النشيد الرابع

نقض العهدة والوقعة الأولى

مُجْمَلهُ

جلس الآلهة للنظر في أمر الحرب، فاستحسن زفس إلقاء الصلح، فعارضته هيرا تأبى إلا التنكيل بالطرواديين وتدمير عاصمتهم، فوافقها زفس على شرط أن يهدم فيها بعد ما شاء من المدائن المستظلة بظلها، وأنفذ أثينا إلى جيش الطرواد تستفزهم إلى العبث بالعهدة، فتزيت بزي أحد أبناء إنطنيور ودفعت فنداروس على إطلاق سهمٍ، فاندفع وأطلق سهمًا على منيلاوس فجرح جرحًا ظنه أغاممنون قاضيًا، ولكنه ما لبث أن شفي بعناية النطاسي مخاوون، وما وقف جيش الطرواد عند تلك الخيانة بل انقضوا هاجمين على الإغريق، فتربص الإغريق وهاجت أغاممنون الحمية، فخاض الصفوف يستحث همم الزعماء ويؤنب المتثبطين منهم، والتحم القتال فاستظهر جيش الإغريق وكاد يقضي على الطرواديين لو لم يبادر أفلُّون ويستنهض الهمم، وقاتل الفريقان قتال المستبسل اليئس حتى «كسا أديم الأرض تيار الدماء».

مجرى وقائع هذا النشيد في السهل أمام طروادة، وكلها جرت في اليوم الثالث والعشرين، وهو اليوم الذي جرت فيه وقائع النشيدين السابقين، والنشيدين التاليين أيضًا حتى أواخر النشيد السابع.

النشيد الرابع

قد أقام الأرباب من حول زَفسٍ
مجلسًا في ذاك البلاط المُذَهَّب
بكُئُوس النُّضار دارت عليهم
هيبيا والسّلاف بالدُّور يُسْكب١
فبإليون أحدقوا من علاهم
وبمرِّ الكلام زفس تَعَتَّب
قال مُذْ رام أن يُحدِّم هيرا:
«ذا منيلا بربَّتين تحجَّب
تلك هيرا الأرْغيَّة احْتَضَنَتهُ
وأثينا لفوزه تتعصَّب٢
وبمرآه سُرَّتا من بعيدٍ
إنما عفرذيت فاريس تصحب
تدرأ الموت عنه بالبشر والآ
ن وقتهُ الرَّدى وقد كاد يَنْشَب
إنما النَّصر لابن أتْرا يقينًا
فهلموا نقضي بما يترتَّب:
أنُسيل الدِّماء والحرب نوري
أم نرى حقنها على الصلح أقرب
فإذا السِّلم رُمْتُم ظل فريا
م بإليون في ذويه مُهيَّبْ
وبهيلانةٍ يسيرُ منيلا
فيسود السَّلام والدَّمُ يُحْجَب»
تَسَعَّرتا وقد دَنَتا مقاما
فهمهمتا وقد بغتا انتقاما
فآثينا اشمأزت من أبيها
وكاد يبزُّها الحنق اهتضاما٣
على حَسَرَاتها كَظَمَت وهيرا
أبت صبرًا وأغْلَظَت الكلاما٤
تقول ولم تُطِق إخماد نارٍ
تؤجج جوفها الغالي اضطراما:
«بغيت علي يا ابن قرون هلَّا
بغيت تبيد آمالي انصراما
وتحبط بُغْيَتِي وتُخِيب جهدي
وخيلي أوهنت جسدًا وهاما
على فريام قد سُقْتَ السَّرايا
تجرع آله الموت الزُّؤاما
فنجهم وما الأرباب طُرًّا
براضيةٍ (وإن صمتوا احتراما)
فقال وقد غلا حَنَقًا: «وماذا
يسومك يا ظلومهم احتداما
عليك فما جنوا حَتَّى ترومي
دماءهم اعتسافًا واعتزاما
ألا لو حصنهم أعليت يومًا
وهضت اللَّحم تَفْرِينَ العظاما
ولم تُبْقي لملَّتهم رُسُومًا
لبلغ حقدك الحد التَّماما
إليك زِمامهم ما شِئت فاقضي
لئلا يورث المنع اختصاما
ولكن عِي مقالي واسمعيه:
إذا ما رمت أنفذت المراما
وإن ما شئت إيقاعًا بقومٍ
وددت فلا تَسُومِيني احْتِكاما٥
وهبتك ما سألت بطيب نفسٍ
وإن أك قد تكلَّفتُ الحراما
فتحت الشمس والزهر الدَّراري
مدائنُ جمةٌ حوت الأناما
وليس لدي من إليون أوفى
وفريامٍ وأهليه ذماما٦
ففوق مذابحي أبدًا أقاموا
ذبائحهم مشربةً مداما
وظل دخانها للجوِّ يعلو
وبالعدل استباحوها اقتساما»
فقالت: «إن لي مدنًا ثلاثًا
عَلِقت بِهن قلبًا مُسْتَهاما
وهُنَّ عَلمتَ إسْبَرْطا وأرغسْ
ومِيْكينا التي زَهِت انتظاما
فإن ما شئت دمِّرهُنَّ إِنِّي
أبيت لهُنَّ عونًا والتِزَاما٧
وليس بنافِعي صدِّي لعلمي
بأنك قد تملَّكت الزِّماما
ولكنِّي حَكَيتك بانتسابي
لِذاكَ فَضَلْت أرْبابًا كِراما
وَقَدْ عظِّمت بَيْنَ بني قُرُونٍ
وإن كانوا جميعُهُمُ عِظاما٨
فإني بنتُ ذاك وعرس زفسٍ
مليك الكون فارع لي الذِّماما٩
فعَمَّا أبْتَغِي حِينًا تَجَاوز
وعمَّا تبتغي أرضى دَوَاما
يَرُومُ بَنُو الخُلود بِنَا اقتداءً
فَمُر تَنْقَضَّ آثينا اقتحاما
تعيث بعهدة الجيشين لكن
لينقض آل طرواد السَّلاما»١٠
لان زفسٌ لِقَوْلِها ثُمَّ قالا
لأثينا: «هيي أجيبي السُّؤالا
لِيَقُمْ قائم الشِّقاق ويَحْنَثْ
جيش طروادةٍ بما قد آلى»١١
فَهْيَ والحرب قصدها ومُنَاها
لبت الأمر تبتغيه امتثالا
خَرَقتْ مُهْجَةَ الرَّقيع إليهم
كشهابٍ في الجَوِّ أجَّ اشتعالا
لِسَفينٍ أو جم جيشٍ يريه
زفس شؤمًا مقرَّبًا أو فالا
بشرارٍ مُنثَّرٍ بأوارٍ
يخمدُ الرَّوْع أو يَهيج الوَبالا
وجلوا جازعين مذ أبصروها
وبهم هاجس الظُّنُون تعالى:
«أبسيل الدماء زفس مشيرٌ
أم لربط الإخاء بالوفق مالا»
وهي في هيئة ابن أنطينُرٍ لو
ذُوْق حَلَّت تحكيه شكلًا وحالا
وتوارت في جيش طروادة في
طَلَب الشَّهْم فندروس انْتِحالا
فَرَأَتْهُ بقومه من رُبَى إيـ
ـسيف من قُلّدوا التُّروس الثقالا١٢
فَتَدَانَّت إليه قالت: «ألا اسمع
يا ابن ليقاون العظيم المقالا
حَقِّق الظَّنَّ وابْتَدِر لمنيلا
وارمه تكسبنَّ فَخْرًا ومالا
ومقامًا عند الطَّراود يعلو
وامتنانًا لن يعرفنَّ الزَّوالا
سيَّما عند ذلك الملك فاريـ
ـس إذا ما قتلت أتْرِيذ حالا
ثم ناهيك بالذي هو يحبو
ك هباتٍ تثقِّلُ الأحْمَالا١٣
فَتَوَكَّل أَرَاك وادع أفلو
ليقيامن بالعزم هالَ النِّبالا١٤
والضَّحايا الأبكار فَانْذُر ذبيحًا
تنتقيها نقيَّةً أحْمَالا١٥
ذاك في زيليا بقصْرِك لمَّا
بانتصارٍ تغدو لها ترحالا»
خَدَعَتْه فاغْتَرَّ واجْتَرَّ جهلا
هائل القوس من جفيرٍ تَدَلَّى١٦
كان بين الجبال يَقْنِصُ قَبْلا
فلديه تيسٌ من الصَّخْر ولَّى
فرماه بصدره مفتلَّا
طول قَرْنَيْه بالغًا كان قَدْرا
من قياس الأَشْبَارِ سَتَّة عشرا
منهما عند صانعٍ ذاع ذكرا
أكمل القوس آلهً ليس تبرا
طَرَفَيْها بِخَالِصِ التِّبر حَلَّي١٧
فأتاها موقعًا باعتناء
وعلى الأرض مدَّها باتكاء
وذَوُوه بمَنْعةٍ واتِّقاءِ
خَشْيَةً أن تُبْلي سُرَى الأَعداء
ومنيلا ما نال جَرْحًا وقَتْلا
ثُمَّ من واسِعِ الكنانة أخْرَجْ
سَهْمَ بُؤسٍ مقذَّذًا يَتَرَجْرَج١٨
فَوْقَ مَتْنِ الْأوتار بالفُوق أَوْلَج
وانْثَنى يَنْذُرُ الذَّبِيح المُدَبَّج١٩
مُذْ يُوَافي بِلادَه مُحْتَلَّا
ثُمَّ فَرْضَ المريش بِالْعُنف أَمْسَكْ
وإلى صدره السَّريَّة أضْنَكْ٢٠
قُوِّست قَوْسه ولم تَتَفَكَّك
فَرَمى رُنِّنت وفي السَّهم نَيْزَك٢١
في فسيح الفضاء قد غلَّ غَلَّا
يا منيلا طوباك أهْلُ الخُلُود
دَفَعُوا عَنْك كُلَّ بُؤْسٍ شَدِيدِ
فأثينا وقتك سَهْمَ الحديد
مثلما الأم وابْنُها في هُجُود
