الفصل الرابع

كان يوم الأحد مخصصًا لأسرار الثالوث المقدس الرباني، والإثنين للروح القدس، والثلاثاء للملائكة الحارسين، والأربعاء للقديس يوسف، والخميس لقداس المذبح المبارك، والجمعة لآلام يسوع، والسبت للعذراء المباركة مريم.

وكان يبارك نفسه كلَّ صباح من جديد أمام صورة مقدسة أو سرٍّ من الأسرار الدينية المقدسة. ويبدأ يومه بأن يخصص في شهامة كلَّ دقيقة من تفكيره وعمله لأغراض الحبر الأعظم، بالإضافة إلى قُداس مبكر. وأنعش هواء الصباح الندي من عزمه على التقوى. وإذ كان يجثو مع قلة من المصلين عند المذبح الجانبي، يتابع همهمة القس في كتاب صلواته المحتوي على الشريط القطيفة، رفع بصره لحظةً ناحية الشكل المغطَّى الذي وضعوه في الغبشة التي تقع بين الشمعتين. وكانا العهد القديم والعهد الجديد. وتخيَّل أنه يجثو في قُداس يُقام بين المقابر.

وكرَّس حياته اليومية لمظاهر العبادة. كان يحاول عن طريق ابتهالاته وصلواته تعويضَ قرونٍ من الأيام والأربعينيات والسنين للأرواح المحتجزة في المطهر، غير أن شعوره بالانتصار الروحي لإنجاز مثل هذه الكثرة الخرافية من العقوبات الشرعية بسهولة، لم يكن ثوابًا كاملًا لحماسة صلواته، إذ إنه لم يكن ليعرف كم من العقاب المؤقت، قد أزالَته صلواتُ الراحة التي أداها للأرواح المعذبة. وخاف ألَّا يكون لدعواه إلا أثر نقطة الماء وسط نيران المطهر، التي لا تختلف عن نيران الجحيم إلا في عدم أبديتها، فدفع روحه كل يوم نحو مزيد من أعمال البذل والعطاء.

ودار كلُّ قسمٍ من أقسام يومه الذي تحكم فيه ما كان يعتبره الآن واجبات مكانه في الحياة، حول مركز من الطاقة الروحية. وبدَت حياته كما لو أنها تنسحب إلى جوار الأبدية، كل فكرة وكل كلمة وكل عمل وكل لحظة من لحظات الوعي، تهتزُّ لها السماء في نور. وأحيانًا يكون إحساسه بمثل هذا الترجيع الفوري عظيمًا لدرجة يبدو معها أنه يحس بروحه تضغط كالأصابع في تقوى على مفاتيح آلة تسجيل المشتريات، ويرى حساب مشترياته يرتفع في السماء، ليس على هيئة أعداد بل على شكل عمود واهن من البخور أو على شكل زهرة رقيقة.

وأحالَت التسابيح التي كان يتلوها دائمًا (كان يحمل حبَّات المسبحة فارطة في جيوب سرواله، حتى يتلوَ تسابيحه حين يسير في الطرقات)، أحالَت نفسها إلى أكاليل من الزهور لها نسيجٌ غامض غير دنيوي، حتى إنها بدَت له خالية اللون خالية العبير كما هي خالية الاسم. وخصص واحدًا من أكاليله اليومية الثلاثة لأجل أنْ تقوَى روحُه في كلٍّ من الفضائل اللاهوتية الثلاث: الإيمان في الآب الذي خلقه، والأمل في الابن الذي شفع له، وحب الروح القدس الذي طهره. وكان يقدم هذه الصلاة المضاعفة ثلاثًا إلى الأشخاص الثلاثة عن طريق مريم باسم أسرارها البهيجة الأليمة والمجيدة.

وكان يصلي بالإضافة إلى ذلك في كل يومٍ من أيام الأسبوع السبعة؛ لأجل أن تهبط على روحه واحدةٌ من هبات الروح القدس السبع، وتطرد منها يومًا بعد يوم الخطايا السبع المميتات التي دنَّسَتها في الماضي. وصلى لكل هبة في اليوم المخصص لها، واثقًا أنها ستهبط عليه، رغم أنه بدا له أحيانًا من الغريب أن تكون الحكمة والإدراك والمعرفة متميزة هذا التمييز في طبيعتها الواحدة منها عن الأخرى، لدرجة أن تقدم الصلوات لكل منها على حدة. ومع ذلك فقد آمن أن هذه الصعوبة ستزول في مرحلة مقبلة من مراحل تقدُّمه الروحي، حين تنهض روحه الخاطئة من ضعفها، وقد استنارَت من الشخصية الثالثة في الثالوث المقدس. وازداد إيمانًا بذلك، في اضطراب مرتعد، بسبب الجهامة والصمت المقدسَين اللذَين يحيَا فيهما الروح القدس الخفي، ويُرمز له باليمامة والريح العظيم، والذي إنْ أخطأ أحدٌ في حقه فقد أخطأ خطأً لا غفران له، الوجود الخفي الملغز الأبدي الذي يخصص القسس له — كما يخصصون إلى الله — قداسًا مرةً كل عام، وهم يرتدون الأردية القرمزية التي تُشابه ألسنة اللهيب.

كانت الكتب الدينية التي يقرؤها تُصوِّر في غموض طبيعةَ وقرابة الشخوص الثلاثة في الثالوث المقدس، الأب يتأمل كماله المقدس من أبد الآبدين كما في المرآة، ويُنجب هذا في أبدية الابن الأبدي، والروح القدس يخرج من الأب والابن من أبد الآبدين. وكان أسهل على عقله أن يقبل هذا رغم تعذُّر إدراكه المجيد عن أن يقبل الحقيقة البسيطة التي تقول بأن الله قد أحب روحه منذ الأزل، من عصور سابقة لمولده إلى هذه الدنيا، من عصور سابقة لوجود العالم نفسه.

وقد استمع لأسماء عواطف الحب والكره ينطق بها القسيس من على المحراب والممثلون من على المسرح، ووجدها مكتوبة في رصانةٍ في الكتب. وتساءل لماذا لا تستطيع روحه أن تُكِنَّ مثل هذه العواطف لأي مدة من الزمن، أو تُرغم شفتَيه بأن تنطقَا أسماءَها عن اقتناع. وغالبًا ما يتملكه غضبٌ قصير ولكنه لم يمكنه أبدًا أن يجعل منه عاطفة مقيمة، وكان دائمًا يشعر بنفسه يمر خارج هذه العاطفة، كأن جسده يتخلص في سهولة من جلد أو من قشرة خارجية. وكان قد شعر بوجودٍ خفيٍّ دقيقٍ فوار يتخلل كيانَه ويُشعله بشهوة قصيرة جائرة. وقد عبرت تلك الشهوة أيضًا بعيدًا عن متناوله، وتركَت ذهنه هادئًا لا مباليًا. ويبدو أن هذا كان الحب الوحيد والكره الوحيد الذي تستطيع روحه الإحساس به.

ولكنه لم يستطع بعد ذلك إنكار حقيقة الحب، ما دام الله نفسه قد أحب روحه المفردة حبًّا إلهيًّا منذ الأزل. وإذ كانت روحه تثري بالمعرفة الروحية، رأى بالتدريج العالمَ كلَّه يُشكِّل تعبيرًا واحدًا رحبًا متسقًا لقوة الله وحبه. وأصبحت الحياة هبةً مقدسة، يجب على روحه أن تمدحَ واهبَها عليها وتشكره على كلِّ لحظةٍ وكل شعورٍ فيها، ولو كان مجرد رؤية ورقة واحدة من الشجر معلقة على غصنها. ولم تَعُد الدنيا بكل مادتها الصلدة وتشابكها أمام روحه إلا نظرية للقوة والحب والشمول الإلهي. كانت روحه قد وُهبت هذا الإحساس بالمعنى الإلهي في الطبيعة بطريقة كلية أكيدة؛ حتى إنه لم يكَد يتفهم لماذا يتعين عليه بأي حال أن يبقى على قيد الحياة، وعلى كل حال كان هذا جزءًا من القصد الإلهي، ولم يجرؤ على مناقشة فائدته أكثر من أي شخص آخر، وهو الذي أخطأ إلى أبعد أغوار الخطأ، وارتكب أبشع الخطايا ضد القصد الإلهي. وحملت روحُه مرةً أخرى أعباءَ التقوى والطقوس والصلوات والمقدسات والزهد، وقد أحالها ذلك الشعور بالحقيقة الواحدة الأزلية المقيتة الكاملة وديعة مَهينة. وعند ذلك، ولأول مرة منذ عكف على سرِّ الحب الأعظم تشعر في داخله حركةً دافئة، كحركة حياة أو فضيلة حديثة الميلاد للروح نفسها. وأصبحت الأيدي المرفوعة المفتوحة، والشفاه والأعين المفتوحة، كأنما صاحبها على وشك الإغماء، وكلها اتجاهات السكينة في الفن المقدس، أصبحت بالنسبة له صورةً للروح في صلاتها ذليلة غاشية أمام خالقها.

