النشيد العاشر

أوذيس وذيوميذ يتجسَّسَانِ العدوَّ ليلًا

مُجْمَلُهُ

اضطربت أفكار أغاممنون لخيبة مسعاه في استرضاء آخيل، فلم يهجع طول ليله بل لبث يطوف في المعسكر ويوقظ القواد متبصرًا في السبل المؤدية إلى سلامة الجيش وفوزه على الأعداء. وكان أخوه منيلاوس أرِقًا نظيره فأتاه يشد أزره وينفذ أمره، فأوقظا زعماء الجيش وذهب منيلاوس ونسطور وأوذيس وذيوميذ يتفقدون الحرس فَأَلْفَوْهُمْ متيقظين فخطب فيهم نسطور ثم عقد مجلس الزعماء وأقروا بطلب نسطور على تجسس معسكر الأعداء. وألقوا عبء القيام بتلك المهمة إلى ذيوميذ وأوذيس فذهبا تحت جنح الظلام.

وكان الطرواد قد فعلوا في معسكرهم فعل الإغريق فأنفذ هكطور ذواون يتجسس ليلا. فقبض اليونانيان على الطروادي واستنبآه نبأ جماعته. ولما قضيا وطرهما منه قتلاه وسارا إلى مضارب الثراقيين فَأَلْفَيَاهُمْ نيامًا فقتل ذيوميذ ملكَهم ريسوس وألحقا به اثني عشر جنديًّا من أجناده ثم رجعا بخيله. فاستيقظ الطرواد مذعورين ولكنهم لم يفوزوا بطائل من القاتلَيْن. فاختفى الإغريق بهما واسْتَقْصَوُا الخبر فأخبراهم بما كان.

مجرى وقائع هذا النشيد في الليلة التي جرت بها وقائع النشيد السابق ومشهدها في المعسكرين.

النشيد العاشر١

دون السفائن والدُّجَى قد خَيَّمَا
هجم الهجوعُ على الجيوش مُنَوِّمَا
فتمتعوا بهنيئه لكنَّما
أتريذُ يأرَق بالهواجس مفعَما٢
كقرين هيرا إن أقام مهيِّئًا
بردًا وسيلًا في البلاد عرمرمَا٣
أو رام يستر ثلجُه وجه الثرى
أو تَفْغَرُ الحربُ المهدِّمَةُ الفَمَا٤
في الجو تقصِفُ وامضاتُ بروقِه
كفؤادِ أَتْرِيذٍ يهيج تَضَرُّمَا
لمعسكر الطروادِ يُلْفِتُ تارة
فيرى مقابِسَهُمْ بذيَّاك الحما
وعجيجَهم وصدى ترسُّلِهم على الـ
ـشَّبَّابِ والقصب الرخيم ترنُّما
فيعود مذعورًا وطورًا ينثني
نحو السفائن ثم يُحْجِمُ مرغَمَا
وشعوره بأصولِها وفروعِها
يجتثُّ مبتهلًا لزفس تظلُّما
ويُصَعِّدُ الزفراتِ من لُبِّ الحشا
متبصِّرًا فيما عسى أن يُلْهَمَا
فبدا له أنَّ الصواب بملتقى
نسطورَ عَلَّ لديه رأيًا أقوَمَا
ولعله بحجاه يدرِك منفَذًا
يُوقَى به الإغريقُ شرًّا أعظَمَا
فاشتد منتصبًا وأدرع موثِقًا
خِفَّيْهِ في رِجْلَيْهِ وَثْقًا مُحْكَمًا
وعليه ألقى جلد قَسْوَرَةٍ إلى
عَقِبَيْهِ يسترُه وقَلَّ اللَّهْذَمَا٥
وقضى مَنِيلَا ليلَه أرِقًا علَى
قلق يفكِّرُ ساهدًا متألِّمَا
يخشى على القومِ الأُلَى خاضوا العُبَا
بَ لأجله وأَتَوْا يُرِيقُونَ الدِّما
فعلى عريض الظهرِ ألقى مسرعًا
بردًا بَهِيًّا جلدَ فهدٍ مُعْلِمَا٦
وتَرِيكَةُ الفولاذ تعلو رأسه
وبصُلب راحته السنان مقوَّما
وعَدَا ليُوقِظَ سيدَ القوم الذي
كعظيم ربٍّ فيهم قد عُظِّمَا٧
ألفاه في راس السفائن قائمًا
مستبشرًا لقدومه مستلئمَا
فبدا مَنِيلَا بالخطاب: «أخي لِمَا
ذا أنت مُدَّرِعٌ أتبغي سيِّدا
متجسِّسًا يأتي العُداة وخشيتي
أن لا ترى قَرمًا يُلَبِّي مفرَدا
ولئن وقعتَ عليه في قلب الدجى
فلذاك قلب لا يُرَاعُ من الرَّدَى»
فأجاب: «أنت بحاجة وكذا أنا
لمُصِيبِ رأيٍ نبتغيه مُنْجِدَا
أفلا ترى زَفسًا تغيَّر مؤثِرًا
قربان هَكْطُرَ فاجتباه مؤيِّدا
ما خلتُ ما بُلِّغْتُ قَرمًا غيرَه
أمثال هذا الويل أنزلَ في العدى
ما كان للأرباب يُنْسَبُ مَوْلِدًا
وأنالنا الويلاتِ تُذْكَرُ سرمَدَا٨
فامض ادع آياسًا وإِيذُمِنًا كذا
كَ أنا إلى نسطورَ أذهب مُقْعِدَا
فعساه في الحراس يُنْفِذُ أمرَه
مذ فيهمُ قد كان أرفع سؤدُدا
وعليهم من قبلُ أمَّرنا ابنَه
والشهم مريونًا» فقال وقد عدا:
«أفبانتظارك أَلْبَثَنَّ لديهما
أم أُبْلِغَنَّ وأَرْجِعَنَّ مُخَوِّدَا»٩
قال: «ابق ثَمَّةَ فالمعسكر سُبْلُهُ
شتى وأخشى أن نُضَلَّ بها الهدى١٠
سِرْ صائحًا بالجيش يصحُ مناشدًا
كُلًّا أباه ومُنْتَمَاهُ مَحْتِدَا
عَظِّمْهُ لا متعظمًا واجهد فزَفـ
ـس منذ نشأتنا قضى أن نُجْهَدَا»١١
فكذا أغاممنون حَضَّ شقيقَه
ولِخَيْمِ نسطورَ الحكيم تقدَّما
ألفاه قرب خيامه وسفينه
وَسِنًا على غض الفراش قد ارتمى
وتليه شِكَّتُهُ البهية خوذةٌ
والجوبُ والرمحانِ ثَمَّةَ قُوِّمَا
وكذاك لَأْمَتُهُ التي يجري بها
للحرب في صدر الفوارس مُقْدِمَا
شيخٌ وما أيامه بمُذِلَّةٍ
لقواه بل ظلَّ الكميَّ الْأَيْهَمَا١٢
فَصَحَا يُمِيلُ الرأس متكئًا على
يده وأَترِيذًا دعَا مستفهما:
«من أنت من بين السفائن والحِمَا
والناسُ ناموا في الدجى قد أسأدا١٣
أفرمت بعض الصحب أم حراسنا
لا تأتِني بالصمتِ قل لك ما بدا»١٤
فأجاب: «يا نَسْطُورُ يا فخر الأرا
غِسِ ذا أغاممنون فاعرفْه اغتدى
زَفْسٌ يهيل عليَّ من دون الورى
جهدا مدى عُمُرِي يدومُ على المدى
ولقد جفا طرفي الهجوع وساقني
قَلَقِي فجئتُك قاصدًا مُسْتَنْجِدَا
أبدًا يؤرِّقني وبالُ رجالنا
والحرب قائمةٌ ومرجعهم غدا
فالنفس بي جاشت وقلبي خافقٌ
ومفاصلي ارتعدت وعزمي بُدِّدَا
أفلا أتيتَ وأنت مثلي ساهدٌ
تمضي إلى الحراس كي نَتَفَقَّدَا١٥
فلعلهم في جُهدهم ونُعاسهم
تركوا خِفَارَتَهُمْ وباتوا رُقَّدَا
فمعسكر الأعداء ذاك ورُبَّمَا
في الليل أورى حربَه مُتَمَرِّدَا»
فأجاب نسطورٌ: «أيا مولى الورى
ما خلتُ زَفْسَ مرامَ هَكْطُرَ مُسْعِدَا
ولسوف يأخذه العناءُ إذ ارعوى
آخيلُ يُخمِد غيظَه المتوقِّدا
وَلْنَمْضِيَنَّ فإنني لك تابع
فنقيم هاتيك السراةَ الهُجَّدَا
ذا الرمح ذُومِيذًا وأُوذِيسًا وآ
ياسَ السريعَ ومِيجِسَ الْمُتَجَلِّدَا
ولنطلبنَّ الملكَ إيذُمِنًا وآ
