النشيد الثالث

براز منيلاوس وفاريس

مُجْمَلهُ

تقدم الجيشان وكاد يلتحم القتال بينهما، فإذا بفاريس برز من بين الطرواديين وطلب مبارزة أشد الإغريق بطشًا، فبادر إليه منيلاوس يتحدم غيظًا، فأخذت فاريس الرعدة لمرآه، وقفل راجعًا فتلقاه أخوه هكطور بالتقريع والتأنيب، فاشتدت عزيمة فاريس وطلب إلى أخيه أن ينادي بإعادة البِرَاز على شريطة أن يتفق الفريقان على أن لا يبرز إلى ساحة القتال إلا فاريس وندُّه منيلاوس، فمن ظفر منهما أحرز الغلبة لنفسه ولقومه واستأثر بهيلانة، فتنتهي الحرب وتحقن الدماء ففعل هكطور ووافقه الإغريق، وكانت الربة إيريس ترقب حركات الجيش فأسرعت إلى هيلانة بزي حبيبة لها، وأطلعتها على دخيلة الأمر، فبادرت هيلانة إلى باب أسكية حيث لقيت الشيوخ، فدهشوا لجمالها واستطلعها الملك فريام طلع زعماء العدو، ثم أتته الرسل تستقدمه من قِبل الجيشين، فذهب مستصحبًا أنطينور فتعاهدوا وتواثقوا على أن لا يستأنف القتال بعد غلبة أي الخصمين، وانثنى فريام الشيخ راجعًا خشية من رؤية مشهد قد تدور الدائرة فيه على ابنه، فالتقى حينئذ الخصمان وكاد فاريس يخر قتيلًا لو لم تبادر الزهرة فتنقذه وتحمله سالمًا إلى صرحه حيث ألقته ونادت هيلانة تمتع كلًا منهما بمرأى الآخر، فسخطت هيلانة عليه بادئ بدء، ولكنها لم تلبث أن هاجتها الزهرة بهزة الغرام، فأنستها وأنسته ما لقي من ذلة الإنكسار، أما منيلاوس فظل يتقصى أثر فاريس، ولما لم يظفر به نادى أغاممنون بثبوت الظفر لأخيه وطلب إنفاذ العهدة.
figure

كل وقائع هذا النشيد جرت كالنشيد السابق في اليوم الثالث والعشرين ومجراها في ساحة القتال ثم داخل طروادة.

النشيد الثالث

نَظَم القُوَّاد سرى الجند
بحما الجيشين على الحد
زحف الطروادة عن بعد
بصديد عالٍ مُشْتدِّ١
ودوي يَقْصِف كالرَّعد٢
كالرَّهو إذا اشتدَّ المطر
والقُرُّ مَوَاطنَه يَذَرُ٣
في الجوِّ تَعَجُّ لهُ زمَر
فوق الأقيانس تنتشر
للبغمة محكمة الحشد٤
فيعم الفتك بحملتها
أما الإغريق بجملتها
فعشت بثقيل سكينتها
آلت والنفس بحِذَّتها
تتعاضد وارية الزَّند
والسهل طوَوْه على الأثر
والقسطل من عجِّ الزُّمَر
قد أضحى حجَّاب البصر
عن أكثر من مرمى حجر
ككثيف ضبابٍ مُرْبد
كضباب نوطس قد نشرا
في قُنَّة طوادٍ فاستترا
ولرؤيته الراعي ذُعِرا
لكِنَّ اللص به نظرا
خيرًا من ليلٍ مسودٍّ٥
جد الجيشان وقد هَرَعا
حتى هَمَّا أن يَجْتَمعا
فإذا فاريسٌ قد طَلَعا
وجميل مُحَيَّاه سَطَعا
وَعَدا يَسْتَهْدفُ للطَّرْدِ٦
يختال بحسنٍ جبَّاذ
بالقوس وسيفٍ جذاذ
وبفروة فهدٍ بذاذ
بيديه قناتًا فولاذ٧
يَتَقدَّم مُسْتَبِقَ الوفدِ
ويسير بعُجْب المُختال
يدعو لبرازٍ قَتَّال٨
عُمَدَ الإغريق الأبطال
فرآه مَنِيلا في الحالِ
فبدا يتهلَّل بالرَّغد
كالليث يضوِّره السَّغَب
والظَّبيُ لديه يَضطَربُ
فعليه مُنقضًّا يثب
ولو القنَّاصون اقتربوا
بِضِراءٍ تُقبل للصَّدِّ٩
بالعدة من أعلى العَجلَهْ
بالشدة بادر بالعَجَلَهْ
لا يبغي إلا أن يَصَلَهْ
يَقْتَصُّ لجُرْمٍ قد فَعَلَه
ومضى يَتَوقَّد بالحقد١٠
نظر الإسكندر وامتقعا
فنجا لمعسكره هَلَعا
كالغُرِّ له فوْرًا طلعا
صلٌ في الغاب قد اندفعا
فيعود بقلبٍ مُنهَدِّ١١
فأتاه هكطورٌ يجري
ويقول بطرفٍ مُحمرِّ:
«فاريسٌ يا وجه الشَّرِّ
يا زير نساءٍ مُغترِّ
بجمالٍ يَلْهُو بالوجدِ
يا لَيْتَك عُمْرَك لم تولد
أو مت وبضعك لم يُعْقَدْ١٢
ولعندي خيرٌ أن يلحد
خوَّارُ العزم ولا ينكدْ
بشماتة أعداه اللُّدِّ
فَلفيف أخايَ الشُّعرَ ترى
بك هزءًا قهقه إذ نظرا١٣
ظَنُّوك لحُسنك ليث شَرى
فإذا بك خوَّارٌ فُطِرا
بشعائر رعديدٍ وغد
أجمعت الصحب من الوطن
وطويت البحر على السفن
وولجت بلادًا لم تطن
وسبيت فتاةً لم تشن
لأماثل أبطالٍ أسدِ
لِتُذل أباك وأوطانك
والشعب وتكشف أهْوانك
وتسر بجبن قد شانك
قومًا عرفوك وبهتانك
وبلوك على غير العهدِ
أخشيت منيلا القهَّارا
وَعَرَفت وأكْثَرْتَ العارا
لمن المسبيَّة والثَّارا
من يطلب منك وقد ثارا
جنان عزَّامٍ صلدِ
أفلا أثْبَتَّ له باسكْ
في الحرب فأخمد أنفاسك
ورأيت العود ونبراسك
وشعورًا قد زانت راسك
وهبات الزُّهرة لا تُجْدِي١٤
لو لم يكن الطرواد أُولي
جبنٍ لَكسَوْك بلا مَهَل
ثوبًا من صخرٍ مُبْتذل
لِوَبَالك والخطب الجَلَل١٥
ودواهي الأَرْزَاء الأُدِّ»١٦
فأجاب أخوه ذو المَدَد:
«بالحق نطقت ولم تزدِ
لك قلبٌ كالصَّخر الأَجَدِ
وبِصَدْرِك نَفْسُكَ لَم تمدِ
جهدًا تزداد على جهدِ
كالأفؤس تفذ في الخشب
بذراعي قَطَّاع الحَطَب
وَشَّار الفلك المقتضب
لقواه تُضيف قوى القُضُب١٧
بمجامع مَصْقُول الحَدِّ
لكن ما اللوم إذا الزُّهره
حبت الإحسان لمن ذَخَرَهْ
فالرَّبُّ إذا أسدى غُرَرَه
لا خيرة في أمرٍ أَمَرَه
فلنا الإذعان لما يُسْدِي
وإذا ما رمت ترى شاني
قل فليَتَخَلَّ الجيشان
فأجول بهذا الميدان
ومنيلا دون الأقران
والجيش حَرَاكًا لا يبدي
فالفاتك يُحْرزُ هيلانه
وكنوزًا تبرز بُرْهانَه
والكُلُّ يُثقِّل أيْمَانَه
بوفاقٍ لا خللٌ شانهْ
والنصل يُرّدُّ إلى الغمدِ
يبقى الطروادة في الحُبِّ
ببلادهم ذات الخصب
يمضي الإغريق بلا حرب
لغواني آخاي الشُّنْب
وصوافن أرغوس الجُرْدِ»١٨
فاض هكطور قَلْبُهُ بجبورٍ
وتَدَنَّى لساحة الميدان
وبمزراقه أمال ذويه
وقفوا بالوقار والإذعان
وعَلَيه الإغريق أمْطَرَت النَّبـ
ـل ووبل الحجار مثل الدُّخان
صاح يستوقف الجموع أغاممـ
ـنون: «مهلًا يا عُصْبَة اليونان
فكأنِّي بدا لهكطور أمرٌ
يرتأيه لنا على الإعلان»١٩
سكن الجأش قال هكطور: «سمعًا
لمقالي يا أيها الجيشانِ٢٠
هاكم ما فاريس يلقي عليكم
وهو تدرون أس هذا الهوان
كلكم للحضيض ألقوا سلاحًا
وإلى الحرب يبرز القرنان
هو والباسل العزوم منيلا
عن جميع الجنود يقتتلان
كل من فاز منهما يُحْرِز الـ
ـمال وهيلانة بغير طعان
ويُآلي الجيشان بالأمن والوفـ
ـق لطول الزمان يتَّحدان»
صمتوا جملةً فقال منيلا
بصراخٍ عالٍ وثبتِ جنان:
«فلي الآن سمعُكم ليس منكم
من يعاني بلوعةٍ ما أعاني
بين فاريس ذا الخصام وبيني
قد دهاكم بفاجعات الزمان
هو بادٍ وللوغى أنا صادٍ
إنما رمت كف حربٍ عَوَان
من يسقه القضاءُ للحتف منَّا
فليذقه وأنتم بأمان٢١
ولطُروادةٍ بكبشين يُؤتى
واحدٌ أبيض وأسود ثاني
قربةً تُستباح للشمس والأر
ض ومنَّا كبشٌ لربِّ المَثَاني٢٢
ويوافي المَلِيك فريام بالنَّفـ
ـس لعقد الوفاق في ذا المكان
فبنوه لا يتَّقون زِمامًا
والتراخي طبيعةُ الفتيان
رُبَّما ينقضون ميثاق زفسٍ
إنما الشيخ لا يُخَيب الأماني
فيُرَاعي الماضي ومستقبل الأمـ
ـر ليلقى السلامة الطَّرفان»٢٣
سرَّ هذا الحديث كُلِّ فريقٍ
رغبةً في ادِّراء ذا الحَدَثانِ
فتدانوا بالمركبات وصفوا
عُدَد الحرب بالحضيض دَوَاني
ولِفِريامَ أرسل النَّدب هكطو
ر بفيجين ثمَّ يستقدمان٢٤
ويقُودان ذبحهم وأغاممـ
ـنون يبغي تتمة القُربان
فلتلثيبيوس أوعز فاجتا
ز إلى فلكهم بغير تواني
ولهيلانةٍ تراءت إريس
