النشيد الثامن

الوقعة الثانية

مُجْمَلهُ

لما طرَّ الفجر عقد زفس مجلس الآلهة وخطب فيهم مكثرًا من الوعيد والتهديد قاضيًا بألَّا يتحرش أحدٌ منهم لنجدة أي الفريقين. فالتمست أثينا أن يأذن لها بمؤازرة الإغريق برأيها ليس إلَّا. فأذِن لها واعتلى مركبته وسار إلى جبل إيذا يسرِّح أنظاره بين إليون ومعسكر الجيوش. فالتقت الفئتان واحتدم الأوار إلى منتصف النهار. فتناول زفس قسطاسه الذهبي فرجحت كفة الطرواد فأرعد وأبرق فهدَّت الإغريق الرعدة والْتَوَوْا يتعقبهم الطرواد إلى معقلهم. وكاد نسطور يهلك لو لم يبادر ذيوميذ إلى إغاثته. فأرهب زفس ذيوميذ بالصواعق فانهزم من وجه هكطور فاستظهر هكطور وزاد إقدامًا. فاستغاثت هيرا بفوسيذ طلبًا لنجدة الإغريق فأعرض عنها. وأخذ أغاممنون يستنهض همم الإغريق ويتضرع إلى زفس ففاز الإغريق هُنَيْهَةً بمعجزة منه، وأبلى ذيوميذ وطفقير بلاء حسنًا ثم جُرح طفقير فوجهه صحبه إلى السفن، فانثنى زفس إلى إغاثة الطرواد ففازوا فوزًا مبينًا. فطارت هيرا وأثينا إلى نصرة الإغريق فوجه زفس إليهما إيريس فعادتا صاغرتين، ورجع زفس إلى الأولمب واجتمعت الآلهة من حوله فأنبأهم بما أعد في قضائه المحتوم من اشتداد الأزمة على الإغريق حتى يخمد غيظ آخيل ويرجع إلى مقاتلة الأعداء. ولما خيم الظلام انفصل الفريقان وأقام هكطور العيون والرقباء على الأعداء حتى لا ينهزموا ليلًا فأنار الطرواد المقابس وقضوا ليلهم بسلاحهم ريثما يصبح الصباح فيعيدوا الكرة على أعدائهم.

تستغرق وقائع هذا النشيد يومًا كاملًا وهو اليوم السابع والعشرون لافتتاح إنشاد الإلياذة. ومجرى معظم الحوادث على مقربة من شاطئ البحر والباقي في أندية زفس.

النشيد الثامن

كسا الفجر وجه الأرض ثوبًا مُزَعْفَرَا
وزفس أبو الأهوال في أرفع الذرى١
على قمة الأولِمب تُصْغِي مهابة
لمنطقه الأرباب أَلَّفَ مَحْضَرَا
فقال: «ليعلم كل رب وربة
بما اليوم في صدري فؤاديَ أضمرا
فلا يَنْبِذَنَّ الأمر عاصٍ بلِ اذْعَنُوا
لِأُنْفِذَ ما أبرمتُ أمرًا مُقَدَّرَا

•••

لنصرة أَيِّ القوم من يَجْرِ منكمُ
يَئُوبَنَّ منكوبًا يُخَضِّبُهُ الدَّمُ
وإلا فمن شُمِّ الأُلِمْبِ براحتي
إلى الظلمات الدُّهْمِ يُلْقَى وَيُرْجَمُ٢
إلى حيث أبوابُ الحديد قد استوت
على عتب الفولاذ والْقَعْرُ مظلم
إلى هُوَّةٍ بين الجحيم وبينَها
مجال كأقصى الجو عن أسفل الثرى

•••

فتدرون كم بالطَّوْلِ أسمو وأَشْرُفُ
وإن شئتمُ فَابْلُوا الحقيقة تعرفوا
وأَرْخُوا من الزَّرْقَا سلاسلَ عَسْجَدٍ
وكلكمُ في منتهاها تَأَلَّفُوا
فلن تبلغوا من زَفْسَ وهْوَ وليكم
منالًا وإن تُعْنَوْا وإن تتكلفوا
ولكنني أيَّانَ شئتُ جَرَرْتُهَا
ومن دونكم أَجْتَرُّ أرضًا وأبحُرا٣
ومن حول أُولِمْبِي الرفيع أديرها
يُعَلَّقُ فيها الكون وهو أسيرها
فيعلم كل الجن والإنس مبلغي
من الطَّوْلِ والأكوان أني أميرها»٤
أصاخوا سُكوتًا حرمةً وتهيُّبًا
فقالت أثينا يستفيض زفيرها:
«أجل أبتا يا قَيِّمَ القوم جملةً
قواك علمنا لن تدين وتُقْهَرا

•••

ولكننا نرثي لحال الأغارِقِ
يبيدهمُ المقدور تحت الْيَلَامِقِ٥
أطعنا فلا نأتي النزال وإنما
نمُدهمُ بالرأي خوف البوائق٦
وإلا فهذا السخط يجتث أصلهم»
فبشَّ لها يرنو مثيرُ الصواعق
وقال: «لئن راعتْك مني صرامة
فعنك جميل الرفق لست لِأَذْخَرا»٧