ياسَ الكبيرَ ففي السفائِنِ أَبْعَدَا
وكذا مَنِيلاس الذي أجللته
ولئن تُغَظْ فسألتقيه مندِّدَا
ما كان أجدَرَهُ يليك محرِّضًا
أبطالنا متزَلِّفًا متودِّدَا
أفيهجعنَّ ويتركنَّ لك العَنا
والرُّزءُ برَّح والوَبالُ تَشَدَّدَا»
فأجاب أتريذٌ: «نعم يا شيخ كم
قبلًا سألتُك أن تليهِ مُفَنِّدَا١٦
قد ينثني حينًا ويلبَثُ مُحْجِمًا
لا غفلةً وتقاعسًا وتعمدَا
لكنه أبدًا يُبارِي موقفي
حتى يكون بحسنِ مسراي اقتدى
وقد اغتدى قبلِي وقد أرسلتُه
بطلاب أقيالٍ أتيتَ معدِّدَا١٧
أقبِلْ نُوَافِهِم لدى الحراسِ في الـ
أبواب حيث لهم ضربت الموعدا»
فأجاب نسطور: «وما مِنْ لائمٍ
يعصيه إن يأتِ الجنودَ مشدِّدا»
ثم انثنى للدِّرْعِ يلبَسُهَا وللـ
ـحِقَّيْنِ يوثق محكمًا بعُرَاهُمَا
ورداؤه بُرْدٌ من الصوف الكَثِيـ
ـفِ مبطن بِبَهِيِّ فِرْفِيرٍ سما
بعراه شد يقلُّ رمحًا ساطعًا
فولاذه ثم السفائن يمَّمَا
ومضى يصيح فكان أوَّلُ من دعا
أُوذِيسُ ذيَّاك الهمامَ الأحكَما
فإذا به والصوتُ يخرق لُبَّه
من باب خيمَتِهِ عدا متكلِّما:
«فعلام ما بين السفائن والحِمَا
هذا التجول والظلام تلبَّدا»
فأجاب نسطور: «مَهٍ وانظر لما
جيشَ الأراغسِ بالهلاك تهدَّدا
إِلْحَقْ بنا ندع السَّرَاةَ ونرتئي
أنكر أم تأوي الكتائب شردا»
فلخَيْمِهِ أوذيس بالعجل انثنى
وأتى بمِجْوَبِهِ وأدلج معْهما
لحِما ابن تِيذِيسٍ مضوْا فإذا به
بسلاحه تحت الفلا قد هوَّما
ووسادُهُ زُرْبِيَّةٌ ملفوفةٌ
وفراشه من جلد ثورٍ أسحَمَا١٨
ورفاقه من حوله بهجوعهم
كُلٌّ تَوَسَّدَ تُرسَه متجشِّما١٩
ورماحهم أعقابها تحت الثَّرى
وظُبَا أسنَّتِهَا تَأَلَّقُ في السما٢٠
فإليه نسطور تدنَّى مُمْسِكًا
عقبيه ثم دعا يصيح تَهَكُّمَا:
«قم يا ابن تيذيسٍ أليلَك كله
تكرَى ومن لَغَبِ العِدى ارتفع الصدى
أفخِلْتَ جيشهم إزاء سفيننا
في السهل فوق هضابه قد أنجدا»
هب ابن تِيذِيسٍ وقال: «لَكَمْ أرى
يا شيخُ نفسك قد جهدتَ مُنَكِّدَا
أفما بأبناءِ الأخاءَةِ فتيةٌ
يَسْعَوْنَ في استنهاض قومِك رُوَّدَا
لكن أبيتَ سوى الجهاد ذريعةً
وعظيم بأسك للجهاد تعوَّدا»
فأجاب نسطورٌ: «أصبت فإنَّ لي
وُلدًا وغلمانًا تُلَبِّي المقصِدا
لكننا في موقف حَرِجٍ على
أمضى من المُوسى حياةً أو رَدَى٢١
فاذهب وأنت فتًى وتكفيني العنا
أيقظ أياسَ ومِيجِسًا مسترفِدا»
فعليه ألقى جلدَ قسورة إلى
عقِبيه يستره وقَلَّ اللهذما
فمضى أتى بهما وجمعُهُمُ جرى
يمضي إلى حُرَّاسِهِم مستعلما
فبدا لهم زعماؤهم في يقظة
بسلاحهم كلٌّ حِماه قد حمى
مثل النواهس في الحظائر سُهَّدٌ
حول الخرافِ وسبعُ بَرٍّ هَمْهَمَا٢٢
فالوحش منحدر من الشُّمِّ العلى
في غابه ودُجَى الظلام تَقَتَّمَا
والناس تقحَم والكلاب بصَيْحَةٍ
من حوله في الليل كي لا يَقْحَمَا
فالنوم يهجرهم كما هجر الأُلَى
خفروا الجنود بجنح ليل أظلما٢٣
أبدًا بذاك السهلِ يحدق طرفهم
مصغين خوف عدوِّهم أن يَدْهَمَا
فاهتز نسطورٌ لرؤيتهم على
حذرٍ وقال مطيِّبًا متبسمًا:
«إيهٍ بَنِيَّ خفَرتم فتيقظوا
أو لا فنمسي للأعادي موردا»
واجتاز من ثَمَّ الحفيرَ وخلفَه
صيدُ السُّرَى حتى تَبِتَّ وتُبْرِمَا
وكذلك الشهم ابن نسطورٍ ومِرْ
يُونًا لذاك المنتدى استدعوهما
حلوا محلًّا لم تدنسه الدِّمَا
حيث التوى لليل هَكْطُرُ مُحجِما٢٤
فهناك مجلسهم تألَّف وانبرى
نسطورُ يفتتح الحديثَ المفحِما:
«أَبِكُمْ فتًى صحبي بثَبتِ جنانه
عبءَ التجسسِ في العداة تقلَّدا٢٥
فعسى يفاجئُ منهم فردًا نأى
أو عنهم يروي حديثًا أُورِدَا
ويرى أَعَزْمُهُمُ التثبتُ للوغى
قرب السفائن شدةً وتوقدَا
أم عودةٌ لديارِهم من بعدما
قد أعملوا فينا قنًا ومُهَنَّدا
وعساه يسمع ثمَّ يرجع ذاخرًا
في الأرض ذكرًا والسماءِ مخلدا
وكذاك نحبوه جَدًا لم يَحْوِهِ
أحدٌ ولم يظفر بذيَّاك الجَدا
من كل قيلٍ في السفائن نعجةٌ
سوداء ترضع خير جدي أسودا
ويكون في كل الولائم والمآ
دِبِ من ذوي القربى الأعزَّ المُفْتَدَى»
فالصمتُ طال بهم فصاح ذِيومِذٌ:
«قلبي يحدِّثني بأن أتجردا
فأنا أيا نسطور أخترق العِدى
فهم بمقربةٍ ولن أتردَّدا
لكن معي إن سار من أصحابنا
أحدٌ أَزِيدُ تشددًا وتجلدا
إذ حيث سارَ اثنان بعضُهما بَدَا
لا شك أدرك للمَرام وأرشدا
والفردُ لو نظر السدادَ فربما اعـ
ـتاص السدادُ على حجاهُ وعُقِّدَا»٢٦
فلَحَاقَهُ الجمُّ الغفيرُ تَطَلَّبُوا
ذاك الأياسُ وذا الأياسُ كلاهما
وكذا ابن نسطورٍ ومِرْيُونُ الفتى
وكذا مَنِيلَا مَن لِأَتْراسَ انتمى
وأُذِيسُ ذيَّاك الهمام أخو النهى
من لاختراق سرى العداة تحدَّمَا٢٧
كلٌّ يروم لِحَاقَهُ لكنَّمَا
أَتْرِيذُهُمْ حسمَ الجدالِ مُحَكَّمَا:
«لك يا ذيوميذُ الخيارُ فخذ إذن
مَنْ رُمْتَ أبسَلَهُمْ وأطولَهم يدَا
لكن حذارِ بأن تعافَ جديرَهم
عطفًا على من كان أكرمَ مولدَا»٢٨
فبذاك أتريذٌ أشار ترفُّقًا
بأخيه قال: «لي الخيار إذا غدَا
أفلا أرى مولى أثينا أُوذِسًا
والعزمَ والرأيَ الرجيحَ مُسَدَّدَا٢٩
وإذا بقلب النار كنتُ رفيقَه
فبحزمه نلقى لمخرَجِنَا مدى»
فأجاب أوذيسٌ: «مهٍ لا تَمْدَحَنْ
أو تَقْدَحَنَّ مُخَفِّضًا ومُصَعِّدَا
قد قمتَ ما بين الأغارِق خاطبًا
وجميعُهُم عرفوا الصحيحَ المسنَدَا
فالليلُ من أثلاثِهِ ثُلُثَيْنِ قَدْ
أفنى وأبقى منه ثلثًا أَوْحَدَا
والفجر دانٍ والظلامُ مُسَارِعٌ
والنجم مالَ فقُمْ فقد قصُر المدى»٣٠
نهضا وبالعَدَدِ الثقيل تدججا
والشهم ثَرسِيمِيذُ قام إليهما
أعطى ذِيُومِيذًا حسامًا قاطعًا