تبتغيها من قاصيات الجنان٢٥
وتَزَيَّنت بزي أجمل بنت
لحميها بِحُسنها الفَتَّان
«لا وذيقا وزوج هيليقَوُون
فرع أنطينور الرَّفيع الشأن»
وَجدتها بالصَّرْحِ تنسج ثوبًا
بحواشي البرفير والأرجوان
ويرأس الخياط ترسم فيه
واقعاتٍ أبلت بها الفئتان٢٦
«قوم إغريقيا أولوا لا درع الحصـ
ـد وطُرْوَادَ أصلب الفُرسان»٢٧
فتفانوا بها عليها وربُّ الـ
ـحزب أورى زنادها للتَّفاني
قالت: «الآن يأسنا الحور قومي
فَتَرَين العُجابَ مرأى العيان
عيلت الأُمَّتَان للحرب صبرًا
كادتا بالقتال تشتبكان
وهما الآن لا نكال ولا حر
ب يأمن بالصمت جالستان
بقناةٍ بالأرض أركزتاها
وبجنٍ عليه تتَّكئانِ
بيد أن الإسكندر الآن حتمًا
وميلا إلى اللقا يُبرزانِ
من يفز أنت زوجُهُ ومناهُ
وعليك الرهان كُلَّ الرهان»
ثم أذكت بها حنينًا ووجدًا
لمنيلا والأهل والأوطانِ
باضطراب تبرقعت بنقابٍ
ناصعٍ تصطلي لظى الأشجان
من خباها في الصرح سارت وأهمت
عَبَرَاتِ الشجى ودمع الحنانِ
وليتها أثرا ابنة الندب فتثا
وكليمينيا العيون الحسان
جئن أبواب إسكيا حيث وافى
رهط أدهى الشيوخ والسلطان٢٨
مع فريام فَنْثُس وَثَميتٌ
مع قَليطوس لَمفسٍ هيكتانِ
وإليهم أوكالغون وأنطيـ
ـنورُ كنزا الحجى وذخرا البيان
فكُرُور الأيَّام أوْلَتهم عجـ
ـزًا ولكن حزمًا وعذب لسانِ
في أعالي مشارف البرج قاموا
يرتأون الآراء بالتبيانِ
مثلما في الغاب الصَّراصرُ تُبْدي
بخفاها صرًّا رقيق المغاني
أبصروها فقال بعضٌ لبعض:
«يا لطيب الثنا ولطف المعاني
ليس بدعًا إن كان هذا سناها
وعليها تَلَاحَمت أمتَّان
برزت رَبَّةً بوجهٍ صبيحٍ
غير أن البلاء بالويل داني٢٩
فلتعد للسَّفين من ثمَّ نُكفى
وبنينا دَوَاهِي الخذلان»
فدعاها فريام قال: «بقربي
إجلسي الآن يا ابنتي بائتماني٣٠
وانظري في السَّرَاةِ أول بعلٍ
لك قِدْمًا وَسَائِر الإخوَان
لم تكوني بالحق جانيةً بل
قَدَر الأرباب العظام الجَاني
ذاك فوق الإغريق قد هال سُخًطا
وبوبل الوبال قد أبلاني
أخبريني من ذا الذي يتراءى
لي أخا عزةٍ وذا عنفوان
بينهم من أراه أضخم جسمًا
منه لكن أنَّى لذا الحُسن ثاني
لاح من فَرْطِ هيبةٍ ووقارٍ
لي قيلًا موطَّد الأَرْكان»
أجابت وزادت بالحياء تَجِلَّةً
«وفي وجهها لاحت من البؤس أكدار»:
«لديك حمي المحبوب رُعبًا وحُرْمةً
لَتُوجِلني ناري ويخجلني العارُ
ألا ما طلبت الموت لمَّا بإثْرَتي
نأي الأهل والإخوان والبنت والجار٣١
تَرَكَتم واعتضت بابنك عنهم
ودمعي ما طالت حياتي مدرار٣٢
ومهما تشأ فاسأل ألبِّ مُطِيعةً
فهذا أغاممنون أصيدُ قهار
مَلِيك بأحوال السِّياسة عارِفٌ
عزومٌ بصماء المعامع جبارُ٣٣
لقد كنت بالإعزاز عِرْسَ شَقِيقه
ولكنَّ ماضي الحكم كالحلم طيَّارُ»
فأحدق فيه الشَّيْخ يُعظم قدره
وقال: ألا كم قد أطاعتك أنفار
فطوباك أنعم إن حظك وافرٌ
لأسمى أعالي المجد ساقتك أقدار
شخصت إلى ذات الكروم فريجبيا
وقدمًا بها أطرا ومغدون مغوار٣٤
يَقُودان أحصاب الفَيَالق نُزَّلًا
بجدَّة سنغاريس والجيش جَرَّارُ٣٥
صحبتهم لما الأمازونة اعتدت
عليهم ببأس لم يروعه إكتار٣٦
ولكنَّهم لم يبلغوا قطُّ عدَّةً
جيوشًا من الإغريق في إثرنا ثاروا»
ومشيرًا لأوذسٍ قال: «من ذا
دون أتريذ لاح بالجُثْمَان
وهو أوفى ظهرًا وأوسع صدرًا
ويخوض الصفوف كالدِّهقان٣٧
عَنْهُ ألْقى سلاحهُ وبهم جا
ل مطاع الإِيعاز والسُّلطان
مِثْلَ كَبْشٍ بَهِيِّ صُوفٍ أثِيثٍ
يَتَسامى في أَبْيَضٍ القُطْعان
أجابت: «لهذا أوذسٌ بدهائه
وإيتاكة الصَّيْداء تلك له دار٣٨
خبيرٌ على كل الأمور مقلبٌ
له سطعت من محكم الرَّأي أنْوَار٣٩
«نعم» قال أنطينور «حقًّا صدقتنا
لأوذس لم يبرح ببالي تذكارُ
أتى ومنيلا قومنا قبل مرسلًا
يرى ما لنا فيما سبيناك أعذار
وفي منزلي بالرحب والأنس أنزلا
لحزمهما عندي مدى الدهر آثار
لكم قد أفاضا بيننا في فصاحةٍ
إذا دار للأبحاث والنُّطق أدوارُ
منيلا إذا ما قام أوسع مَنْكبًا
وأوذس إن يجلس وقارٌ وإبرار
وإن خطبا يجري منيلا مبيِّنًا
أدلته جريًا وما ثمَّ إضمارُ
يجول على لُبِّ الحديث مُجانبًا
شُذُوذًا ومِصْدَاق الشَّوَاهد يَخْتار
ويجتنب الإكثار إمَّا كَرَاهة
وإمَّا لِرَعي السن يُلْجِيه إجبار٤٠
ولكن أوْذِس وَهْوَ أرشدُ فيهما
إذا قام هبَّت من معاطِفِه النَّار
فمحجنه لا يَلْتَوِي أي ليةٍ
وتطرقُ منه بالتَّوقُّد أبصارُ
تخال فَتًى بالخَطْب غير مُحَنَّكٍ
وشَطَّ به عن منهج العقل تَيَّار
ولكن إذا فاضت منافث نطقه
وصوت جهيرٌ بالنَّفائس زَخَّارُ٤١
تَنَاثَرَ من فيه النهى بردًا همى
«وسيفُ حِجَاه بالبلاغة بتَّارُ»٤٢
يقصر عنه كلُّ ندبٍ فلا ترى
إذن عجبًا فالنُّطقُ للقدِّ سَتَّارُ»٤٣
قال فريام مومئًا لأياسٍ:
«وأخو الحسن ذا القويُّ الجنانِ
بقوى منكبيه والْهَامة الشَّـ
ـمَّاء قد فاق سائر الأقران»
فقالت: «أياسٌ حصنهم وتُجاهه
إذومين في أجناد إكريت أمَّارُ
تراه كربٍ قام في زعمائها
تحيط به من نُخْبة الصيد أنصارُ
وكم حل فينا قبل ضيفًا مكرَّمًا
وبعلي منيلا مكرم الضيف مَيَّارُ
وها هم جميعًا سل أنَبِّئك عنهم
لديك بدا منهم عميدون كبَّارُ
ولكن شقيقَيَّ الوَدُودِين لا أرى
هما كستر الرَّوَّاض إن شُقَّ مضمارُ٤٤
وفُولُكُس صَرَّاع كل مصارعٍ
أمن لقدمونا لم يسيرا بمن ساروا
أم احتجبا في الفلك خوف تعرُّضٍ
لعارٍ له في مسِّ عرضي أوزار؟»٤٥
وما علمت والأرض في وطنٍ خلا
تَضُمُّهُمَا والعُمرُ كالطَّيْفِ مَرَّارُ
في الساعة عاد الفَيْجان
حملا لثبوت الأيمان
حملين لذاك القربان
مع نحي مدامٍ ملآنِ
مصنوعٍ من خير الجلد
فتقدم إذيوس السَّاعي
بالكوب الصافي اللَّمَّاعِ
وكئوس نضارٍ سطَّاع
فدنا للشيخ المُلْتَاع
ودعاه لإبرام العقدِ
«يا فرع لووميذون إلى
دار الهيجاء فقم عجلا
للعهد دعتك سرى النبلا
لتُضحِّي فاريسٌ حملا
ومنيلا من دون الجندِ
فالفاتك يُحْرِز هيلانهْ
وكنوزًا تبرز برهانه
والكلُّ يُثَقِّل أيمانه
بوفاقٍ لا خللٌ شانه
والنَّصلُ يردُّ إلى الغِمدِ
يبقى الطروادة في الحب
ببلادهم ذات الخصب
يمضي الإغريق بلا حرب
لغواني آخاي الشُّنبِ
وصوافن أرغوس الجُردِ»
تفطر قلب فريام ولكن
أشار بشد مَرْكبة المسيرِ
علاها والأَزِمَّة في يديه
وجد مُسَارعًا مع أَنِطنورِ
فجازا باب إسكيةٍ وجدَّا
بذاك السهل في جهد المغير
ولما بلغا لمُعَسْكَرَيْهم
بها نزلا على الرَّوض النَّضِير
وراحا بين صفيَّهم وكلٌ
يروم هناك إجلال الأمير
وأتريذٌ وأُوذِس في وقارٍ
وقد نهضا لدى الملك الوقور٤٦
فأحضرت الفيوج الذبح عَهْدًا
على الميثاق في تلك الثغور
وصبوا فوق أيدي الصيد ماءً
وقد عمدوا إلى مزج الخُمُور
نضى أتريذ مشمَلَهُ المُدَلَّى
بِعُروة غمد قرضاب كبير٤٧
وجز الصوف عن رأس الضحايا
فوزَّع بين أقيال حضور
ومَدَّ يديه للعلياء يدعو
على لهفٍ دُعَاء المستجير:
«ألا أأبًا علا في شم إيذا
ولي المجد والشرف الخطير
ويا شمسًا عليمة كل فعلٍ
ويا ذي الأرض يا كُلَّ النهورِ
ويا من كل حَنَّاثٍ لديهم
يُضَرَّم بالممات لظى السَّعير