•••

ولاحت تَزِينُ الخيل من تحت مضمدِ
حوافرُ فولاذ وأعراف عسجد
بمركبة غرَّاءَ ناط صروعها
وفي حلة الإبريز حل بِسُؤْدُدِ٨
وفي يده سوط النضار يسوقها
من القبة الزرقاء للأرض تغتدي
فبُلِّغَ إيذا جَمَّةَ السَّيْحِ مَنْهَلًا
وأُمَّ الضواري واستقرَّ بغرغرا٩

•••

هناك لدى غابٍ أُجِلَّتْ وهيكل
له فاح نشرًا أوقف الخيل يعتلي
ومُذْ حلها بين الضباب أحلَّها
وحل بكبر المجد أرفع منزل
يميل إلى الطُّرْوَادِ حينًا وتارة
إلى سفن الإغريق وهو بمعزل
ففي عَجَلٍ نال الأغارق زادهم
وفي الخيم هَبُّوا للسلاح تَحَضَّرَا

•••

كذاك أعاديهم وإن قل عَدُّهم
تَقَنَّعَ في إليون يبرز جندهم
يُحَرِّقُهُمْ داعي الضرورة لِلْوَغَى
لتحفظ أعراض وتسلم وُلْدُهُمْ
فَفُتِّحَتِ الأبواب واقتحموا الوغى
مشاة وفرسانًا يُرَوِّعُ وَفْدُهُمْ
ولما تَدَانَوْا والنفوس سَوَاخِطٌ
تدفَّقت الأجناد تَصْلَى تَسَعُّرَا١٠

•••

طِعانٌ تلاقت في صدور تدجَّجَت
وقرع به سود اليلامق ضُرِّجَتْ
وزفرة مقتول ونَعْرَةُ قاتل
وسيل دماء فوق أرض ترجرجت
فزال ضحى الأقداس والنقع فائِرٌ
بحرب على القومين نارًا تأجَّجَتْ١١
وعند انتصاف الشمس في كبد السما
لقِسْطَاسِهِ التِّبْرِيِّ قام مُحَرِّرَا١٢

•••

وألقى به قِدْحَيْنِ للموت والشقا
لكل من القومين سهمًا مُحَقَّقَا
فسهم بني الإغريق مال إلى الثرى
وسهم بني الطرواد للجو حَلَّقَا١٣
فأرعد من أطواد إِيذَا هَدِيدُهُ
وما بين دُرَّاعِ الأغارق أبرَقا
فَهَدَّتْهُمُ من شدة الهول رِعْدَةٌ
وأجدرهم بالبطش ولَّى وأدبرا١٤

•••

فَإِيذُومِنٌ عاد وأَتْرِيذُ هارب
وفر أياسا البأسِ والجيشُ لَاجِبُ
ولكنَّ نسطورًا تثبَّط مُحْرَجًا
بصرع جوادٍ ساق وهو يُرَاقِبُ
بمقتل بادِي العُرْفِ في أُمِّ رأسه
إلى الْمُخِّ فيه نَبْلُ فَارِيسَ نَاشِبُ
فشب وأهوى خابطًا متمرِّغًا
وشَبَّتْ جميع الخيل منه تَذَعُّرا

•••

فبالسيف نسطورٌ عدا يقطع الْقِدَدْ
وهكطور تحت العَجِّ في خيله وَفَدْ
وقد كاد سيف الحتف بالشيخ يرتوي
ولكن ذِيُومِيذٌ لنُصرته عمدْ١٥
رأى فبأعلى الصوت صاح بأُوْذِسِ:
«إلى أين يا ذا المكر جبنًا أَرى تُرَدْ
ألم تخشَ أن الطعن يُصْمِيكَ مُدْبِرًا
فولَّيْتَ بين القوم تبغي تَسَتُّرَا

•••

فذا شَيْخُنَا قِفْ عنه ذا القَرْمَ ندفعُ»
فجَدَّ يسوق الخيل لِلْفُلْكِ لا يعي١٦
وأما ذِيُومِيذٌ وإن ظل مفردًا
فَخَفَّ لصدر الجيش عن جأشِ أَرْوَعِ
ولما أتى نسطورُ كَفَّ حَثِيثَهُ
وقال: «أجل يا شيخُ بأسك قد نُعِي
يصول عليك الْمُرْدُ في حَوْمَةِ الْوَغَى
ولستَ على بأس الشباب لتصبرا

•••

فَتِبْعُكَ ذو عجز وخيلك قَصَّرَتْ
فللصحب أَوْدِعْهَا فمركبتي جرت١٧
وَهَيِّ اخْتَبِرْ جُرْدًا بِأُطْرُوسَ ثُقِّفَتْ
سراعًا إذا كرَّت وإن هي أدبرت
ببأسي من إيناس من قبلُ نِلتها
بها حسبنا جريٌ بحرب تسعَّرت١٨
فيعلم هَكْطُورٌ بأن مُهَنَّدِي
بيُمناي للفتك الذريع تضوَّرا»١٩

•••

فأذعن نَسْطُورٌ وأَسْتِينِلٌ قفلْ
وأَفْرُمِذُونٌ بالجياد على العجل٢٠
وقُرْبَ ذِيُومِيذٍ مضى الشيخ يعتلي
يسوط وأطرافَ الْأَعِنَّةِ قد سَدَلْ
ولَمَّا لدى هكطورَ في الحال بُلِّغَا
أطار ذيوميذُ السنان فعنه زَلْ
وأُنْفِذَ في ثديِ ابن ثِيبَسَ أَنْيُفٍ
فخرَّ على وجه الحضيض مُكَوَّرَا