حدَّاه مُذْ قد كان أعزلَ أقدما
ومِجَنَّهُ وتَرِيكَةً جلديةً
ملساءَ للفتيان كانت مَعْلَمَا
وأُذِيسَ مِرْيونٌ أعار سلاحَهُ
قوسًا وجُعْبَتَهُ وسيفًا مِخْذَمَا٣١
وتريكة جلدية بلفائفٍ
من داخلٍ من فوق صوفٍ أنعَمَا
وأُدِيرَ من سِنِّ الخَرَانِيصِ البَهِيْ
صَفٌّ عليها خارجًا قد نُظِّمَا
قد كان عَفْطُولِيقُ في إِيليُّنٍ
من صرح آمنطورَ أحرزَ مَغْنَمَا
ولأَمْفِدَامَاسٍ بإِسْقَنْدَا حَبَا
فَبِهَا على مُولُوسَ ضيفًا أنعمَا
وأنالها مُولُوسُ مِرْيُونَ ابنَه
وكذاك مريونٌ لأوذِسَ سَلَّمَا٣٢
فكذا بِرَوَّاعِ السلاح تقدَّما
وإذا بطير سار عن يمناهما
رَخَمٌ أثينَا سيَّرَتْهُ وفي الدجى
سَمِعَا وما رَأَيَا يصيح مُنَغِّمَا
فاهتز أوذيسٌ له مستبشرًا
ووعا وخيرَ الفألِ فيه توسَّمَا:٣٣
«يا بنت رب الْجَوْبِ كم أوليتِني
عونًا جميع مسالكي قد مَهَّدَا
فالآن غوثَك مذ علمتِ مآربي
ولنا أتيحي العودَ عودًا أحمدَا
فنُجَشِّمَ الطروادَ قبل مآبِنا
مَضَضًا يذيقهم النكالَ مؤبَّدَا»
ثم انبرى ذَومِيذُ يدعو بعده:
«يا بنت زفس كذا اسمعي مني النِّدَا
ومعي فسيري مثلما في ثِيبَةٍ
رافقت قبلًا تِيذيُوسَ الأمجدَا
لما كتائبنا ثغورَ أسوفُسٍ
حَلَّتْ إلى أبناءِ قُدْمُسَ أُوفِدَا٣٤
فقضى مآل رسالة سلميةٍ
ثم انثنى فَوَلِيتِهِ فَتَسَوَّدَا
وقضى العجاب بعوده فكما أثي
واليتِ لي كوني الرفيقَ المرشدا
ولقد نذرتُ ضحية بتبيعة
جبهاءَ ما رفعوا إليها المضمَدا٣٥
ولقد نذرتُ كذاك نذرًا صادقًا
من فوق قرنيها أذُرُّ العَسْجَدَا»
دَعَوَا وسارا بعد بَثِّ دُعَاهُمَا
ولدى أثينا حلَّ صوت دُعَاهُمَا
وتقدما أسدين بين ظلائمٍ
وجماجمٍ وملاحم تلقاهما
أما الطراود فانبرى هَكْطُورُهُمْ
يدعو الأماثل خشيةً أن يهجعوا
حتى إذا التأموا بمجلسِه ارتأى
أمرًا فقال لهم وكلٌّ يسمع:
«من منكم إن يؤتَ خيرَ هديةٍ
عهدًا يعاهدني يُلَبِّي المطلَبَا
فينال أكرم سَلْهَبَيْنِ لدى العدى
وأعزَّ مركبةٍ يَجِلُّ بها الحبا٣٦
ويفوز بالشرف الرفيع إذا مضى
يتجسَّسُ الأعداء في طلب النَّبَا
أهُمُ على ما عُوِّدُوا من يَقْظَةٍ
أم هَدَّ عزمهم النكالُ منكِّبًا
والعَيُّ أقعدهم وقد أنِفُوا السُّهَا
دَ مُعَوِّلِينَ على التملص مهربَا»
صَمَتُوا فقامَ فتًى دَعَوْا ذُولُون أُو
مِيذٍ فبرَّز بالنفائس يَطمعُ
فَيْجٌ توفَّر عنده بخزائنٍ
فولاذُه ونُضارُه الْمُتَجَمِّعُ
ووحيد والده لخمسِ شقائق
أعداهم جريًا ووجهًا أشنعُ
قال: «اصغَ هكطورٌ فإن بخاطري
جأشًا يحدثني بأن أتأهَّبَا
وأسيرَ للأسطول ليليَ راصدًا
حركاتِهِم متحسِّسًا مترقِّبا
فارفع عصاك إذن وأقسمْ مُثْقِلًا
أني أُثَابُ إذا عزمتُ مُأَوِّبَا
بجياد آخيلٍ ومركبةٍ بها
فولاذُه الصلبُ المُؤَلَّقُ رُكِّبَا
فأسير مخترقًا إلى لُبِّ الحِمَا
أعتانُ ثم لَأَبْلُغَنَّ المركَبا٣٧
حيث الملوكُ لدى أَغَامَمْنُونَ قد
رأوُا الفرار أو التربصَ أرغَبا
ما كنت تعلم دَيْدُبَانًا جاهلا
حتى لِظَنِّكَ بي أكون مخيِّبًا»٣٨
رفع العصا بيديه هَكْطُرُ مقسِمًا:
«إِسْتَشْهِدَنَّ عليَّ زفسَ المُرهِبا
لن يعلون سواك خيلَ أخيلَ بل
ستنالها مني حلالًا طيبَا»٣٩
ما كان هكطورٌ ليُقسم صادقًا
لكنه ذولون شدد يُقْنِعُ
عجلًا مضى يأتي بقوس فارجٍ
وبفرو ذئبٍ أبيضٍ يتلفَّعُ٤٠
وبمِغْفَرِ السنجابِ يستر رأسه
وسنانُ عامله المثقَّف يلمَعُ
لمواقف الأسطولِ سار وإنما
هيهاتِ من تلك الرسالةِ يرجع
حتى إذا بَرِحَ الحما والخيلَ والـ
ـفرسان جَدَّ مسيرَه يتسرَّع
فرآه أُوذِسُ قال: «يا ذُومِيذُ ذا
عين من الأعداء جاء مُحَجَّبَا
أترى أتى كي يَرْقُبَ الأسطول أو
من عُدَّةِ القتلى يَغُلَّ ويَسْلُبَا
دعه إذن حتى يمر أمامنا
فعليه نقبِضُ حيث يُحْرَجُ مذهبا
لكن إذا ما اجتازنا عدوًا ولم
ندركه بالرمح اقْتَفِيهِ مصوِّبَا
واقطع سبيل قفوله لرجاله
وإلى السفائن رُدَّهُ متعقبا»
فتواريا زحفًا على القتلى على
جَدَدِ الطريق وذاك جهلًا يهرع
حتى تناءى قيدَ ثَلْمٍ قاطعًا
مما تُثَلِّمُهُ البغالُ وتقطع٤١
(إن البغال لِشَقِّ قلب الأرض في الـ
ـمحراث من بقر الزراعة أَنْفَعُ)
فتقفَّياه فحَلَّ وقع خطاهما
في سمعه فلوى الخُطَى يَسَّمَّعُ
أملًا بأن سعاة هَكْطُرَ وُجِّهَتْ
بلحاقه فأتت تَجِدُّ وتسرع
لكن على مرمى القنا عرَف العدى
فجرى وكلٌّ منهما يتتبع
كالخَيْطَلَيْنِ مُثَقَّفَيْنِ تَأَثُّرَا
في الغاب أرنبةً وخشفًا يرتع٤٢
ذو الناب بالناب الحديد مُرَوِّعٌ
والخشف يثأجُ واثبًا يتروَّع٤٣
فَصَلَاهُ عن جيش الطراودِ نائيًا
حتى على العُسَّاسِ أوشك يُدْفَعُ
دفعت فَلاسُ ذِيُومِذًا بعزيمة
كي لا يصول عليه قَرْمٌ أمنعُ
ويكون ذاك القرم أوَّلَ طاعن
وذِيُومِذٌ بالطعن تالٍ يتبع
هز القناة وقال: «قف أو لا فَخُذْ
تؤتيك أُنْبِئُكَ الحمامَ مُقَرَّبَا
فرمى يُصَرِّحُ فوق كاهِلِهِ بِهَا
عمدًا فغاصت في الثرى تترعرع٤٤
فانهدَّ ممتقعًا وأُوْقِفَ هالعًا
مُصْطَكَّةٌ أسنانُه يَتَلَعْلَعُ٤٥
وَثَبَا عليه ومن يديه أمسكا
هُ فقال يشهق باكيًا يَتَخَضَّعُ
«عفوًا وتُجْزَلُ فديتي ذهبًا وصُفْـ
ـرًا والحديد مُثَقَّفًا ومُصَلَّبَا
وأبى يُنِيلُكُمَا الغنى إمَّا درى
أني على الأسطول حيٌّ في الخِبَا»
فأجاب أوذيسٌ بحكم دهائه:
«فاسكن ولا تخش الردى مُتَهَيِّبَا٤٦
قل صادقًا ما جئتَ ترقب مفردًا
والناس ناموا والظلامُ تَقَطَّبَا
أفجئتَ تسلُب أم بغى بك هَكْطُرٌ
عينًا لموقفنا أُسِيرَ ليَرْقُبَا
أم جئت من تلقاءِ نفسك خابطًا»