علينا فاشهدن وذاك عهدٌ
عقدناه ولم يك عهد زور
إذا فاريس فاز على منيلا
وأرداه بِمِنْصَلِهِ الشَّهير
له هيلانة تبقى وما في
خزائنها من المال الكثير
ونحن وفلكنا هذي سراعًا
نعود بها على لجج البُحُور
وإن فاريس جَنْدَله منيلا
إلينا يُرْجَعان بلا فتور
ونعطي جزيةً تبقى فخارًا
بذكراها لنا أبد الدهور
وإن نكلوا فلن أجتاز حتى
أفوز بمنتهى أربي العسير»
ووارى النصل في عُنُق الضَّحايا
فراحت تقشعر بلا شُعُور
وتخبط خافقاتٍ في دماها
وقاموا بالقداح إلى العصير
أراقوها مُطَفَّحةً وكلٌّ
من القومين يهتف بالزَّفير:٤٨
«أيا زفس العظيم وكل ربٍ
أبيدوا كل حَنَّاثٍ غرورٍ
يُراقُ دماغُهُ وبنيه طُرًّا
إراقتنا لذا الراح الغزيرِ
ويملك عرسه بعلٌ غريبٌ»
ولكن زفس لم يكُ بالنَّصير
وصاح يقول فِرْيَام: «فها قد
عزمتُ على التَّحَجُّب ضِمْنَ سُورِي٤٩
لئن أشهد براز حليف روحي
تفطَّرَ بي خشى قلبي الكسيرِ
فزفس وكل آلهة البرايا
هم أدرى بولَّاج القبور»
ومن ثَمَّ امتطى والذِّبح ألقى
بمركبه وعاد إلى القصور٥٠
وأنطينور يصحبه وسارا
إلى إليون بالجد الوفير
وهكطور ابنه وأذيس قاما
وقاسا فسحة البون القصير
ووسط تريكةٍ قدحين رجَّا
ليعلم من له حقُّ البُدُور٥١
فمدَّ يد الضَّرَاعة كلُّ فردٍ
من الأجناد بالصُّوت الجهير:
«ألا يا زفس يا مولى المَوَالي
وليَّ المجد والشرف الخطير
أبانا مَنْ علا في شم إيذا
أبد أيًّا بلانا بالثُّبُور
من الخصمين أيًّا ثار منه
بنا شَرَرُ النَّوائب والشرور
وأحكم بيننا رُبُطَ التصافي
وزج به إلى شرِّ المصير»٥٢
فدعوا وهكطورٌ بهم مستقسمًا
رج السِّهام مُحَوِّلًا نظراته٥٣
فبدا لديهم سهم فارسَ أوَّلًا
ليكون أوَّل طاعنٍ بقناتهِ
جلسوا وَعُدَّتهم بجانب جيشهم
والخيل موقفةٌ على جنباته
فأعدَّ شكَّته ابن فريام وفي
رجليه أوثق خِفَّه بصلاته
بعُرى اللُّجين أناطَه واعتاض دِرْ
ع أخيه ليقاوُوْن عن نَتَراته٥٤
وتقلد السيف الصَّقيل مُرَصَّعًا
بقتيره الفضي في صَفَحَاتِهِ٥٥
وأضاف جُنَّتَه ومِغْفَرَه الذي
سبحت نواصيه على حلقاتهِ٥٦
وأجال في يُمنَاه أعظم عاسلٍ
بِقُوَى المَعَاصِمِ دار في راحاته٥٧
وافى مَنيلا بالسلاح مُكفَّرًا
واستلأما كلٌّ لدى لُحماتهِ٥٨
فَتَقَدَّما ولِحاظ كل مبارزٍ
شَفَّت بواري الغيظ عن غُصَّاتهِ
وقفوا لدى ما خطَّطوا وكلاهما
بقناته يُضوي قلوب قلاتهِ٥٩
فرمى ابنُ فريام المثقَّف فالتوى
بمجنٍّ أتريذٍ على نَبَوَاتهِ
في الحال بادره منيلا مُرْسلًا
رشقاته مَشْفُوعةً بصلاته:
«يا زفس خذ بيدي لأنقم من فتىً
عرضي يدنسه بتشويهاته
واسحقه سحقًا في يدي يَكُ عَبْرةً
لنزيل سوءٍ عقَّ فضل قراته٦٠
ورمى بعاسله فأنفذ خارقًا
ظهر المجن وبطن فضفاضاته٦١
حتى تَخَلَّل نافذًا بدثاره
فلوى المناكب فائزًا بنجاتهِ
فاستلَّ أتريذ صقيل حسامهِ
فوق التَّريكة موقنًا بمماته
فَتَكَسَّر الصَّمْصَام وسط يمينهِ
وأطار فوق جبينه شذراتهِ٦٢
حنقًا أشار إلى السماء مُخاطبًا
زفسًا يُؤَنِّبُهُ على عثراته:٦٣
«من كل آل الخلد مثلك لم يكن
يا زفس معتسفٌ بمقدوراتهِ
فدكدت أفتك ظافرًا بأخي الخنا
فإذا بعضبي طار في كسراتهِ
وإذا برُمحي قد طعنت به ولم
أدركه في رمحي وفي طعناته»
وانقض يجذبُهُ بخُوذَتِهِ وفي
عنفٍ تقهقر مسرعًا خطواته
واجترَّه والسَّير يُمْسِك ذَقْنَهُ
فاسْتُمْسكت أنفاسُه بلَهَاتِه
قد كاد يبطش فيه لو لم تبتدر
قبريس تقطع بالخفا قدَّاتهِ٦٤
فخلت لديه خوذةٌ مقطوعةٌ
فرمى بها فَتَدَحْرَجَتْ لِسَراتهِ
فخلا بها أصحابه وهو انثنى
بشحيذ نيزكه إلى وثباته
لكِن عَفْرُوذيت وهي قديرةٌ
من فورها وصلت حبال حَيَاته٦٥
حجبته في ركم الضَّباب محلَّةً
إيَّاه بالأطياب في حُجُرَاتِهِ٦٦
ومضت إلى هيلانةٍ فإذا بها
بالبرج جالسةً على شرفاتهِ
فدنت إليها والبنات شواخصٌ
في زيِّ خادمة على علَّاتهِ
حاكت عجوزًا قُرِّبت من قومها
حاكت بنسج الصوف مَحْبُوكاته٦٧
وبثوبها العُطْرِي جَرَّتها وقد
صاحت بها: «فاريس في خلواتهِ
يدعوك وهو تَرَينهُ في غرفةٍ
ضَمَّتكما ببديع حسن صفاتهِ
حتى تَخَالي أنه ما كان في
حربٍ بها يلقى أشدَّ عُدَاتهِ
لكنه في مَرْقصٍ متأهبٌ
للرقص أو قد عاد من ساحاته»٦٨
عَرَفَتْ هيلانة جازعةً
ربَّة الحُبِّ بِحَرِّ الحرب
دِقَّة الجيد ولحظٌ لاهبٌ
ومشوق الصدر لم تحتجب
فلها قالت: «وما أغراك أن
تخدعيني بَعْدُ حَسْبي نُوبي٦٩
أبا فريجيةٍ بعد فتىً
تطرحيني عِنْدَه بالوَصَب
أم رُبى إميونةٍ فيها بدا
لك محبوبٌ رفيع الحسب
أخداعًا يا ظلومًا جئتني
ومنيلا نال فَخْرَ الغلب٧٠
يبتغي ردي لأوطاني فما
آه أشقاني وأدهى نصبي٧١
أنا لا أبغي فريسًا أبدًا
أنت أشربت هواه فاذهبي
غادري الأولمب والقوم العلى
واتبعيه واحرسيه واصحبي
واحملي منه الأسى يرضك عِر
سًا له أو أمةً لم تطبِ
لك لا لستُ إذن تابعةً
غيد إليون إذن يشمتن بي
لن أحلَّن فراشًا حلَّهُ
وأنال الخزي طول الحقبِ
حسبي العار وما حُمِّلْتهُ
من لظى النار وحَرِّ اللَّهَب»
حَنِقَت قِبْرِيسُ مِمَّا قابَلَت
قالت: «اخْشَي أن تهيجي غضبي
واحذري منِّي الجفا راغبةً
عن ودادٍ لِقَلًى مُنْقَلِبِ
ليس هدُّ الوفق أمرًا عسرًا
ولك البلوى وضيق المذهب»٧٢
وَجِلَت هيلانةٌ واضطَرَبَت
وَتَرَدَّت بِبَهِيِّ النُّقُب
إثرها صامتةً سارتْ وقدْ
حجبتها بكثيف السُّحب
جاءتا فاريس في منزله
والجواري بانتظار الطلبِ
سرن عنها وأسيرت نحوه
وهو في الغرفة ماضي اللَّغبِ
أجلستها رَبَّةُ العشق على
مجلسٍ دانٍ له مُقْتَربِ
حَوَّلت عن وجهه أنظارها
ثم قالت باللسان الذَّرب:٧٣
«أين ما تزعم من بطشٍ به
فُقْتَ إقدَامَ منيلا الأشهب
وادَّعيت السَّبْق في طعنٍ وفي
شدَّةِ البأس وضرب القُضُبِ
آه لو جندلت في سيف فتىً
كأن بعلًا لي وكلَّ الأربِ
آه لو ترجع… لا فاحرص وإن
تَتَعرَّض للقاه تَخِب٧٤
خشيتي يُوقِعُك الطَّيْش به
فَتُوَافي طعنة المُعْتَطِب»
قال: «يكفي مُنْيَة النَّفس فقد
هضت نفسي بعنيف العتب
فأثينا شدَّدَت ساعدهُ
وستُؤتى النصر يومًا عُضُبي
لي بآل الخلد أقوى عزوةٍ
إنما الآن أوان الطَّربِ
لم أكن قطُّ كما الآن أنا
بفؤادٍ خافقٍ مضطربِ٧٥
لا ولا يوم رمانا الحُبُّ من
لقدمونا فوق بحرٍ لَجِب
وخلونا في رُبى إكرانيا
عن عذول مُزْعِج مرتقبِ
لم تَشُقني قط هبَّات الهوى
لهبًا أشغف من ذا اللهب»
هاج نار الوجد فيها راقيًا
لسريرٍ لهما منتصبِ
تبعته والكرى شاقَهُما
بأمانٍ فوق فُرْشٍ قشُبِ٧٦
ظل أتريذ كوحشٍ كاسرٍ
يَتَحرَّى بشديد العجب٧٧
لم يكن بين بني الطُّرواد والـ
ـجيش من شاهد إِثْرَ العَقِبِ
لو رأوه أنباؤا إذ مقتو
ه كمَقْتِ الموت كلُّ الرتبِ٧٨
فأغاممنون نادى صارخًا
بهم يدعو لسمع الخُطَب:
«آل طروادٍ ومن والاهم
دردنيين وما منكم غبي
لمنيلا النَّصْر أبصرتم فهيـ
ـلانةً ردُّوا بذخر الذَّهبِ
واحبونا جزيةً تُنْمي لِمَن
بعدنا الفَوْز ونُجْحَ الطَّلب»
ضَجَّت الإغْرِيق مُسْتَحسنة
بحماها ضجَّة المطلبِ

هوامش

(١) الصديد: الصياح.