ولكن كان قد حُذر سلفًا من أخطار الإعلاء الروحي، ولم يسمح لنفسه بالارتداد حتى عن أقل مظاهر الورع أو أتفهها شأنًا. وكان يجاهد كذلك عن طريق الزهد الدائم لإزالة ماضيه الخاطئ عنه لإحراز طهارة تتهددها المخاطر. وأخضع كل وسيلة من وسائل الحس لديه لنظام صارم، وحتى يقمع إحساس البصر اتخذ قاعدةً له أن يسير في الطريق مسبل العينين، لا يكاد يلتفت يمنةً أو يسرة ولا يلتفت خلفه أبدًا، وتجنَّبَت عيناه أن تلتقيا بأعين النساء. وكان من وقت إلى آخر يحبط عملهما بجهد مفاجئ من إرادته، كأن يرفعهما فجأة في منتصف جملة لم تكمل ويغلق الكتاب. وحتى يقمع سمعه لم يمارس أيَّ سيطرة على صوته الذي كان يضمحل آنذاك، فلم يغنِّ أو يصفر ولم يبذل أيَّ محاولة للفرار من الضجيج الذي يسبِّب له ضيقًا عصبيًّا مثل سماع شحذ السكين على المِسَن، أو جمع الرماد من على رف المائدة أو نفض الأتربة على البساط. أما قمع حاسة الشم عنده فكان أكثر صعوبة، حيث لم يجد في نفسه نفورًا فطريًّا من الروائح الكريهة، سواء كانت رائحة العالم الخارجي مثل الروث أو الزفت، أو روائح جسده هو التي عقد بينها كثيرًا من المقارنات والتجارب الغريبة. ووجد أخيرًا أن الرائحة الوحيدة التي ينفر منها إحساسُه رائحة سمكية معينة كدرة نتنة تُشبه البول الراكد، فعمل على أن يتعرض لهذه الرائحة الكريهة كلما أمكن ذلك. وأخذ يمارس عادات صارمة عند الطعام حتى يقمع حس الذوق عنده، وحافظَ بدقةٍ على أيام الصوم التي تمليها الكنيسة، واعتاد عن طريق الشرود أن يُحوِّل ذهنه عن تذوق نكهات الأطعمة المختلفة، غير أن قمع حاسة اللمس كان هو الميدان الذي حقق فيه أعظم الابتكارات جهدًا وبراعةً، فكان يتعمد ألَّا يغيِّر من وضعه الواحد أثناء النوم، ويجلس في أشد الأوضاع إزعاجًا، ويتحمل في صبرٍ كلَّ حكة وألم في جسده، ويبتعد عن كل وسائل التدفئة، ويبقى جاثيًا على ركبتَيه طوال فترة القداس، ما عدا في قُدَّاس البشارة، ويترك جانبًا من عنقه ووجهه مبللًا بالماء حتى يخزَّه الهواء بعد ذلك، كما كان يُلصق ذراعَيه إلى جنبَيه في جمودٍ كالعدَّائين، ولا يضعهما في جيوبه أو يضمهما خلف ظهره، وذلك حين لا يكون مشغولًا بالتسبيح.

ولم يَعُد يشعر بإغراء الخطيئة الكبرى. وقد أدهشه رغم ذلك أن يجدَ نفسه بعد نجاح منهاجه في التقوى المعقدة، وكبْح جماح النفس، تحت رحمة نقائص صبيانية تافهة تتملَّكه في سهولةٍ تامةٍ، ولم تكن صلواتُه وصيامه تُجديه شيئًا في قمع غضبه، حين يسمع أمَّه تتمخط أو حين يُزعجه أحدٌ إبان تعبُّدِه. وقد احتاج الأمر إلى جهدٍ هائل من إرادته حتى يتحكم في الدافع الذي يحثُّه على التنفيس عن مثل هذا الضيق والغضب. وخطرت على ذهنه صورُ انفجارات الغضب التافه، التي طالما لاحظها بين مدرِّسيه، حين كانت أفواههم تلتوي وشفاههم تنطبق ووجناتهم تتورَّد، مما كان يفتُّ في عضده حين يُقارن نفسه بهم برغم كل مجهوداته لترويض النفس. كانت محاولة توحيد حياته مع المد العام لحياة الآخرين أصعب لديه من كل صومٍ أو صلاة، وكان فشله في أداء ذلك على الوجه الذي يرتضيه يسبِّب له إحساسًا بالجفاف الروحي في نفسه، ونمَّى في الوقت ذاته الشكوك والهواجس فيها. وعبرت روحه فترة من الإفقار بدَت له فيها المقدسات نفسها، وقد تحوَّلت إلى وسائل عقيمة. وأصبحت اعترافاته وسيلةً للفرار من نقائص الهواجس والنقائص الأخرى التي لم يَتُب منها، ولم يَعُد عليه التناول المقدس بنفس لحظات إعطاء الذات العذري الذائبة التي تُضفيها عليه التناولات الروحية التي يؤديها أحيانًا عند نهاية زيارته لسر الأسرار. وكان الكتاب الذي يستعمله في مثل هذه الزيارات كتابًا قديمًا مهملًا، كتبه القديس «ألفونسوس ليجوري»، قد غاضت حروفه وجفَّت أوراقه واصفرَّ لونها. وكانت قراءة صفحاته التي تختلط فيها صورة الترانيم بصلوات المتناول، تبدو وكأنها تبعث أمام روحه عالمًا ذابلًا من الحب المتَّقد والتجاوب العذري. وكان صوتٌ خافتٌ يبدو ملاطفًا الروح، حاكيًا لها أسماءً وأمجادًا، داعيًا إياها للنهوض والخروج كما لو إلى حفل زفافها، داعيًا إياها أن تظلَّ كالعروس من على «أمانا» ومن على جبال الفهود، وبدَت الروح كما لو تجيب في نفس الصوت الخافت وقد أسلمَت نفسها inter ubera mea commorabitum.١

وكانت فكرةُ الاستسلام هذه تمثِّل إغراء خطر لذهنه الآن؛ إذ يشعر بروحه تُزعجها مرةً أخرى أصواتُ الجسد الملحَّة، التي بدأت تهمهم له مرة أخرى خلال صلواته وتأملاته. ومنحه إدراكه بأنه يستطيع بعمل واحدٍ منه في لحظة تفكير واحدة أن يهدم كلَّ ما بناه، شعورًا فياضًا بالقوة. وبدا كما أنه يشعر بفيضان يتقدم في بطءٍ نحو قدمَيه العاريتَين، وهو ينتظر أول موجة غاشية وجلة ساكنة لتلمس جلده الموار. وحينئذٍ وعند اللحظة التي تكاد تلمسه هذه الموجة، وعلى شفا الاستسلام الخاطئ، يجد نفسه يقف بعيدًا عن الفيضان على صخرة جافة، وقد أنقذَته لفتةٌ من إرادته أو ابتهال مفاجئ. وحين يرى خطَّ الفيضان الفضي يمتد ثانيةً في بطء ناحية قدميه، تهزُّ روحَه إثارةٌ جديدة بالقوة والرضا، حين يرى أنه يستسلم أو يهدم ما بناه.

وحين اجتاز فيضان الإغراء مرات عديدة بهذه الطريقة، انزعج وأخذ يتساءل عمَّا إذا كان الصلاح الذي رفض أن يخسرَه لا يُستلُّ منه شيئًا فشيئًا على هذا المنوال. وأظلم وضوح يقين حصانته، وتَبِع ذلك الإظلام خوفٌ غامض بأن روحه قد سقطت دون أن يشعر. واستعاد ثانيةً بصعوبة كبيرة وعيَه القديم بحالة صلاحه؛ وذلك بأن قال لنفسه إنه قد صلَّى لله عند كل إغراء وإن الصلاح الذي صلى من أجله لا بد أن يُمنح له، بما أن الله مضطر إلى إعطائه إياه. وأظهر له تردد الإغراء وعنفه الأخير حقيقةَ ما سمعه عن اختبار القديسين. كانت الإغراءات المتكررة العنيفة برهانًا على أن قلعة الروح لم تسقط، وأن الشيطان ينتابه الهيجان حتى يُسقطها.