فأجاب يخفُق جازعًا يَتَهَلَّعُ:
«بل هكطرٌ أغرى وأورثني البلا
إعدادُه صِلَةً يَجِلُّ بها الحِبا
أفراسَ آخيلٍ ومركبةً بها
فولاذُه الصلبُ الْمُؤَلَّقُ رُكِّبَا
لأسير والليلُ ادْلَهَمَّ مسارعًا
لمواقف الأعداءِ في طلب النَّبا
أسفينَكم صُنْتُمْ كسابق عهدكم
أم هد عزمكم الوبالُ مُنَكِّبَا
والعي أقعدكم تعافون السُّهَا
د معوِّلِين على التملص مهربا»
فأجاب مبتسمًا أُذِيسُ: «نعم فقد
أُطْمِعْتَ في صِلَةٍ تعِزُّ تَطَلُّبَا
لكنما هيهات إِنْسِيٌّ على
تلك الجياد يُطيق أن يتغلبا
إلا أخيل وذلك ابن إلهة
فاصدُق وقل لي أين هَكْطُرُ كَوْكَبَا
وسلاحه وخيوله وعيونُه
ومعسكرُ الطرواد أين تَرَتَّبَا
أعلمت عزمهم التربُّصَ للوغى
قرب السفائنِ شدةً وتصلُّبا
أم عودةً لديارهم من بعدِ مَا
قد أعملوا فينا الحسام الأشهبا»٤٧
فأجاب ذولونٌ: «سأصدقُك النبا
عن كل ما قد رُمْتَ تعلم مُعْرِبَا
هكطورُ عن لغب الوغى في عُزْلَةٍ
من نخبةِ الزعماء أَلَّفَ موكِبا
وهناك في شوراه أهلُ المنتدى
يقضون حول ضريح إيلُو المُجْتَبَى
لم ينظِموا حرسًا على جنباتهم
لكنَّ جيشهم الهجوعَ تجنَّبَا
وأقام من حول المقابس ساهدًا
متكاثفًا متيقِّظًا متألِّبا
لكنما الحلفاءُ ليس وراءهم
ولد وأزواجٌ تُرَامُ فَتُسْتَبَى
أَلْقَوْا على الطُّرْوَادِ عِبْءَ هُجُودِهِمْ
ولفيفُهُم عذبَ الهجوع استعذبا»٤٨
فأجاب أوذيسٌ: «وهل هُمْ جملةً
أم كلُّ قومٍ في حماه تَكَتَّبَا»
فأجاب: «من بعد اقتراع قُيُولِهِمْ
في الجُرْفِ عسكر قاريًا قد طنَّبَا
وكذا رماة فِيُونيا وفَلَاسِجٍ
قَفْقُونَةٍ والكل يهجع مُتْعَبَا
وكذلك اللِّيلِيجُ ثم بِثِمْبَرَا
قد حل فَيْلَقَ لِيقِيَا فوق الربى
وكماة خيل مِيُونيا وفَرِيجِيا
وهناك عسكر مِيسِيَا آلُ الظُّبَى٤٩
وعلام ذا التنقيبُ دونكما الهدى
إن تطلبا ثَمَّ الولوجَ وترغبا
فهنا الثَّراقَةُ جيشهم توًّا أتى
طَرَفَ الحِمَا حَلُّوا مكانًا أقرَبَا
ومليكهم رِيسُوسُ خِلْتُ خيولَه
كالثلج نُصْعًا والعواصف هُبَّبَا
وعجيب مركبةٍ تُنِيرُ بعَسْجَدٍ
حول اللُّجَيْنِ على سلاحٍ أعجبا
ما كان يجدُر صُنْعُهُ ونَضَارُهُ
بالإنسِ بل ويَزِينُ ربًّا أَهْيَبَا
فبِيَ اقصدا الأسطول إما شئتُما
أو لا وثاقي فاشدُدَاهُ واذهبا
وتحققا أصدقتُ فيما قلتُه
أم رمتُ عمدًا أن أروغ وأكذِبا»
فعدا ذيوميذٌ يحملق صارخًا
«لا تجعلنَّ لك التملص مأربَا
بك قد ظفرنا لا ترُم لك نجوةً
ولئن بذلت لنا البلاغَ الأصوبا
فإذا حييت مُسَرَّحًا أو مُفْتَدًى
فلسوف ترجع راقِبًا أو مُحْرِبَا
لكن إذا أُورِدْتَ في العَجَلِ الرَّدَى
بين الأخاءَةِ لن تَرُودَ وتضرِبا»
فأشار ذولونٌ لعارضه يَمَـ
ـسُّ بكفه متشفعًا يتضرع
لكنْ ذيوميذٌ على العنق انثنى
بحسامه الْعَضَلَيْنِ قطعًا يَقْطَعُ٥٠
فالرأس أهوى للحضيض مصدَّعًا
مذ كان يهتف صارخًا يتصدَّع
وكلا ذيوميذٍ وأوذِسَ عامِدٌ
لتريكةٍ والقوسَ منه يَنْزَعُ
وكذاك جلدَ الذئب والرمحَ الطَّوِيـ
ـلَ وكلها أوذيسُ أمسك يرفع
نذرًا لآثينا يقدِّم هاتفًا:
«يا ربة اقْتَبِلِي السلاح مُخَضَّبَا٥١
من كل آل الخلد أبناءِ العلى
فلأنتِ أول من نروم تقرُّبَا
وبِنَا إلى حيث الثَّرَاقَةِ عسكروا
بخيولهم سيري فلن نَتَحَسَّبَا»
وبجذع طرفاءٍ أناطَ مُكَثِّفًا
قصبًا وأوراقًا عليها تُجْمَعُ
سِمَةً بَغَى في جنح ذَيَّاكَ الدُّجَى
لهما فلا تخفى به وتُضَيَّعُ
وتقدَّما بين القواضب والدِّمَا
فإذا الثراقَةُ بالهجوع تمتَّعُوا٥٢
وإزاءَهم فوق الحضيض سلاحُهُمْ
سطرًا ثلاثةَ أسطُر قد جمَّعُوا
وإزاءَ كلِّ فتًى جواداهُ وفي
قلب الكُماة مليكُهم متمنِّع
ووراء مركبةٍ تليهِ أُوثِقَتْ
أفراسُهُ الأنجابُ لا تتفزَّعُ
فهناك أُوذِسُ كان أوَّل باصرٍ
فإلى ذيوميذٍ أشار يُشَجِّعُ:
«هاك الكَمِيَّ وهاكَها أفراسَه
ذولونُ لم يَكُ مائنًا متكذِّبا
فالبأس بأسك صُلْ فأنت مُدَجَّجٌ
أو شأنُنَا ذا اليومَ أن نَتَنَكَّبَا
حُلَّ الجياد وإن تشأ فأَحُلُّها
واضرب بأعناق الرجال مقضِّبَا»
ويدَ ابنِ تِيذِيُسٍ أثينا شَدَّدَتْ
فانقضَّ أسبابَ الرقابِ يُقَطِّعُ
سَيْفٌ فَرَى ودَمٌ جَرَى صَبَغَ الثَّرَى
وَتَصَدُّعٌ وَتَوَجُّعٌ وَتَفَجُّعُ
كالليث فاجأ ثُلَّةً لم يرعَهَا
راعٍ فمزَّقها وما هو مُقْلِعُ٥٣
ما زال يبطُش فاتكًا حتى فرى
بحسامه اثني عشر قَرمًا يَصْدَعُ
وأُذِيسُ ثَمَّةَ كلما قُتِلَ امرُؤٌ
عقبيه يَقْبِضُ والطريقَ يوسِّع
حرصًا على الخيل التي ما عُوِّدَتْ
عدوًا على القتلى فلا تَتَضَعْضَعُ
حتى إلى رِيسُوسَ ثالثِ عَشْرِهِمْ
بلغا فجندله ذِيُومِذُ يصرَع
أرداه وهو مُصَعِّدٌ زفراتِه
قَلِقٌ لِطَيْفٍ زارَه يتجزَّع
طيفًا بشكل ذِيُومِذٍ فالاسُ قد
بَعَثَتْ على رأسِ المليك يُوَقِّعُ٥٤
وأُذِيسُ حلَّ الخيل يقرِنها بمِضْـ
ـمَدِهَا وجَدَّ بها يسير ويُقْلِعُ
وبقوسه يستاقها مذ فاته
سوطٌ بمركبة أُنِيطَ مُرَصَّعُ
حتى نأى فدعا ذِيُومِذَ صافرًا
لكن ذِيُومِذُ ظلَّ لا يتزعزع٥٥
مترددًا أبجذعها يَجْتَرُّ مَرْ
كبةً سلاحُ رِسُوسَ فيها يسطَع
أم بين كلتا راحتيه يُقِلُّهَا
أم غُصَّةَ الموت الثَّرَاقِ يُجَرِّعُ
وإذا بفالاسٍ إليه دنت تقو
لُ: «ذِيُومِذٌ قد حان أن تتأوَّبا
فلرُبَّ رَبٍّ يوقِظ الطرواد في
عجلٍ فتُحْرَجَ للهزيمة مُرْعَبَا»
فوعى ذيومذُ صوتَها ثم اعتلى
عَجَلًا وأُوذِسُ بالحَنِيَّةِ يقرع٥٦
فإلى الحمى طارا ورَبُّ النور فِيـ
ـبُسُ راقِبٌ حركاتِهَا متطلِّع
لم تَخْفَهُ فَالَاسُ ذُومِيذًا تَلِي