(٢) مر بنا في أواخر النشيد الثاني أن كتائب الفريقين تكتبت متأهبة للقتال، وافتتح الشاعر بزحف كل فئة منهما على الأخرى، ولم يفته أن يصف كل فريق منهم بما أثر عنه من الأخلاق والعادات، ومَثَّل بالمقابلة حالة الجيشين، فوصف الإغريق بالصمت والسكون كما سيأتي ووصف هنا الطرواد بالصديد الشديد، فشف كلامه عن حقيقتين: أحداهما: إيثار قومه الإغريق على جماعة الطرواد، والثانية: إثبات الفرق بين أمة مبرّزة في زمنها على ما جاورها من الأمم، فاستتب نظام الجند عندها وتآلفت عناصرها، وإن كانت في الأصل مختلفة كأمة الإغريق، وأمة أخرى ملتفة من شذاذ العشائر لم تبلغ من الحضارة مبلغًا يذكر كالقبائل المتألبة لنجدة الطرواد، ويؤيد هذا القول ما رواه قدماء مؤرخي اليونان من ذم الجلبة في الحروب، وقولهم: إن ذلك إنما كان شأن البرابرة، على أن البعض يزعمون أن المراد بالصديد هنا ربما كان قرع الطبول أو نفخ الأبواق؛ لأن النقر على الآلات والعزف بها استنفارًا للمقاتلة أمر قديم في كل الملل، إلَّا أنه لو كان هذا الزعم صحيحًا لما أغفل هوميروس في شعره ذكر الآلات الموسيقية إبان القتال، وهو كما علمت حريص على التنويه بما جلَّ وما قلَّ.
ثم إن العزف والنفخ بآلات الطرب والاستنفار والضرب والنقر عليها، وإن كانت كلها أمور نشأت في أقدم العصور فقد لا نرى لها أثرًا في حروب بعض الأمم كالعرب، مع أنها كانت شائعة بين مجاوريهم ومخالطيهم كالفرس واليهود، وذلك لأن الشعر كان ولا يزال في بداوتهم أعظم مثير لعواطفهم يتغنَّون به في غزواتهم، فتجيش هممهم وينبعثون إلى ساحة القتال ثملين بخمرة الحمية والإقدام، وإذا أضفت إلى ذلك أناشيد العذارى والأمهات رأيت أنه اجتمع للبدوي من بواعث الاندفاع ما لا يعد دوي الطبول ونغم الآلات بجانبه شيئًا. ولهذا لبثت قبائل العرب بعد الإسلام تتغنى بالشعر في حروبها، ولم تتخذ شيئًا من آلات الأعاجم في الحروب إلا بعد أن انقضت دولة الخلفاء الراشدين ودولة بني أمية، فأخذ العباسيون فيما أخذوا عن العجم قرع الطبول والنفخ في الأبواق.
(٣) القر: البرد، ويذر: يترك.
(٤) شبه الطرواد بزحفهم على الأعداء بطير الرهو المنتشرة في الجو وفي ذلك إشارة إلى صياحهم من وجه وإلى انتظامهم من وجه آخر؛ لأن تلك الطير إذا ارتفعت في الجو علا عرارها وسارت سيرًا منتظمًا، وفي قوله للبغمة إشارة إلى اعتقادهم بوجود أمة من الأقزام بهذا الاسم لا يربو طول الواحد منها على ذراع كانوا يقولون بوجودها في بلاد إثراقة. قال لوپر يفوست يرجح في الظن أنها إنما كانت أمة الفيخينة الأثيوبية لتشابه الاسمين؛ ولأن الفيخينيين كانوا قصار القامات، وتقصد الغرانيق بلادهم لتشتو فيها فيجتمعون عصابات عديدة ينفرونها لتنجلي عن مواطنهم.
(٥) نوطس ريح الشمال كما تقدم. بعد أن ذكر في المخمس السابق انتشار الغبار من عج الزمر حتى بات كالضباب الذي يحجب النظر إلى ما وراء مرمى حجر، استطرد فشبه ذلك الغبار بالضباب الذي تنشره ريح الشمال على رءوس الجبال، ثم تدافعت في مخيلته التصورات فوصف وهو يسوق الحديث سوقًا موجزًا معجزًا ما يكون لذلك الغبار من الهيبة في قلوب الرعاة؛ لأنه قد يحجب عنهم مرأى الضواري فتفاجئهم على غرةٍ منهم، وما يكون من الجذل في قلوب النصوص فيتذرعون بالتستر به إلى نيل بغيتهم على حد قول الشاعر.
مصائب قوم عند قوم فوائدُ
كل هذا بتصرف بديع لا يخفى على المطالع اللبيب.
(٦) الطرد هنا الكر والقتال.
(٧) الجباذ الجذاب، والجذاذ القاطع، والبذاذ الكاسر.
(٨) إذا التزم هوميروس إيثار صفة عن رجل بأناشيده فإنما يلتزمها فيها كلها تمييزًا له عمن سواه، فترسخ في ذهن المطالع أيَّان تصوره، وما أحسن ما وصف به فاريس في هذا المكان، فأتى فيه بطباق لا يخرج في شيءٍ عن صفاته، ففاريس كما علمت هو الذي سبى هيلانة على رضى منها، ولا يحسن بمن كان سبَّاء للنساء خلَّابًا لعقولهن إلا أن يوصف بالجمال والتأنق وحسن البزَّة؛ ولهذا لم يغفل هوميروس عن إظهاره بهذا المظهر حتى في موقف الحرب.
(٩) الضراء جمع ضروة، الكلاب ضريت للصيد.
(١٠) العجلة الأولى بمعنى المركبة، والثانية بمعنى السرعة، إن بين جند الإغريق أبطالًا أشد ساعدًا وأقوى عزيمةً من منيلاوس، ولكن بروز منيلاوس لفاريس لم يكن منه بدٌّ؛ لأنه زوج هيلانة سبية فاريس وهو سداد في رؤية الشاعر عظيم بأن افتتح القتال بين المتسبب في شبوب نيران الحرب والمطالب بالثأر، ولا غرو أن ترى هنا منيلاوس متحدمًا غيظًا لرؤية عدوه الألد وثالب عرضه، ومنقضًّا عليه كالليث المتضور جوعًا، فيتحفز للفتك بفريسته غير عابئ بما يقف في وجهه من ظبي الحراب، وتألُّب الرعاة والكلاب.
(١١) قد يتبادر إلى الذهن أنه لم يكن يجدر بفارس كفاريس (الإسكندر) أن يبرز إلى ساحة القتال ويستهدف للأبطال، ثم ما يلبث أن ينهزم لرؤية فارس ليس في عداد مغاويرهم، على أنه يتضح للمتأمل أن الشاعر إنما أتى حكمة أشار إليها إشارة خفية، فإن فاريس لا يظهر في نشيد من أناشيد هوميروس بمظهر الجبان المهياب، بل حيثما برز فهو من خيرة الأبطال، ويؤيد ذلك عوده بعد هنيهة لبراز منيلاوس كما سترى، أما هزيمته الآن فقد فسرها الشاعر تفسيرًا رمزيًّا بقوله أنه فر فرار من يذعر لرؤية صل يفاجئه في الغاب، فبروز منيلاوس إليه ذكره بلا ريب بما أتى من المنكر بسبي هيلانة وكأنه كان له من نفسه زاجر قوي فربَّكه في أمره، وثناه عن قتال رجل أحسن إليه فتلقى إحسانه بالكفران.
(١٢) البضع العرس أو الزواج. يقول: «ليتك لم تولد قط أو مت قبل أن يعقد لك على هيلانة».
(١٣) الشُّعر أي: الطوال الشعر إشارة إلى عادة الإغريق في إطلاق شعورهم.
(١٤) يعير هنا هكطور أخاه فاريس ضربهُ على عود، وجمال شعره وصباحة محياه والمحاسن التي أودعتها فيه الزهرة إلاهة الجمال، ومن أحسن تعاليق عقيلة داسيه على شعر هوميروس قولها في هذا الموضع أنه يستحسن طول الشعر بين الإغريق، والإنشاد على نغم القيثارة بيد آخيل، ويجعل هكطور يستهجن كلا الأمرين في أخيه، قالت: والسبب في هذا أن الإغريق إنما كانوا يطلقون الشعر لإرهاب العدو، وفاريس لاستلفات أنظار الغيد الحسان، وآخيل كان ينشد على نغم قيثارته قصص الأبطال، وفاريس يتلو أغاني العشاق فما كان من ثم محمدة عند الإغريق كان مذمة في فاريس بنظر هكطور.