عنه جَمْعَ الذُّباب تَدْفَعُ مهلا
هي بالنَّفْس وَجَّهَتْهُ فَمَالا
لِعُرى عَسْجَد الحَمائل حالا٢٢
حيث ثقل النُّضَار كالدِّرع حالا
إنما السَّهْمُ قطع الأوصالا
فَلَّها والجًا وفي الدِّرع حلَّا
وجرى نافذًا لجوف حزام
قد وقاه من غابر الأيَّام
شقَّه خارقًا إلى الآدام
ولج الجلد وهو بالجرح هامي
بدم أسودٍ تعكَّر شكلا
ضرَّج الفَخْذَ ثُمَّت الساق خَضَّب
وبَهِي الرِّجلين لونًا مُحَبَّب
مثلما برفيرٌ على العاج يسكب
غيد قريا وإيميونة تَرْغب
فيه صبغًا للخيل حَلْيًا يُدَلَّى٢٣
فيه قَدْ زِنَّ مَنْزلًا بادِّخارِ
لم يَنَلْه إلَّا عَزيز المنار
فهو فخر الفرسان آل الفخار
ومنال الملوك يوم الطواري
ليس يرجوه بينهم من ذلَّا
فأغاممنون دنا وتحقَّق
ذلك الجُرْح كاد بالنَّفْس يَشْرَقْ
ومنيلا ببادئ الأمر أشفق
فرأى النصل مائلًا كاد يزلق
فَتَروَّى مستبشرًا مُهْتَلَّا
ضَجَّ قوم الإغريق يطلب حقًّا
وأخوه استشاط غيظًا وَرِقَّا
يده ممسكًا أفاض وألقى:
«يا شقيق الفؤاد قل أَلِتَلْقَى
حَتْفَك اليوم رُمْتَ ذا الوَفْقَ شُغْلا٢٤
وَرَضِيت النِّزال فيهِ تُنَادي
وَحْدَك الآنَ في بَنِي طُرْوادِ
قد رموا عن تجبُّرٍ وعناد
وبنكثٍ داسوا سداد العهاد
إنما النَّكث سوف يُمْطِر خَذلا
وَفْقُنا والأيْمَان والخَمُر حاشا
ودماءُ الكباش أنْ تَتَلاشى٢٥
فإذا زَفْسُ غَضَّ طرفًا وما شا
يوقع اليوم سوف يَنْهَضُ جَاشَا
ويسيل الدِّماءَ مِنْهُمُ وَبْلا٢٦
سوف يَلْقَوْن عَنْهُ شَرَّ العِقَابِ
ويلقون منه قَطْعَ الرِّقاب
وبَنُوهم وأهلُهُم بانتِحابِ
تَجْرَعُ المَوْتَ في شديد العَذاب
فعلى ذا عقلي وقلبي دلَّا
وكَأنِّي بزفس غِيظَ وأَنَّا
ثُمَّ هاجَ البَلا ورَجَّ المجنَّا٢٧
هُوَ للنَّاس حُرمة العهد سَنَّا
خرقوها فسوف ينقم عنَّا
وبإليون يهبط الويل ثقلا
وإذا ما لَقِيْت مَوْتًا عَجُولا
ولأرغوس أغتدي مخذولا
تَتَلظَّى نفسي شجى يا منيلا
إذ جنود الإغريق والصَّبْرُ عيلا
وطنًا عزَّ يذكُرُون وأَهْلا
لا يُجِلُّون منك عَظْمًا دَفينا
ظَلَّ مُلْقًى لدى حما إِليُونا
وبهيلانة العدى خالونا
فلنا الخَيْبَةُ العَظِيمة هُونا
ولهم نَاطِقُ الشَّماتَةِ عَذْلا
ويقولون عند قبرك لُؤْما
آغاممنون هكذا انحَطَّ عزما
ظل في النَّحر كيده الدَّهر حتما
قاد جيشًا عَرَمْرَمًا مُدْلَهما
فانْثَنَى مُفْعَمًا وبالًا وأجلى
عاد عن حربنا بفُلْك خوالي
لم ينل غيرَ خَيْبَةِ الآمالِ
وأخُوُه في التُّرب والعَظْمُ بالي
لُجَّةَ الأَرْضِ إِنْ يَكُنْ ذا مآلي
فابلعيني واخفي ادِّكاري أصلا»
فَمَنِيلا بِعَزَّة النَّفس سَكَّن
رَوْعَه قال: «فاحذر الجيش يُحزن
فِيَّ ذا السهم قَطُّ لم يتمكَّن
قد وقتني العُرى ودِرْعي المُبَطَّن
وحزَام الحَدِيد أوْقَفَ نَصْلا»٢٨
قال: «علَّ المقال بالفأل صحَّا
ولْنَرُم آسيًا ليسبر جرحا
وليُخَفِّف ببلسم البُرْءِ بَرْحا
فعسانا نَلْقَى لِمَسْعَاه نُجْحا»
ثم نادى بِتَلثبيُّوس: رحلا٢٩
لمخاوون أسقليب النِّطاسي
سرو وأحضرهُ مسرعًا خَيرَ آس٣٠
لمنيلا المُقَدَّم النِّبراس
فيرى جرح نابلٍ ذا باس٣١
نال فَخْرًا ونحن قهرًا ونكلا»
سمع الفَيْجُ منه أمرًا وَلَبَّى
بين قوم الإغريق يَنْهَب نهبا
يتقصَّى مستطلعًا مُشْرئبًا
فرآه بالعزم يَشْتَدُّ قلبا
بين أصحابه مُجَلًّا معلَّى
فأتاه مُقَطَّع الأَنفاس
قال: ذا الطُّول لَبَّ يا خير آس
لمنيلا المُقدَّم النِّبراس
فترى جُرْح نابلٍ ذا باسِ
نال فخرًا ونحن قهرًا ونكلا»
رَقَّ قَلْبُ الطَّبيب حزنًا ولجَّا
يصحب الفيج بالفيالق فجّا
ألفياه كالرَّبِّ والجَمْعُ عَجَّا
حَوْلَه في أماثل الصِّيد ضجَّا
فَلَهم فرعُ أسقليب تَجَلَّى٣٢
سحب السَّهم من رباط الحمائل
كسر النصل وهو بالرَّأس مائل
حَلَّها ثُمَّ حلَّ دِرْعَ الغَلائِلْ
وحِزَامًا دُون المَقَاتل حائِل
بُذِل الجَهْدُ فيه بالصُّنْع بذلا
سَبَرَ الجرح والدم امتصَّ جرًّا
وعليه شافي البَلاسم ذَرَّا
ذاك سِرُّ خيرون قبلُ أسرَّا
لأبيه فكان من ثَمَّ ذُخْرا
عَمَّ كُلَّ الأنام خَيْرًا وَفَضْلا٣٣
قوم الأغارق قد لَهَوا بجرِيحهم
وعليهم زَحَفَت قوى الأعداء٣٤
فَتَقَنَّعوا بِسِلاحهم وتقدَّموا
مستلئمين لساحة الهيجاء
أَفَلا رَأَيْتَ مَلِيكهُم قد هَبَّ لا
مُتقاعدًا بِتَقَاعُسِ الجُبَناءِ٣٥
بل سار يبرح متن مركبةٍ زَهَت
بنحاسها لمواقع الإجراء
ألقى أزمَّة ضابحات جيادها
لأريمذونٍ نُخْبَةِ الأُمناء٣٦
وإليه أوعز أن يظل بِقُرْبه
لِيَلِه حين مَشَقَّةٍ وعَياء
وَمَضَى عَلَى قَدَمَيْه ينفذ أَمْرَهُ
بِمَواقِفِ النُّبَلاء والأُمَراء٣٧
بالحزم يُثْبِتُ عَزْمَ كُلِّ كَتِيْبةٍ
نهضت ببأسٍ ثابتٍ وَبَلَاءِ:
«يا أيُّها الإغريق لا تَتَردَّدُوا
بُرج النِّفاق عِمادُهُ تَتَهَدَّمُ٣٨
أعْدَاؤنا نَقَضُوا العهاد خِيانةً
وعن الخيانة إن زفس لَيَنْقم
وَلَسَوف تَفترس الطُّيور لحومهم
وجميع أنقاض البلاد تُقَصَّم
ولسوف تحرز فُلْكُنا أزواجهم
وبنيهم وديارهم تَتَرَدَّم»٣٩
ويَميل بالتَّعْنِيف مُحْتَدمًا على
من ذَلَّ تَحْتَ الأزمة اللَّأواء:٤٠
«يا أيها الجند الأولي زعموا البلا
وتَذَلَّلوا بقوىً غدت تَتَفَصَّمُ
أفلا خجلتم مذ وجلتم رِعدةً
كالإيَّل الواهي يُرَاعُ ويرغم
وإذا تَمَلَّكه العياءُ بِجَرْيه
بالبَرِّ يلبث جازعًا يَتَهَضَّم
حَتَّى مَ يُقْعِدُكُم تَبَاطؤ كُمْ فَهَل
رَمْتُم لِفُلْكِكُمُ العِدى تَتَقدَّم
وعَلَيْكم تَنْقَضُّ في جُرُفٍ طَغا
ليُمدَّ من زفسٍ إليكم مِعْصَم»
خاض الصُّفُوف يَجُوب في دفَّاعها
لحمًا بني إقريطش النُّجَباء
ألقاهم بدروعهم وإذومنٌ
يشتد كالخِرْنَوص في البيداءِ٤١
ساق الطَّليعة يَسْتَجِيش مُخلِّفًا
مريون عند السَّاقة الجَأْواء٤٢
فاهْتَزَّ من طربٍ لشدَّة بأسه
وعليه قام يُفِيضُ خَيرَ ثَناءِ:
«حُيِّيتَ مِنْ بَطَلٍ أُجِلُّ معظِّمًا
يوم الوحي وبِكُلِّ ما يتجشَّمُ
وإذا الولائم أولمت وغَدَت على الـ
ـزُّعماء أقْداح التَّفاخر تقسم
فلسهمهم حدٌّ وسهمك طافحٌ
وكذاك سهمي لا يُحَدُّ ويحسمُ
تتناول الأقداح مهما شِئْتَها
حتى تَطِيب وأنت عَنْها تُجحِم٤٣
زَحْفًا تَعَوَّدت الفَخَار سَجِيَّةً
أَبْدًا وأَنْتَ الفَائِزُ المتَحَكِّمُ»
فأجاب: «يا أتْرِيذُ سَوفَ أَبرُّ بالـ
ـعهد القديم وسابق الإِيماءِ٤٤
وأنا ظَهِيرُك فادعونَّ إلى الوَغى
لِتَشُبَّ حَالًا سائِرُ النُّصَراءِ
آلى العُداةُ فأخْلَفوا فليجرعوا