فانقضَّ محتدمًا وراح يُفَزِّعُ
وإفُوقُنًا من آلِ رِيسُوسٍ ومُرْ
شِدَ قومه في الحال نبَّه يُجْزِعُ٥٧
فرأى يَهُبُّ تذعُّرًا ما قد جرى
فدعا رسوسَ رفيقَه يتوجَّع
الناسُ تخبِطُ بالدماءِ أمامَه
والخيلُ مربطها لديه بَلْقَعُ
فتهافت الطُّرْوَادُ بين ضَجِيجِهِمْ
مُتَذَعِّرِينَ لِما رأوه وأُسْمِعُوا
واستعظموا قِحَةً بها هَجَمَ العِدَى
فسَطَوْا وللأُسطول ليلًا أزمعوا
وذِيُومِذٌ وأُذِيسُ لمَّا بُلِّغَا الـ
أسلابَ حيث اسْتُبْقِيَتْ تُسْتَوْدَعُ
وَثَبَ ابن تِيذِيسٍ تَنَاوَلَهَا وفي
عَجَلٍ إلى أوذيسَ أقبلَ يدفع
ثم اعتلى والخيلَ ساط فطُيِّرَتْ
للقوم يحملها الطريق المَهْيَعُ٥٨
وبهم بدا نسطور أَوَّلَ سامعٍ
قال «اسمعُوا يا صحبِ حدسي ما نَبا٥٩
قد دَبَّ في أذني وقلبي مُنْبِئِي
خَبَبٌ بِكَبْكَبَةِ الجياد مُدَبْدِبَا٦٠
فعسى ذيوميذٌ وأوذسُ أقبلا
ومن العدى خيرَ الجياد استصحبا
أخشى التألُّب في العداة عليهما
فعساهما ببليةٍ لم يُنْكَبَا»
ما كاد نسطورٌ يُتِمُّ كلامه
حتى من البطلين هَلَّ المطلع
فترجَّلا والكل جاء مُسَلِّمًا
بيمينه وصدى المديح يُرَجِّعُ٦١
فبدا بهم نسطور أول سائل
والكل مُصْغٍ للنبا متوقِّع:
«يا فخرَ آخايَ المبجَّل أوذِسًا
هذي الجيادُ فقل أكانت مكسَبَا
أم رَبُّ خلد ساقها صلةً أرى
كالشمسِ تلهَبُ بالشعاع تلهُّبا
فلقد هَرِمْتُ وخُضْتُ كل كريهة
وأبيتُ عمري عزلةً وتحجُّبا
لكنني لم أُلْفِ عمري مثلَها
فلرُبَّ رَبٍّ مُجْتَبٍ لكما حبَا
فكلاكما للرَّبِّ زفسَ وبنتِه
فالاسَ كان مقرَّبًا ومحبَّبَا»
فأجابه أوذيسُ: «يا نسطورُ يا
شرف الأخاءةِ والحكيمَ الأنجبا
فالرب والأربابُ آل كرامةٍ
لو شاء أتحفنا جيادًا أطيبَا
لكنَّ هذي الخيل إثراقيةٌ
جاءت حديثًا فانظرَنْ وتَعَجَّبَا
فذِيُومِذُ المقدام أردى قَيْلَهُمْ
وإزاءَه اثني عشْر قَرمًا خَضَّبَا
وكذا بثالثِ عشرهم فُزْنَا وكَا
ن إلى السفائن قادمًا متقرِّبا
عينٌ أُسِيرَ لهَكْطُرٍ ورفاقه
مستطلعًا أخبارنا متطلِبا»
واجتاز بالخيلِ الحفيرَ بغبطةٍ
وكذا الجميع على المسرَّة أجمعوا
صحبوه حتى خيمةٍ لذيومِذٍ
والخيلَ فيها في المرابطِ أودعوا
وهناك في الحب الشَّهِيِّ جيادُه
بمذاودٍ نُصِبَتْ لديها رُتَّعُ
ومضى أُذِيسُ بمنتهى أشراعه
أسلابَ ذولونَ الخضيبةَ يشرَع٦٢
نذرا يُعِدُّ بها وكلٌّ منهما
في البحر خاض مسارعًا يستنقِع
ساقيه والفخذين يغسِلُ دالِكًا
عنُقًا بها عرقٌ يسيل ويَهْمَعُ
حتى إذا ما اليمُّ رطَّب جسمَه
للمِسْبَحِ المصقولِ بادر ينزَع
مستأنفًا غُسْلًا به متطيِّبًا
زيتًا به الجسم المرطَّب يمرع٦٣
ثم اغتدى لطعامه وهناك ضا
في الدَّنِّ بالخمر الشهيَّة مُتْرَعُ
منها يريق بأكؤسٍ مملوءَةٍ
نذرًا لآثينا بها يتشفَّعُ

هوامش

(١) نظمنا هذا النشيد على بحر واحد كأنه قصيدة واحدة قسمناها إلى قسمين: القسم الأول لوصف مجلس الإغريق وما تقدمه ووليه. والقسم الثاني لوصف مجلس الطرواد وما كان من بعده إلى آخر النشيد، وجعلنا كلًّا من القصيدتين على قافيتين: إحداهما للأبيات المتضمنة قص الخبر، والثانية لأبيات الإنشاء أو الخطاب والجواب؛ فكأن القارئ يقرأ قصيدة واحدة في أربع قصائد، وهو نسق لم نره في نظم شعرائنا ولعله يقع موقع القبول عند كرام القراء.
(٢) لا يفتتح هوميروس نشيدًا إلا ويأتي فيه ببينة على سمو تصوره. فلقد رأيناه في استهلال النشيد الثاني يشير إلى عظمة الإله الأكبر وإلى تنبهه إلى أحوال الخلق، فيأخذ الناسَ والآلهةَ الهجوعُ ليلًا وهو لا تأخذه سنة ولا نوم. ونراه هنا يمثل تيقظ الزعيم المقدام بين البشر بمثل ذلك التيقظ والتنبه. فقد هجع الجيش واستعذبوا الرقاد وأما أغاممنون فهو قَلِقٌ أَرِقٌ تنتابه الهواجس، يفكر في أمر جيشه ومصيره ويتشوف إلى وسيلة يدرأ بها الخطب المُلِمَّ. فليس مقامه هنا مقام الملك المعتز بباذخ مجده بل موقف الأب الرءوف الساهر على أبنائه. وهي عظةٌ من جملة عظات هوميروس التي افتخر بها الأقدمون وتَمَثَّلَ بها المتأخرون.
(٣) قرين هيرا: زفس — وهو من غريب التعبير الهوميري ونادره — كثيرًا ما سُمع في كلام العرب تكنية الرجل بابنته كتكنية الخليفة عثمان بأبي ليلى وتميم الداري بأبي رقية أو أمه كقول الفرزدق في زين العابدين: «هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله». وربما انتسب فارسهم إلى أخته فوق من تقدم. ولكنه لم يرد عنهم التعريف بالزوجة إلا أن يراد به التعظيم في أحوال خاصة كأن يقولوا في الإمام عليٍّ: زوج فاطمة الزهراء. وهذا بخلاف قول هوميروس «زوج هيرا» إذ لم يُرِدْ تعريفه بها ولا تعظيمه، وإنما هو على ما يظهر اصطلاح مألوف في عصره.
(٤) إن هوميروس على كثرة تشابيهه قليل الاستعارات ومع ذلك فإذا أتى باستعارة فإنما يوردها بأسلوب يطابق الواقع ويلِذُّ للسامع وأي أسلوب في وصف الحرب أبدع من استعارة الفم المفغور لالتهامِ أشلاء الرجال وأجساد الأبطال.
(٥) القسورة: الأسد، واللهذم: الرمح.
(٦) قال أفستاثيوس: إن منيلاوس إنما تَرَدَّى بفروة الفهد كما تردى أخوه أغاممنون بجلد الأسد؛ لأنهما إنما ذهبا في طلب مهمة لا في قصد قتال. ولا أظنها إلا هفوةً منه لأننا سنرى ذيوميذ البطل المقدام يتناول على منكبيه جلد الفهد أثناء هبوبه من النوم وهو إنما يتقلده كما يتقلد السلاح ويخيل له أنه ذاهب للقاء العدو، وأبلغ من ذلك أننا رأينا فاريس في النشيد الثالث متقدمًا إلى براز منيلاوس وعلى كتفيه فروة فهد.