•••

فأرمض هكطورٌ ببَثٍّ يُبَرِّحُ
على تِبْعِهِ والخيل شبَّت تُطَمِّحُ٢١
وغادره يبغي غلامًا يسوقها
فبادره أَرْخَفْطُلِيمُسُ يَسْرَحُ
وكادت سُرَى الطرواد تجري هزيمةً
لِإِلْيُونَ كالخرفان والخطب يُفدح
ولكن زَفْسًا وهو شاهد وَهْنِهِمْ
أمام ذيوميذ الصواعقَ أمطرا

•••

فدمدم يَدْوِي الرعدُ والبرقُ أومضا
بنار من الكِبريت تلهَب في الفضا
ففي نيرها الخيل اقشعرَّت تهيُّبًا
وأفلت نسطور العنانَ مُمَعَّضَا
وصاح: «فرارًا يا ذِيُومِيُّذٌ ألا
ترى نصر زفس عنك ذا اليوم مُعْرِضَا
لهكطورَ أولاه ومن ذا يَصُدُّهُ
سيخلو لنا يومٌ يشاءُ فنُنْصَرَا»

•••

فقال: «تَحَرَّيْتَ الحقيقة إنما
فؤادي ونفسي بالعذاب تضرما
لَأَجْدَرُ بي أن تَفْتَحَ الأرضُ جوفَها
فتبلعَني من أن أَذِلَّ وأُهْزَمَا٢٢
ويصرخ هكطورٌ لدى جند قومه
«ذِيُومِيُّذٌ في الفُلك من بأسيَ ارتمى»
فقال: «وأنَّى يا ابن تِيذِيُّسٍ ترى
يتاح له أن يستعزَّ مُعَيِّرَا

•••

يُكَذِّبُهُ قوم الدرادنة الأُلَى
بَلَوْكَ وأبناءُ الطراود والملا٢٣
تُكَذِّبُ غاداتٌ تَأَيَّمْنَ بعدما
حملت على أزواجهنَّ مُجَنْدِلَا»
ورد رءوس الخيل منهزمًا به
وفوقهما وَبْلُ النبال تهيَّلَا٢٤
وهكطور هَيَّاجُ الترائك مقبِل
بإثرهما يُنْمِي الفخار مظفَّرا:

•••

«ذِيُومِيذُ في الإغريق كم كنت ترفع
مقامًا ويزجي الزاد والكأس تُتْرَعُ
فسوف تُسَامُ الذُّلَّ بين جموعهم
لوهنٍ به كالغِيد قد بِتَّ تَهْلَعُ
خسئت فلن تعلو معاقلَنا ولا
عقائلَنا فوق السفائن تدفَعُ
فهيهات لن تستأثرنَّ وساعدي
سَيُولِيكَ من قبلُ الحمامَ الْمُسَطَّرَا»

•••

فردَّد تيارًا يهيج بباله
أيُغْفِلُهُ أم ينثني لنزاله
ثلاثًا على الأمرين ردَّد فكرَه
وزَفْسُ ثلاثًا راعدٌ بجباله
يشير إلى الطرواد بالنصر معلنًا
وهكطور يَدْوِي صوتُه برجاله:
«أيا أيها الطُّرْوَادُ يا قوم لِيقِيَا
ويا دردنيون النجيعُ تفجَّرا

•••

فكونوا رجالًا واستجِيشوا بشدة
فقد لاح لي زفسٌ يميل لنصرتي
يُخَوِّلُنِي نصرًا مبينًا وعزة
وإهلاك أقوام الأعادي الْمُلِمَّةِ
بَنَوْا مَعْقِلًا غَثًّا فيا لِضلالهم
بما زعموا فيه انثناءَ عزيمتي
فخيليَ تجتاز الحفيرَ مغيرة
ودونَكمُ مني البلاغَ المقرَّرا:

•••

«فإنْ أَدْنُ من فُلْكِ الأغارِق فاقذِفوا
عليها لهيب النار لا تتوقفوا
فتفنَى ويعلو للرقيع هصيصُها
ويُفنِيهم طُرًّا سِنانٌ ومرهَف»
وصاح بآذانِ الجياد يحثُّها:
«أيا زَنْثُ يا فُوذَرْغُسُ المتشوِّف
ويا إِيتِنٌ يا لَمْفُسُ الْكَرُّ كَرُّكُمْ
به إيه هذا اليوم قد رُمْتُ مُخْبَرَا٢٥

•••

فكم رُضتُكْمْ جَهدي ابتغاء رضاكم
وكم أنذروماخٌ تمنَّت مُناكم
وكم بُرَّها كالشهد قد ذخرت لكم
تُراقُ عليها الخمر آنَ غِذاكم٢٦
بذلك كم قبلي رعتْكُم وإن أكن
حليلًا لها غضًّا فحُثُّوا خطاكم
فيا حبذا كَرٌّ يُذِلُّ عُداتَنا
فنغنمَ تحت النقع مِجْوَبَ نَسْطُرَا