(١٥) قد اختلف الشراح في قوله: «لكسوك ثوبًا من صخر» فقال قوم: إنه يريد أن يقول لرجموك بالحجارة، واعتُرض على هذا القول بأنه لا دليل على أنهم كانوا يرجمون، وقال آخرون: بل أراد أن يقول لقتلوك أو لدفنوك؛ لأنهم كانوا يقيمون الحجارة على قبورهم، ومهما يكن من هذا الاختلاف فالمراد أنه تمنى له الموت تشفيًّا منه.
(١٦) هذا أول كلام نطق به هكطور في الإلياذة، وهو كلام يشف عن غيظ وأنفة لا بدع أن تكون في زعيم ذلك الجيش الباسل، وسنراه في ما يلي في أكثر المواقع، وأحرج المواقف جامعًا بين أخلاق الجندي الفتاك، والزعيم الحكيم، والابن البر والزوج الرفيق، والأب الشفيق حتى لقد ذهب البعض أن الأولى أن تسمى الإلياذة باسمه لا باسم إليون قاعدة بلاده، فهو وحده في جيش الطرواد يماثل بصفاته كل ما حسن في زعماء جيش الإغريق؛ لأن لأولئك ملوكًا كثيرين أخذ هوميروس على نفسه أن يميز كلًّا منهم ببعض صفات الرجال ليمثل للسامع أخلاق كبار النفوس على اختلافها، وأما الطرواد فكأن هكطور يجمع فيهم بين كل هذه الخلال ولا عيب فيه إلا أنه يحارب في فئة معتدية، وهو عيب يشفع فيه كونه سيق إلى الحرب مُكْرَهًا فاضطر إلى الذود عن وطنه وأهله.
(١٧) الوشار والأشار النشار، ووشَّار الفُلْك بمعنى بناء السفن؛ لأن العرب على سواحل بحر عمان وشط العرب يقولون حتى أيامنا: «وَشَرَ السفينة» بمعنى بناها وإن كان أصل الوشر بمعنى النشر ليس إلَّا.
(١٨) كل كلمة من كلام فاريس تشف عن حقيقة حال الفتى الجامع بين الرقة والتأدب الملازمين للعاشق، وهو مع ذلك غير خلو من الهمة والإقدام اللذين لا بد منهما؛ لاسترضاء ربات الجمال، فإن هكطور يتلقاه بالقول العنيف فيجيبه بالكلام اللطيف، ويرد اعتراضه بدعة الأخ الأصغر، وحذق العشاق الذين يبلغون مرادهم بعبارات مؤثرة مقنعة، ففي قوله: إنه لا لوم عليه لما خولته الزهرة من المواهب واستطراده بقوله: «لا خيرة في ذلك الأمر» دفع عن نفسه أولًا مثلبة أخيه وحجُّه ثانيًا بأنها هبات علوية تجب لها الرعاية والاحترام، وهناك هبَّت به الحمية فطلب وساطة هكطور بتخلي الجيشين عن القتال، وبروزه فذًّا لقرنه منيلا كأنه تنبه إلى ما فرط منه فأراد أن يتلافى ويكفِّر فيفتدي بلاده بنفسه، ويرفع عنها أوزار الحرب، وهو كلام كله غرر ودرر.
(١٩) قابل الشاعر في هذه الأبيات بين هكطور وأغاممنون، فجعلهما بمنزلة واحدة كلًّا في قومه، فأثبت ما كان لهما من المكانة في قلوب الجميع، فإن هكطور استوقف جماعته بإشارة بمزراقه فوقفوا طوع أمره، واندفع إلى جيش الإغريق غير نابس بحرف طربًا بما لقي في أخيه من ثبوت الجأش، فما أضاع ثانية بالجواب، ولا ابتدر قومه بالخطاب، فقال بصمته أقولًا كثيرة. وأغاممنون أوعز بكلمات قلائل إلى صحبه الملتهبين غيظًا على هكطور وآل بيته، فصدهم عن الفتك به وهو قادم إليهم رسولًا لا مقاتلًا، ولم يكن من عادتهم انتهاك حرمة الرسل.
(٢٠) لقد تساءل بعض الشراح عما إذا كان يمكن التفاهم بين تلك الأمم المختلفة في هذا المقام، فليس في إنشاد هوميروس ذكر للمترجمين مع أنه بعيد النظر دقيق الفكرة في كل ما أنشد، فلم يكن من الممكن أن يغفل أمرًا كهذا، والجواب أنه لا يبعد أنهم كانوا يتفاهمون؛ لأن الطرواد على ما جاء في رواية ديونيسيوس كانوا إغريقي المنشأ، ومسقط رأس دردانوس ملكهم الأول في أرقادية، وعندهم كثير من الأسماء اليونانية كهكطور وإنخيسس، وأنذروماخ وأستياناس، ومهما يكن من صحة ذلك، فالشعر يفترض التفاهم بين كل الناس حتى بين الأرض والسماء، وليس بمستبعد أن يفهم زعماء القومين كلُّ لسان الآخر؛ لأن كل فئة منهم كانت قبل الحرب كثيرة التردد على الفئة الأخرى، فإن فاريس نزل ضيفًا على منيلاوس وسلفاء ذيوميذ وغلوكوس كانوا على تواد وتحالف، وزد على ذلك أن بينهم قرابة ونسبًا وبيعًا وشراءً، وأنه مر تسع سنوات ونيف على إقامة الإغريق على حصار إليون كل هذا مما يعد كل فريق منهم للإلمام بلسان الفريق الآخر.
(٢١) يشف كلام منيلاوس عن مكامن صدره ويمثله تمثيلًا ناطقًا، فهو صاحب العرض المثلوب المستقتل لدرء العار والأخذ بالثأر، وهو البطل الدقيق الإحساس المتألبة جميع الجيوش لنجدته، فلم يكن أولى منه بأن يندفع ويقول:
من يذقه القضاءُ للحتف منا
فليذقهُ وأنتم بأمانِ
ولما وطَّنَ نفسه على أن يقتل في الذود عن قومه، والذود عن عرضه أو أن يقتل خصمه ويضع عن صحبه أوزار الحرب والاغتراب أراد أن يكون على ثقة وطمأنينة، فاستطرد إلى طلب إبرام عهدة محكمة تعقد بحضرة فريام الملك الشيخ؛ ارتياحًا منه إلى بر الشيوخ بعهادهم واستخفافًا بميثاق من أبنائه؛ لأنه لم يكن يأمن جانبهم، وكيف يأمن ومنهم الغادر به المنتهك حرمته.
(٢٢) كانت عادة الطرواد أن يضحوا بكبش أبيض للشمس، وبشاة سوداء للأرض وينتقون الكبش أبيض رمزًا إلى النور والشمس عندهم إله ذَكَر يكنى بأبي النور، وأما الأرض فهي أم البشر ومرضعتهم؛ ولهذا ينتقون لها شاة سوداء رمزًا إلى التراب، وقد جعل تتمة الضحية كبشًا ثالثًا من الإغريق لأحكام الوفاق، ورب المثاني أي: القوات كناية عن زفس، ومن جملة صفاته عندهم أنه رب العهاد والضيافة.
(٢٣) ما أكثر ما قال العرب جاهليُّهم ومولّدهم بهذا المعنى أي: إيثار الحكمة عن الشيوخ، والطيش عن الشبان، وإليك أمثلة من ذلك. قال النابغة الذبياني:
على حين عاتبتُ المشيب على الصبا
فقلت ألمَّا تصحُ والشيب وازعُ
وقال المسيب بن علس:
فرأيت أن الحلم مجتنب الصبى
وصحوت بعد تشوق ورُواعِ
وقال سُويد بن أبي كاهل اليشكري:
كيف يرجون سقاطي بعدما
لاح في الرأس بياض وصلَعْ
وقال أعرابي:
ألا قالت الخنساءُ يوم لقيتها
كبرت ولم تجزع من الشيب مجزعًا
رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبةً
تقنع منها رأسه ما تقنعا
فقلت لها لا تهزئي بي فقلَّ ما
يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
وللقارح اليعبوب خير علالة
من الجزع المجرى وأبعد منزعا
وقال طريح الثقفي:
والشيب للحلماء من سفه الصبا
بدل تكون لهُ الفضيلة مقنعُ
إن الشباب له لذاذة جدَّةٍ
والشيب منه في المغبة أنفعُ
وقال أبو الحسن العكَوَّك:
وأرى الليالي ما طوت من قوتي
ردته في عظتي وفي إفهامي
وقال العتبيّ:
قالت عهدتك مجنونًا فقلت لها
إن الشباب جنون برؤه الكبرُ
وقال الشريف الرضي:
وشيب الفتى صبح يبين عواره
ويرمق فيه بالعيوب وينظرُ
وإن ضلالي في النهار لهجنة
وإن ضلالي في دجى الليل أعذرُ
وقال أبو تمام:
فلا يؤرقك إيماض القتير به
فإن ذاك ابتسام الرأي والأدبِ
وقال ابن هانئ:
ولخير عيش أنت لابسه
عيش جنى ثمراته الكبَرُ
وقال الجلال السيوطي:
أما الشباب فظلمة للمهتدي
وبه ضلال الجاهل المتمردِ
هذا قليل من كثير أثبتناه مثالًا لغزارة مادة الشعر العربي في الحكم والمواعظ، وحسب المطالع أن يتخذه شاهدًا يكفينا مئونة هذا التوسع في أمثاله من سائر المواضع.
(٢٤) بفيجين أي: برسولين.
(٢٥) إيريس رسولة الآلهة عامةً وزفس خاصةً، وهي برأي بوزانياس مشتقة من كلمة (Ερις) ومعناها الشقاق والفتنة؛ لأنها كانت تحمل رسائل الحرب كما كان هرمس (عطارد) يحمل رسائل السلم.