وحين كان يعترف بشكوكه وهواجسه، كلحظة شرود عند الصلاة أو حركة غضب يسيرة في روحه أو عناد في القول أو العمل، كان القسيس يدعوه إلى ذكرِ إحدى خطاياه التي ارتكبها في ماضي حياته قبل أن يمنحه الإبراء. وكان يذكرها في إذلال وخجل، ويتوب عنها مرةً أخرى. وكان تفكيره بأنه لن يتحرر منها كليةً مهما عاش وابتهل، ومهما اكتسب من فضائل وكمال يملؤه بالذل والخجل. وكان إحساس قلق بالذنب حاضرًا معه دائمًا، فعليه أن يعترف ويتوب مرةً أخرى ثم يبرأ مرة أخرى، دون نتيجة. ألَا يكون الاعتراف الأول المتعجل الذي انتُزع منه تحت ضغط الخوف من الجحيم غيرَ كافٍ؟ هل أعماه اهتمامُه بهلاكه الوشيك حتى إنه لم يكن مخلصًا في توبته عن خطاياه؟ ولكنه كان يعرف أن العلامة الأكيدة على صلاح اعترافه وعلى إخلاصه في توبته عن خطاياه، هي التحسن الذي طرأ على حياته، وسأل نفسه: لقد تحسَّنَت حياتي، أليس كذلك؟

•••

وقف المدير القس في كُوَّة النافذة وقد أعطى ظهرَه للنيران، وارتكز بساعده على الستارة اللولبية البُنيَّة. وبينما كان يبتسم ويعقد حبل الستارة الأخرى، ويهزه يمنةً ويسرة، كان ستيفن يقف أمامه يتابع بعينَيه ضوءَ النهار الصيفي الطويل، إذ يهن على الأسطح أو يرقُب حركات الأصابع القسسية الماهرة البطيئة. كان وجهُ القسِّ كلُّه يغطِّيه الظل، غير أن ضوء النهار الواهن كان يتسلَّل من الخلف، ويمس أصداغ رأسه ذات التشققات والانثناءات العميقة. وأنصتَ ستيفن كذلك بأُذُنَيه إلى لهجات صوت القس وفواصله، حين كان يتحدث في وقارٍ وودٍّ في موضوعات متفرقة، عن العطلة التي انتهَت لتوِّها، ومدارس الطائفة في الخارج، وتنقلات المدرسين. واستمر الصوت الوقور الودي يواصل قصتَه في سهولة. وكان ستيفن يجد نفسه في فترات الصمت مدعوًّا إلى تجديد الحديث بأسئلة يُلقيها في احترام. كان يدري أن القصة ما هي إلا مقدمة، وانتظر عقله ما وراءها. ومنذ وصلَته الرسالة التي تدعوه إلى المدير، وعقله يجاهد في سبيل معرفة معناها. وفي الفترة الطويلة القلقة التي جلس فيها في بهوِ المدرسة ينتظر دخول المدير، كانت عيناه تتجولان من صورة وقورة إلى صورة وقورة أخرى حول الجدران، وعقله ينتقل من حدس إلى حدس آخر، حتى اتضحت له معنى هذه الدعوة أو كادت. وحينئذٍ وبينما كان يتمنى أن يعوق أي شيء خفي المدير عن الحضور، سمع دورةَ مقبض الباب وهفهفة الثوب الكهنوتي.

وكان المدير قد شرع في الحديث عن طائفتَي «الدومينيكان» و«الفرنسيسكان»، والصداقة بين القديس «توماس» والقديس «بونافنتير». وكان يقول إنه يعتقد أن الرداء الكهنوتي «الكابوتشيني» …

وردَّ وجهُ ستيفن ابتسامةَ القَس العطوفة، ورسم علامةً مبهمة خفية على شفتَيه؛ إذ لم يكن متلهفًا على التعبير عن رأيه.

وواصل المدير حديثه: أعتقد أن هناك الآن بعض الآراء بين «الكابوتشين» ذاتهم، تُنادي بإلغاء هذا الرداء واتباع مثال الآخرين من «الفرنسيسكان».

فقال ستيفن: أعتقد أنهم سيحتفظون به داخل الأديرة.

فقال المدير: آه طبعًا، فهو ملائمٌ للدير، ولكن أعتقد أنه يستحسن إلغاؤه بالنسبة للطرقات، ألَا ترى ذلك؟

– أعتقد أنه مزعج.

– بالطبع هو كذلك بالطبع. تصوَّر أنني حين كنت في بلجيكا كنت أراهم يتجولون في كل الأجواء بهذا الرداء الذي يرتفع فوق رُكَبهم، ما أشد ما كان ذلك مضحكًا! يُسمونهم في بلجيكا ﺑ «الفساتين».

– ماذا يسمونهم؟

– الفساتين.

– آه!

وابتسم ستيفن مرةً أخرى ردًّا على ابتسامة لم يكن يستطيع رؤيتها على وجهِ القسِّ المغطَّى بالظلال، ولا تمرُّ سوى صورته أو طَيفه بسرعة عبر ذهنه، حين تسقط اللهجة الخفيضة الدمثة في أُذُنَيه. وحملق في هدوء أمامه، إلى السماء الواهنة، وقد أسعدَته برودةُ المساء والوهج الأصفر الواهي، الذي يُخفي مسحة التوهج الذي يتَّقد على وجنتَيه.

كان ذكْرُ أسماء الأدوات والملابس التي تستعملها النساء أو المواد الرقيقة التي يستخدمنها في الماكياج، يبعث في ذهنه دائمًا عطرًا رقيقًا خاطئًا. وكان يتصور في طفولته أعنة الجياد أثناء جَرْيها خيوطًا حريريةً رقيقة، وصُدم حين لمس في «ستراد بروك» جلد أعنة الجياد الدهنية. وصُدم أيضًا حين لمس لأول مرة تحت أصابعه المرتجفة نسيج الجورب النسائي الهش، فهو لم يحتفظ في نفسه مما قرأه إلا بما يبدو له في صدى أو نبوءة لحالته التي كان فيها، فلم يجرؤ على التفكير في روح المرأة أو جسدها وهو يموج بالحياة الرقيقة إلا وسط العبارات ذات الكلمات الرقيقة أو في مواد لها رقة الورود.

ولكن العبارة التي قالها القس كانت خادعة؛ لأنه يعرف أن القس لا يمكن أن يتحدث في هذا الموضوع بخفة. وقد نطق العبارة في خفة عن قصد، وشعر بوجهه تتفحصه هاتان العينان من وراء الظلال، وأزاح جانبًا كل ما كان قد سَمِعه أو قرأه عن مهنة الجزويت في صراحة؛ لأنه ليس ناتجًا عن تجربته المباشرة. وحتى حين لم يكن يرتاح إلى بعض مدرِّسيه، كانوا يبدون له دائمًا قسسًا أذكياء جادين، ومشرفين رياضيِّين ذوي روح عالية. كان يفكر فيهم كرجال يغسلون أجسامهم في نشاط بالماء البارد، ويرتدون الكتان النظيف البارد. ولم يتلقَّ عقابًا منهم خلال كل السنوات التي عاشها بينهم في كلونجوز وبلفدير سوى ضربتين بالعصا، ورغم أنه نالهما ظلمًا فقد كان يعرف أنه كان غالبًا يُفلت من العقاب. ولم يسمع طوال هذه السنوات كلمة جافة من مدرِّسيه، وكانوا هم الذين علَّموه العقيدة المسيحية، وحثُّوه على انتهاج حياة صالحة. وكانوا هم الذين أعادوه إلى الصلاح حين سقط في أحضان الخطيئة المقيتة. كان وجودهم هو الذي أحاله وجلًا من نفسه حين كان غِرًّا في «كلونجوز»، وأحاله وجلًا من نفسه أيضًا حين كان في موقفه المبهم في «بلفدير»، وقد لازمه الإحساسُ بهذا حتى آخر عامٍ له في المدرسة، فلم يعصِ الأوامر أو يسمح مرة للرفاق الأشقياء بإغرائه بالخروج عن عاداته في الطاعة الهادئة، وحتى حين كان يشك في عبارة من عبارات المدرس، لم يكن يمضي إلى حد إعلان شكوكه، وكانت بعض أحكامهم تبدو صبيانيةً في أُذُنَيه في الأيام الأخيرة، وجعلَته يشعر بالأسف والشفقة كأنما هو يخرج في بطءٍ من عالم مألوف يسمع لغتَه لآخر مرة في حياته. وحين التفَّ جمعٌ من الصبية يومًا من الأيام حول قسٍّ تحت الظل بالقرب من كنيسة المدرسة، سمع القس يقول: أعتقد أن اللورد «ماكولي» ربما لم يرتكب أيَّ خطيئة كبرى في حياته، أعني خطيئة كبرى مقصودة.

وحينئذٍ سأل بعض الصبية القس عمَّا إذا كان «فيكتور هوجو» هو أعظم كاتب فرنسي، فردَّ القس بأن فيكتور هوجو حين تحوَّل ضد الكنيسة، لم يكتب بنصف الجودة التي كان يكتب بها حين كان كاثوليكيًّا.

وأضاف القس: «ولكن هناك كثيرًا من النقاد الفرنسيِّين العظام يعتقدون أن «فيكتور هوجو» بكل عظمته المؤكدة، لم يكن يمتلك ناصيةَ أسلوب فرنسي رصين مثل «لويس فيليو».»