مضضًا جزاء الخلف بالإيلاء»
جذلًا مضى أتريذ مُندفعًا على
هَبَّ النَّسِيم لسائرِ الزُّعَماءِ
أَلْفى الاياسين اللذين تَدَجَّجا
وهنا المُشاة كَغَيْمةٍ سَوْداء
دلفوا بجحفل فِتْيةٍ فتَّاكةٍ
بمناصلٍ وعواملٍ صَمَّاءِ
كَغَمَامةٍ قاريَّةٍ سَبَحَت على
وَجْهِ البحار بشدَّة الأنْوَاء٤٥
فتلوح للرَّاعي فَيَخْفُقُ سائقًا
سِرْبَ الشِّياه لأكْهُفِ الظَّلماء
فارتاح أتريذ وقال مُخَاطبًا
لهما بحرِّ الهَول والأَرزاءِ:
«إيهٍ زعيمي رَهْطِ دُرَّاع الْحديـ
ـد فإنَّ مثلكما يكرُّ ويُقدمُ
حسبي بِنَفْسِكُمَا تُثِيرُ إلى الوَغى
هِمَمَ الجُنُود بهمةٍ تَتَجهم
لو آهِ زَفسُ وآله مَنُّوا وما
احْكَمْتُما كل الكتائب أحْكمُوا
لَتَهدَّمت إلْيُونُ تحت ذراعنا
عجلًا وشُمُّ عمادها تتحطَّم»٤٦
ثُمَّ انْثَنَى لِسوَاهم فَبَدا له
بذويه نَسْطُرُ أفْصَحُ الخُطَباءِ
قَدْ قَام ينظم جَيْشَه مُسْتَنْهضًا
وهنا بياسٌ نُخْبَة الصُّلَحَاء
والملك هِيمُون خروميسٌ السـ
ـتر فيلغون وسائر النجداء
جعل الطَّليعة خيله وعجالهُ
ومُشَاتهُ في سَاقةٍ شَهْباء
والقَلْبَ أوْدَع كل نِكْسٍ واهنٍ
عاف اللِقاء لِيَلْتَجي للقاء٤٧
وبدا يحثُّهم لكل كريهةٍ
والصبر في السَّراء والضرَّاء:
«لا تقحموا بعجالكُم وتَبَدَّدوا»
مستهدفين لغارةٍ شعواءِ٤٨
وحَذَار تغترُّون في بأسٍ لكم
ومهارةٍ في الحَثِّ والإِعْداءِ
بكتائب الأَعْداء تَنفَردُون أو
أن تنكصوا بجبانةٍ لِوَراء
فبذا يَهُون على العَدُوِّ نَكَالكم
وبذاك أعظم شدةٍ وعناءِ
وبأيَّكم كَبَتِ الجِيادُ وقد لَجَا
لِسِواه منكم مُقْبلًا لِنَجَاء
بالرُّمح فليلق العُدَاة فإِنَّمَا
هذا يقينًا أصْوَبُ الآراء٤٩
أسلافنا هَدَمُوا كذا بدَهَائِهِم
أسوار كل مدينةٍ شَمَّاء»
طَرِبَ المَلِيك لِحَزْم نَسْطُور الذي
خبرت مخابره بِطُول بَقَاءِ
فإِليه مَالَ مُخَاطِبًا برعَايَة:
«يا شيخ صدرك بالبسالة مُفْعمُ
لا كان دَهرٌ منك جِسْمَك مُوهنٌ
وقِوَامَ عَزْمِكَ مُخْمصٌ ومُهَضِّمُ
يا لَيتَ سَاقَك مِثلُ قَلْبِك شدَّةً
ولئن هَرمْتَ وذَلَّ قرمٌ يهرمُ
مَنَحَتْك أرْباب العُلى بَأسَ الصِّبا
وأُولي الصِّبا طُول البَقا مَنَحَتْهُمُ»٥٠
فأجاب نسطُرُ: «قد هَرِمت وحبَّذا
لو كُنْتُ بَعْدُ بشدَّة الأَعْضَاء
زمنًا أروثليون فيه مُجندلًا
ألقيت مُخْتضبًا ببحر دماء٥١
لكنَّما لم تحب آلهة الورى
كُلَّ الْأَنَام بجُمْلَةِ الآلاء
فلئن مرحت شبيبتي بتشدُّدي
فَلَقَد هَرِمت وخُفِّضَتْ نُعَمَائي
أدع الطِّعان وشأنه لأولي القُوَى
وأولو القوى واعُون صَوْتَ نِدائي»
وأتى الاثينيين قوم منستسٍ
ذي السبق بالإعداء والإجراء
ويليهم بُهْمُ الكفاليِّين مَن
دَانوا لأُوْذس أحْكَمِ الحكُمَاء
فإذا هُمَا لم يسمعا لَجَبَ الوَحي
والجاش زعزع سائر الأنحاءِ
وتَرَبَّصًا حتَّى على الأعدا يَكُرُّ
سواهما بسرية خَرْساء
فَسَعى يُؤَنِّب عاتبًا بملامةٍ
واستنكر المسعى بالاستبطاء:٥٢
«لم يا ابن فيتيس ونيت وأنت يا
قَلْبَ الدَّهاء أَراكَ لا تَتَقَدَّم٥٣
فَلِمَ التَّخَلُّف رِعْدَةً لِسواكُما
والقوم خِرْصان العَوامل قوَّموا
قد كنت آمُلُ في الصُّدور أراكما
بِسُرَاكُما وأراكم أعْجَزْتُمُ٥٤
أفلم تكونا والولائم اوْلِمَت
للصيد أول من يعزُّ ويكرم
فهناك ترتميان باللَّحم الشُّو
يِّ وضافيات الكأس حين تُقَدَّم
وهنا يَسُرُّكما بأنَّ كَتَائبًا
عَشَرًا أمامَكُما تكُرُّ وتهجُمُ
فعلامَ عن قرعِ القنا أُقْعِدتما
ومَوَاقفُ الأَعْداءِ ضَرَّجها الدَّمُ»
فأجاب أوذس مُغْضَبًا: «أفلا ترى
رجمًا عَلَي حكمت بالإبطاء
فلسوف تنظُرُ إن وَدَدْت قِتَالَنا
بطلائع العُظَمَاء والنبلاء
وترى أبا تلماخ في صدر العدى
وهنا أراك خبطت بالخُيلاء»
فأجابه متبسَّمًا مُذ خَالَهُ
قد غِيْظَ بالحُسْنَى والاسْتِرْضَاءِ:٥٥
«مَهْلًا أيا ابن لَيرتَ لَسْتُ مُنَدِّدًا
فَلَقَد بَلَوْتُك حِكْمةً تَسْتَعْصم
وقد اسْتَوَينا بُغْيَةً وَشَعَائرًا
جُلَّى فَدُونَك ذُرْوَةً تَتَسَنَّمُ
وتَعَدَّ عمَّا اشْتَدَّ من عتبي عسى
بالرِّيْح يذهب بائدًا يَتَخَرَّمُ
ولئن تسُؤك من المقال صلابةٌ
فَلَسَوْف أَرْتُقُ ما فَتَقْتُ وأَلْئِمُ»٥٦
واستأنف السَّيْرَ السَّريع مطوفًا
لذيومذٍ ذي العزَّة الأَبَّاءِ
ألفاه مُنْتَصبًا بظهر عِجَاله
في عُزْلَةٍ عن مَوْقف الإبلاء
وبقربه إستينلٌ فَلَحَاهما
لومًا لذا الإجحام والإِغضاء:
«أسفًا خَليْفَة تيذيوس أراك من
دُون الفَوارس جازعًا تَتَلَملَمُ
هلَّا اقْتَفَيْت أباك في عَزْمٍ به
قد كان قَبْلَ أولي العزائم يَعْزمُ
لم أَلْقَه لكِن رَوَيْت لمن رأى
عنه فِعالًا بالفخار تُعظَّم
ولقد أتى ميكينيا وفُلينكٌ
ذو البأس ضيفًا للجحافل يَنْظم
لحصار ثِيْبَة يَجْمَع الأجْنَاد في
حُلَفَائه والْجَيْشُ ثُمَّ عَرَمْرَمُ
رَغِبا بِنَجْدتهم فما بخلوا بها
لَكِنَّ زَفْس على الخِلَاف مُصمّمُ
فأراهُمُ للشُّؤم مِنْهُ إِشَارَةً
وَلوى الْعَزِيمةَ عن مرامٍ أبرموا
نَكَصًا وَلَمَّا بُلِّغا آسُوْفِسًا
والخَيْزُرَانُ بضفَّتيْه مُخَيِّم
فبدا لدى الإغريق أمر مُهَمَّةٍ
فَبِتِيذيُس خَيرًا رأوا وتوسَّمُوا
بعثوه سار فَجَاءَ أبْنا قَدْمسٍ
في صرح إتيكلٍ ومُدَّ المطعم
ما راعَهُ أنْ كان مُنْفَرِدًا لدى
قَوْمِ العِدى وبدا ببأسٍ يُفْحمُ
باراهم واحتاز أعظم نُصرةٍ
وله بآثينا النَّصِير الأَعْظَمُ
فَتَحَدَّموا غَيْظًا عليه وأكمنوا
خمسين أَخْمَسَ بالحديد اسْتَلأموا
وبِرأْسهم ذو العَزْم لِيْفُوفُنْطُسٌ
وميون ذُو الطَّول الشَّديد الأَيْهَمُ
أفْناهُمُ عن بَكْرَة الآباء لا
ناجٍ نجا إلَّا ميونٌ منهم
أبقاه إذعانًا لأرباب العُلى
فلذاك تيذيسٌ وهذا الإبنمُ
ما كان مِثْلَ أَبيه إبَّان الوَغى
وأبُوهُ لم يك مِثْلَه يَتَعَظَّمُ»٥٧
فَوَعَى ذيوميذُ الْمَلَامة صَامِتًا
رَعْيًا لِحُرْمة سَيِّد الرُّؤَساءِ
لكنَّما إستينلٌ لم يرعها
وأجاب مُبْتَدرًا بلا استحياء:٥٨
«هلَّا صَدَقَت بِما نَطَقْتَ وإنَّنا
قومٌ أشدُّ قُوىً من الآباءِ
ولقد فَتَحْنَا ثِيْبَةً بفيالِقٍ
شُمِّ النُّفُوس قَلِيلَةِ الْإحْصَاء
وَلَقَدْ وثقنا بالمقامات العُلى
ومنالُ زَفْسٍ صادِقُ الأَنْبَاءِ
آباؤُنا هَلَكوا بِسُوءِ سَرِيرةٍ
أقصر فما الآباء كالأبناء»٥٩
حنقًا ذيوميذٌ أتاه معنِّفًا:
«إجلس حليف الصَّمْتِ والإصغاءِ
ما كنت ذا جهلٍ لأَحْنَقَ إِنْ مَضَى
أَتْرِيذُ ينهضُ همَّة العُمداءِ
