على كل هذه الخطايا. إنني واثقٌ من ذلك، وسوف تَعِد الله الآن أنك لن تُسيء إليه بعد ذلك بهذه الخطيئة، بمساعدة نوره المقدس. سوف تَعِد هذا الوعد المقدس لله، أليس كذلك؟

– أجل يا أبي.

ونزل الصوتُ الهَرِم الواهن بردًا وسلامًا على قلبه المرتجف المتيبس. يا لَه من صوت عذب حزين!

– افعل ذلك يا ولدي المسكين، لقد أضلك الشيطان. ادفع به ثانيةً إلى الجحيم حين يُغريك بإهدار كرامة جسدك بهذه الطريقة، إنه الروح الكريه الذي يُبغض إلهنا. فلتعد الله الآن أنك ستترك هذه الخطيئة، هذه الخطيئة البائسة، البائسة.

وأحنى رأسه وقد أعمَته دموعُه ونور عطف الله، وسمع كلمات الإبراء الرصينة تُتلى، ورأى يد القس ترتفع فوقه علامة على الغفران.

– باركك الله يا ولدي، صلِّ من أجلي.

وجثَا ليتلوَ صلاةَ التوبة في ركن من الكنيسة مظلم. وصَعِدت صلواته إلى السماء من قلبه المصفَّى كالعطر الذي يفوح عاليًا من قلب وردة بيضاء.

وكانت الطرق الموحلة بهيجة. سار بخطوات واسعة إلى البيت، يشعر بطلاوة داخلية تتخلل أطرافه وتُزيل ثقلها. لقد فعلها رغم كل شيء. لقد اعترف وغفر له الله. لقد عادت روحه جميلةً مقدسةً مرةً أخرى، مقدسة وسعيدة.

جميلٌ أن يموت المرء الآن إذا أراد الله ذلك. جميلٌ أن يحيا المرء بطلاوةٍ حياةً هادئة فاضلة متزنة مع الآخرين.

وجلس بالقرب من النار في المطبخ، لا يجرؤ من فرط سعادته على الكلام، لم يعرف حتى هذه اللحظة كم من الممكن أن تكون الحياة جميلةً وهادئة، وعكست الورقة الخضراء المثبتة حول المصباح ظلًّا رقيقًا. كان هناك طبقٌ من السجق والبوذنج الأبيض على المطبقية، وبيض على الرف، معدٌّ لإفطار الصباح بعد تناول القربان المقدس في كنيسة المدرسة. بوذنج أبيض وبيض وسجق وأقداح الشاي. كم الحياة جميلة وبسيطة على كل حال! وأمامه تمتد الدنيا.

ونام في حلم، ونهض في حلم، ورأى الصباح وقد أقبل. وفي حلمٍ يقظٍ ذهب إلى مدرسته في الصباح الهادئ.

وكان الأولاد كلهم هناك، يجثون في أماكنهم، وجثَا بينهم سعيدًا خجلًا، وغطت المذبح أكوامٌ من الزهور البيضاء الفوَّاحة، وبدَت شعلات الشموع الشاحبة في ضوء النهار وبين الزهور البيضاء نقية ساكنة مثل روحه.

وجثَا أمام المذبح مع زملائه وقد أمسكوا بقماش المذبح فوق صف حي من الأيدي. كانت يداه ترتجفان، وارتجفت روحُه وهو يسمع القس يمر بقدح القربان من متناول إلى متناول آخر.

– جسد ربنا.

هل هذا ممكن؟ إنه يجثو هناك وجلًا دون خطايا، وسيستقبل لسانه القربان المقدس وسيدخل الله إلى جسده المتطهر.

– في حياة أبدية، آمين.

حياة أخرى! حياة طهارة وفضيلة وسعادة! هذا صحيح. لم يكن هذا حلمًا يمكن أن يستيقظ منه، ما مضى قد مضى.

– جسد ربنا.

لقد وصل كأس القربان إليه.

١  كأنما كانت أشجار الشربين تُزهر في لبنان، وكأنما الأرز يزدهر في جبل صهيون. كأنما أشجار التمر تُزهر في «قادس» والنباتات المزهرة في «أريحا»، وكأنما أشجار الزيتون تملأ المروج من أفضل أنواعها، وكأنما كانت أشجار الصفار تزدهر بجانب المياه في الطرقات، كأنما كانت أشجار «القِرفة» والبلسم المعطرين تفوح بالعبير، وكأنما كانت أشجار المر المختارة تُطلق عبيرها الخافت. سفر الجامعة، الفصل ٢٤، الآيات ١٧–٢٠.
٢  الخلوة: انسحاب مؤقت لأداء بعض الطقوس والتدريبات الدينية.
٣  كناية عن الدعر والفسق.
٤  رداء القسس الفرنسيسكان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