وانحسرَت الشعلةُ الصغيرة التي أوقدَتها إشارةُ القس على وجنتَي ستيفن ثانيةً، وكانت عيناه ما تزالان مثبَّتتَين في هدوء على السماء التي لا لون لها، ولكنه شكَا قلقًا تطاير هنا وهناك أمام عقله. ومرَّت ذكريات مقنعة مسرعة أمامه، وتعرَّف على مناظرَ وشخوص، ولكنه كان يشعر بأنه قد فشل في إدراكِ أيِّ ظرفٍ حيوي فيها، ورأى نفسَه يسير حول الملاعب يُراقب الألعاب الرياضية في كلونجوز، ويأكل حلوى الربسوس من قبعة ملابس الكريكت. وكان بعض الجزويت يسيرون حول إفريز الفناء برفقة سيدات. وتردَّدت أصداءُ تعبيرات معينة كانت تُستخدم في كلونجوز في كهوف قصية من ذهنه.

وكانت أُذُناه تُصغيان إلى هذه الأصداء القصية وسط سكون الردهة، حين انتبه إلى أن القسَّ يخاطبه في لهجة مختلفة.

– لقد أرسلتُ في طلبك اليوم يا ستيفن لأُحدِّثك في موضوع جد مهم.

– أجل يا سيدي.

– ألم تشعر يومًا أن لك مهنة.

وفتح ستيفن شفتَيه ليقول أجل، ولكنه كتم الكلمةَ فجأة، وانتظر القسُّ الجوابَ ثم أضاف: أعني ألم تشعر في داخلك، في روحك، برغبة في الانضمام إلى الطائفة؟ فكِّر.

فقال ستيفن: لقد فكَّرتُ في ذلك أحيانًا.

وترك القس حبلَ الستارة يسقط على أحدِ الجانبَين، وشبَّك يدَيه وأحنَى ذقنَه في رزانة عليهما وهو يتحادث مع نفسه.

وقال أخيرًا: غالبًا ما يوجد في مدرسة كهذه صبيٌّ أو ربما صبيان أو ثلاثة يدعوهم الله للحياة الدينية، ويكون مثل هذا الصبي مميزًا عن زملائه بتقواه وبالقدوة الصالحة التي يضربها للآخرين. وهم ينظرون إليه في احترام، وربما يختاره زملاؤه في الجمعية عريفًا لهم، وأنت يا ستيفن كنت هذا الصبي في هذه المدرسة، عريفًا لجمعية سيدتنا المقدسة، ربما كنت صبيَّ هذه المدرسة الذي يعتزم الله أن يدعوه إليه.

وأسرعَت نغمةُ زهو قوية تدعمها رزانةُ صوت القس من دقات قلب ستيفن استجابة لتلك الكلمات.

وقال القس: «إن استلامَ مثل هذه الدعوة يا ستيفن هو أعظم شرف يمكن أن يهبَه العليُّ القدير لإنسان؛ إذ ليس للملك أو الإمبراطور في هذه الدنيا قوةٌ تُماثل قوةَ قسِّ الله. وليس للملائكة أو كبير الملائكة في السماء ولا للقديسين ولا العذراء المباركة نفسها القوة التي لقس الله: قوة الفتح، قوة القيد في الخطيئة أو الإبراء منها، قوة الرقية، قوة طرد الأرواح الشريرة من بين مخلوقات الله التي لم تتسلط عليها، القوة والسلطة التي تجعل إله السماء العظيم يهبط أمام المذبح ليناول الخبز والنبيذ. يا لَها من قوةٍ مخيفةٍ يا ستيفن!»

وأخذَت شعلةٌ أخرى تتَّقد ثانيةً على وجنتَي ستيفن حين سَمِع في هذا الخطابِ المزهوِّ صدَى أفكاره المتعالية. كم مرةً شاهد نفسَه قسًّا يستخدم القوةَ المخيفة التي يقف لها الملائكة والقديسيون في احترام! لقد أحبَّت روحُه أن تتأمل هذه الرغبة في خفية. لقد رأى نفسه، قسًّا شابًّا صموتًا، يدخل مكان الاعتراف، في خفةٍ، ويصعد درجات الهيكل، يُطلق البخور، يجثو، يؤدي طقوس القسس الغامضة التي تملؤه بالسرور بسبب مشابهتها للواقع وبُعْدها عنه في الوقت نفسه. كان يخلع على نفسه في هذه الحياة المعتمة التي عاشها في تأملاته الأصوات والحركات التي لاحظها في عددٍ من القسس، لقد أحنى ركبتَيه مثلما يفعل واحدٌ منهم، وهزَّ المجمرة في خفة مثل آخر، وفتح رداءه الهنوتي مثل ثالث؛ إذ هو يلتفت إلى المذبح مرةً أخرى بعد أن بارك الحاضرين. وقد أبهجه فوق كل شيء أن يتخذ مركزًا ثانويًّا في هذه المناظرة المعتمة في خيالاته، فقد كان يخشى هيبة مركز الواعظ الرئيسي؛ لأنه كان يُزعجه تصور أن تنتهيَ كلُّ هذه العظمة الغامضة بشخصه هو، أو أن يعهد إليه الطقس الديني بمثل هذ الوظيفة الواضحة النهائية. وكان يتوق إلى الوظائف المقدسة الثانوية، أن يشتمل في صدارة مساعد الشماس عند القداس، وأن يقف على مبعدةٍ من المذبح وينساه الحاضرون، مُغطَّى الكتفين بنقابٍ يحمل طبقَ العشاء الرباني بين طياته، أو يقف حين ينجز القربان شماس في ثوب دلماشي،٢ على الدرجة التي تلي الواعظ ويداه متشابكتان ووجهُه متجهٌ نحو الحاضرين، وهو يغنِّي نشيدَ Ite messa est،٣ ولو أنه تصوَّر نفسه واعظًا مرة يكون ذلك على هيئة الصور التي لديه في كتاب القداس للأطفال، في كنيسة خلَت من المصلين إلا من ملاك القربان، أمام مذبحٍ عارٍ، ويقوم عليها قندلفت لا يكاد يكبره في السن. وظهر أن إرادته لا تميل إلى الخروج لملاقاة الحقيقة إلا في أعمال قربانية غامضة أو مقدسة، وكان غياب فريضة معلومة له يُجبره أن يكون سلبيًّا نوعًا ما في عمله، سواء إذا كان يسمح بالصمت أن يغطِّيَ غضبه أو زهوه أو حتى حين يعاني من قمع قُبلة كان يشتاق إلى مَنْحها.
وأنصت الآن في سكونٍ مبجل إلى نداء القس، وأنصت كذلك في وضوحٍ أكثر عن طريق الكلمات التي سَمِعها إلى صوت يطلب منه الاقتراب، ويقدِّم له المعرفة السرية والقوة السرية، سيعرف آنذاك ماذا كانت خطيئة «سيمون ماجوس» والخطيئة في حق الروح القدس التي لا غفران لها. سيعرف الأشياء الغامضة التي تخفَى عن الآخرين، عن أولئك الذين تحمل بهم أمهاتُهم ويلدنَهم أطفالًا في هذه الدنيا. سيعرف الخطايا، لهفات الآخرين الخاطئة وأفكارهم الخاطئة وأفعالهم الخاطئة، يهمسونها إليه في الاعتراف تحت عار الكنيسة المظلمة، تهمسها إليه شفاه نسوة وفتيات، ولكنه يكون محصنًا عن طريق رسامته كاهنًا برفع الأيدي، ثم تعبر روحُه ثانيةً نقيةً إلى هدوء المذبح الصافي. لن تبقى لمسة خطيئة على يدَيه حين يرفع القربان ويقطمه، لن تبقى لمسحة خطيئة على شفتَيه إبَّان الصلاة لكي تُؤكلَه وتُشربَه لعنة روحه حين لا يميز جسد الله. سوف يُمسك معرفته السرية وقوته السرية، ويصبح بريئًا بلا خطايا، وسيكون قسًّا إلى الأبد على رتبة «ملكيصادق».٤
قال المدير: سوف أُخصِّص قُدَّاسي صباح غد لأجل أن يكشف الله القدير لك إرادتَه المقدسة. وعليك أنت يا ستيفن أن تؤديَ تاسوعًا٥ لقديسك الحامي المقدس، الشهيد الأول المقرب إلى الله، حتى يُنيرَ الله عقلك، ولكن عليك أن تكون متأكدًا جدًّا أنك تصلح لهذه الرسالة يا ستيفن؛ لأنه إذا تبيَّن لك بعد ذلك، أنها ليست لك فسوف يكون الأمر فظيعًا. تذكَّر أنك متى أصبحت قسًّا فستبقى كذلك إلى الأبد، أنت تعلم من دروس الوعظ أن تناول السيامة٦ المقدسة لا يمكن أن يتمَّ سوى مرة واحدة؛ لأنه يطبع على الروح علامتَه الروحية التي لا تبيد والتي لا يمكن أن تُلغى. لا بد أن تفكر جيدًا قبل ذلك وليس بعده، إنها مسألةٌ خطيرةٌ يا ستيفن لأنه يعتمد عليها خلاص روحك الخالدة، ولكننا سنصلِّي معًا.