إِنْ نَالنَا النَّصر العظيم فَمَجْدُهُ
هو فائق الأوْصاف والأَسماء
وإذا ذَلَلنا بانكسار جُنُودنا
فَعَلَيْه أَعْظَمُ لَزْبةٍ دَهْمَاء٦٠
فلنعتصم بالبأس ولنُقْدِم إذا
مُجنِّبين غَوَايَةَ الأهواء»
ثم انْبَرَى من فوق مَرْكبةٍ لهُ
للأرض بالإقدامِ والغُلَواء
فَعَلا لصَلْصَلَة السِّلاح بِصَدْرِهِ
صوتٌ يُهَيِّج حَوْبَةَ الحَوْبَاءِ٦١
تدفَّقت الأجناد أيَّ تدفُّق
إلى الحرب تَجْرِي فَيْلَقًا إثْر فيلقِ
كثائر أمواج البحار تَهيْجُها
من الريح أنواءٌ بغير ترفق
يدفِّعُ بَعْضًا فَوْق لُجِّها
إلى حيث فوق الجُرْفِ بالعُنفِ تَلْتَقي٦٢
فَتَنْقَضُّ أعلى الصَّخر عن زَبَدٍ غَثا
تَغَرْغَرَ عن قصف الهدير المُصفقِّ
بهم أولياء الأمر يسمع أمرهم
وهم لا هوى نفسٍ ولا صوت منطقِ
تخالهم بُكْمًا لأوَّل وهلةٍ
وقد نظموا نَظم الخبير المُحَقّق
وفوق الصُّدور الطَّامِحات تألَّقت
صوارمهم والسُّمر أيَّ تألُّق٦٣
ولكنَّما الأعداء قام ضَجِيجُهُم
كَسِرب شياهٍ بالحظائر قُلَّقِ
إذا ما اسْتُدرَّت والكباشُ ثَغَت لها
لَهُنَّ رَنَتْ تَثْغُو بأنَّة مُشْفِقِ٦٤
فأوْزَاعُهُم مِنْ كُلِّ فجٍّ تألَّفُوا
بِعِدَّة لُسنٍ واختلاف تَخَلُّق
تشوقُهُم طَوْرًا أثينا إلى الوغى
وطورًا إله الحرب أدهى مشوِّق
ومن حَوْله هولٌ ورِعْدَةُ فتنةٌ
شقيقتُه إلف الشِّقَاق المفَرِّق٦٥
نعم هِيَ إِنْ تَنْشَأ هُزالٌ وإن نمت
إلى قُبَّة الزَّرْقاءِ بالجوِّ تَرْتَقِي٦٦
بمُجْتَمَع القَوْمَيْن طافت مُجَدَّةً
مُمَزِّق جَمع الشَّمل كل مُمَزَّق
ولمَّا تدانوا والنُّفوس سَواخِطٌ
تَحَرَّقَت الأجْنَادُ أيَّ تَحَرُّق
طعانٌ تلاقت في صُدُورٍ تدجَّجت
وكرٌّ يُوَاري يلمقًا فوق يلمقِ٦٧
وزفرة مقتولٍ وَنَعْرةُ قاتلٍ
بسيل دماءٍ بالأسِنَّة مُهْرَقِ٦٨
يُلاطِمُهُم داعي الكفاح مُشَدِّدًا
كشؤبوبِ ماءٍ بالسَّحائب رَيِّق
بِسَيلين من شمِّ الجبال تَحَدُّرًا
يفيض بِسَفْحٍ عن مجاريه ضَيِّقِ
زُعابٌ طغا يَبْدُو بِهائلِ مَنْظَرٍ
لراعٍ لدى قاصي الشَّوَامخِ مُحْدِقِ
عجَّ العجاج وكان أول طاعنٍ
أنطيلخٌ بطلائع الطُّرواد٦٩
طعن ابن ثالسياس إيخُوفُوْلسًا
في خوذةٍ سُبكتْ لصدِّ صِعادِ٧٠
نَفَذَ السِّنان بفوده لِدِماغِه
فانْغَضَّ طَرْفاهُ بِغَيْر رَشَادِ٧١
في ساحة الهيجاء كالطَّود ارتمى
فأغذَّ ألفينور الإسآدِ٧٢
واجترَّه من أخْمَصيه لِخَلوةٍ
يَبْغي استلابَ سِلاحهِ الوقَّادِ
ما نال إلَّا خَيْبَةً وبِدَارُهُ
في الحين عاد عليه شرَّ مَعَاد
فالتُّرس مال بميله عن خصمه
وهناك آغينُور بالمِرْصاد
فانقضَّ يَطْعَنُهُ بأسمَرَ عاسلٍ
فلواه مَطْرُوحًا كَلِيل فُؤَاد
فاشْتَدَّ مُعْتَرَك الجُيُوش مُغِيرَة
كالذئب أفرادٌ على أفرادِ
فسطا أياس على ابن أنثيمينٍ
«يفعٌ ترعرع فانبرى لطِرَاد
نسبًا لسمويسٍ دُعي سِمويْسسًا
مذ فاز في شاطيه بالميلاد
زمنًا أتى من طود إيذا أهْلُهُ
ليروا قطاعهم بذَاكَ الوادي»٧٣
ما نال أهْلُوْه جزاء عنائهم
وقَضَى الحياة قصِيرَةَ الآماد
بقنا ابن تيلَامُون قُوِّض عَيْشُهُ
لما علا بالقوم وقع جلاد
خرق السنان لمنكبيه صدره
كدم الحضيض مذبَّل الأوراد
ملقى حكى صفصافةً ممشوقةً
والرَّأس غضٌ يانع الأفناد
ربيت على عذب المياه فَقُطّعت
آصالها بقواطع الحدَّاد
منها يروم عجال مَرْكبةٍ زَهَت
فتجفُّ مُلْقاةً على الأجْدَاد٧٤
فرمى ابن فريام الفتى أنطيفسٌ
بقناته للقاتل المرتاد٧٥
فَنَبَت وَلَكِن أُنْفِذَت في لُوْقسٍ
ذي البأس صاحب أوذس الشَّدَّادِ
قد كان يحتمل القتيل لسلبه
فمضت بحالبه كوري زنادِ
سقط القتيلُ إلى الحضيض ولوقسٌ
وَرَد الرَّدى من جملةِ الوُرَّاد
فانقض بالزَّرد المؤلق أوذسٌ
لطلاب ثأر أليفه وذِياد
قصد الطَّلائع دانيًا متشوِّفًا
وأطار صعدتهُ على الأجناد
فتبعثروا لكنها سُلْكى مَضَت
لذميكوونٍ بالحُتُوف تُنَادي٧٦
نغلٌ لِفِريامٍ أتى من آبذس
يجري إليه على سراع جياد
وَخَضَت بصُدغيه فراح مُجَنْدلًا
بصَلاصِلٍ تَحْتَ السِّلاح شدادِ
نَكَصَ الطَّراود للوراء تقهقرًا
وكذاك هَكْطُرُ عُمْدَة الأمجادِ
وتقدَّم الإغريق بين هلاهلٍ
وسعوا بجمع مشتَّت الأجْساد
من فوق فرغامٍ أفلُّونٌ رأى
فدعاهم لتصلبٍ وِعناد:
«يا قوم إليون الكرام تقدَّموا
فَلَقَد دعا داعي الرَّدى البدَّادِ
لا تستذلُّوا فالعدى ليسوا من الـ
ـفُولاذ والجُلْمُودِ يومَ جِلادِ
ليكلَّ وقع نصالكم وقنيّكم
وأخيلُ ليس بجُمْلَة الأعداد
ما زال بين الفُلك مُحتدمًا على
ما نالهُ من شدَّة الأضداد»٧٧
وبجحفل الإغريق آثينا انبرت
بين الصفوف بعزمها المُعتاد٧٨
راحت تَهِيْج نُفُوسهم وتُثِيرُها
وتَحُثُّ ذا الإمساك والتَّرْداد
وإذا بِصَخْرٍ من يدي فِيرُوُّسٍ
مولى الثِّرَاقةِ بالأغارق غادي
فأصاب رِجل ذيُوْرُسٍ بشظيَّةٍ
سحقت فَمَدَّ يَدَيْه لاسْتِنْجَاد
للأرض أُلْقِيَ يَسْتَغِيْثُ بقَومِهِ
لكنَّ فِيرُوُّس تَقَدَّم عادِي
أحشاءه بالرمح شق فمزقت
وعلى الرمال بدت لدى الأنداد
فَعَدا تواس على العدو بطعنةٍ
يبغي انتقامًا واري الأحقاد
ولجت بأعلى ثديه في صدره
وقفت على رئةٍ بنصلٍ بادي
فدنا وأخرجها وسلَّ حسامه
وبجوفه واراه غير ممادِ٧٩
نال المراد بسلب نورِ حياتِهِ
وبكسب سلبٍ لم يفز بمراد
فذووه من وسموا بعقص غدائرٍ
طَلَبوه مندفعين للأنْدَادِ
فَنَشَاطُهُ وثَبَاتُهُ ما أغنيا
أن عاد منثنيًا بغير تهادي
فكذا ثوى النِّدَّان مَولَى إيفيا
وثِراقةٍ قَتْلًا بذاك النَّادي
وَعَلَيها تَنْهال من قَوْمَيْهما
أجساد قتلى باشتباك أعادي
لو كان بين صفوفهم راءٍ يرى
ويَجُول بين مواقفِ الأشْهَادِ
وَوَقَتْه فالاس الحتوف وقد مضى
متوشحًا من حفظها بِبِجاد
لرأى الحراب نوافذًا وخوارقًا
ورأى السهام غَوَادِيًا وصَوَادي
والهَوْلُ شُدِّدَ والتَّفَنُّن مُحْكَمٌ
لا تَعْتَرِيه لومة النُّقَّاد
وكسا أديم الأرض تيار الدِّما
وَعَدِيدُ قَتْلَاهُم بلا تَعْدَادِ٨٠

هوامش

(١) هيبيا هذه إلاهة الصبا، وهي ابنة زفس وهيرا كانت ساقية الآلهة تدير عليهم مدامة لا كمدامة البشر بل هي راحٌ عبرنا عنها بالسلاف يخلد شاربها فلا يقوى عليه الموت، ولما أقام زفس غنيميذ ساقيًا للآلهة كما سيأتي ظلت في خدمة زفس وأزوجها من هرقل البطل عندما أدخلهُ في مصاف الآلهة، ومغزى هذه الخرافة أن القوة في الغالب رفيقة الصبا، وإن إبراز رَبَّة الصبا ساقية في مجتمع الأرباب يشير إلى أن أبناء العلى يتمتعون بشباب أبدي وسعادة لا تزول.
