الفصل العشرون

مصير الصهيونية العالمية في أعين أصدقائهم

لخصنا في الفصل الماضي أمثلة من نظرات الصهيونيين إلى مصيرهم كما بدا لهم منذ الحرب العالمية الثانية، ومؤداها جميعًا أن مشكلة اليهود في العالم لا تحل بإقامة الوطن القومي في فلسطين، وأنهم ينظرون إلى أوطان أخرى في القارة الأوروبية، وإلى حلول أخرى لمشكلة اليهود الفردية في كل بلد من بلدان الحضارة.

ونلخص في هذا الحديث أمثلة من نظرات الأصدقاء المجاملين، وهم رجال ونساء مشتغلون بالمسائل العامة، سألهم الصهيونيون أن يصرحوا بآرائهم في مسألتهم، فصرحوا بها على مناهج شتى، من مجاملة النفاق، أو مجاملة التحفظ والاعتدال.

فمنهم من كان كالمعزي الذي أراد أن يسبق أهل الميت في العويل والصياح، فكان في آماله لأصدقائه صهيونيًّا أكثر من الصهيونيين.

ومنهم من تذكر أمانة الفكر وتبعة النصيحة العامة، فقال ما لا يغضب الحقيقة.

ومنهم من لجأ إلى روغان كروغان الساسة، فجاء بكلام لا يربط قائله، ولا يمنعه أن يفسره بما شاء.

فمن المجاملين الذين سبقوا أهل الميت في العويل والصياح كاميل هويسمان Camille Huysmains الفلمنكي الذي كان أستاذًا بجامعة بروكسل، ووزيرًا للعلوم والفنون، ورئيسًا لمجلس النواب، فهذا المجامل الذي جاوز حدود دوره على المسرح حماسة وغيره يقول: إن حل قضية العرب لا يتوقف على العرب، بل يتوقف على البريطان والأمريكيين، وعلى اليهود. ويخيل إليه أنه يقسم الأرزاق للشعوب باسم هؤلاء الذين يتوقف عليهم مصير العرب، فيقول: إن العرب على كل حال لا يحق لهم الشكوى من نصيبهم في الدنيا … لأنه على وفاق هذا الرأي نصيب قد ارتضاه لهم البريطان والأمريكيون واليهود. ويمضي فيقول: إن الصهيونية تستند إلى الضرورة، وإلى السلطان النافذ، وإلى المنطق، ويؤيدها نصير أوروبي من غير أهلها، أراد أن ينفذ إلى لبابها، وقد نظرت إلى الصهيونية بعين وطني فلمنكي يعيش في بلاد البلجيك، وربما استطعت من أجل هذا أن أفهمها بهذه السهولة، وقد اضطر البلجيكيون أيضًا إلى النضال لخلق دولتهم وتقرير مركزها، وثابر على النضال عدة قرون إلى سنة ١٨٣٠، ثم ثابر الفلمنكيون — وهم على الأقل نصف سكان — على نضالهم للاعتراف بحقوقهم الثقافية، فبلغوا به الغاية الموفقة من تجاوز العنصرين واللغتين.

وعند هذا المؤرخ العلامة أن قضية العرب واليهود في فلسطين تشبه قضية البلجيكيين والفلمنكيين، وأن إقامة دولة يهودية في محيط الكمنولث البريطاني ضمان لسلم الصهيونية وسلم القارة الأوروبية وحاجز أمان إلى جوار قناة السويس.

ومن المجاملين المعتدلين كاتب من محبي السلام، منحته لجنة نوبل جائزتها سنة ١٩٣٣، وهو نورمان أنجل Angell صاحب كتاب «الوهم الأعظم» المشهور بالدعوة إلى الإخاء، واحترام الحياة الروحية التي أوشكت أن تفقد احترامها في العصر الحديث.

فهذا الكاتب يترك مسألة الوطن القومي في فلسطين جانبًا، ويوجه التفاته كله إلى مسألة الهجرة، وتيسيرها للمضطهدين من اليهود ومن الشعوب الأخرى التي تضيق بها أوطانها بين الكثرة المتغلبة عليها، ويشير الكاتب إلى المستعمرات البريطانية التي تتقبل الوافدين إليها من الخارج، ولكنها تقيد الهجرة بقيود ثقيلة تكاد أن تمنعها، فيقول: إن المستعمرات حكومات مستقلة بشئونها الداخلية، ولكننا في إنجلترا نستطيع أن نتقدمها بالقدوة الصالحة، فتعدل عن بعض تلك القيود، ولا تقدم على العدول إذا استفادت من جهود المهاجرين إليها.