وأمسك بباب الردهة الثقيل يفتحه ومدَّ يدَه كأنما يمدُّها إلى زميل في الحياة الروحية فعلًا، ودلف ستيفن إلى الممشى العريض بعد الدرج، وأحسَّ بنسمات هواء المساء اللطيف، ورأى عن بُعد أربعةً من الشبان يغذون الخطَى نحو كنيسة «فندلتير» وأذرعُهم متشابكة، ويهزُّون رءوسهم ويخطون على أنغام صفارة قائدهم الرشيقة، وعبرَت الموسيقى في لحظة مثلما تفعل الألحان الأولى المفاجئة دائمًا إلى أنسجة عقله الخرافي مذيبة إياها دون عناء ودون ضجة، كما تُذيب الموجة المفاجئة أبراج الرمل التي يبنيها الأطفال على الشاطئ. وابتسم للهواء العليل ورفع عينَيه إلى وجه القس، ورأى فيه انعكاسًا كئيبًا لليوم المنصرم، فجذب في بطءٍ يدَه التي ارتضَت وهنًا هذه الزمالة.

وإذ كان يهبط السلم كان الأثر الذي محَا محاورته الذاتية التعبة قناعًا كئيبًا يعكس يومًا ينحسر من عتبة المدرسة. وحينئذٍ عبرَت ظلال حياته في المدرسة على وَعْيه في رزانة، كانت حياة رزينة منظمة لا عاطفة فيها في انتظاره، حياة تخلو من المشاغل المادية.

وتساءل كيف سيمضي أول ليلة له في الرهبنة، وبأي ضيقٍ سيصحو في أول صباح في عنبر النوم. وعادت إليه الرائحة السمجة للممرات الطويلة في كلونجوز، وسَمِع خفق المصابيح الغازية المشتعلة الرصين، وأخذ القلقُ يشعُّ على الفور من كلِّ ناحيةٍ من نواحي وجوده، وتَبِع ذلك سرعة حامية لنبضه، وأحال رنين كلمات لا معنى له أفكاره المنتظمة شذر مذر. وتمدَّدت رئتاه ثم غارتا كأنما يتنفس هواءً رطبًا دافئًا لا يحتمل، وعادَت إلى أنفاسه رائحةُ الهواء الرطب الدافئ، الذي يحوم على الحمام في كلونجوز فوق المياه الخاملة المخضرة اللون.

وبعثَت هذه الذكريات في نفسه قطرة أقوى من التعليم أو من الدين، واضطرمَت بداخله عند كلِّ اقترابٍ من هذه الحياة فطرة دقيقة معادية سلَّحَته ضد الموافقة، لقد صدَّته برودة هذه الحياة ونظامها، ورأى نفسه ينهض في برودة الصباح ويصطفُّ مع الآخرين لحضور القداس الباكر، ويحاول عبثًا استخراجَ صلواته مقاومًا غثيان معدته، ورأى نفسه يجلس مع جماعة المدرسة على الغداء، ماذا تبقَّى إذن من خجله العميق الغور، الذي يجعله يكره الأكل أو الشرب تحت سقف غريب؟ ماذا تبقَّى من كبرياء روحه الذي جعله يتصور نفسه مخلوقًا مختلفًا في كل شيء؟

ستيفن ديدالوس المحترم، ج. ي.٧

قفز اسمُه في هذه الحياة بحروفه أمام عينَيه، وتَبِع الاسمَ إحساسٌ عقليٌّ بوجهٍ غير محدد السمات أو بالأحرى لون وجه. وغاض اللون ثم قَوِي، مثل الوهج المتغير لقالب القرميد الشاحب، أهذا هو الوهج الأحمر الخام الذي طالما رآه على أفواه القس الحليقة في أيام الشتاء؟ كان الوجه بلا عينَين، به نزعةٌ إلى الغلظة والورع، مضطرمًا باللون الوردي الناتج عن غضب مكبوت، ألم يكن هذا طيفًا عقليًّا لوجهٍ واحدٍ من الجزويت دعاه الصبية «لانترن جوز» ودعاه آخرون «فوكسي كامبل»؟

كان يمرُّ في هذه اللحظة أمام مبنى الجزويت في شارع «جاردنر»، وتساءل في إبهام أين يا تُرى ستكون نافذته فيه إذا التحق بالطائفة. ثم تعجَّب من إبهام تساؤله، من بُعد روحه عمَّا تصور حتى الآن أنه ملاذها، عن القبضة الواهية التي تؤثر بها عليه كثيرٌ من سنوات النظام والطاعة، إذا برز له فعلٌ محدد لا ينفك يُهدِّد حريته إلى الأبد في الزمان وفي الخلود. وتردَّد في ذاكرته في كسل صوت المدير يُغريه بفخرِ الهدف الكنسي وسرِّ المنصب القسسي وقوته، ولم تكن روحُه هناك لتسمع ذلك وترحب به، وعرف الآن أن الترغيب الذي أنصت إليه قد انكمش فعلًا إلى حكاية شكلية عديمة الجدوى. لن يُدير المجمرة أمام المذبح متقلدًا وظيفةَ القس أبدًا، سيكون نصيبه أن يجتنب أيَّ أنظمة اجتماعية أو دينية، ولم تؤثر فيه حكمة المنصب القسسي أيَّ تأثير، كان مقدرًا له أن يتعلم حكمته الخاصة بعيدًا عن الآخرين، أو يتعلم حكمة الآخرين بنفسه وهو يتجول بين شِراك الدنيا.

وشِراك الدنيا هي طرق خطاياها، سوف يسقط، إنه لم يسقط بعدُ ولكنه سيسقط في صمت، في لحظةٍ واحدةٍ. عدم السقوط صعب جدًّا، صعبٌ جدًّا، وشعر بالعثرة الصامتة لروحه وهي تسقط، تسقط، كما سيحدث في لحظة قادمة، ولكنه لم يسقط بعد، ما زال غير ساقط، ولكنه على وشك السقوط.

وعبَرَ الجسرَ المُقامَ فوق جدول «تولكا»، وأجال عينَيه لحظةً في برودٍ نحو قبر العذراء المباركة الأزرق الباهت، الذي يقوم كالطائر على ركيزة في منتصف معسكر لأكواخ الفقراء يتخذ شكل فخذ خنزير، ثم انعطف ناحية اليسار وسار في الحارة التي تؤدي إلى منزله. وهبَّت عليه عفونة القرنبيط المتعفن الحريفة من بساتين الخضراوات من الأرض المرتفعة على البحر، وابتسم إذ جال بخاطره أن هذه الفوضى، هذا السوء وهذا الارتباك الذي يسود منزل والده، وتعفُّن الخضراوات، هي التي ستربح هذا اليوم في روحه. ثم انطلقت من بين شفتَيه ضحكةٌ قصيرة حين تذكَّر صبي الزراعة الوحيدة في بساتين الخضراوات التي تُقلع خلف منزلهم، ذلك الذي لقَّبوه «بالرجل ذي القبعة». وانطلقَت ضحكةٌ ثانية من الضحكة الأولى بعد صمتٍ قصير. انطلقَت منه دون طواعية حين فكَّر كيف كان الرجل ذو القبعة يعمل، إذ كان يُقدِّر جوانب السماء وزواياها الأربع على التوالي، ثم يدفع بمنجله إلى الأرض في أسف.

وفتح باب الردهة وعبرَ الصالة الخالية إلى المطبخ. كان فريقٌ من إخوته وأخواته يجلسون حول المائدة. كان تناول الشاي قد انتهى تقريبًا، ولم يبقَ سوى آخر الشاي الثاني الذي أُضيف إليه الماء في قاع الجرار، وبرطمانات المربى الزجاجية الصغيرة التي يستخدمونها كفناجين للشاي. وانتثر على المائدة فتاتُ خبز سكري استحالَت بُنيَّة اللون بفعل الشاي الذي صُبَّ عليها. واستقرت دوائر شاي صغيرة هنا وهناك على سطح المائدة، وكانت سكينٌ ذات مقبض عاجي مكسور مغروسة في قرار فطيرة قد نُهبت.

وانبعث وهجُ النهار المحتضر الحزين الهادئ الأزرق خلال النافذة والباب المفتوح ليُغطِّيَ ويُخففَ في هدوء من فطرةٍ مفاجئةٍ من تأنيب الضمير في قلب ستيفن. كلُّ ما حُرموه أُعطيَ له دون حساب باعتباره أكبرهم، ولكن وهج المساء الهادئ لم يُبدِ له في وجوههم أيَّ ضغينة.