fig12
شكل ١: «مجلس الآلهة» في صدره زفس على عرشه وبيده صولجان المُلْك، وإلى جانبه هيرا زوجته.
(٢) يقول تهكمًا هيرا الأرغية نسبة إلى أرغوس حيث كان الناس يعظمونها ويجلونها، وينازعون أهالي ساموس دعوى ولادتها عندهم، ولقد أقام لها أهل أرغوس تمثالًا قال بوزانياس في وصفه أنه عظيم الحجم صنع جميعه من الذهب والعاج يمثلها وعلى رأسها أكليل عليه البهجات والساعات، وبإحدى يديها رمانة وبالأخرى صولجان على طرفه طائر طيطوي.
(٣) الضمير في «تَسَعَّرتا» و«دَنَتَا» يعود إلى أثينا وهيرا، ولا غرو أن يغيظهما استتباب الأمن وعقد الصلح الذي تظاهر زفس بالميل إليه في آخر كلامه؛ لأن ذلك يمنعهما من الإيقاع بالطرواد وتدمير بلدتهم، أما زفس وهو باطنًا نصير الطرواد فلم يكن يود أن يعبثوا بالعهدة بل كان يؤثر أن يأذن بقتل فاريس على أن تدمر بلاده، ومغزى هذا الاجتماع أن القوة العلوية لا تحب الشر، ولكنها تأذن به إذا تَصَلَّب قلب الشرير على إتيانه.
(٤) إن في صمت أثينا وكظمها الغيظ، وانبراء هيرا وتصدِّيها لزفس لحكمةً من حكم الشاعر، فإن أثينا هي ابنة زفس فليس لها من الدالة عليه ما لهيرا زوجته، وزد على ذلك أنها ربَّة الحكمة والرصانة، فهي خليقة بالصبر جديرة بالتروي، وخصوصًا أنها تعلم أن بجانبها امرأة جريئة الجنان، ذربة اللسان تكفيها مئونة العناء، وهنا لنا مثال آخر من كلام هيرا على ما للمرأة من السلطة على زوجها مهما سمت منزلته، وعلت كلمته.
(٥) يشير زفس إلى أنه إذا أتاها بغيتها ومكَّنها من إليون، فلا بد من أن ينتقم منها يومًا ويوقع بصنائعها ومحبيها كما ألجأته إلى الإيقاع بخصائصه الطرواد، أي: إن المرأة إذا أحرجت زوجها على إنفاذ مآربها فلا ينفذها عن طيبة خاطر بل يتربص إلى إحقاق حقه وإنقاذ رغائبه عند سنوح الفرص.
(٦) الذمام هنا بمعنى الحق.
(٧) ينبئك مفاد هذا البيت بكيد المرأة وحقدها إذا اشتد بها الغيظ إذ تتخلى عن ألف صديق للإيقاع بعدو واحد، فقد رضيت هيرا بتدمير كل المدن التي وقفت نفسها على عبادتها توصلًا إلى تدمير بلدة واحدة لم تكن راضية عنها.
(٨) قرون أو قرونس هو أبو زفس كما تقدم وأبو جميع الآلهة، وهو زحل العرب، وساتُرنُس اللاتين والإفرنج.
(٩) الزمام هنا الحرمة.
(١٠) لم تكتف هيرا باستئذان زفس بتهيئة الغلبة للإغريق بل رامت أن يحيق بالطرواد خراب الدِّيار وشرّ العَار، فيكونون هم المنكوبين بالجهاد والناكثين للعهاد.
(١١) قد انتُقِد على هوميروس قوله في هذا الموضع: إن زفس أمر أثينا أن تجعل جيش الطرواد يحنث بما كان قد آلى به، وهذا الانتقاد قديم ذكره أفلاطون وسقراط وكثيرون بعدهما إذ لا يخلق بأبي الآلهة أن يأمر بنكث العهاد، وليس من قصدنا أن نتشيع لشاعرنا، وندَّعي له الكمال وسبحان الكامل، ولكنه عيبٌ يشفع فيه مجرى الحوادث والقدر المحتوم بتدمير إليون إذ لو برَّ الطرواد بعهدتهم لانتهت الحرب وسلمت إليون وكذب القدر، وهو محال في اعتقادهم، فلهذا تصرف الشاعر هذا التصرف؛ إنفاذا لأحكام القضاء، ثم أننا نعلم أن المعتقدات الحية تحكم بالحرية المطلقة من قَبَلِ الخالق للمخلوق، فيأذن له بارتكاب الأثم لا لأنه يسر بارتكبه ولكن لأن المجترم الجريمة سبق فصمم بنفسه على اجترامها، وهذا الإذن يصدر من الخالق دفعًا لتقييد الأعمال، وإحقاقًا لمبرة ذوي المبرات إذ لا يأتونها حينئذٍ إجبارًا بل طوعًا واختيارًا، ولا بد أن يفترض زفس هنا عالمًا بالغيب، فأذن بفعلة الطرواد؛ لأنهم كانوا مزمعين أن يفتعلوها فعملهم سابق لعلمه وعلمه لا يمنع عملهم، ذلك هو قول علماء الكلام واللاهوت في الشر البادي من الإنسان، فهَوَ معلوم بسابق علم الهك، وصادر بإذنه وليس بأمره.
(١٢) إيسيفوس جدول صغير في بلاد طروادة لا يجري إلا بضعة أميال ثم ينصب في بحر مرمرا.
(١٣) قال فلوترخوس: «إن هوميروس إذا أراد أن تستخدم الآلهة بشرًا لإنقاذ رغائبها جعلها تتخذ من البشر من يصلح لإنفاذ تلك الرغيبة، فإن أثينا إذا قصدت إقناع الإغريق بأمر من الأمور وجهت به أوذيس لشهرته بالحكمة والدهاء، وإذا طلبت الفتك بالطرواد عمدت إلى بطل كذيوميذ». وقد أكثر الشراح من الأسباب التي حملت أثينا على انتقاء فنداروس دون غيره للحمل على منيلاوس، ومحصلها أن آثينا لم تستحث جنديًّا من جنود طروادة نفسها؛ لأنهم كانوا يكرهون فاريس كما مر بنا في النشيد السابق فلا يقدمون لأجله على أمر يوليهم العار فوق اختيارها من ثَمَّ من بين حلفاء الطرواد على فنداروس؛ لأنه كان زعيم فئة مشهورة بالخداع والخيانة، وهو رجل طماع بخيل يتفانى في طلب المال، وهو يعترف بنفسه في النشيد الخامس أنه إنما أتى راجلًا خوفًا على خيله واستثقالًا من نفقة علفها أثناء الحصار.
(١٤) إذا رأيت في شعر هوميروس اسم إله أو إلاهة مضافًا إلى اسم بلد أو بلاد كما قال هنا: «أفلون ليقيا» فاعلم أن السبب في ذلك أن تلك البلاد قائمة بعبادة خاصة لذلك الإله أو يكون له فيها معبدٌ وما أشبه.
(١٥) الأحمال جمع حمل بمعنى الكبش.
(١٦) الجفير الكنانة، كثيرًا ما نرى هوميروس يذكر مضارب الحسام، ومرامي السهام بكلماتٍ موجزة، وقد نراه كما في هذا الموضع يسهب في رمية واحدة، فيذكر القوس والمادة التي صنعت منها وطولها وصانعها وزخرفها، ثم مدها وتحوط صحب حاملها، ثم سهمها ووترها وإطلاق السهم وحالة القوس بعد ذلك وذهاب النبلة بالفضاء الفسيح، وما هذا الإسهاب وذاك الإيجاز إلا مراعاة للمقام، فسهم فنداروس هنا يتأتى عنه تلاحم جيشين عرمرمين والذوق الشعري يأبى إلا أن يكون له مزية تميزه عن سائر النبال فتفنن الشاعر بوصفه على هذا الأسلوب البديع؛ تفكهة للسامع وإرساخًا للذكر في الفكر لئلا يمر عليه مرًّا فينساه.