(٧) سيد القوم: أي أغاممنون. يسعى منيلاوس سعي أغاممنون كأن خَاطِرَيِ الأخوين تواردا على أمر واحد. ولكن السبب في تواردهما مختلف فهذا لأنه زعيم الجند وذاك لأنه سبب الحرب.
(٨) لقد علمت أن كثيرين من أبطال اليونان لهم علاقة نسب بالآلهة وأما هكطور فكان بشرًا قحًّا. ولعل أغاممنون أراد بقوله: «ما كان للأرباب ينسب مولدًا» أن يشير إشارة خفية إلى آخيل، وأمه كما تقدم من بنات البحر.
(٩) لديهما أي لدى ترسيميذ ابن نسطور ومريون. والتخويد: الإسراع في السير.
(١٠) يؤخذ من هذا البيت وأشباهه كما مر بك في أول النشيد الثالث والرابع أن النظام العسكري كان بالغًا مبلغًا عظيمًا في ذلك الزمان؛ لأن السفائن كانت مركزة تركيزًا حسنًا صفوفًا منفصلة بعضها عن بعض يتيسر لهم الخروج منها واللِّيَاذُ إليها والإقلاع بها على أهون سبيل، والمعسكر أمامها مرتبًا على أحسن نسق صفوفًا لا يختلط بعضها ببعض، فلا يستحوذ عليها الاضطراب والاختباط في الهجوم والدفاع.
(١١) تقدمت لنا أمثلة كثيرة تشير إلى تساوي الأجناد وإن اختلفت الأنساب وتباينت الأصول. وهنا عظةٌ أخرى من أغاممنون لأخيه يحظر عليه بها أن يتعظم وإن كان عظيمًا، وأما قوله: «فزفس منذ نشأتنا قضى أن نجهدا» فهو اعتقاد معظم الأمم منذ نشأتها. فالتوراة والإنجيل والقرآن وأشعار الأقدمين مشحونة بما يصرح بالاعتقاد بأن هذه الدنيا إنما هي دار عناء وشقاء. وما أحسن ما قال المعري بهذا المعنى:
تعبٌ كلها الحياة فما أعـ
ـجبُ إلا من راغب في ازديادِ
إن حزنًا في ساعة الموت أضعا
ف سرور في ساعة الميلادِ
(١٢) كثيرًا ما يتغنى شيوخ العرب ببأسهم تغني أغاممنون ببأس نسطور. قال المرار بن المنقذ:
عجبٌ خولة إذ تنكرني
أم رأت خولة شيخًا قد كَبِرْ
وكساهُ الدهر سبًّا ناصعًا
وتَحَنَّى الظهرُ منه فَأُطِرْ
أن تري شيبًا فإني ماجدٌ
ذو بلاءِ حسن غير غُمُرْ
وقال حرثان ذو الأصبع العدواني:
إن تزعما أنني كبرت فلم
ألف بخيلًا نِكسًا ولا ورعَا
(١٣) أسأد: أي أغذ في السير.
(١٤) يؤخذ من هذا البيت أن شعار الليل لم يكن معروفًا في ذلك الزمن وإلا لما اضطر نسطور أن يسأل هذه الأسئلة، بل كان حسبه أن ينطق بذلك الشعار، أقدم ما وصل إلينا من تاريخ العرب قبل الهجرة وبعدها يشير إلى أنه كان معروفًا في جاهليتهم. فقد كان شعار تنوخ لما نزلوا الحيرة «يا آل عبد الله» ولهذا سموا العباد (أغاني جزء ١١: ١٦٢) وقال علي بن برهان الدين في السيرة الحلبية (جزء ٢: ١٦٤) في الكلام على غزوة أحد: «فبينما المسلمون قد شُغِلُوا بالنهب والأسر» إذ دخلت خيول المشركين تنادي فرسانها بشعارها «يا للعزى يا لهبل» ووضعوا السيوف في المسلمين. إلخ.
(١٥) يظهر من سياق الحديث أن نسطور كان نائمًا عند قدوم أغاممنون فقوله له: «وأنت مثلي ساهدٌ» إنما هو من باب التلطف والرعاية ولقد يمكن أن يكون حقيقةً مستيقظًا لأنه كان السابق في الخطاب.
(١٦) مفنِّدًا: أي لائمًا.
(١٧) لا يذكر الشاعر منيلاوس مع أخيه إلَّا ويلتمس وسيلة لإبراز حنان أغاممنون على أخيه وشدة تعلقه به، حتى لقد ذهب حبُّه الأخوي مذهب الأمثال. ولا دفاع عن أخٍ أجمل من دفاع أغاممنون هنا فإنه أشار إلى تيقظ أخيه وأدبه وطاعته بقوله: إنه إذا أحجم فلا يحجم غفلةً وتقاعسًا بل رعايةً لأخيه الأكبر والتماسًا لأوامره وتمثلًا به، قال كل ذلك أغاممنون ولم يمسَسْ بشيءٍ نسطورَ بل زاده إجلالًا وتوقيرًا؛ إذ شرع في الموافقة على كلامه وتصويب رأيه ثم تملَّصَ من لومه ألطف تملص.
(١٨) الزربية: الطنفسة، ويقول أهل العراق اليوم «الزولية»، ولم أرَ لها استعمالًا في كتب اللغة ولعلها تصحيف الزربية أو إفسادها. والأسحم: الأسود.
(١٩) لا يصف الشاعر حالة من الأحوال إلا ويُلبسها لبوسها. أرانا نسطور هاجعًا وهو شيخ أضعفته الأيام فأبرزه على فراشه أعزل من كل سلاح لا قبل له بحمله على فراش النوم. ولما أتى بنا إلى ذيوميذ وهو الفتى الصحيح الجسم القوي البنية هيأهُ لنا مُضطجِعًا بسلاحه متهيئًا لأول ملمة ينتدب إليها. وكذلك لما وصف أرق أغاممنون صور لنا أرق الراعي الساهر على خرافه القلق عليها. بخلاف أرق منيلاوس فهو أرق المضطرب المتألم لكوارث الزمان والمشفق من انفلات الفرص من بين يديه.
(٢٠) حسبنا في بيان لطف هذا المعنى ورقة هذا الإغراق البديعي أن نورد رواية لا بأس من تفكهة القارئ بها. ذلك أن السلطان محمود الغزنوي كان يتقنص يومًا بحاشية عظيمة فيها العظماء والأمراء والعلماء والشعراء، وكان له مضرب بديع الشكل عجيب الصنعة يقوم على عمود طويل، فاستحسن أن يأمر الشعراء بوصف ذلك المضرب وعموده الشائق، فقال العنصري قصيدة وثنَّى العسجدي بأخرى وقال غيرهم مقاطيع وأشعارًا، وأما الفردوسي الملقب بهوميروس الفرس فأحرز السبق ببيت واحد تكاد تخاله أخذه حرفًا بحرف من أستاذه هوميروس اليونان وهو:
فرُو شد بما هي وبَر شدْ بماهْ
بنِ نيزه وقبَّهِٔ باركاهْ
ومعناه أن رأس العقب بلغ أسفله إلى السمكة (التي عليها الثور الحامل الأرض على قرنيه) وأن قبة الملك بلغ أعلاها القمر. وزاد بيت الفردوسي حسنًا بما فيه من الطي والنشر والجناس بين ماهي (السمكة) وماه (القمر) وتعريبه شعرًا:
الكعب يدنو وتعلو قبة الملكِ
من السماكين حتى مربض السمكِ
وقد اضطررنا إلى ما ترى من التصرف حفظًا للجناس المذكور. وليس دون البيتين قوةً ومتانة بيت السموأل بوصف جبله وصفًا شبيهًا بوصف رماح هوميروس وعمود الفردوسي وهو قوله:
رسا أصله تحت الثرى وسما به
إلى النجم فرعٌ لا يُنال طويلُ
فإن لم نحكم بتوارد الخواطر بين هؤلاء الفحول جميعًا فنحكم بلا ريب أن الفردوسي إن كان ناقلًا فهو ناقل عن السموأل دون هوميروس لقرب المأخذ بين قمر الفردوسي ونجم السموأل، ولا غرو فكل الصيد في جوف الفرى، فكلاهما في سماء أبيهما هوميروس.
(٢١) أي إن موقفنا بات حرجًا كأننا على صراط أَحَدَّ من الموسى فلم يبق إلا أن نميل إلى الجانب الواحد فنحيا أو إلى الجانب الآخر فنموت. «كراكب لجةٍ إما وإما».
(٢٢) النواهس: الكلاب.
(٢٣) لما كان اليونان في حالة ضنك وشدة، كان هذا التشبيه أصدق وصف لحالهم فالحماة من الحيوان هم الحراس، والخراف الجند، والوحش المنحدر من الغاب هو هكطور، وجلبة الناس والكلاب اضطراب المعسكر، وكل ذلك صحيح المقابلة تام التمثيل.