وجلس بالقرب منهم إلى المائدة، وسأل أين والدته ووالده. وأجابه واحدٌ منهم: «ذهبوا يا للبحث يا عن يا منزل يا …»

انتقالٌ آخر! كثيرًا ما سأله صبي اسمه «فالون» في بلفدير، وهو يضحك لماذا يغيِّرون مسكنهم كثيرًا؟

وأظلم جبينه بعبوس الاحتقار، إذ هو يسمع ثانيةً ضحكة السائل السخيفة.

وسأل أخاه:

– لماذا سننتقل ثانيةً إن كان لي أن أسأل هذا؟

– لأن يا صاحب يا المنزل يا سيطردنا يا خارجًا يا …

وبدأ صوت أخيه الأصغر يغني ألحان «دائمًا في الليل» من الطرف القصي للمدفأة. واشترك الآخرون في اللحن واحدًا بعد آخر، حتى تكوَّن منهم «كورس» أصوات للغناء، سيغنون هكذا ساعاتٍ طوالًا، لحنًا وراء آخر، نشيدًا وراء نشيد، حتى يموت آخر ضوء شاحب في الأفق، حتى تأتي سحائب الليل الأولى السوداء، ويسدل الليل ستاره.

وانتظر لحظات، منصتًا، قبل أن يشترك معهم في اللحن. كان يُصغي وروحه تتألم إلى نغمة العناء خلف أصواتهم الهشة الغضة البريئة، يبدو عليهم العناء الفعلي من هذا الطريق حتى قبل أن يبدءوا رحلة الحياة.

وسَمِع كورس الأصوات في المطبخ يتردد ويتضاعف خلال ترجيعات لا نهاية لها لكورس أجيال لا نهاية لها من الأطفال، وسمع في جميع هذه الترديدات ترديدًا لنغمة العناء والألم المتعاودة. بدا العناء من الحياة على الجميع حتى قبل أن يدخلوا إليها، وتذكَّر أن نيومان قد ميز هذه النغمة أيضًا في شذرات من سطورٍ لفيرجيل تقول: «تُعبر عن هذا الألم وهذا العناء مثل صوت الطبيعة نفسها، ولكن فيها كذلك الأمل في أشياء أفضل، تتمثل في تجربة أطفالها في كل زمان».

•••

لم يستطع الانتظار أكثر من ذلك.

من باب مقهى بايرون إلى بوابة كنيسة كلونتارف، ومن بوابة كنيسة كلونتارف إلى باب مقهى بايرون ثم العودة إلى الكنيسة، فالرجوع ثانيةً إلى المقهى، ذرع الطريق في بطء في البداية، غارسًا خطواتِه في دقة في ثنايا مربعات الطريق، ثم ضبط وقْعَها على وقْع بعض الأشعار. مضَت ساعةٌ كاملة منذ ذهب والده مع «دان كروسباي» المعلم ليبحثَا له شيئًا خاصًّا بالجامعة. وذرع المكان ساعة كاملة، هنا وهناك منتظرًا، ولكنه لم يستطع الانتظار أكثر من ذلك.

وانطلق بغتةً نحو منطقة «بول»، يسير بسرعة لئلا تُرجعه صفارة حادة من والده. وفي لحظات قليلة كان قد عبر المنحنى عند ثكنات البوليس وأصبح في منجى.

أجل، لقد عارضَت أمُّه الفكرة، كما استنتج من صمتها العزوف. ورغم ذلك فقد وخزَته شكوكُها بحدةٍ أكثر من زهو والده، وفكَّر في برود كيف أنه رأى الإيمان الذي كان يخبو في روحه يضطرم ويقوَى في عينَيها. وتجمَّعت قوى العداء المعتمة في داخله وأظلمت عقله تجاه عدم طاعتها مثلما تفعل السحب، وحين عبرَت عبورَ السحابة، مخلفةً عقلَه هادئًا مطيعًا إياها ثانيةً، شعر بأول انشقاق هادئ في حياتهما بإبهام وبدون أسف.

الجامعة! إذن لقد عبر بعيدًا عن تحديات الحراس الذين وقفوا له كقوامين على طفولته، وحاولوا إبقاءَه بينهم حتى يكون تابعًا لهم يحقق غاياتهم، ورفعه الزهو بعدما رفعه الرضى مثل الموجات الطويلة البطيئة، قادَته العناية، التي خلق من أجلها ومع ذلك لم يرَها، إلى الفرار عن طريق خفي، وتُشير له الآن مرةً أخرى وها هي مغامرةٌ جديدة على وشك أن تنفتح أمامه. وبدا له كأنه يستمع إلى ألحان موسيقى متشنجة تقفز إلى أعلى اللحن، ثم تنخفض مقتصرةً على نغمة خفيضة، ثم تعلو إلى لحن كامل وتنخفض إلى ثلث رئيسي، مثل اللهب ذي الفروع الثلاثة، تقفز في تشنج، لهب وراء لهب، خارج غابة مظلمة. كانت مقدمة موسيقى شيطانية، لا نهاية لها ولا شكل. وإذ كانت تزداد وحشيةً وسرعة، ويقفز اللهيب خارج حدود الزمان، بدا كأنه يسمع من تحت الأغصان والحشائش أصوات مخلوقات وحشية تتسابق، وتنقر أقدامها الأرض كصوت المطر على أوراق الشجر. وداسَت أقدامُها على عقله في صخب مدمدم، أقدام فرائس وأرانب، أقدام أيول ذكور وأيول أناثي وظباء، حتى لم يَعُد يسمعها بعد ذلك، ولم يَعُد يتذكر سوى إيقاعٍ مزهوٍّ لسطورٍ من «نيومان»:

– «مَن أقدامه كمثل أقدام أناثي الأيل، ولكن تكمن تحتها الأسلحة الخالدة».

وأعادَت كبرياء تلك الصورة المعتمة إلى ذهنه هيبة المنصب الذي رفضه. لقد تأمل طويلًا خلال فترة طفولته كلها فيما اعتبره غاية حياته، وحين حانت اللحظة التي يجب عليه فيها أن يُجيبَ النداء، تحوَّل جانبًا وراء فترة ملتوية. ولقد فات الوقت الآن: لن يمسح زيت الترسيم جسده أبدًا. لقد رفض. لماذا؟

وتحوَّل ناحية البحر عن طريق «دوللي ماونت». وحين وصل إلى الجسر الخشبي الرفيع شعر بألواحه تهتزُّ بوقْع أقدام أحذية ثقيلة. كانت شرذمةٌ من القسس المسيحيِّين في طريق عودتها من منطقة «بول»، وبدأَت تعبِّر الجسر مثنى مثنى. وعلى الفور أخذ الجسر يهتزُّ ويصلصل، وعبرت به الوجوه الغليظة مثنى مثنى، وقد لطخها البحر بالألوان الصفراء أو الحمراء أو الزرقاء الداكنة. وإذ كان يجاهد أن ينظر إليهم براحة ولا مبالاة، ارتفعت إلى وجهه لطخةُ عارٍ وشفقة شخصيَّين، وحاول وقد غضب من نفسه أن يُخفيَ وجهَه عن عيونهم بالتطلع جانبًا إلى المياه الضحلة الدوارة تحت الجسر، ولكنه رأى هناك أيضًا انعكاسَ قبعاتهم الحريرية المثقلة الطرف، وياقاتهم المتواضعة التي تُشابه الشريط، وملابسهم الكنسية التي تفيض على أجسادهم.

– الأخ هيكي.

الأخ كايد.

الأخ ماك آردل.

الأخ كيوج.

ستكون تقواهم مثل أسمائهم، مثل وجوههم، مثل ملابسهم. وكان باطلًا منه أن يُخبر نفسه أنه قد يكون في قلوبهم المتواضعة الخاشعة من ثراء التدين أكثر مما كان له في يوم من الأيام، وهي هبة مقبولة مائة مرة أكثر من عباداته المنمقة. كان باطلًا منه أن يدفع نفسه أن يكون كريمًا معهم، أو أن يُقنع نفسه أنه لو أتى إلى أبوابهم عاريًا من كبريائه، مهانًا، مشتملًا في أسمال الشحاذين فسوف يكونون كرماء معه ويحبونه كما يحبون أنفسهم. وأخيرًا كان باطلًا ومريرًا منه أن يجادل ضد يقينه الفاتر بأن الدين لم يأمرنا بأن نحب جارنا كما نحب أنفسنا بنفس مقدار الحب وحدَّته، بل بأن نحبَّه كأنفسنا بالنوع نفسه.

واستخرج عبارة من كنوز ذكرياته، وردَّدها لنفسه في رفق.

– يوم سحب بحرية رقطاء.

واتسقت العبارة واليوم والمشهد مؤتلفة بعضها مع بعض مجرد كلمات.