(١٧) يتأنَّق الشَّاعر بذكر مادة القوس تأنُّق أوس بن حجر بقوله:
ومبضوعة من راس فرع شظيةٍ
بطودٍ تراهُ بالسحاب مكللا
ويترنم بمدح صانعها ترنم ذي الإصبع حرثان العدواني بمدح صانع نباله:
قوم أفواقها وترَّصها
أنبل عدون كلها صنعا
ثم كساها أحم أسود فيـ
ـنانًا وكان الثلاث والتبعا
(١٨) المقذذ المريش من السهام.
(١٩) الفوق فرض القوس يوضع عليه السهم.
(٢٠) المريش السهم: ذو الريش والسرية الوتر.
(٢١) النيزك نصل السهم معرب نيزه بالفارسية، ومعناه السهم، لعل في هذا المُخَمَّس شيئًا من المشاكلة اللفظية، قال الشَّمَّاخ في وصف القوس:
إذا أنبض الرامون عنها ترنَّمت
ترنم ثكلى أوجعتها الجنائزُ
وقال الرقاشي في وصف النبال:
مجلوزة الأكعب في استواء
سالمة من أُبن السيساء
فلم تزل مساحل البراء
تأخذ من طرائق اللحاء
حتى بدت كالحية الصفراء
ترنو إلى الطائر في السماءِ
بمقلة سريعة الأقذاء
ليست بكحلاء ولا زرقاء
(٢٢) الحمائل نجاد السلاح أي: إن السهم حل فيها ولم يحلَّ في مقتل.
(٢٣) شبه الدم المنفجر من جرح منيلاوس والمنصب على ساقه ورجليه بالبرفير الأحمر المنصب على العاج الأبيض، وهو تشبيه لطيف استطرد منه إلى إفادة تاريخية بقوله: إن غيد قريا وإيميونة كن يحسنَّ صنع العاج بالبرفير، ويصطنعن من ذلك حليًّا لجياد الأمراء والملوك والفرسان المبرَّزين، وصناعة الصبغ بالبرفير أو الأرجوان تناولها اليونان من الفينيقيين.
(٢٤) لا أحرج من موقف أغاممنون في هذا المكان ولا كلام أوقع بالنفس من كلامه، فإنه القائد الباسل والزعيم الأكبر والأخ الشفيق الواقف إلى جانب حليف من حلفائه، وبطل طامع بافتداء الجيش بنفسه وأخ حبيب لديه، وهو جريح لا يعلم مآل جرحه، فكان من البديهي أن يستشيط غيظًا، ويذوب حزنًا ويتفطر فؤاده شفقةً وحنانًا، فأمسك بيد أخيه وكلمه الكلام المنبعث من عاطفة الرئيس الأنيس، والشقيق الشفيق المضطرب البال الهائج البلبال، وكأنه ألقى على نفسه تبعة الإيقاع بأخيه، فأخذه الندم على إبرام ذلك الوفاق ثم رأى له منفذًا بالتأسي فلجأ إلى الورع وإخلاص الاعتقاد، فعلل الأمل أنه لا بد من أن ينتقم له زفس من أعدائه الذين عبثوا بحرمة إيمانهم وعهودهم، وكأن ذلك لم يرو غليله فبعد أن أفرغ جعبة الأماني انثنى إلى تأمل ذلك الجرح، فخشي أن يودي بأخيه فييأس الإغريق، ويقفلون راجعين إلى أوطانهم فتشمت الأعداءُ، ويخيب الآمال وينال أغاممنون وذويه عارٌ وبيل لا يمحوه كرور الأجيال، فتمنى عندئذ الموت بل أشر من الموت ذلك أن يمحي اسمه ورسمه، فمهما أجهد شاعر نفسه لينطق أخًا بمثل هذا النطق، فهيهات أن يبلغ المرام، وهوميروس نفسه لو تكلف أن يجري غير المجرى الطبيعي لما أتى بهذه البلاغة.
(٢٥) أي: الأيمان التي تواثقوا بها، والخمر التي أراقوها، والكباش التي ضحوا بها إثباتًا لأيمانهم.
(٢٦) يذكر أغاممنون تواثق الإغريق والطرواد، ويتهدد الأعداء بعقاب زفس بما يشبه قول زهير بن أبي سلمى:
ألا أبلغ الأحلاف عني رسالةً
وذبيان هل أقسمتم كل مقسمِ
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم
ليخفى ومهما يكتم الله يعلمِ
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر
ليوم حسابٍ أو يعجل فينقمِ
ومن هذا القبيل قول الحارث بن حلزة اليشكري يذكر حلف بكر وتغلب لما جمعهما عمرو بن هند بذي المجاز، وأصلح بينهما وأخذ منهما الوثائق والرهون:
فاتركوا الطبخ والتعاشي وأما
تتعاشوا ففي التعاشي الداءُ
واذكروا حلف ذي المجاز وما قدَّ
م فيه العهود والكفلاءُ
حذر الجور والتعدي وهل ينـ
ـقض ما في المهارق الأهواءُ
واعلموا أننا وإياكم في
ما اشترطنا يوم اختلفنا سواءُ
(٢٧) كان زفس إذا أراد بقوم سوءًا رج مجنه إنذارًا بالويل.
(٢٨) إنه كما دل كلام أغاممنون على احتدامه وحزنه ورأفته يدل كلام منيلاوس على عزة الجندي الباسل والأخ المدرك عواطف أخيه فكان أول كلامه أنه حذَّر أخاه من التمادي بالحزن لئلا يضطرب الجيش ثم سكن روعه بقوله أن جرحه لم يكن قتَّالًا.
(٢٩) تلثيبيوس أحد سفيري أغاممنون كما تقدم.
(٣٠) مخاوون بن أسقليب بطل من أبطال اليونان واحد طبيبيهم المشهورين والآخر أوريفيل.
(٣١) النَّابل رامي النبل.
(٣٢) المراد بفرع أسقليب ماخوون الطبيب، كان أسقليب هذا (وقد يقال أسقليبيوس وأسكولابيوس) إله الطب تلقى العلم عن أستاذه خيرون وفاقهُ فيه، كانوا يمثلونه بهيئات مختلفة وفيها كلها رسم أفعوان كبير، وقد اختلفوا في المراد من الأفعوان، فقيل هو للدلالة على تجدد الصحة كما يتجدد جلد الحية عامًا بعد عام، وقيل بل للدلالة على الحكمة التي يجب أن يتصف بها الأطباء اقتداء بالحية المتصفة بالتيقظ والدهاء، وذهب بلينيوس إلى أن الداعي إلى ذلك إنما كان كثرة اعتمادهم على الأدوية التي كانت تؤخذ من أجزاء جسمها.
figure
اسقليبيوس إله الطب.
(٣٣) كان خيرون من أبناء قرونس (زحل) فمسخ حصانًا واعتزل إلى الغابات والجبال، وتعلم فيها علم النجوم وخصائص العقاقير، وكان يأوي إلى كهف في جبل فليون، ومن ثم صار هذا الكهف أشهر مدرسة في بلاد اليونان، ترى من الأبيات الأخيرة أن علم الجراحة لم يكن عند اليونان في حداثته بل كان بالغًا مبلغًا عظيمًا، فسبر الجرح وامتصاص الدم منه، وذر البلاسم عليه كلها أمور تشاهد حتى في أيامنا إلا امتصاص الدم بالفم الذي كان أطباء العباسيين يعالجون به.
(٣٤) لا يستغربنَّ القارئ بعد أن رأى ما رآه من عبث الطرواد بعهدتهم، وإطلاق فنداروس سهمه على منيلا أن يراهم زاحفين زحفة واحدة على الإغريق ليأخذوهم على غرة، وهم لاهون بجريحهم؛ لأنهم رأوا في ذلك السهم المنطلق من غير يد فاريس إشارةً إلى أن الحرب لم تقف عند ذلك الحد.
(٣٥) إن في هذا الانتقال من الخبر إلى الإنشاء أو الخطاب تنبيهًا للمطالع وتجديدًا لرواء الشعر، وقد أكثر الشراح من تخريجه وتوجيهه والتكهن بما يعود عليه ضمير المخاطب في: «رأيت» و«لا نخالهُ» إلا انتقالًا بيانيًّا تحول فيه الشاعر من مشهد إلى آخر على هذا الاسلوب أو تجريدًا بديعيًّا انتزع من نفسه فيه مخاطبًا يخاطبه.
(٣٦) أوريميذون أو أفريميزون حوذي أغاممنون، والضابحات الَّلاهثات.
(٣٧) يمثل لنا هوميروس في ما يلي القائد المتيقظ الذي يخوض الصفوف ويتفقد بنفسه مواقف جنده؛ ليستنهض العزائم ويعنف المتثبطين عن القتال، ويتذرع بالحكمة لتأليف قلوب الكتائب مخاطبًا كل زعيم بما وافق مقامه وموقفه، ومهيئًا سبل الهجوم والدفاع، وقد أبدى الشاعر من التفنن وحسن التصرف ما يجعل القارئ يأتي على كل مقالته ولا يملها وإن طالت ويرى في كل سطر منها أمرًا جديدًا ينبه خاطره ويوقد فكرته.