إن هوميروس هو الذي علم الكتبة والشعراء أن يتفننوا بكتاباتهم؛ ترويضًا للفكر فينتقلون بالمطالع من باب إلى آخر انتقالًا طبيعيًّا لا تمل معه كتاباتهم، وها هو الآن قد انتقل بنا إلى بحث من أسمى مباحث إلياذته ألا وهو بروز هيلانة المسبية، ولقد يتوهم راوي تاريخ تلك الحرب أنها إنما كانت امرأة متصفة ببذاءة النفس، والاستسلام للهوى الفاضح حتى يكاد يعجب لتلاحم أمتين بسببها، فدفعًا لتلك المظان وزيادةً لخطورة ذلك الموقف قد أبرزها الشاعر بمظاهر يغتفر عندها ذنبها ويعظم قدرها بما فطرت عليه من فرط الجمال وطيب الخلال، فمثَّل بها المرأة الجامعة بين كل ما يدركه التصور من جمال الخلق والخُلق، وهي مع ذلك لا يؤمن عليها من هفوة فضَّاحة تلقي بها وبذويها إلى وهدة المهالك القتَّالة، ولا شك أن الشاعر وقف هنا في أحرج المواقف حتى يتسنى له أن يحبب إلى سامعه فتاة يقضي العقل بنبذها وتحقيرها؛ ولهذا بالغ في وصف حسنها الفتان وأطراها بكلام موجز نافذ كالسهم فقال:
ليس بدعًا إن كان هذا سناها
وعليها تلاحمت أمتانِ
وأنطق بهذا الكلام كل شيخ هرم قوَّض الدهر ظهره، فما بالك بالفتى الغض الشباب، وأودع فيها من الحذق ما جعلها ترسم وقائع الحرب بإبرتها على نسيج رقيق، وجعلها مثالًا لرقة العواطف متوجعة لما فرط منها تتمنى الموت كفَّارة وتجتنب الرجال عفة وطهارة، فتخرج متبرقعة وجِلة كما قال الشنفرى:
لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعها
إذا ما مشت ولا بذات تلفُّتِ
وهي تحن إلى الأهل والأوطان، وتذرف عبرات الشجى ودمع الحنان، وكأن الشاعر لم يكتف بكل ما سلف تخفيفًا من هفوتها، فصوَّر لمطالعه أنها إنما أتت ما أتت من المنكر مكرهة بالقضاء والقدر لا مختارة تتولى أمر نفسها، وسترى في ما يلي عند ذكرها ما يكاد ينسيك أنها الجانية في ذلك الشر المتسببة في تفاقم الأمر.
(٢٦) قالت عقيلة داسيه بأحسن ما تصور هوميروس بجعله هيلانة ترسم تاريخ الحرب على ذلك النسيج حتى لقد يخالج الفكر أن هوميروس ملك بالأرث ذلك النسيج البديع، فأنشأ إلياذته على صورته ومثاله.
(٢٧) الحصد: المُحكمة.
(٢٨) أبواب إسكيا هي أبواب مدينة إليون عاصمة الطرواد.
(٢٩) لم يبق للشيوخ بعد أن تمادت بهم الدهشة لجمالها إلا أن شبهوها بالإلاهات الخالدات، ولو اعتقد أبو الطيب المتنبي اعتقادهم لقال قولهم ولم يقل:
بدت قمرًا وماست خوط بانٍ
وفاحت عنبرًا ورنت غزالا
وما أحسن قول الآخر بمعنى هوميروس:
تقول إذا بدا ملكٌ كريم
كساهُ الله هيكل آدميِّ
وأقرب من ذلك إلى معنى هوميروس قول عنترة:
سجدت تعظم ربها فتمايلت
لجلالها أربابنا العظماء
وكأنهم انتبهوا إلى تماديهم في الشغف بالجمال، وقد أحنى الدهر ضلوعهم وفطنوا للمخاطر المحدقة بهم من كل صوب، فأفاقوا من تلك الدهشة وهي لا تكون في الشيوخ إلا هنيهةً، فقالوا خير لنا أن نتخلى عنها ونكفي نحن وأبناؤنا شرها.
(٣٠) بعد أن غادر الشاعر فتيان الجند وكهولهم في المعسكرين لم يغفل عن ذكر الشيوخ الذين قضت عليهم الأيام بالعجز، فوضعهم كما تقدم في مشارف البرج يتطلعون بأبصارهم، وبصائرهم إلى ما عسى أن ينجلي من وراء تلك الأزمة، وقال: إنهم كانوا يرتئون الآراء، وشبههم بالصراصر التي تصرّ مختفية في الغاب، وهو تشبيه عابه عليه فريق من الشراح وأعجب به الفريق الآخر، على أنه يلوح للمتأمل في حالة الشيخ واحتجابه عن موقف النزال وارتياحه إلى هرم نظيره يجاذبه أطراف الحديث أنه تشبيه في محله فهو كالصرصر المتواري عن العيان يروقه صوته، ويشعر بضعفه فلا يبرح مكانه اتقاء المخاطر، ثم تدرج الشاعر إلى النطق بلسان فريام الملك، فجعله يفوه بكلام تنجلي به حقيقة حاله، فهيلانة كنته فخاطبها باللين والتؤدة، وهوَّن عليها مصابها بإحالة جريرتها على القدر المحتوم وتوجع لمصابه، فلما آنس فيها الطمأنينة أخذ يسألها عن سراة القوم ترويحًا لنفسه وتأسيًا بما يطرق فكره من سابق الذكرى، وهذه حقيقة حال الشيخ الشفيق، والحم الوديع والمصاب بغصص العيش المتحمل مصابه بالورع والاستسلام، والذي لا يزال على كبر سنه يتشوف إلى استطلاع خفايا الأمور.
(٣١) بإثرتي باختياري.
(٣٢) إن في قيام فريام في أعالي البرج يتطلع إلى الجنود المنتشرة في ذلك السهل لمشهدًا من أجمل المشاهد حسب اللبيب أن يتصوره؛ ولذلك نسج على منواله كثيرون من الشعراء ورسمه الرسامون، وتفننوا فيه وأبدعوا اقتداءً بأبي الشعراء، ولا يخفى ما في استهلال هيلانة من الرقة، وما في توجعها من بواعث الرفق بها والتغاضي عن سابق خطأها.
(٣٣) كان الإسكندر المقدوني المعروف بذي القرنين يردد هذا البيت تباعًا، ويعتبره أبلغ بيت في منظومات هوميروس كلها ويتخذه منهجًا وشعارًا، قال أبو تمام:
ملكٌ له في كل يوم كريهة
إقدام غرٍ واعتزام مُجرَّبِ
(٣٤) أطرا أو أطراوس ملك الفريجبيين، وأخو مغدون وإيقاب امرأة فريام.
(٣٥) سنغاريس نهر في فريجبيا والجدة الشاطئ.
(٣٦) الأمازونة قوم من مقاتلة النساء اختلف المؤرخون اختلافًا كثيرًا في شأنهن زعموا أنهنَّ اكتسحن بلادًا كثيرة وبلغن بفتوحاتهنَّ بلاد أشور وبنين عدة مدائن، وفي جملتها أفسس وأزمير، وكانت لهنَّ ملكات تدبر شئونهنَّ وتقودهن في الغزوات ومنهنَّ ثالستريس التي قابلت الإسكندر، قيل كنَّ يخالطن الرجال حتى إذا علقن منهم تركنهم، فإذ ولدن استبقين البنات دون البنين، وكنَّ يحرقن ثديهن الأيمن لئلا يعوقهن في رماية النبال؛ ولهذا سمين بالأمازون  (Αμαζων) ومعناها «بلا ثدي».
figure
(٣٧) الدُّهقان والدِّهقان الرئيس معرب دِهْكَان بالفارسية، ومعناها زعيم الفَّلاحين أو شيخ القرية.
(٣٨) الصيداء الأرض الغليظة، وهي كلمة فينيقية وبها لقبت مدينة صيدا في سورية.
(٣٩) قال الكميت:
لا ينقض الأمر إلا ريث يبرمه
ولا تعرَّب إلا حوله العربُ
وقال آخر:
يصير بأعقاب الأمور كأنما
تخاطبه في كل أمر عواقبه
وأمثال ذلك كثيرة في شعر الجاهلية والإسلام.
(٤٠) قوله: «وأما لِرَعي السّن» يعني: مراعاةً لأوذيس الذي هو أسن منه.
(٤١) قال أعرابي في الرشيد:
جهير الرواء جهير الكلام
جهير العطاس جهير النغم
ويخطو على الأمر خطو الظليم
ويعلو الرجال بخلق عمم
(٤٢) أشرنا في ما تقدم «ن١» إلى جري شعراء العرب مجرى هوميروس في تشبيه الكلام السهل المنسجم بالشَّهْد وأمثاله، وأما فصاحة النطق وبلاغة التعبير فكثيرًا ما يشبهونها بالدر والياقوت وأشباههما كقول الصاحب بن عباد:
فلو أن ألفاظه جُسَّمت
لكانت عقود نحور الغواني
وقول عبد الله بن حامد الحامدي:
إني أرى ألفاظك الغرا
عطلت الكافور والدرَّا
وأحسن من هذين قول أبي إسحاق الصابي للوزير المهلبي:
لك في المجالس منطق يشفي الجوى
ويسوغ في أذن الأديب سلافهُ
فكأن لفظك لؤلؤ متنخلٌ
وكأنما آذاننا أصدافهُ
وأما تشبيه الكلام بالبرَد المنهمر كما جاء في قول هوميروس، فقلما نرى له مثيلًا في الشعر العربي، ولعل أقرب مثال له قول يزيد بن سياه الأصبهاني وقد أجاد:
إذا ارتجل الخطاب بدا خليج
بفيه يمدهُ بحر الكلامِ
كلام بل مدام بل نظامٌ
من الياقوت بل حببُ الغمامِ
وهذه الرقة وهذا التفنن في التعبير من مميزات شعر المولدين.