أهي ألوانها ما تسبب الاتساق؟ وسمح لها بالتوهج ثم الانطفاء، لونًا وراء لون: الشروق ذهبي، بساتين التفاح صفراء، وخضراء، الأمواج زرقاء، نتف السحب سنجابية الوشي. كلا، ليست هذه ألوانها، إنها توازن وإيقاع هذه العبارة نفسها. إذن، هل هو يحب ارتفاع الكلمات وانخفاضها الإيقاعي أكثر من ارتباط هذه الكلمات باصطلاحات أو ألوان؟ أو هل يكون الأمر، إذ هو يشكو ضعفَ الإبصار ووجلَ النفس، أنه يستمد مسرةً أقل من انعكاس العالم الحسي المتوهج عن طريق منثور لغة عديدة الألوان ثرية الطبقات اعنها من التأمل في عالمٍ داخلي من العواطف الفردية التي تنعكس في كمال في عبارات نثرية هادئة مرنة.

وعبر الجسر المهتز إلى الأرض الثابتة ثانيةً، وبدا له في تلك اللحظة أن الهواء قد برد. وحين نظر بطرف عينه إلى المياه رأى عصفًا طائرًا يُظلم المد ويموِّجه فجأة. ومرةً أخرى أظهرت له دقة واهنة في قلبه وخفقة واهنة في حلقه، كيف يخشى جسدُه رائحة البحر الباردة تحت الإنسانية، ولم ينعطف مع ذلك إلى المروج التي تقع على يساره، بل واصلَ سيرَه إلى الأمام على طول سلسلة الصخور التي قامت في مواجهة فوهة البحر.

وأضاء شعاعٌ باهت من الشمس صفحةَ المياه الداكنة، حيث ينحصر البحر في الخليج. وعلى البعد، على طول مجرى بحر «لايفي» البطيء السريان، ملأت السماءَ نتفٌ رقيقة من السحاب، وأبعد من ذلك، كان نسيج المدينة المعتم يرقد منكبًّا على اغبرار، وكمثل منظرٍ مرسوم على قماش ثمين غامض، وقديم قِدَم متاعب البشر، بدَت لناظريه صورة مدينة المسيحية السابعة عبر الهواء غير المحدود، غير قديمة ولا تعبة ولا أقل اصطبارًا على العبودية، أكثر مما كانت في أيام البرلمان الإسكندنافي الأول.

ورفع عينَيه وقد فترَت همتُه ناحية السحب البحرية البطيئة السريان. كانت ترحل عبر فيافي السماء، جماعة من البدو يرتحلون، يضربون في أعماق أيرلندا ووجهتهم الغرب. وترقد أوروبا التي جاءوا منها هناك وراء البحر الأيرلندي، أوروبا ذات اللسان الغريب المليئة بالأودية، المحاطة بالغابات، المكتظة بالقلاع، ذات العناصر المحضة المحتشدة.

وسمع موسيقى مهوشة في داخله، شبيهة بذكريات وأسماء يكاد يكون واعيًا لها، ولكنه لم يستطع الإمساك بها ولو لحظة واحدة، ثم بدَت الموسيقى وكأنما ترتد، ترتد، ترتد، ومن كل رنة مرتدة من الموسيقى السديمية كان يسقط دائمًا لحنُ هاتف واحد طويل الترجيع، يخز غبشة الصمت كالنجم، ثانية، ثانية! ثانية! كان الصوت ينادي من وراء الدنيا.

– هاللو، ستيفانوس!

– ها هو ديدالوس!

– آو! … إه، قلت لك توقَّف عن ذلك يا «دواير»، وإلا سأُعطيك ركلةً لم تكن تحلم بها، … آو!

– أيها الرجل الطيب «تاوزر»، انفض رأسه.

– تعالَ يا ديدالوس! «بوس ستيفانو مينوس!» «بوس ستيفانو مينوس!»

– انفضْ رأسه، اجعلْه يعبُّ الشراب الآن يا «تاوزر».

النجدة! النجدة! آو!

وتعرَّف على حديثهم مجتمعين قبل أن يميِّز وجوههم، وسرَت الرعدة إلى عظامه من مجرد النظر إلى هذا الخليط من العري المبلل. والتمعت أجسادهم برطوبة البحر، بيضاء كالجثث أو مخضبة بالضوء الذهبي الشاحب أو لفحَتها الشمس. وكانت الصخرة التي يستخدمونها منطًّا، والمقامة على عُمد طبيعية وتهتز لدى قفزاتهم، وصخور المياه المنسابة المنحوتة الخشنة، التي كانوا يتسلقونها في لهوهم المزعج تلتمع بضياء رطب بارد. وكانت المناشف التي يجفِّفون بها أجسادهم مثقلة برطوبة البحر وشعرهم القاتم مبللًا بماء البحر البارد.

ووقف ساكنًا إكرامًا لنداءاتهم، وتفادى هذرهم بكلمات سهلة. كم يبدون عديمي الشخصية، «شولي» مجردًا من ياقته العريضة المفكوكة، و«إينيس» مجردًا من حزامه القرمزي ذي المشبك الثعباني، و«كونولي» مجردًا من معطفه الذي جلبه «من نورفوك» ذي الجيوب الخالية من الأهداب! كانت رؤيتهم ألمًا له، ويزيده ألمًا على ألم رؤياهم وعليهم أمارات المراهقة التي جعلت من عريِّهم المثير للشفقة غثيانًا، ربما لجئوا إلى الصحبة والصخب هربًا من الوجل الخفي في أرواحهم. وتذكَّر بعيدًا عنهم وفي صمتٍ الوجلَ الذي انتابه من لغز جسده.

– ستيفانوس ديدالوس! بوس ستيفانو مينوس! بوس ستيفانو نيفوروس!

لم يكن هذرهم جديدًا عليه، وعمل الآن على تملُّق سيطرته اللطيفة المتعالية. والآن بدا له اسمه الغريب نبوءة، كما لم يحدث من قبل. كم يبدو الهواء الدافئ الرمادي أزليًّا، ومزاجه مرنًا غير شخصاني، حتى استوَت في نظره كل العصور. وأطل عليه منذ لحظة واحدة تسبح مملكة الدنمرك القديمة، من خلال وشاح المدينة التي يلفُّها الاغبرار. والآن وعلى ذكر اسم الصانع الخرافي،٨ بدا كأنه يسمع ضجة أمواج معتمة، ويرى جسمًا مجنحًا يطير فوق الأمواج، ويتسلق الهواء في بطء … ماذا يعني ذلك؟ أتكون حيلة فارهة تفتح أمامه صفحة كتاب من القرون الوسطى عن النبوءات والرموز، رجلٌ عن هيئة الصقر يطير تجاه الشمس فوق البحر، نبوءةٌ عن الغاية التي وُلد ليخدمها والتي كان يتتبعها خلال ضبابات الطفولة والشباب، رمز الفنان في مصنعه يعيد خلق المادة الأرضية الهزيلة، ويُحيلها إلى كيان جديد محلق لا يُحس ولا يفنَى؟

وارتجف فؤاده، وتلاحقت أنفاسه، وعبرَت روحٌ وحشيةٌ على أطرافه، كأنما يحلق إلى موضع الشمس. وارتجف فؤاده في نشوة وخوف، وغمرَت روحَه حالةُ استعلاء. كانت روحه تُحلق في الأجواء وراء الدنيا، وكان البدن الذي يعرفه يتطهر في زفرة، ويتخلص من الشق ويتألق ويمتزج بعنصر الروح. وأحالت نشوةٌ من الاستعلاء عينَيه متألقتَين وأنفاسه حادة، وأطرافه التي عصف بها الريح مرتجفة حادة.

– واحد! اثنين! انبته.

آه «يا كريبس»، إني أغرق!

– واحد! اثنين! ثم عند ثلاثة.

– التالي! التالي!

– واحد! آه.

– ستيفا نيفوروس.

واحترق حلقُه برغبة في الصياح عاليًا، صيحة البازي أو النسر مُحلقًا في الجو، صياح نفاذ يُعلن انتقاله إلى الرياح. كان هذا دعوة الحياة لروحه، مخالفًا للصوت السقيم الغليظ الذي يدعوه لعالم الواجبات واليأس، مخالفًا للصوت غير الإنساني الذي دعاه إلى خدمة المذبح السقيمة. لقد أنقذَته لحظة استعلاء وحشي، وشقَّت ذهنَه صيحةُ الفوز التي حبستها شفتاه.

– ستيفا نيفوروس.

ما هذه الأشياء الآن سوى الأكفان وقد نفضها البدن الميت عن نفسه، الخوف الذي اشتمله في المساء والعشي، الشك الذي كان يلفُّه من جميع نواحيه، العار الذي جلَّله من فوقه ومن تحته، أكفان، ثياب القبر؟

لقد خرجت روحُه من قبر الطفولة، وهي تنضو أكفانها. أجل! أجل! أجل! سوف يخلق في فخر من حرية روحه وقوتها، مثلما فعل الصانع العظيم الذي يحمل اسمه، شيئًا حيًّا، جديدًا، ساميًا، جميلًا، لا يُحسُّ، ولا يُنفى.