(٣٨) إن من أعظم آفات الشعر العربي جري الشعراء على التزام قافية واحدة في طوال قصائدهم إلَّا ما كان منها من بحر الرجز؛ ولهذا لا نرى شعراء العرب مع كثرة أشعارهم وجزالة مبانيها، ورقة معانيها قد زادوا في منظوماتهم التاريخية على بضعة عشر بيتًا في منظومة واحدة، وأحسن ما عندنا من هذا القبيل المعلقات السبع ومجموع أبياتها كلها لا يربو على نشيد من أناشيد هوميروس مع أنهم لو نوَّعوا قوافيهم لكان لهم في لغتهم بحر للشعر لا يدرك قراره، فالقصيدة إذا طالت على قافية واحدة إما أن تضيق قوافيها على الناظم، فيقتضبها، وأما أن تطول على القارئ فيملها، وإن كانت كلها غررًا غراء خذ مثالًا لذلك تائية ابن الفارض الكبرى فإنها على ما جمعت من غرابة التفنن والجزالة والرقة لا نكاد نرى لها قارئًا، مع أن حفاظ سائر منظوماته يعدون بالألوف؛ ولهذا مع التزامنا أن لا نكرر قافية في قصيدة واحدة بل في الأناشيد كلها قد تصرفنا في بعض المواضع، واتخذنا طرقًا جديدة نخالها تفي بالمقصود للنظم التاريخي سنشير إليها في مواضعها، وأما في هذا الموضع وأمثاله فقد التزمنا قافية لكل حديث، وفي ذلك ما فيه من التخفيف على مسمع القارئ والتلطيف من نغمة القافية الواحدة، فجعلنا هنا الخبر على قافية الهمزة كما رأيت في الأبيات السابقة، وكما سترى في سياق الحديث وخطاب أغاممنون على قافية الميم.
(٣٩) قال عنترة:
يا بني عامرٍ ستلقون برقًا
من حسامي يجري الدماء سجاما
وتصيح النساء من خيفة السبـ
ـي وتبكي على الصغار اليتامى
(٤٠) الَّلأواء الشديدة.
(٤١) الخرنوص والخنَّوص ولد الخنزير، أغفل كثيرون من نقلة الإفرنج هذا التشبيه لثقل لفظة الخنزير في لغتهم كثقله في لغتنا، على أننا لما كنا آلينا على نفسنا أن لا نغفل شيئًا في التعريب أثبتناه مع اجتناب اللفظ الهجين، ولا ريب أن القدماء كانوا يكثرون من تشبيه الرجل الشديد بخنزير البر، قال في أساس البلاغة: «الرت الجريء من ذكور الخنازير ثم استعمل لرئيس القوم ومقدامهم، وقالوا: هو رتّ من الرتوت.
(٤٢) مريون حوذيُّ أيذومين ورفيقه، كان من جملة خطَّاب هيلانة قبل الحرب ولما تواثقوا جميعًا على أن يذودوا عن البعل الذي تختاره لنفسها، ووقع اختيارها على منيلاوس برَّ مريون بقسمه، وحمل في من حمل على الطرواد وكان رامحًا جليلًا، ونابلًا نبيلًا.
(٤٣) كانت العادة في الولائم ومعاطاة الشراب أن تتساوى القسمة بين المدعوين، فلا يتناول أحدهم ما يربو على حصة غيره إلا إذا امتاز بمأثرة تذكر، وفي كلام أغاممنون هنا إشارة إلى أن أيذومين كان من رؤساء الأقيال، ومغاوير الأبطال.
(٤٤) جعل إيذومين سابق إيمائه برأسه لأغاممنون بمقام الحلق والتواثق، والإيماء بالرأس واليد والحاجب من أقدم اصطلاحات البشر للدلالة على أغراض مقصودة، وهي سابقة للنطق ومرافقة للصوت، وأمثال ذلك كثيرة في الشعر العربي. قال القناني:
فقلنا السلام فاتَّقت من أميرها
وما كان إلا ومؤها بالحواجب
وقال آخر:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا
وإن نحن اوبأنا إلى الناس وقفوا
وقال غيره:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها
إشارة محزونٍ ولم تتكلمِ
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبًا
وأهلًا وسهلًا بالحبيب المتيمِ
(٤٥) قارية أي: سوداءُ كالقار.
(٤٦) يرى القارئ أن هوميروس لا يتجاوز في شيءٍ صفة شخص من موصوفيه فلما مر أغاممنون على أيذومين خاطبه، فأجاب وسمع جوابه فأيذومين كهل وخطه الشيب، وملك ترفع عن العيب فسمع الخطاب وأدى الجواب، وأما الأياسان فهما بطلان فتَّاكان وفعَّالان لا قوَّالان فاجتزأ أغاممنون بما قال لهما، وانثنى غير منتظر جوابًا.
(٤٧) إن في ترتيب جيش نسطور على هذا النسق، وفي كلامه لهم ما يدلنا على إلمام هوميروس بمقتضيات النظام العسكري، فلا أصلح للقتال من أن تكون الخيل طليعة والمشاة ساقة، والقلب من ضعفاء القوم حتى لا يهولهم المكر ولا يسهل عليهم المفر، فانتظام الجند في الحرب بلغ منذ القدم مبلغًا عظيمًا ولم يرو هوميروس تنسيق هذا النظام إلا عن نسطور؛ لأنه أحكم الزعماء وأسنهم وهي حكمة من حكمه، وقد روي عن أنيبال القرطجني أنه جرى هذا المجرى في واقعة زاما فأودع قلب جيشه كل عاجز جبان، ولا عجب أن يبلغ نظام الجند هذا الشأو منذ القدم والحرب كانت شاغل الأمم، ومدرجة المجد والفخار، ولنا من تاريخ العرب لأوائل الإسلام أثار جمة تشهد بمعرفتهم بفنون الحرب في زمن الجاهلية حتى لقد تراهم يدعون الفيلق التام بالخميس دلالة على أنه مؤلف من خمسة أقسام، وهي: الطليعة، والساقة والقلب، والميمنة، والميسرة.
(٤٨) إذا ورد ذكر الخيل والفرسان في شعر هوميروس، فليعلم القارئ أنها المركبات وركابها؛ لأن حرب الفرسان على ظهور الخيل لم تكن معروفة عند اليونان أيام حصار طروادة.
(٤٩) أي: أن من كبت به خيله وسقط من مركبته ولجأ إلى مركبة غيره، فلا يعترضه بسوقها بل يقاتل برمحه دون التعرض لأمر آخر، وقد اختلف النقلة كثيرًا بترجمة هذه العبارة، فاخترنا هذا المعنى لأنه أقرب إلى الصواب على ما يلوح لنا.
(٥٠) قوله منحتك دعاء له، وكذلك قوله: منحتهم.
(٥١) إذا شاخ المرء وعجز عن الكفاح وكلت ذراعه، فإنما يتأسَّى بما سلف له من البطش في غضاضة الشباب، وهكذا ذكر نسطور هنا أورثليون الجبار الذي قتله بصباه في حرب الأرقاديين والفيليين.
(٥٢) ينجلي دهاء أوذيس في كل زمان حتى في الأزمات الشداد، فإنه وإن كان بطلًا مقدامًا لم يرَ من الصواب أن يكون أول من كرَّ على العدو بل تربص هنيهةً وتبصَّر.
(٥٣) ابن فيتيوس هو منستس، وأشار بقلب الدهاء إلى أوذيس.
(٥٤) أراكم بصيغة الجمع أي: أنتما وسراكما.
(٥٥) لم يكن أغاممنون ليعنف أوذيس تعنيفه لغيره لما كان يعلم من بأسه وسداد رأيه بل أنكر عليه بادئ بدء تقاعده، فلما استجلى حقيقة الأمر ورأى من أوذيس الوجد عليه جعل يسترضيه ويعتذر إليه شأن القائد الحكيم الذي إذا أساء الظن انتهر، وإن عرف الحق اعتذر.
(٥٦) انثنى أغاممنون عن أوذيس، وهو يقول قول طريح بن إسماعيل الثقفي:
أبغي وجوه مخارجي من تهمةٍ
زمَّت علي وسد منها المطلعُ
جزعًا لمعتبة الوليد ولم أكن
من قبل ذلك في الحوادث أجزعُ
ولانزعنَّ عن الذي لم تهوهُ
إن كان لي ورأيت ذلك منزعُ
إن كنت في ذنب عتبت فإنني
عما كرهت لنازع متوزعُ
(٥٧) ما أكثر ما قال العرب قول أغاممنون بمدح الأباء وذم الأبناء كقولهم:
يفاخرون بأجداد لهم سلفوا
نعم الجدود ولكن بئس من خلفوا
حتَّى لربما رأيت شاعرهم يوجه الملامة بنفسه إلى نفسه، وقومه كمعن بن أوس المزني القائل:
ورثنا المجد عن آباء صدق
أسأنا في ديارهم الصنيعا
إذا الحسب الرفيع تواكلته
بُناةُ السوء أوشك أن يضيعا
قد عيب على الشاعر إنطاق أغاممنون بهذا الخطاب الطويل في هذا الموقف الضيق، ولكن مطالع هوميروس يعلم أنهم في جاهليتهم كانوا أثناء الحروب يتذكرون كل حين سالف وقائعهم، ويعظمون الأبناء بأعمال الآباء والعكس بالعكس، هذا فضلًا عما في هذا الكلام من الحث والاستنهاض وإثبات أثر تاريخي قلما يعثر عليه في مكان آخر، وعندي أنه لو عيب الشاعر على توجيه الملام لذيوميذ لكان أولى؛ لأن ذيوميذ أبرز من البسالة كل أيام تلك الحرب ما تعجز عنه فحول الأبطال، فلم يكن ممن يلام لتقاعس أو إهمال على أنه يظهر أن الشاعر أتى بهذا اللوم عن قصد زيادةً في إجلال أغاممنون، وإعظام سداده إذ كان شعاره المساواة ونبذ المحاباة.
(٥٨) إن في صمت ذيوميذ واستطالة إستينيل ما يدل على أن ذا القدر يحترم ذا القدر، وإن الكلام البذي لا يصدر من الصدر النبيل، ففعل ذيوميذ يغنيه عن قوله، وأما إستينيل فلم يرع حرمة رئيسه؛ لأنه لم يكن من ذوي الحرم المرعية، وتجاوز أغاممنون عن جوابه دليل على قلة عبئه به فلم يعامله كما عامل أوذيس قبل قليل.