•••

من الذهب الإبريز ذا التُّرسُ كلُّه
وشهرته حتى السماءِ تُجِلُّهُ
ومن ثَمَّ عن كِتْفِي ذِيُومِيذَ لَأْمَةً
حباه بها هِيفَسْتُ وهي تُظِلُّهُ٢٧
فإن نغتنم هذين لا شك يلتجئ
بليلتنا للفُلك جيش نُذِلُّهُ»
أمانيُّ هكطورٍ كما شاء بثَّها
وهيرا لذاك الخطب هاجت تَحَسُّرَا

•••

على عرشها اهتزَّت فقلقلتِ السما
وصاحت بفوسيذَ العظيم تَحَدُّمَا:٢٨
«وهَلَّا أيا من زعزع الأرض بأسه
جزِعت لأرزاءِ الأراغس مُرْغَمَا
فكم لك أزكوا في أَلِيقَا وَإِيغَسٍ
قرابينهم يبغون قُرْبَكَ مَغْنَمَا٢٩
فإن نَعْتَصِبْ في صحبهم من ذوي العلى
فلا ريبَ أَنَّا لن نُصَدَّ ونُدْحَرَا

•••

فَهَيِّ بنا نَنْقَضُّ في كَبِدِ العِدَى
ومن فوق إيذا زَفْسُ يُحْرَجُ مُفْرَدَا»
فقال لها والغيظُ مَيَزَّهُ: «لقدْ
شططتِ ومنِّي لا تنالين مقصدا
أَبَيْتُ لِقَا زفسٍ وإن تتألَّفُوا
جميعًا عليه فهو أعظم سُؤْدُدَا»
فذاك حديث في بني الخلد دائرٌ
وقد ثقُلت تشتد وطأةُ هكطُرا

•••

يصول كآريسٍ وزَفْسُ يديله
وجيشُ العدى يَصْطَكُّ بادٍ قُفُولُهُ
لدى الفلك حتى الحُصْنِ دون حفيرِه
تُساق انهزامًا رجله وخيوله
وقد كادت النيران تحرق فُلْكَهُ
فحثَّتْ أغاممنون هيرا دليله
فخاض صفوف الخيم والفلك رافعًا
بساعده بُردًا من الخزِّ أحمرا٣٠

•••

توسطَ في الأسطول حتى إذا علا
خلية أُوذِيسٍ به تُحْدِقُ الملا
وأشراع آخيلٍ وآياسَ أُرْسِيَتْ
على طرفيه شدة وتبسُّلَا٣١
علا صوته يَدْوِي: «أيا عصبةً وهت
جَنَانًا وإن أبدت بيانًا مُجَمَّلَا
ألا أين ذيَّاك التبجح قد غدا
وأين عرى عزمٍ أراه تفطَّرا

•••

فأُفٍّ لكم هلَّا ذكرتم مُقامَكم
بِلِمْنُوسَ والزادُ الشهيُّ أمامكم٣٢
بلحم سمين ترتمون وأَكْؤُسٍ
تُديرون عجبًا راشفين مدامكم
على مئة ينقض أو مئتي فتى
فتاكم زعمتم مُنْتَضِينَ حسامَكم
وعن هَكْطُرٍ فَذًّا عجِزنا وخِلْتُهُ
سيُلهِب نارًا فُلْكَنَا متنمِّرا

•••

أيا زَفْسُ هل مثلي مليكٌ تذلَّلا
ومن سُدَّةِ المجد الأثيل تنزَّلا٣٣
وحقِّك مُذْ أقلعتُ لا جئت مُقْلِعًا
على مركبي جمِّ الأرادم مُقْبِلَا٣٤
شحومَ عُجُولِي قد دفعتُ وسُوقَها
لِتُحْرَقَ أنَّي شادَ قومك هيكلا
فمَهِّدْ لنا سبلَ النجاة هزيمة
ولا تُسَلِّمَنَّا للعدوِّ فيَغْدُرَا»

•••

فأرفقَ زفس راحمًا عبراتِه
وأومأ يؤتي الجيشَ بُشرى نجاته
وأرسل خير الطير نَسرًا مطوِّفًا
بمِخلبه ظبيٌّ بأسنى سِماته
وأسقطه في قرب هيكله الذي
لذي الوحي زَفْسٍ قدَّموا قُرُبَاتِهِ٣٥
ومذ أبصر الإغريق ذلك قوَّموا
عزيمتَهم يبغون فتكًا مدمِّرا

•••

أمامهم طُرًّا ذيوميذُ أطلقا
أَعِنَّتَهُ يجتاز بالخيل خندقا٣٦
يَؤُمُّ العدى صدرًا لصدر ورُمْحُهُ
بيمناه أحشا آغِلَاوُسَ مَزَّقَا
بعاتقه واراه يبدو لصدره
على حين رَدَّ الخيل يجتنب اللِّقَا
فخَرَّ صريعًا خابطًا بدمائه
بصلصلة يَرْبَدُّ لونًا ومنظرا

•••

فشُدُّوا القوى وَالْأَتْرِذَانِ تقدَّما
كذاك الأَياسانِ اللذان تحدَّما
وإِيذُمِنٌ مع تِبْعِهِ مِرْيُنَ الذي
حكى شدة آريس مستنزِفَ الدِّما
فأُورِيفُلوسُ بْنُ الفتى إيفِمٍ تلا
وتاسعهم طِفْقِيرُ والقوسَ أحكما
يواريه آياسٌ وراء مِجَنِّهِ
فيرفعه حينًا فحينًا ليبصرا