(٤٣) لا شيء أجمل من هذه المقابلة بين أوذيس ومنيلاوس وقد تصرف الشاعر تصرفًا لطيفًا بإصدارها عن أنطينور لا عن هيلانة مع أنها هي القائمة بإرشاد فريام حميها إلى معرفة الزعماء وأوصافهم، على أن الشاعر كفاها هنا مئونة الخجل الذي كان يأخذها لو اضطرها فريام إلى الإشارة إلى بعلها، أما أنطينور فلم يكن في إشارته إلى منيلاوس محذور، فوصفه وصف خبير كما تقدم وأطرأ فصاحتهما على اختلاف المنهجين، فإذا قرأت هذا الوصف علمت من إيجاز منيلاوس وجريه على تبيين أدلته بلا إضمار ولا إكثار أنه الملك الرفيع النسب العلي الشأن القليل الالتجاء إلى الحيلة والدهاء، ورأيت من توقد ذهن أوذيس، والتهاب عينيه، ونفوذ بلاغته، وتفوقه بأساليب الحديث ما ينبئك بدهائه، ويدلك على حسن سياسته وقوة عارضته، وزاد الشاعر على وصفهما متكلمين وصفهما صامتين ففضل منيلاوس قائمًا لاتساع منكبيه، وأوذيس جالسًا لهيبته في القلوب، ومدحه قائمًا أيضًا وإن كان في قامته قِصر؛ لأن نفثات بلاغته تسد مسد ضخم الهامة وطول القامة.
(٤٤) الرواض أي: رواض الخيل.
(٤٥) كستور وفولكس المذكوران هما أخوا هيلانة لأمها؛ لأن أباها كان زفس وأما أبوهما، فكان تنذاروس وأم الجميع ليذا، وكانا قد هلكا ولم تعلم هيلانة بذلك، وفي ذكر هيلانة لأخويها مرميان أولهما: التنويه بحنوها ورقة عاطفتها، والثاني: استلفات النظر مرة أخرى إلى ما كانت عليه من الخجل والوجل، وضيق الصدر، وهنا انتقل بنا الشاعر إلى مشهد جديد، وهو قدوم الرسولين إلى فريام بقرار الجيشين.
(٤٦) القيام للقادم تعظيمًا وإجلالًا عادةً مرعية منذ القدم، وأما قول الأعشى:
ولما أتانا بعيد الكرى
سجدنا له ورفعنا العمارا
فقد يمكن أن يكون المراد من السجود فيه الانحناء سواء كان المنحني قائمًا أو قاعدًا جريًا على عادة الفرس أو الركوع، وهو من الغرابة بمكان أو القيام؛ لأن السجود ورد في اللغة أيضًا بمعنى الانتصاب، وفي هذا البيت موضع أشكال آخر بقوله: «رفعنا العمارا» فرفع العمار بلا ريب من علائم التجلَّة والإكرام، فبقي النظر في معنى العمار، وله في اللغة معانٍ أشهرها الريحان الذي تزيَّن به مجالس الشراب، وكان الفرس إذا دخل عليهم داخل رفعوا شيئًا منه وحيوه به، وإذا كان العمار هنا جمع عمارة بمعنى العمامة كان المراد أنهم كانوا يكشفون رءوسهم، فيكون العرب قد سبقوا الإفرنج إلى رفع القبعة للتحية، وعندنا الأولى أن يراد بالعمار الريحان، ومنه قول النابغة الذبياني:
رقاق النعال طيبٌ حجزاتهم
يحيون بالريحان يوم السباسبِ
(٤٧) نضى بمعنى انتضى، والمشمل السيف القصير والقرضاب السيف مطلقًا.
(٤٨) شرح لنا لشاعر في ما تقدم طريقة تعاقدهم وتعاهدهم، واتخذ منها وسيلة أخرى لبث روح الورع، ووجوب استمداد الغوث الإلهي فهم يضحون ويدعون وكل فئة واثقة بما عندها من صدق الأيمان، تلك كانت سنتهم في ذلك الزمان وشعائر الدين في أبَّانها، وقد كانت للعرب طرائق في تحالفهم تقرب من هذه صورةً وشكلًا، ولكنها تخالفها معنى وحقيقةً إذ كانت عرى الدين عندهم منحلة، ولم تشتد إلا بالإسلام بعد انقضاء زمن الجاهلية، وأما قبل ذلك فكانوا إذا دعوا أو ضحوا مروا على الأمرين مرور المضطر بحكم العادة المقتبسة، وإنا موردون أمثلة ثلاثة من حلف المطيبين ولعقة الدم ملخصة من التواريخ العربية، قالوا: اجتمع بنو عبد مناف، فأخرجت لهم أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب جفنة مملوءة طيبًا فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند باب الكعبة، وقالوا من تطيَّب بهذا فهو منا، ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاقدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدًا على نفوسهم، وتطيب مع بني عبد مناف بنو زهرة، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو تميم بن مرة، وبنو الحارث بن فهر، فالمطيبون خمس قبائل من قريش، وتعاقد بنو عبد الدار وأحلافهم، وهم بنو مخزوم، وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو عدي على أن لا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضًا، وأخرجوا جفنة مملوءة دمًا من دم جزور نحروها، ثم قالوا: من أدخل يده في دمها فلعق منه، فهو منا فجعلوا يضعون أيديهم فيها ويلعقونها فسمُّوا لعقة الدم (ويقال لهم الأحلاف أيضًا) ولما تعاقد الفريقان على ما ذكر، وكادا يقتتلان إذ تداعيا للصلح على أن تكون حجابة الكعبة واللواء والندوة لبني عبد الدار، والسقاية والرفادة لبني عبد مناف، ودخلوا دار الندوة، وتعاقدوا وكتبوا بينهم كتابًا: باسمك اللهم هذا ما تحالف عليه بنو هاشم، ورجالات عمرو بن ربيعة من خزاعة على النصرة والمواساة ما بلَّ بحر صوفة، وما أشرقت الشمس على كبير وهب بفلاة بعير وما قام الأخشبان واعتمر بمكة إنسان.
(٤٩) أتى هوميروس في الأبيات السالفة على بيان التضحية للتواثق بين قومين، وأكثر ما كتب عن القدماء بهذا المعنى إنما هو مأخوذ من هذا الموضوع، وقد تشبه الرومان باليونان فلم يختلفوا عنهم اختلافًا يذكر، أما العرب فهم وإن كانت احتفالات تواثقهم تقارب هذا النسق من وجه، فلا يسعنا أن نحكم أنهم أخذوا منها شيئًا عن اليونان بل كل مآخذهم كانت عن العبرانيين وعن الكلدان الذين اقتدى بهم اليونان في كثير من عباداتهم ثم عن الفرس، ولكن خصوصًا عن اليهود. راجع ما تقدم لنا بهذا المعنى (ن١).
(٥٠) لما قضى فريام مهمته قفل مسرعًا؛ إشفاقًا من مشاهدة قتال قد ينتهي بمصرع ابنه.
(٥١) التريكة: الخوذة، والقدحين أي: السهمين لكل من فاريس ومنيلاوس سهم وضعًا في الخوذة؛ ليستقسم بهما فيُعلم من الطاعن الأول.
(٥٢) يظهر من دعاء الجنود كافة أن نفوسهم سئمت الحرب بعد التحامها بينهم أكثر من تسعة أعوام، فتمنوا هلاك أي من الخصمين تسبب في ذلك البلاء الفادح، وهنا إشارة أخرى إلى ما كان الجميع عليه من صحة الاعتقاد بنفوذ الحكم الإلهي بالقسط والعدل.
(٥٣) كان الاستقسام عند العرب على نحو هذا النمط، وسيأتي بيانه في النشيد السابع.
(٥٤) النترات: الدروع، وليقاوون أخو هكطور لأبيه كان آخيل قد أسره، وباعه في لمنوس فافتدى نفسه ورجع إلى طروادة، ووقع ثانية في قبضة آخيل فقتله كما سيأتي في النشيد الحادي والعشرين.
(٥٥) القتير مسامير الدروع والتروس، وسائر أنواع السلاح.
(٥٦) الجنة: الترس، والمغفر الخوذة، ونواصي المغفر عبارة عن عذبات القونس التي كان يجعلها العرب على خوذهم تشبيهًا بالفرس.
(٥٧) العاسل: الرمح.
(٥٨) استلأما لبسا اللأمة أي: الدرع، لحماته أقاربه أو جماعته.
(٥٩) قلاته أي: مبغضيه. يعني: أن أجناد الجيشين وقفوا عند الحد الذي خط لهم لا يتعرضون للمبارزين.
(٦٠) قراته أي: مضيفيه، قال بعض الشراح: إن هوميروس لم ينطق فاريس بالدعاء إلى زفس بل أنطق منيلاوس؛ لأنه البريء المهان يلتمس إنفاذ العدل ويشكو ظلامته، وأما فاريس فليس له ظلامة يشكوها فلبث صامتًا.
(٦١) الفضفاضة: الدرع.
(٦٢) لو قرأت هذا البيت في اليونانية للاح لك في مماثلة ألفاظه ما يكاد يسمعك صوت تكسر السيف، وهذه المماثلة كثيرة في شعر هوميروس واللغة اليونانية تسهلها على الشاعر البليغ، ولقد تقفينا آثاره في بعض المواضع. ولما لم تكن هذه المماثلة مما يقيد بالترجمات لاختلاف مميزات التعبير بين اللغات، فنظننا أصبنا الغرض أحيانًا، وأخطأناه أو قاربناه أخرى وأتينا اعتباطًا بمماثلة حكاية الأصوات في مواضع لم يقصدها الشاعر والحكم في كذلك ذلك للمطالع اللبيب.
(٦٣) من تصور حالة منيلاوس واليأس والحنق اللذين أخذا به عند ما كاد يفتك بعدوه ومحرق مهجته، فخانه السيف والرمح لا يعجب لتماديه بالكفر واستطالته على زفس نفسه بالكلام، وخصوصًا أن لوم الآلهة عند اليونان لم يكن بالكفر الفاحش.
(٦٤) قبريس هي الزهرة أي: إنها قطعت السير الممسك بالخوذة تحت الذقن.
(٦٥) عفروذيت هي الزهرة أيضًا.