(٢٤) زعم بعض المفسرين أن نسطور إنما اجتاز الحفير برهط الزعماء تنشيطًا للحراس؛ ليريهم أنهم لم يكونوا في موقف حرج. ولا نرى حاجة لهذا التخريج لأن الشاعر فسَّر الكلام بنفسه إذ قال: «حلوا محلًّا لم تدنسه الدما» ولقد رأيت مرارًا أن الورع وجهتهم في كل أعمالهم فاجتنبوا دنس الدماء عبادةً وتقربًا إلى آلهتهم.
(٢٥) إن في سؤال نسطور على هذا النمط لحكمةً لا تخفى، إذ لو تكلف بنفسه انتقاء المتجسسين لهاج ريبةً في النفوس وحسدًا لا حاجة إليه خصوصًا أن من ينتدب لهذه المهمة وإن كان له بذلك رفعة ومجدٌ فهو بلا ريب مسوق إلى التهلكة ربما أوردته حتفه. فإلقاء الخيار إلى الجند يدفع عنه مظنة الإيثار فيفسح المجال لطالب الفخار على خيرةٍ منه.
(٢٦) قال محمد الورَّاق:
إن اللبيب إذا تفرق أمره
فتق الأمور مناظرًا ومشاورَا
وأخو الجهالة يستبد برأيه
فتراه يعتسف الأمور مخاطرَا
ومثله قول الآخر:
خليليَّ ليس الرأي في جنب واحدٍ
أشيرا عليَّ اليوم ما تريانِ
وأحسن منهما:
اقرن برأيك رأي غيرك واستشِر
فالحق لا يخفى على اثنينِ
المرءُ مرآة تريه وجههُ
ويرى قفاهُ بجمع مرآتينِ
(٢٧) يظهر من هذا السياق ومن غيره أن تجسس الأعداء في تلك الأزمان لم يكن على ما نراه عليه في هذه الأيام. فهو لعهدنا مهمة يقوم بعبئها نفر من عامة الجند. وكان لذلك العهد مفخرة يتسابق إليها الملوك والرؤساء، وقد ورد مثل ذلك في أسفار العهد القديم إذ ذهب جدعون في سفر القضاة متجسسًا في معسكر المديانيين وهو إذ ذاك زعيم جند الإسرائيليين. وفي تواريخ العرب أنه لما خرج النبي من المدينة قادمًا لفتح مكة خرج من مكة ثلاثة من عظمائها متجسسين وهم أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء الخزاعي.
(٢٨) يؤخذ من كلام أغاممنون أنهم كانوا ينظرون إلى الحسب والنسب نظر جاهلية العرب فأراد ألا يكون ذلك مانعًا يمنع ذيوميذ من تخير رفيق يكون أطول يدًا وأقوى جأشًا بصرف النظر عن أصله وفصله، ولقد رمى بذلك إلى منعه عن انتقاء أخيه منيلاوس إشفاقًا عليه لما علمت من شدة شغفه بأخيه.
(٢٩) كان أوذيس يلقب بمولى أثينا إلهة الحكمة لحسن تدبره، وهي مأثرة امتاز بها ولم يكن له فيها منازع، ولهذا وقع خيار ذيوميذ عليه موقع صواب من وجهين: الأول لأنه إنما صرح بإيثاره على من سواه لحكمته لا لبأسه فلم يبق باعث الحسد من سواه، إذ لم يكن له مثيل بالحكمة والدربة إلا نسطور ونسطور شيخ هرم لا يصح انتدابه لهذه المهمة. والثاني إشعارًا بأن المهام الخطيرة أحوج إلى أصالة الرأي منها إلى البأس وهي عظةٌ من صفوة عظات الشاعر.
(٣٠) إن التناسب جَلِيٌّ في كل أقوال هوميروس فإذا أمعنت النظر في ما سبق في النشيد التاسع وهذا النشيد من خروج الوفد إلى آخيل ورجوعه ونوم الجند وانعقاد المجلس وإصدار القرار؛ علمت أنه لا بد أن يكون الشاعر قد قاس بحكمته الزمن اللازم لانقضاء تلك الحوادث فمضى من الليل ثلثاه. ثم إنه غير خافٍ أنَّ أصلح وقت لتجسس معسكر عدوٍّ إنما هو الثلث الأخير من الليل حيث تكون العيون قد هجعت بثقلة النوم. وإذا أضفنا إلى ذلك أن الشاعر راعى الزمن اللازم لخمود تلك المقابس المشتعلة رأينا في كل كلامه تناسقًا وتناسبًا لا تشوبهما شائبة.
(٣١) ومن دقة التصور وحسن التناسق أيضًا وصف نوع سلاح كل من العينين فذيوميذ وهو بطل مقدام قُلِّدَ سيفًا قاطع الحدين لأنه المتصدر للقتال المتصدي للأبطال، فالسيف سلاح المقاتل صدرًا بصدر لا بد له منه على كل حال. وأما أوذيس وهو دونه صبرًا وقوة فلا بد له من قوس ونبال فهي أصلح لمن لا قبل له بقوى الفتيان. وأما الخوذة الجلدية فلكليهما خير في ذلك الليل من ترائك المعدن لأنها أستر لهم فلا تنبه ببريقها حرس العدو.
(٣٢) نرى الشاعر كَلِفًا بذكر تواريخ بعض القطع من عُدد جماعته كَكَلِفِهِ، بذكر أنسابهم. فهو هنا يذكر تاريخ تلك التريكة كما لو كانت ذات شأن يجب تدوينه، ولا بدع فجاهلية القوم كانوا يفخرون بقدم سلاحهم كما يفخرون بقدم الجدود والجياد، وليس ذلك منحصرًا في يونان هوميروس بل لنا أمثال عليه كثيرة عند قومنا العرب، فإن ذا الفقار سيف علي بن أبي طالب والأبجر فرس عنترة العبسي جرت الأمثال بتاريخهما ووصفهما وأمثالهما كثير.
(٣٣) يتفاءل أوذيس تفاؤل أبي نواس بقوله:
فالطير تخبرنا والطير صادقةٌ
عن طيب عيش وعن طيبٍ من العمرِ
(٣٤) أي إن تيذيوس أبو ذيوميذ أوفد إلى أبناء قدموس إلخ. وقدموس هذا في أساطيرهم ملك من ملوكهم وحقيقة الأمر أن قدموس ليس سوى اسم وهمي، وأبناء قدموس المذكورون إنما هم جالية فينيقية استوطنت سواحل اليونان وعلمتهم البحارة وشيئًا كثيرًا من الصنائع. والكلمة فينيقية الأصل ومادتها في العربية كمادتها الفينيقية بمعنى القدم. وقد تكون من مادة קדב (قِدِم) العبرانية بمعنى المشرق. فكأنهم أرادوا أن يقولوا قدماء الفينيقيين أو المشارقة فقالوا: أبناء قدموس ولذلك أمثلة كثيرة في التاريخ. ويرى فورستر (Forster) في جغرافيته التاريخية لبلاد العرب أنه يراد بقدموس على ما في تاريخ أسطرابون قبيلة عربية هي نفس قِدْمَة المذكورة في التوراة. ولعلنا لا نعدم بعد هذا مؤرخًا يثبت أن أجداد اليونان البيوتيين بنو قدامة العرب من قضاعة القحطانية.
(٣٥) التبيعة: البقرة في سنتها الأولى، والجبهاء: العريضة الجبهة، والمضمد: النير؛ أي إنها كما جاء في سورة البقرة: لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ.
(٣٦) السهلب الجواد الطويل وفي الأصل: «جوادين أجيدين» أي طويلي العنق، وإنما اخترنا السهلب على الأجيد لأنه قد يُراد به الأجيد أيضًا وهي صفة ممدوحة في الخيل وكثيرة الورود في شعر العرب. قال زيد الخيل:
جلبنا الخيل من أجأ وسلمى
تخبُّ نزائعًا خبب الذئابِ
جلبنا كل أجردَ أعوجيٍّ
وسلهبة كخافية العقابِ
قلنا: إن من مميزات لغتنا العربية توفر تعبيراتها الجاهلية والفطرية فهي بهذا المعنى أوسع لغة ولا تحاشي لغة هوميروس إذ كثيرًا ما يضطره الأمر كما يضطر كتبة الإفرنج الآن إلى تأدية معنى بكلمات نؤديهن جميعًا بكلمة واحدة، كقولنا هنا: السلهب أو الأجيد للجواد الطويل العنق، واستعمالنا قبل أبيات قليلة التبيعة للبقرة ابنة سنة والجبهاء العريضة الجبهة وأشباه ذلك أكثر من أن تُحْصَى. أما الحكم في كون ذلك من محسنات لغتنا ففيه نظر.
(٣٧) أعتان: أتجسس أو أصير عينًا.
(٣٨) الديدبان: الرقيب والحارس والعين أي الربيئة، معربة ديده بان بالفارسية.