•••

فيُحدق في قرم من القوم دونه
ويرشُقُه رشقًا يُعِدُّ منونَه٣٧
ويأتي أخاه مستظلًّا بتُرْسِهِ
كطفل لحجر الأم أبدى حنينه٣٨
ويصدر فيهم سيدًا بعد سيد
فجندل أَرْسِيلُوخَ يفري وتينَه
فَأُرْمِينَسًا ثم الفتى أو فِلِسْتَسًا
وأتبعه أَخْرُومِيُوسَ وذِيتُرَا

•••

وألحق لِيقُوفُنْطُسًا وأَمُوفَنا
ومَيلَانِفًا تنتابهم غُصَصُ الفنا
فأُطْرِبَ أَتْرِيذٌ وقام تُجَاهَهُ
يُبَجِّلُهُ بين العساكر معلنًا:
«أيا ابن تِلَامُونَ الحبيب وغرة الـ
ـجنود أَسِلْ وَبْلَ النَّبال مُرَنِّنَا
عسى منك يُؤتَى الدَّانَوِيُّونَ نصرهم
ويعلو أبوك الهِمُّ شانًا ومَشْعَرا

•••

نشأت بمغناه عزيزًا مُسَوَّدَا
وإن كنت من نسل السبيَّةِ مولدا٣٩
فزده سنا مجدٍ وإن بان بَوْنُهُ
ودونك من أَتْرِيذَ عهدًا مؤيَّدَا
لئن نلتُ من زفس وفالاسَ نصرة
فبعديَ قبل القوم تظفرُ بالجدَا
بِمَرْكَبَةٍ في خيلها أو مَنَصَّةٍ
مُثَلَّثَةٍ أو غادةٍ حسبما ترى»٤٠

•••

فقال: «وهل داعٍ لإنهاض هِمَّتِي
وكُلِّيَ عزم ناهض للمُلِمَّةِ
سأفتك ما أوتيت فتكًا ولم تزل
طَرُوحِيَ تُصْمِي مذ هببتُ بشدتي٤١
ثمانيةً أنفذتُ في فتية العدى
وعن كل سهم خَرَّ شهمُ سَرِيَّةِ٤٢
ولكن هذا الكلب قد عاث طاغيًا
ونَبْلِيَ عنه لا يزال مقصرا»٤٣

•••

وأحدق في هكطور يرمي مسدِّدا
سريته والقلب منه توقَّدا٤٤
فأخطأه والسهمُ أُرْسِلَ صادرا
إلى صدر غُرْغِثْيُونَ ينفذ مبعِدا
(هو ابن لفريامٍ وقَسْطَانِرا التي
بها جاء قِدْمًا من أَسِيمَا مُصَعِّدَا
ورام بها زَوْجًا وفيها تَوَفَّرَتْ
محاسن ربَّات الخلود تَوَفُّرا)

•••

فرأس الفتى لمَّا بمحنته مُنِي
بمِغْفَرِهِ الْمَسْرُودِ أُثْقِلَ ينحني
كزهرة خشخاش بيانع روضةٍ
يُثَقِّلُهَا طَلُّ الربيع فتنثني٤٥
فثَنَّى على هكطور طفقيرُ رميَه
فصرَّح تثني السهم كفُّ أَفُلُّن٤٦
وأُنْفِذَ في أَرْخِفْطُلِيمَ بثَدْيِهِ
فأهوى غضيض الجفن منفصم العُرَى٤٧

•••

فهكطور صُدَّتْ طامحاتُ خيولِه
وأُرْمِضَ ملتاعًا لقتل زميله
فغادره مُلْقًى على فرط بَثِّهِ
وأعرض عنه ساعيًا لبديله
فألفى أخاه قِبْرِيُونَ إزاءه
فأصعده يعلو محل فتيله٤٨
وألقى له صرع الأعنة واثبًا
إلى الأرض بالصوت المُرَوِّعِ مُجْهِرَا

•••

تناول جُلْمُودًا وأقبل مسرعًا
يروم به طفقيرَ قتلًا مُصَدِّعَا
وأخرج طفقيرٌ لَجِيفًا مقذَّذًا
وأوفقه في القوس للرَّمْيِ مُزْمِعَا٤٩
وبالوتر اجترَّ المَرِيشَ لكتفه
إلى حيث عرقُ العُنق بالصدر أُودِعَا٥٠
فأدركه الجلمودُ في المقتل الذي
بغى عنه أن يرمي السَّرِيَّةَ مُصْدِرَا٥١

•••

فراحته شُلَّتْ وقد قُطِعَ الوتر
وأُجْثِيَ والقوس استطارت على الأثر
فبادر آياسٌ يقيه بتُرْسِهِ
وطفقيرُ بالأنفاس يشهق والزُّفَرْ
وبادر مِيكِسْتٌ وآلَسْتَرٌ معًا
يَقِلَّانِهِ للفُلك مضطربَ البصر
وزفس ارتضى طروادة فتأثروا
أعاديَهمْ حتى الحفيرِ تأثُّرَا