وتوماس مان كاتب آخر من حملة جائزة نوبل، ومن المتصدرين بين جماعات الدعوة إلى السلام والاجتماع على التسليم، وأصله من سلالة يهودية ألمانية، ولكنه يتجنب الاندفاع في التعصب لقومه، ويحاول أن يصبغ عليهم صبغة العطف على الضعفاء المضطهدين من كل ملة، ومقالته في هذه المجموعة تخلو من ذكر الوطن القومي في فلسطين، وتدور بالأمل كله في مدار الهجرة الميسرة، والتسوية بين اليهودي وغيره في حقوق الوطن والوظائف السياسية، وإذا تعرض لبقاء الصهيونية قال إنها ستبقى في المستقبل، لا كما بقيت في الماضي، وإن مصائب التشريد والاضطهاد لا تدوم على حالة، واحدة. ثم يختم كلامه عن الهجرة بملاحظة علمية، يحث بها الأمم الديمقراطية على تقدير الظروف الاستثنائية في تطبيق قوانين الهجرة، لأن هذه القوانين لا تقدر في الوقت الحاضر أحوال الاضطهاد التي تسوق المئات والألوف إلى مغادرة أوطانهم في آونة واحدة، ثم يقول: عسى أن يفيض المعنيون بمصير اليهود بموجات من العطف والغضب والثبات على المعونة تبلغ إلى السفاحين الذين يزهقون الحقوق والفضائل الإنسانية فيخيفهم، ويكون لها فوق ذلك أثرها الفعال في حث القادرين على المساعدة وتخفيف الآلام.

ومن الذين كتبوا بلغة السياسة في هذه المسألة سيدة إنجليزية اشتهرت في حركة المطالبة بحق المرأة في الانتخاب والنيابة، وهي السيدة كوربت آشبي Corbett Ashby التي نابت عن بريطانيا العظمى بين سنتي ١٩٣١ و١٩٣٥ في مؤتمر نزع السلاح، وقد أيدت الدعوة الصهيونية كل التأييد كأنها ملاذ «احتياطي» لمن يضطرون إلى الهجرة من أوطانهم، وأتبعت ذلك بالتحفظ السياسي الذي تؤكد فيه ضرورة إنصاف العرب إذا أريد منهم أن يتقبلوا الوطن الصهيوني طواعية بحسن نية وبغير إكراه أو مخادعة، وأن ينال العربي جميع الحقوق التي ينالها اليهودي في الدولة الصهيونية.
ويشبه السيدة آشبي في لهجتها السياسية إدوارد هلتون Hulton مؤسس البكتشر بوست Picture Post وغيرها من الصحف العصرية، وهو لا يدين بمذهب حزب من الأحزاب ولا يتقيد بخطة معينة في السياسة البريطانية، وقد ذكر في مقدمة كلامه أن المسلمين تسامحوا في معاملة اليهود خلال القرون الوسطى، وأن اليهود يتعرضون للنفور والجفاء لعزلتهم الدينية والقومية، وأن عداوة الساميين موجودة اليوم في البلاد الإنجليزية، وتزداد بعد الحرب العالمية، ولكنها قد تهدأ بعد هزيمة النازيين، وتبطل الفائدة منها كلما استغنى الحكام المستبدون عن هدف يحولون إليه حماسة الجماهير، ويثيرون به شعور البغضاء الذي يعتمدون عليه في التقرب إلى رعاياهم المخدوعين، ثم انتهى قائلًا: وبعد كل هذا ينبغي أن نعلم أن العرب موجودون في فلسطين، وأنها واقعة لا تبطل بالجدل والمناقشة، ومن المشكوك فيه أن يتحقق إنصاف قوم باغتصاب آخرين، ولا سيما القوم الذين هم طرف ثالث في المشكلة، ولا ذنب لهم فيما وقع على اليهود من إجحاف.

•••

هذه أمثلة من نظرات الأصدقاء المجاملين إلى مصير الصهيونية، تكاد في جملتها أن تنتهي بنا إلى نتيجة واضحة، لا تختلف باختلاف الباحثين ما داموا من الباحثين المسئولين الذين لا يدركون تبعاتهم، ويحاسبون أنفسهم على آرائهم، فما لم يكن الكاتب مأجورًا رخيص الضمير فهو شديد التحفظ في مؤازرة الصهيونية، ومجاراتها على شهوات العصبية التي تزين لها الهيام الأحمق باغتصاب فلسطين، واعتبار المقام فيها — باسم الوطن القومي — حلًّا لمشكلة اليهود، يحسم المشكلة، ويريح الأمم والحكومات من هوس الصهيونيين وأخطارهم التي يجرونها على أنفسهم وعلى سائر الشعوب.

وإذا كانت الدويلة الصهيونية تأتي بنكبات جديدة، ولا تدفع نكبة واحدة — فالمشكلة باقية ما بقيت الصهيونية العالمية، وسلامة العالم أن تقلع الصهيونية العالمية عن هوسها، وأن يقلع المؤيدون لها عن تشجيع ذلك الهوس الوبيل، فإنه لا دوام له مع انقطاع التشجيع والتأييد، وانكشاف السر «العالمي» في عصر لا تحتجب فيه هذه الأسرار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