(٣٩) كثيرًا ما رأينا عند ذكر الطرواد والإغريق تباينًا في وصف حالتهم إذا عمدوا إلى عمل واحد، ويظهر للمُنْعِمِ النظر أن الشاعر لم يتعد خطته خطوة واحدة في كل شعره. فقد أرانا عند افتتاح النشيد الثالث انتظام الإغريق وتبريزهم على الطرواد بالفنون الحربية، وأرانا بأماكن أخرى بالإشارة والتصريح ما كان من الحكم الشوروي عند اليونان والحكم الاستبدادي عند الطرواد. ولنا هنا مثال من ألطف الأمثلة أثبته الشاعر تلميحًا لا تصريحًا وقد تنبَّه إليه أكثر الشراح لشدة جلائه ودقة برهانه. ذلك أنه لما عزم الإغريق على اعتيان أعدائهم عقدوا مجلسًا وقام فيهم شيخ حكيم يبث رأيه ويدعو الأبطال للقيام بتلك المهمة وأما الطرواد فيتكلم فيهم هكطور كلام المستبد المطلق. والإغريق يَعِدُونَ صاحب تلك المهمة بمال يسير وشرف كثير والطرواد يعدون بعطاء جزيل ولكنه عزيز المنال بعيد المطلب. والإغريق يتصدى أبطالهم لتلك المهمة طلبًا للفخار والطرواد يقوم ذولون بينهم طمعًا بالمال الغرار. فيتقدم أوذيس وذيوميذ ببأس وتروٍّ، ويتقدم ذولون بتهور وغرور. كل ذلك من الطباق العجيب دلالة على دستور القومين. وزد عليه أن بطلي اليونان لم يلتمسا عهدًا من نسطور على البر بعهده وذولون أخذ على هكطور العهد الوثيق والأيمان المغلظة. ونسطور وعد ما في الإمكان وهكطور وعد بما فوق وسعه.
(٤٠) القوس الفارج: البائنة عن الوتر وفي الأصل اليوناني: قوس حدباء.
(٤١) يُستفاد من كلام هوميروس في عدة مواضع يصف بها الحراثة والحراثين أن هذا الفن كان منذ ثلاثة آلاف سنة أرقى منه اليوم في كثير من الأقطار الشرقية.
(٤٢) الخيطل: كلب الصيد.
(٤٣) الحديد: أي الحاد، ويثأج: أي يصيح، ويتروع: يتخوف.
(٤٤) يصرح: أي يخطئ، وتترعرع: تهتز.
(٤٥) في كثير من شعر هوميروس مماثلات بين شعره وحكايته، ومن جملتها هذا البيت فإذا سمعه سامع عن الأصل تصور هيئة المرتعش خوفًا والمتهيب رعدة، ولقد حاولنا التشبه به في بضعة مواضع كما أشرنا قبلًا.
(٤٦) هذا كلام قاله أوذيس لو قاله ذيوميذ لأفسده؛ فإنه في ظاهره تأمين لذولون على حياته، وسنرى أنهما لم يُؤَمِّنَاهُ عليها بل هدرَا دمَه، ولا شك أن ذولون على اضطرابه أخذ المعنى على ما يريد لا على ما أراده أوذيس؛ لأن قوله: «لا تخش الردى» مع ما فيه من التطمين لا يفيد تمام التأمين فقتلهما له بعد ذلك ليس بحنث ولا بخيانة على اعتقادهما.
(٤٧) ما أجمل الإقرار بالحق ولا سيما إذا نطق به العدو لعدوه، فترى في كل إنشاد هوميروس أنه لم يكن عدو منهم يبخس قدر عدوه كقول أوذيس هنا قد أعملوا فينا الحسام الأشهبا، وليس هذا بالقليل في كلام شعرائنا الأقدمين كقول بعضهم:
سقيناهم كأسًا سقونا بمثلها
ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
(٤٨) التمس الشاعر حجة ونعم الحجة لهجوع حلفاء الطرواد تقريبًا لصدق روايته عن ولوج أوذيس وذيوميذ بينهم؛ إذ لو كانوا متيقظين تيقظ الطرواد لما تيسر لهم ذلك.
(٤٩) آل الظبى: أي أصحاب الأسنة.
(٥٠) لعل القارئ يتوهم أن قتل ذولون مُخِلٌّ بشرائع ذلك الزمان لأنه كان فيجًا على ما تقدم أي رسولًا، وربما كانت صفته هذه هي التي جرأته على غير شهرة سابقة له في القتال على الإقدام على تلك التهلكة على أنه لا يخفى أنه لم يأتِ بصفة رسول بل بصفة رصد خفي، ولسنا نرى شرعًا حتى في أيامنا هذه يرفق بالجواسيس.
(٥١) لم يَرِدْ في التاريخ قبل هذا الموضع وما تقدم في النشيد السابع ذكر سلاح أُهدي أو نُذِرَ لإله من الآلهة، ولكنَّ له ذكرًا كثيرًا في أزمنة مختلفة وأمم شتى بعد عهد هوميروس، ومن ذلك ما ورد في أخبار جاهلية العرب عن إهداء الحارث بن أبي شمر سيفين يقال لأحدهما: مخذم وللآخر: رسوب إلى القلَّس صنم بني طيء، وظلَّا معلقين عليه حتى أرسل نبي الإسلام عليَّ بن أبي طالب في سرية إلى طيء في السنة العاشرة من الهجرة وأمره أن يهدم الصنم، فسار إليهم وأغار عليهم فغنم وسبى وكسر الصنم وأخذ السيفين وحملهما إلى النبي.
figure
أثينا إلهة الحكمة.
(٥٢) قال بشر:
وأما تميم تميم بني مرّ
فألفاهمُ القوم رُوبي نياما
(٥٣) قال أبو مسلم الخراساني مفتخرًا باستئصال شأفة الأمويين:
ما زلت أسعى بجهدي في دمارهم
والقوم في غفلةٍ بالشام قد رقدوا
حتى طرقتُهمُ بالسيف فانتبهوا
من نومة لم يَنَمْهَا قبلهم أحدُ
ومن رعى غنمًا في أرض مسبعةٍ
ونام عنها تولى رعيَهَا الأسدُ
(٥٤) لقد يستغرب المطالع كيف تسنى لذيوميذ أن يفتك كل هذا الفتك ولم يشعر به أحد ولكن الشاعر سبق فقال: إنهم كانوا متفرقين كلٌّ إلى جانب جوادَيه ومركبته فسهل عليه أن يبطش بكل فرد على حدته قبل أن يستيقظ الآخر. ولنا هنا برؤيا ريسوس ملكهم تصرف جميل يُستفاد منه بأسلوب شعري أن رؤياه لِطَيْفِ ذيوميذ واقفًا على رأسه إنما كان يقظة لا حلمًا فعاجله ذيوميذ بالقتل قبل أن يتمكن من استنفار قومه والدفاع عن نفسه والإيقاع بذيوميذ، وما صدق على ريسوس لا يبعد أن يصدق على سائر القتلى.
(٥٥) ليس في ما نعلم ذكر للصفير ليلًا بين المتجسسين واللصوص والشرطة قبل هذا الموضع.
(٥٦) الحنية: أي القوس.
(٥٧) يرى الناظر إلى كلام هوميروس نظرًا رمزيًّا أن مراده بهذه الأبيات أن أثينا نبهت ذيوميذ إلى الكف؛ أي إنه كان من الحكمة وقد دنا الفجر أن يرتد إلى قومه قبل أن يشعر به الأعداء، وأن أفلون أيقظ الثراقة أي إنه تجلى الصباح، وأفلون إله النور كما لا يخفى.
(٥٨) المهيع: الواسع.
(٥٩) نبا: أي أخطأ، لربما يستغرب المطالع أن يكون نسطور أول سامع لخبب الخيل على هرمه الذي يقضي بضعف حاسة السمع، ولكنه لم يفتنا أن نسطور كان أعظم القوم تشوفًا إل استطلاع نتيجة تلك البعثة؛ لأنه المشير بها الملقي بذيوميذ وأوذيس إلى تلك التهلكة، المتنبه كل التنبه والمحصي الدقائق والثواني، ومع ذلك فليس في كل سياق الحديث ما يشير إلى ضعف حاسة من حواسه.
(٦٠) لو قرأ المطالع هذا البيت في الأصل اليوناني لرأى من مماثلة لفظه لمعناه ما يكاد يسمعه صوت وقع الجياد، ولعل في الترجمة العربية رائحة من تلك المماثلة التي حاول إثباتها كثير من الشعراء ولم يفلح منهم فلاح هوميروس إلا ڤرجيليوس بقوله: Quadrupedante putrem quatit ungula campum (أنياذة ن٨: ب٥٩٦).
(٦١) التسليم باليمنى أيضًا من جملة ما سبق هوميروس سائر الكتبة بالنص عليه، وكان نبي الإسلام يُسَلِّمُ بيمينه ويبايعه الناس بيمينه، والمصافحة للسلام وغيره قديمة جدًّا عند العرب يدل عليها لفظها، فقد كانوا يتصافحون عند عقد البيع، ولا يزالون يفعلون ذلك في بلاد العجم والعراق وبعض بلاد المشرق، ومن ذلك أخذت لفظة المُبايعة للاعتراف بحكم الخلفاء، وكانوا يتصافحون أيضًا لعقد المواثيق وإبرام العهود من ذلك أن ولي البنت كان يمدُّ يده إلى خاطبها إذا أراد أن يزوجها منه.
(٦٢) يشرع: يرفع.
(٦٣) يمرع: يدهن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