•••

وهكطورُ صدر الجيش يجري ويَلْغَبُ
ويَكْسَأُ في الأرداف من يتعقب
كَأَغْضَفِ هول قد تأثر ضيغمًا
تَذَعَّرَ أَوْخِرْنَوْصَ بر يُكَبْكِبُ٥٢
فينشهه في صفحتيه وساقه
وينظر هل يلوي خُطَاهُ ويلجَب
فَوَلَّوْا لديه جائزين وشيعهم
وخندقَهم والسيف يَبْتَتُّ أظهرا

•••

وسائرهم دون السفين تربَّضُوا
يُثَبِّتُ بعضًا بعضهم ويُحَرِّضُ
ويدوي بهاتيك البقاع دعاؤُهم
وهكطور دون القوم بالخيل يعرض
ويقدح من عينيه نارًا كأنها
بمقلة غرغونٍ وآريسَ تومض
فهاج بِهِيرا هائج الغيظ والأسى
وصاحت بآثينا: أرى الخطب أسفرا

•••

أيا بنت زفسَ الدانويون في نكدْ
فهلَّا مددناهم وإن أبطأ المددْ٥٣
بهم رامت الأقدار سوءًا وخلتُهم
يبيدهم قرم بشدته انفرد
أجل إنَّ هكطورًا عتا متنمِّرًا
عليهم وجاز الحدَّ واشتد واتَّقَدْ»٥٤
فقالت أثينا: «كاد سيف العدى لدى
معسكره يُلقيه ميتًا مُعَفَّرَا

•••

ولكن أبي قد ساء فعلًا ومقصدًا
وقاومني غدرًا وأفرط واعتدى
وقد فاته كم قبلُ صنتُ حبيبه
هرقل ابنه في حكم إفرست مجهدا
يصعد أنفاسًا ويندُب ضارعًا
فيرسلني زفسٌ ملاذًا ومرشدًا
فلو أنَّنِي أُنِّبِئْتُ قبلُ مرامَه
لظل هرقل في الجحيم مُحَقَّرَا

•••

ولكنني أنقذته حين أرسلا
بهيبة إفرست كئيبًا مذلَّلا
لأبواب آذيسٍ ليقتاد كلبه
وليَّ المنايا من أريبَا مكبَّلا٥٥
وذا زفس يجفوني وثيتيس يرتضي
تقبِّله من ركبتيه توسُّلَا٥٦
وتلعب بين العارضين يمينها
لينصر آخيل العتي المُدَثِّرا

•••

ولا بد من يوم يناديني ابنتي
أثينا أَزَرْقَا المقلتين صَفِيَّتِي
ولكن بنا قُومي فخيلَكِ هَيِّئِي
لأحضر في مغناه للحرب شِكَّتِي
فأنظر هيَّاج الترائك هكطُرا
أيطرب إذ نبدو بصدر السرية٥٧
لحوم بني طروادة وشحومُها
لطير الفلا والكلب بالسَّيفِ تُبْتَرَى»٥٨

•••

وهيرةُ بيضاء الذراعين هَبَّتِ
إلى الخيل تكسوها نُضَارِيَّ عَدَّةِ
وألقت أثينا في بلاط وليها
نقابًا بديعًا شائقًا هي وَشَّتِ
بدرع أبيها اسْتَلْأَمَتْ وتَدَجَّجَتْ
بشِكَّتِهِ تُصلى أوار الحمية
بها ركبت في كفِّهَا عامل له
طويل ثقيل العود يحطم عسكرا

•••

وهيرا تسوط الخيل والخيل تسرَح
لأبواب دار الخلد في الجو تسبَحُ
فمن نفسها دارتْ على عتباتها
وأعلت صريفًا هائلًا وهي تُفْتَحُ
(تحف بها الساعاتُ وهي رقيبةٌ
على قبة الأفلاك لا تتزحزحُ
تُكَثِّفُ فيها الغيم والجو مظلمٌ
وتقشعه عنها فيبرز نَيِّرَا)٥٩

•••

فجاوزتا الأبواب بالخيلِ مركبا
ومن طور إيذا زفسُ ينظر مغضبا
فصاح بإيريس: «اذهبنَّ لترجِعَا
ولا تأتياني فاللقاءُ تصعَّبا
وإلا فقد آليتُ والقول حازم
لأحطم بالنير الجياد مثرِّبا
وأرميهما من فوق عرش مبطن
بمركبة أذرو سحيقًا مُكَسَّرَا

•••

وصاعقتي تنقض يذكو التهابُهَا
وعشرة أعوام يدوم عذابُها
فتعلم آثينا نكالًا ينالها
بصدِّ أبيها مذ عراها ارتيابها
وإني على هيرا أقل تحدُّمًا
فقد ألفت صَدِّي وزال احتجابُها»٦٠
فطارت إريسٌ كالرياح بأجنُحٍ
نُضَارِيَّةٍ نحو الْأُلِمْبِ تحدُّرا٦١

•••

فألفتهما في صدر أبوابه العُلَى
وقالت: «إلى أين الحثيثُ تنصُّلا
علام تهيجان اضطرامًا وزفس لا
يتيح لنا بين الأغارق مدخلا
وإلا فقد آلى بحتمٍ مؤكَّدٍ
ليحطم بالنيرِ الجيادَ مُفَلِّلا
ويرميكما من فوق عرش مُذَهَّبٍ
بمركبة يذرو سحيقًا مُبَعْثَرَا