(٦٦) كثيرًا ما نرى هوميروس يشير إلى الحقائق إشارة رمزية زيادةً لرونق كلامه، ومراعاةً للتصور الشعري وفقًا لمعتقدات زمانه، فيحل الآلهة محل البشر في كل عمل خطير لتزول الغرابة، ويقرب تقدير الإمكان، فلهذا لا يبقى محل للاستغراب إذا عاد منيلاوس بالخيبة بعد أن كاد يقتل فاريس ثلاثًا أي: بسيفه ورمحه وذراعه، ولم يوسط الشاعر الآلهة إلا عند بلوغ الأزمة حدها إذ لم يكن يحلو للسامع بعد أن قيل له أن السيف تكسر من تلقاء نفسه أن يقال له أن قدة الخوذة انقطعت من تلقاء نفسها، فجعل القاطع الزهرة، ولا أجدر منها بملازمة فاريس الذي وقف حياته على الحب والغرام، وقول الشاعر بعد ذلك: «أنها حجبتهُ في ركم الضباب» إشارة إلى الغبار المتصاعد من اصطدام الجيشين على أثر نكبة فاريس، فكأن الشاعر قال ضمنًا أن الطرواد لم يبرُّوا بعهدتهم، فلما رأوا ما رأوا من الخطر المحدق بابن ملكهم هجموا فأنقذوه وحالوا بينه وبين منيلاوس، وهنا نرى الشاعر يذهب بنا من موقع الحرب إلى منزل الحب، ويرينا بإبداع تصوير تنازع العقل والقلب.
(٦٧) حاكت الأولى بمعنى شابهت، والثانية من الحياكة.
(٦٨) قلنا: إن الزهرة أي: الحب كانت ملازمة لفاريس، فكان من اللازم أيضًا أن تكون ملازمة لهيلانة، ومن غريب تفنن الشاعر أنه يظهرها كل حين بالمظهر الطبيعي الذي لا يمكن أن يحل غيره محله، والذي يرينا من وجه آخر أن الفطرة مهما اعتراها من الرونق والبهرجة، فالأساس واحد لا يتغير؛ ولهذا لما كانت الزهرة على وشك جمع الشمل بين فاريس وهيلانة أبرزها بهيئة عجوز من خصائص هيلانة والعجائز أدهى الخلق بالتوسط بين العشاق، وأنطقها وهي تدعوها إلى غرفته بكلام لو نطقت به فتاة غضة الشباب لألفيناه خلوًا من كل رواء، ولقد يتصور المطالع أن هيلانة لم يكن يروقها أن ترى فاريس عائدًا منكوبًا من حومة الوغى، فكلمتها العجوز أو الزهرة بما يختم على نيرتها ويهيج عاطفتها فصورته لها بهيئة الفتى المتأهب للرقص في محفل حافل أو الذي يعود من المراقص الزاهية، وهو بكلتا الحالتين بأبهى ما يتجلى به لنواظر الحسان.
(٦٩) مهما اشتد الوجد بالمرء، وضرب الغرام على بصيرته فلا بد له من آونة يعود فيها إليه صوابه، ويتطلب الخروج عن منهج الضلال، وهذه هي حالة هيلانة في موقفها هذا، فإنها لم تفتر بقول ربة الجمال لتنبهها حينًا إلى ما أتته من الخطأ الفاحش، فاشمأزت من ذكرى ما اجترحت وعنفت الإلاهة بالكلام الثقيل كأنها تلوم النفس على تماديها بالهوى الفضاح.
(٧٠) إن فوز منيلا فتح عيني هيلانة وزادها ندمًا على ندم، وإن النساء تعشق الفعال كما تعشق الجمال، وقد سبق لها أن عشقت الفارسين، فكان من البديهي أن تؤثر أطولهما باعًا وأشدهما ذراعًا، نقول هذا وإن كانت عقيلة داسيه قالت: إن هيلانة تذكرت منيلاوس؛ لأنه عشيقها الأول ومهما انتاب قلب النساء من الحب، وخمدت جذوة الهيام بالحبيب الأول فلا بد من اضطرامها حينًا بعد حين، فنرى من ثم أن هوميروس كان عالمًا بما عند النساء من الوجد المقيم للحبيب القديم، ومهما يكن من القولين فقلب النساء حليف الفائز الظافر، وقد كان ظفر منيلاوس ما بكتها على هجرانه وحرقها ندمًا على سلوانه.
(٧١) إن في إقامة منيلاوس على حبه لهيلانة بعد رغبتها عنه لمهيجًا آخر لوجدها، ومنبهًا ومبكتًا يحملها على الندم والتشوق إلى الرجوع إليه، ولكنها علمت ما دون ذلك من الأهوال، فندبت حظها وانكفأت باللوم على الزهرة تشفيًا منها شأن العاجز الطامع في مطلب لا يناله فيتأفف، ويلقي تبعة عجزه على من سواه.
(٧٢) أي: إنه لا يصعب علي أن أجعل الخطب يتفاقم بين الطرواد والإغريق فيعبثون بعهدتهم وتزيدين نكالًا على نكال، إذا برَّح بالعاشق هيام ورأى من نفسه زاجرًا عنه، ثم قوي القلب على العقل انتحل له من نفسه أسبابًا تجيز له الانقياد لهواه، فكأن هيلانة بعد أن تنبهت هنيهة لسوء فعلتها انتحل لها الغرام أسبابًا تثبتها على محبة فاريس، فإنها أبصرت بذكائها أنه لم يكن لها من سبيل إلى منيلاوس، وأنه لا بد من أن يطول زمن الحرب وينكث الطرواد عهدهم، ويهيجوا الإغريق غيظًا لتملص فاريس من بين أيديهم فالرضا والحالة هذه بالحبيب القريب أولى، وتهدد الزهرة لهيلانة عبارة عن إشفاقها من أن يفدح الأمر وتطول مدة الكر والفر، وكلما انقضت السنون وقد مضى منها تسع لحصار طروادة أذبلت الزُّهرة زهرة جمالها، فيأتيها زمن سنطفئ فيها نار حبها في قلبي فاريس ومنيلاوس، وذبول وردة الحسن أعظم مصيبة تتوقعها الرشيقة القد، النضرة الخد.
(٧٣) قلنا: إنه تم التنازع بين قلب هيلانة وعقلها، وتمت غلبة القلب على العقل، فأتت غرفة فاريس ولم يزل في نفسها بقية من الحنان إلى حبيبها الأول، فبادرته بالكلام العنيف وهو كلام لم يكن لها بد منه حتى لو أمحت ذكرى منيلاوس من فؤادها؛ لأن من دهاء النساء أن تتوقع زلة من الرجال؛ ليعنفنهم عليها استزادةً من سلطانهن وكسرًا لشوكة الرجل وتعززه بقوته، فهذا الكلام وإن كان في حد نفسه أغلظ تعنيف فهو ينتهي كجاري العادة بالدل اللطيف.
(٧٤) ترى هنا أنها بعد أن تمنت له الموت بلسانها لم يكن قلبها ليطاوعها فما عتَّمت أن قطعت عبارة الشماتة، فوصلتها بخطاب الإشفاق إما لأنها رأت أنها أفرطت في اللوم، وإما لأنه عيل صبرها على كتمان حبها أو لكلا الأمرين.
(٧٥) لم يكن في الإمكان أن يتصور شاعر جوابًا لفاريس أوقع من هذا الجواب، فبدأ بالاعتذار، وألقى على أثينا تبعة الإنكسار، وجعلها تأمل النصر القريب ولم يكتف بكل ذلك، فإذهابًا لبقية ما في صدرها من غائلة الاستضعاف وفتور الحب أتاها من باب المداعبة والمغازلة اللتين تخفيان عن العيون العيوب، فتذرع بأقوى حيل الرجال ووقع على منفذ الضعف فيها ففاز ببغيته.
(٧٦) أظهر لنا الشاعر في هذا النشيد عاشقين كلاهما على خطأ، ولقد أكثر الشراح من تفنيد أخلاقهما فمن مقبح أعمال فاريس، ومن مستهجن لتصرف هيلانة، ولقد رأيت فيما تقدم المنهج العجيب الذي نهجه الشاعر تخفيفًا لما يؤخذ عليهما، وكأني به قد كان أرفق الشعراء والكتاب وسائر الرجال من قبل ومن بعد بحالة النساء، وأعرفهم بما يجب أن يكون لهن من المنزلة في المجتمع البشري، ومهما أحجم قارئ شعره عن الاعتراف بما يجب أن يكون للنساء من المنزلة لا بد له من أن يعترف من هذه المقابلة أن هوميروس كان يرمي ببصره إلى إعلاء شأنهن، ويعتقد مع التنويه بمعايبهن بأن فيهن المنزع الأعظم للتحلي بجمال الوصف كما تحلين باللطف والظرف، فهيلانة على كل علتها وسابق هفوتها تظهر بعواطف أرق ونيرة أدق من حبيبها فاريس على غضاضته وبسالته، ولا بد لي قبل الانتقال من هذا الموضع أن آتي على ذكر أمر، وإن ساءني ذكره، وهو المقابلة بوجيز العبارة بين آداب الشاعر اليوناني والشاعر العربي في الجاهلية وبعد الجاهلية، فلست أذكر أن هوميروس جمع بين محبوبين في إلياذته مع كثرة كلامه عن العشق والعشاق إلَّا في موضع آخر غير هذا الموضع، وقد أتى على ذلك بكلام تقرأه، ولا تخجل من قراءته الفتاة في خدرها، أما شعراء العرب فحيثما عنَّ لهم ذكر الحبيب والمحبوب، وإن ظلوا بعيدين عن ذكر الوصال أفحش أكثرهم في الكلام، وإذا وصفوا الوصل ذكروه بكلام بذيء يخجل الرجل من تلاوته فضلًا عن المخدرات، وحسبنا مثالًا على ذلك مراجعة معلقة امرئ القيس شيخ شعراء العرب وقوله:
وقالت وقد مال الغبيط بنا معًا
… … … … … … … … … …
وفي كتاب ألف ليلة وليلة من أمثلة ذلك ما لا يحصى.
(٧٧) لما أفرغ الشاعر كنانته بمشهد فاريس وهيلانة رجع بنا إلى ساحة الحرب، فأرانا أتريذ أخا منيلاوس كالوحش الكاسر الذي تؤخذ فريسته من بين يديه فيتحدم غيظًا منقضًّا في طلبها، ولا بدع أن يندفع أغاممنون ذلك الاندفاع لذهاب الفريسة والغنيمة من يده.
(٧٨) لا عجب أن نرى فاريس ممقوتًا في هذا المكان كما تمقت الموت جميع أصناف البشر؛ لأنه كان المتسبب في هلاك الأمتين، وزد على ذلك أن الجيشين أملا حينًا من الزمن أن تنتهي الحرب ببروزه لبراز منيلاوس، فإذا به قد احتجب فخاب أملهم؛ ولهذا قال الشاعر إنهم لو رأوه لأنبئوا بمقامه ليؤخذ بجريرته فيقتل، وتضع الحرب أوزارها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