وانطلق في عصبية من عند كُتَل الحجارة، فلم يكن باستطاعته أن يُطفئ النار التي تجتاح دماءه أكثر من ذلك. وشعر بخدَّيه ملتهبَين، وحلقه يُردِّد أغنية. كانت شهوة السير في قدمَيه تدفعه إلى الانطلاق إلى أواخر الدنيا، وبدا كما لو أن قلبَه يردِّد: سِر! سِر! سيتكاثف المساء فوق البحر، ويسقط الليل على السهول، ويلتمع الفجر أمام الهائم ويكشف لناظرَيه حقولًا وتلالًا ووجوهًا غريبة، أين؟

ونظر شمالًا نحو «هاوت». كان البحر قد انحسر عن خط حشائش البحر على الجانب الضحل من المياه، وكانت مياه المد آخذة في التزايد بسرعة على طول الشاطئ، كما لو كان هناك شطٌّ بيضاوي طويل من الرمال، يرقد دفيئًا جافًّا بين الموجات الصغيرة. وكانت تلتمع هنا وهناك جزر دفيئة من الرمال فوق المد الضحل، بينما يخوض أشخاصٌ أنصاف عرايا، ويغوصون حول الجزر وحول السد الطويل وبين تيارات الشاطئ الضحلة.

وفي لحظات كان عاريَ القدمين، وطوى جوربَيه ووضعهما في جيبه، وعلَّق على كتفه حذاءَه المطاطي بشريطه المعقود، والتقط عصًا مدببة أكلها الملح من مطروحات البحر من بين الصخور وهبط المنحنى.

كان هناك جدولٌ صغير في الشاطئ، وخاض فيه ببطء، وتعجَّب من أكوام حشائش البحر التي لا تنتهي، زمردية وسوداء وصفراء زيتونية، تتحرك تحت المجرى، تترنح وتتلفت. وكانت مياه الجدول الصغير داكنة من الحشائش العديدة، وتعكس السحب المتكاثفة. كانت السحب تسبح فوقه في سكون، وفي سكونٍ تسبح مياه البحر تحته، والهواء الرمادي الدافئ ساكن وحياة جديدة جامحة تغنِّي في عروقه.

أين فترة صبوته الآن، أين الروح التي كانت تبتعد عن مصيرها لكي تعكف في عزلة على عار جراحها في مرقدِ وحْلِها ومهربِها، ثم يُجللها في أكفان ذاوية وأكاليل تذوي عند لمسها؟ آه، أين كان؟

كان وحيدًا، كان خاليًا، سعيدًا وقريبًا من قلب الحياة الجامح. كان وحيدًا وشابًّا وعنيدًا جامح القلب، وحيدًا وسط يباب من الهواء الجامح ومياه أجاج، وجني البحر من الصدف وأشعة الشمس المشتبكة المحجبة الرمادية، وشخوص الأولاد والبنات أنصاف العرايا المرحين وأصوات الأولاد والبنات ترتفع في الهواء.

كانت فتاة تقف أمامه في مجرى الجدول، وحيدةً ساكنة، تُحملق في البحر. بدَت كما لو كانت واحدةً قد أحالها السحر إلى ما يُشابه طائر البحر الغريب الجميل. كانت ساقاها الطويلتان اللطيفتان العاريتان الرقيقتان رقيقتَين مثل ساقَي طويل البحر، وصافيتَين إلا من خيط زمردي من حشيش البحر، شكَّل نفسه على هيئة العلامة فوق اللحم. وكانت فخذاها، المستديرتان، والناعمتا الصياغة كالعاج، عاريتَين حتى العجز تقريبًا، حيث أطراف سراويلها البيضاء تُشبه ريش الطير الناعم الأبيض، وكانت تنورتها الزرقاء ملفوفةً في جرأة حول وسطها ومعقودة خلفها على هيئة اليمامة. وكان صدرها مثل صدر الطير، رقيقًا نحيلًا، نحيلًا رقيقًا كصدر يمامة داكنة الريش، غير أن شعرها الجميل الطويل كان بنوتيًّا، ويلمس وجهها في عجب الجمال الآدمي.

كانت وحيدةً ساكنة، تُحملق في البحر. وحين أحسَّت وجوده وصلاة عينَيه، تحوَّلت عيناها إليه في معاناة هادئة من نظرته دون خجل أو خلاعة. طويلًا، عانَت من عينَيه طويلًا، ثم نحَّت عينَيها عن عينَيه في هدوء وأحنَتهما إلى الجدول الصغير، وهي تحرِّك المياه في رفق بقدمها هنا وهناك. وقطع الصمتَ ضجةُ المياه الخافتة وهي تتحرك في رفق، خفيضة وخافتة وهامسة، خافتة كأجراس النوم، هنا وهناك، هنا وهناك، وارتعد وهجٌ خافتٌ على خدَّيها.

وصاحَت روحُ ستيفن في انبثاقة فرح دنيوي: يا إله السماوات.

وتحوَّل عنها فجأةً وحثَّ خطاه نحو الشاطئ، كان خدَّاه متوهجَين، وجسدُه مشتعلًا، وكانت أطرافه ترتعد، وخطَا سائرًا سائرًا إلى الأمام على الرمال، يغني للبحر في جموح، يصيح مرحبًا بالحياة التي نادَته. لقد دخلت صورتُها إلى روحه إلى الأبد ولم تحطِّم كلمة واحدة صمت نشوته المقدس. لقد نادَته عيناها وقفزت روحه للنداء، نادَته ليحيا، ليُخطئ، ليسقط، لينتصر، ليُعيد خلق الحياة من الحياة! لقد ظهر له ملاكٌ جامح، ملاك الشباب والجمال الدنيوي، مبعوث الحياة الجميلة، ليفتح أمامه في لحظة نشوة أبواب طرق الخطأ والمجد. سار وسار وسار وسار.

وتوقَّفت فجأة وأنصتَ إلى قلبه في السكون. كم سار؟ ما الساعة الآن؟

لم يكن بقربه مخلوقٌ، ولم يحمل له الهواء أيَّ صوت، ولكن المد كان على وشك الانحسار والنهار يحتضر، وتحوَّل ناحية اليابسة وجرى إلى الشاطئ، وارتقى المنحنى غير مبالٍ بالحصى الحادة، وعثر على تلٍّ رملي وسط حلقة من الروابي الخضر ورقد عليها، علَّ هدوء المساء وسكونه أن يُهدِّئا من ثورة دمائه.

وشعر بالقبة اللامبالية العريضة فوقه ومسار الأجرام السماوية الهادئة، والأرض من تحته، الأرض التي حملَته، قد احتضنَته في صدرها.

وأغلق عينَيه في فتور النوم، وارتعد جفناه كأنما أحسَّا بالحركة الدائرية العريضة للأرض وحرَّاسها، ارتعدَا كأنما أحسَّا بضوء غريب لعالمٍ جديد، كانت روحه تغشى في عالم جديد، خرافي، معتم، متقلب، كأنما يرقد تحت المياه، تتخلله هيئات ومخلوقات غامضة، عالمٌ، أم لمعة، أم زهرة؟ يلتمع ويرتعد، يرتعد ويكشف، ضوءٌ يتكسر، زهرةٌ تتفتح، تفتحت لنفسها في تتابع لا نهائي، تفتَّحت في قرمزية كاملة وانتشرت، ثم تقلَّصت إلى زهرةٍ شاحبةٍ، ورقةً ورقةً وموجة ضوء وراء موجة ضوء، مغرقة السماء جميعًا في تورداتها الرقيقة، وكل تورد أشد عمقًا من سابقه.

وكان المساء قد أسدل ستاره حين استيقظ ولم يَعُد الرمل ولا الحشائش القاحلة التي تؤلف مرقده تتوهج. ونهض في بطء واستعاد سحر نومه وتنهَّد من بهجته.

وصَعِد إلى قمة التل وتطلَّع من حوله: لقد انسدل المساء. وكانت حافة القمر الشاب تشق يبابَ خط السماء الشاحب، حافة طوق فضي مطمور في الرمال الرمادية. وكان المد يرتفع على الأرض في سرعةٍ، وتهمس موجاته همسًا خفيضًا، ويحاصر قليلًا من الشخوص الأخيرة الذين يخوضون في البِرَك البعيدة.

١  «بين صدري يبيت» من نشيد الإنشاد بالعهد القديم.
٢  من «دلماشي» أو منسوبًا إليها.
٣  عبارةٌ تُقال في نهاية القداس، وهي: «يُمكنكم الانصراف فقد انتهى القداس.»
٤  اسم أحد كهنة العهد القديم.
٥  عبادة تستمر تسعة أيام.
٦  ترسيم الشخص قسًّا.
٧  اختصار «جمعية يسوع».
٨  يقصد النحات والمثَّال اليوناني «ديدالوس» الذي قالت الأساطير اليونانية إنه شيَّد مبنى التيه للأمير الكريتي «مينوس»، ثم غضب عليه الأمير فسجنه هو وابنه فيه، فصنع ديدالوس له ولابنه أجنحةً وطارَا إلى صقلية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