•••

وصاعقة التنكيل يذكو التهابُهَا
وعشرة أعوام يدوم عذابُها
فتعلمُ آثينا وأُوغِرَ صدرُها
لصدِّ أبيها كيف كان انقلابها
وهيرا عليها دون ذلك غيظُه
فقد ألفت كبرًا وزال احتجابها
وأنتِ أيا شر الكلاب وقاحة
أتلقين بالرمح الثقيل أبا الورى» …٦٢

•••

ومذ بَلَّغَتْ إيريس عادت لحينها
وهيرا استكنَّت ثائراتُ ظنونِهَا
فقالت لآثينا: «أنا لست أرتضي
على زفس نعتو للملا وشجونُها
لتَحْيَ وتفني كيفما خُطَّ حظها
وما شاء زفس فهو مولى شؤونها»٦٣
ورَدَّتْ رءوس الخيل والساعُ سرمدًا
بأبواب دار الخلد تلبث حُضَّرَا٦٤

•••

فجَرَّدْنَهَا حالًا وأوثقنها لدى
مذاودها الملأى طعامًا مُخَلَّدَا
ومركبة الأقداس أَتْكَأْنَهَا إلى
حياطٍ زهت حسنًا يروق تَوَقُّدَا
وحلت تهيج الرَّبَّتَانِ كآبةً
بعرشي نُضَارٍ في بني الخلد مَقْعَدَا
وزفسُ إلى الأولمب في طور إيذةٍ
لمجتمع الأرباب في ركبه جرى

•••

فحل فُسَيْذُ الخيلَ يمضي بسرعةِ
بمركبة الجبَّار فوق منصةِ
وسترًا من الكَتَّانِ أسبل فوقها
وزفس اعتلى تخت النُّضَارِ بعِزَّةِ
وتحت خطاه ارتجَّ ذيالِكَ الفضا
وعن منتداه الرَّبَّتَانِ بعزلة
وُجُومًا وصَمْتًا تطرقان وإنما
بنور حجاه كُنْهُ فكرِهما درى

•••

فقال: «لم الشكوى وفرطُ التَّبَاعُدِ
ولم تُجْهَدا نفسًا بحرب الطَّرَاوِدِ
تَعَمَّدْتُمَا إهلاكهم ودمارَهم
ولكن طَوْلِي امتد واشتدَّ ساعدِي
فلا ينثني عزمي لكلِّ بني العلى
وقد خُرْتُمَا قبل اشتداد المشاهد
وإلا لسَحَّتْ راعدات صَوَاعِقِي
فصدَّتْكُمَا عن منزل الخلد أدهُرَا»

•••

فأصعدتا الأنفاسَ عن جمرة الشجا
تَرُومَانِ للطُّرْوَادِ محقًا مُرَوَّجًا
وأخفت أثينا ثائرَ الغيظ تلتظي
حزازة صدرٍ مستشيطٍ تَوَهَّجَا
ولكن هيرا تلك لم تقوَ ساعةً
على كظم غيظٍ في حشاها تلجلجا
فقالت: أبيتَ الوهنَ يا ابن قُرُونُسٍ
قُوَاكَ علمنا لن تدين وتَصْغُرَا٦٥

•••

ولكننا نرثي لحال الأغارق
يبيدهم المقدور تحت المخافق٦٦
أطعنا فلا نَاتِي الكفاحَ وإنما
نَمُدُّهُمُ بالرأي خوف البوائق
وإلا فهذا السخط يجتَثُّ أصلَهم»
فقال لها رب الغيوم الدَّوَافِقِ:
«إذا بزغ الفجر المنير رأيتِنِي
أُسِيلُ دَمَ الإغريق دونَكِ أنهُرَا

•••

وهكطور لا يَنْفَكُّ يرمي ويرتمي
إلى أن يَهُبَّ القرم آخيل فيهم
ومن حول فَطْرُقْلَ القتيلِ تلاحُمٌ
لدى الفلك بالقومين يَسْرَبُ بالدَّمِ٦٧
بذا قضتِ الأيام يَنْفُذُ حكمُها
ولست أُبَالِي ما تَحَدَّمْتِ فاعلَمِي
وليس بعِبْئِي أن تَؤُمِّي مَغِيظَةً
وراء الثرى والبحر أعماقَ طَرْطَرَا

•••

هنالك لو تمضين حيث قُرُونُسُ
يقيم وبالإذلال يافِثُ يجلس
ولا الشمسُ في الآفاق تنشر نورَها
ولا نسمات الريح تُحْيِي وتُؤْنِسُ٦٨
لما رابني مذ كنت شرَّ سليطة»
أصاخت لذاك القولِ لا تتنفس
وما لبثت أن حلَّتِ الشمسُ بحرَها
وذيلُ الدجى في الأرض بات مُجَرَّرَا

•••

فبرح بالطرواد مرأى غيابها
وأطربت الإغريقَ بُشْرَى احتجابها
وهكطورُ نحو النهر ساق جيوشه
بعيدًا عن الفلك العظام مضى بها
وأَلَّفَ فيهم مجلسًا حيث لا دِمَا
تُدَنِّسُ ذيَّاك الفَلا بانصبابها
تَرَجَّلَتِ الفرسان تُصْغِي لقوله
فقام خطيبًا آمرًا ومؤمِّرَا