(٥٩) لا أعرف شاعرًا أو فارسًا من شعراء العرب وفرسانهم مدح نفسه وهجا سلفاءه كاستينيل اللهم إلا أن يكون الحطيئة، ولكن الحطيئة كان ذميمًا دميمًا هَجَّاءً من فطرته لم ينجُ من مثالبه قريب ولا بعيد، فهجا أباه وأمه وزوجته وبنيه، ومات وهو يهجو نفسه ويقول:
لا أحدٌ الْأَم من حُطَيَّه
هجا البنين وهجا المريهْ
وأما الفخار بمدح النفس فكثير في الشعر العربي كقول أبي الطَّيب:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي
وبجدِّي فخرت لا بجدودي
ولكنك ترى شاعرنا العربي إذا قال قولًا كهذا يستدركه بما ينفي عنه مظنة أزدراء الآباء والأجداد كقوله بعد هذا البيت:
وبهم فخر كل من نطق الضا
د وعوذ الجاني وغوث الطريدِ
(٦٠) ما أحسن ما قال جحدر بن معاوية العكلي بما يقارب معنى هذه الأبيات الثلاثة:
ولا تشتم المولى تتبع إذاتهُ
فإنك إن تفعل تسفهْ وتجهلِ
ولا تخذل المولى لسوءِ بلائه
متى تأكل الأعداءُ مولاك تؤكلِ
ومثله قول عبيد بن أيوب العتبي:
ولا تخذل المولى إذا ما ملمةُ
ألمَّت ونازل في الوغى من ينازلهْ
وأحسن منه قول الفضل بن عبد الرحمن العباسي:
وعطفًا على المولى وإن كان بينه
وبينك في بعض الأمور معاتبُ
ومن ذا الذي ترجو الأباعد نفعهُ
إذا هو لم تسلم عليه الأقاربُ
(٦١) الحوبة الهمة والحوباء النفس، لا أدل على كبر ذيوميذ وعزَّة نفسه من صمته عن جواب أغاممنون وانثنائه بالتعنيف على زميله، ثم تَرَجُّله وتهيئوه للكفاح، وهنا أتى بنا الشاعر إلى مشهد عظيم ألا وهو زحف الجيشين للقتال واصطدامهما لأول مرة، وجعل توطئة كلامه في وصف الزحف فأبدع فيه إبداعًا هيهات أن يؤتى بمثله.
(٦٢) تفنن شعراؤنا بالتشبيه بالأمواج المتدافعة، فعارضوا بها شتيت المعاني من المهيب المخوف إلى القريب المألوف، فممن تهيب بها تهيُّب هوميروس عنترة العبسي بقوله يصف الجيوش:
تموج كموج البحر تحت غمامة
قد انتجت من وقع ضرب الحوافرِ
وأبو دهبل الجمحي بقوله يصف الليل:
وليلة ذات أجراس وأروقةٍ
كالبحر يتبع أمواجًا بأمواج
وأبدع ما استخرجته مخيلة شاعر بهذا المعنى قول امرئ القيس:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله
عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه
وأردف أعجازًا وناءَ بكلكل
ألا أيها الليل …… الخ
وممن تحبب بها إلى ممدوح المسيب بن علس بقوله:
ولأنت أجود من خليج مفعمٍ
متراكم الآذيّ ذي دفَّاعِ
ومثله البحتري بقوله: «وهو مأخوذ عن أبي دهبل»:
إلى فتى يتبع النعمى نظائرها
كالبحر يتبع أمواجًا بأمواج
(٦٣) روى الزمخشري عن أبي النجم:
وصارمات في الأكف قضبا
تخالهن في الأكف شهبًا
وقال ذو الرُّمَّة:
وقد جرَّد الأبطال بيضًا كأنها
مصابيح تذكو في الذبال المفتلِ
وقال عنترة:
وتلمع فيها البيض من كل جانبٍ
كلمع بروق في ظلام الغياهبِ
(٦٤) شبه الطرواد بالنعاج التي يختلط صوتها في حظائرها عندما يستدر لبنها، وهناك الحملان تثغو لأماتها، والأمات تنظر إلى حملانها، فتثغو لها فيكون ثمة لجب وضوضاء، قابل الشاعر هنا بين إقبال الإغريق على الطرواد وزحف الطرواد على الإغريق مقابلة أعرب فيها عن انتظام الجند في الجيشين، فهيأ لنا الإغريق قومًا يزحفون سكوتًا لا كلام بينهم إلا لأولياء أمرهم، والجند تصغي وتطيع يخالهم الناظر بكمًا، وهم يتدفقون تدفق الأمواج التي تثيرها العواصف على الجرف، فتنقض على الصخور ويتصاعد زبدها بينا أن أعداءهم في هرج ومرج لقلة ما ألفوا من الزحف كما ترى ذلك مفسرًا في البيت التالي حيث قال: إنهم أوزاع متألفون من كل فج وناد، ومتخلقون بشتيت الأخلاق، وهو وصف دقيق يؤيده التاريخ إذ كانت أمم التحالف اليوناني متقاربة الأخلاق متألفة الطباع واللغات بخلاف نجداء الطرواد الذين لم تكن لهم جامعةٌ يعرفون بها قبيل الحرب، ولما انتهى من وصف الزحف استطرد إلى ذكر مهيجاته بصورة رمزية كجاري عادته، ومن ثَمَّ وصف اصطدام الجيش بالجيش، وأخذ في التفصيل بما ينبئك بما له من طول الباع بمعرفة أطوار الكر والدفاع.
(٦٥) الهول والرعدة والفتنة أعلام مجسمة في شعره؛ ولهذا أعربناها إعراب الأعلام.
(٦٦) لا قول أصدق من هذا القول في وصف الفتنة، فإنها في بدء أمرها كلمة خفيفة أو حركة ضعيفة لا يكاد يعبأ بها، فإذا نمت لا حدَّ لتناهيها في العظم، ومهما وصفها الواصفون فلا يأتون بأحسن من هذا الوصف، قال طرفة بن العبد:
قد يبعث الأمر الكبير صغاره
حتى تظل له الدماء تصببُ
وقال مسكين الدَّارِمي:
ولقد رأيت الشر بين الـ
ـحي تبدأهُ صغارُهْ
ولو أنهم يأسونه
لتنهنهت عنهم كبارُه
وقال ضوء بن اللجلاج:
ألم تر أن الشر مما يهيجه
أصاغرهُ حتى يتم فيكبرا
وإن كمين العرّ يخفي دواؤهُ
على أهله حتى يبين فيظهرا
(٦٧) اليلمق الترس.
(٦٨) لم يبق شاعر من الإفرنج لم يعجب بهذا الكلام، وتناقلوه خلفًا عن سلف ولا نرى عجبًا أن يأتي به شاعر مطبوع؛ لأنه يتبادر إلى كل بصيرة وقادة، وأمثاله كثيرة في منظومات العرب الذين لم يعرفوا شيئًا من أقوال هوميروس. ولله در أبي الفوارس إذ يقول:
وكررتُ والأبطال بين تصادمٍ
وتهاجم وتحزبٍ وتشددِ
وفوارس الهيجاء بين ممانعٍ
ومدافعٍ ومخادعٍ ومعربدِ
والبيض تلمع والرماحُ عواسلٌ
والقوم بين مجدَّل ومقيدِ
وموسد تحت التراب وغيرهُ
فوق التراب يئن غير موسدِ
والجو أقتم والنجوم مضيئةٌ
والأفق مغبر العنان الأربدِ
(٦٩) أنطيلوخ هو ابن نسطور، وكان من جملة طلاب هيلانة.
(٧٠) الصعاد جمع صعدة بمعنى الرمح.
(٧١) الفود مقدم الرأس.
(٧٢) الفينور هو ابن خلكودون، وكان أيضًا من طلاب هيلانة.
(٧٣) قطاع جمع قطيع للماشية.
(٧٤) الأجداد جمع جدَّة وهي الشاطئ.
(٧٥) المرتاد: الطالب.
(٧٦) الطعنة السلكى المستقيمة.
(٧٧) لما كان آخيل بطل أبطال اليونان، وكان في أكثر الإلياذة معتزلًا القتال رأى الشاعر ونعم ما رأى أن يعيد ذكراه حينًا بعد حين؛ ليظل راسخًا في ذهن السامع، ولا يذكره مرة إلا بما يعلي مكانته ويجل قدره، فتراه هنا قد آثره مفردًا على الجيش مجتمعًا، وأنطق بهذا الكلام الإله أفلون بما جعل له من الهيبة فوق ما يحرز من الفخار لو انتصر في عدة مواقع.
(٧٨) حيثما نرى إلهًا منحازًا إلى فئة رأينا آخر منحازًا إلى الفئة الأخرى، فهنا أفلون بين الطرواد يشير إلى ثبوت الجأش، وأثينا بين الإغريق إلى الإقدام والتروي.
(٧٩) مماد: ممهل.
(٨٠) يضع هوميروس نفسه موضع الشاعر وسامع الشعر، فيأبى على نفسه أن يدع سبيلًا إلى مل شعره؛ ولهذا تراه كلما أتى على وصف واقعة أو حادثة أيًا كانت تورث الملل إذا طالت يفكه سامع شعره بنكات وتشابيه واستعارات تجتذبهُ إلى الإمعان فيها، وحسبك شاهدًا ما ختم به هذا الفصل فإنه بعد أن هيَّأ الجند للقتال، وأتى على كل وصف بما تقتضيه الحال فأوجز في ذكر الزحف، وأسهب بعض الإسهاب الذي لا بد منه في معترك القومين ختم كلامه، ولخص مقاله بكلام جزل ترتاح النفس في البقاء عليه، فَصَوَّر ما يتجلى لعين الناقد البصير لو تسنى له أن يجول بين هاتيك الصفوف في مأمن من الحتوف، قال عنترة:
عناجيجٌ تخب على رحالها
تثير النقع بالموت الزؤامِ
إلى خيل مسوَّمة عليها
حماة الروع في رهج القتام
عليها كل جبارٍ عنيدٍ
إلى شرب الدماء تراه ظامي
بأيديهم مهندة وسمرٌ
كأن ظباتها شعل الضرامِ
فجاءوا عارضًا بردًا وجئنا
حريقًا في غريق ذي اضطرامِ
وأسكت كل صوت غير ضربٍ
وعترسة ومرميٍّ ورامِ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