•••

يميل على رمح يُعَادِلُ طُولُهُ
ذِرَاعًا وعشرًا عَزَّ شكلًا مثيلُه
تُطَوِّقُهُ من خالص التبر فَتْخَةٌ
بنصل نحاسي يهول صليلُه:
«ألا يا بني الطروادِ يا قوم دردنٍ
ويا حلفائي دونكم ما أقوله
حسبتُ بأني اليوم أدخل ظافرًا
بلادي وأُفْنِي القوم والْفُلْكَ مُظْهَرَا٦٩

•••

ولكنَّ وفد الليل أسبل ستره
عليهم وأنجاهم فلا تعصِ أمره
فحُلُّوا جياد الكر يُزْجَى عليقُها
وهَيُّوا بنا للزاد ننظرُ أمره
ومن قدس إليونٍ عجول سمينةٌ
تُسَاقُ وخِرْفَانٌ تُوَفِّرُ ذخرَه٧٠
وعودوا إلينا من منازلكم وقد
حَملتم مع الخبز الْمُدَامَ المكرَّرا

•••

وزيدوا وقود النار تعلو تأجُّجَا
إلى الجو للفجر المنير مدى الدُّجَى
لئلَّا يرى القوم الفرار غنيمة
فيبغون متنَ البحر في الليل مخرَجَا
فإن ركبوا صُبُّوا عليهم سهامكم
وسُمْرًا تُغَشِّيهِمْ خضابًا مُضَرِّجَا
بأوطانهم هم يلأمون جِرَاحَهُمْ
وغيرهم بالحرب لن يَتَهَوَّرَا

•••

ويا أصفيا زَفْسَ الْفُيُوجَ تعهدوا
بإليون حزمَ الْوُلْدِ والشيبَ شَدِّدُوا
وسوقوهم طُرًّا لظاهرها على
الحصون التي آل العلى قَبْلُ شَيَّدُوا٧١
وكل النساء الجازعات يُقِمْنَ في
منازلهن النارُ للصبح تُوقَدُ
فليس بإليونٍ جنود وخشيتي
تفاجئها الأعداء في سِنَةِ الكرى

•••

فحسبكم ذا القول مني مُرْشِدًا
وإني بباقي الأمر أُنْبِئُكُمْ غدَا
سأدعو وزفسٌ لا مراء وآلُهُ
ينيلونني نصرًا فأظفر بالعدى
كلابٌ بَغَوْنَا فوق سود سفينهم
يسوقهم داعي المنايا تعمُّدَا
فأحيُوا الدُّجَى والفجرُ إن لاح نورُه
هَبَبْنَا وكَثَّفْنَا القنا والسَّنَوَّرَا٧٢

•••

ترى أذيوميذٌ إلى السور سائقي
أم الحتفَ يَلقى من حدودِ مخافِقي
غدا سوف يبلو بأسه وكأنني
به لورود الحتف أوَّل سابق
يُجْنَدَلُ في صدر الرجال وحوله
صناديدُ خرَّتْ باصطدام الفيالق
فلا زارني شيبٌ يُلِمُّ بعارِضِي
ولا نظرت عيناي مَوْتًا مُؤَخَّرَا٧٣

•••

ويا ليتني أوتيت علمًا بسُؤْدُدِي
كما قد وَثِقْتُ اليوم بالنَّصْرِ في غَدِ
وأعلُو كما تعلو أثينا بمجدِهَا
وأسمو سُمُوَّ الشمس في كل معهد»٧٤
فلما انتهى شَقَّ الفضاء ضجيجُهم
لِمَا كان من وقع الحديث الْمُنَضَّدِ
وحَلُّوا وِثَاقَ الخيل يُسْبِحُهَا العيا
وشَدُّوا الْعُرَى قرب العِجَالِ تَحَذُّرَا

•••

وجاءت سمانُ الضأن في الحال والبقر
وخمرٌ وخبز في المنازل مُدَّخَرْ
وأَوْرَوْا وقودَ النار تُعْلِي دخانَها
إلى الجو ريحُ السهل تحت سنا القمر
ومن فوق هاتيك البطاح تألَّفَتْ
جُمُوعُهُمُ من حولها زُمَرًا زُمَرْ
جُلوسًا وشُكَّاكًا بصلد سلاحهم
مدى الليل يرجون السناءَ المبشِّرا٧٥

•••

فبين السفين الراسيات وزَنْثُسِ
لوامع نيرانٍ بذاك الْمُعَرَّسِ
تُؤَجُّ لدى إليون في ألف مَقْبِسٍ
يؤججها خمسون في كل مقبس٧٦
ودونهم بين العجال جيادهم
وقوف على ذاك القضيم المكدَّسِ
شعيرٌ نَقِيٌّ فوق أسمر حنطةٍ
بها مرحت حتى الصباح تفجَّرا

•••

كأن النجوم الغُرَّ والبدر ساطع
بقُبَّةِ أفلاك السماء لوامع
مُؤَلَّقَةٌ لا غيم يحجب نُورَهَا
ولا رَهَجٌ حالٍ ذَرَتْهُ الزوابع
فتَنْعَكِسُ الأنوار في كل سبسب
وغَوْرٍ ونجد والعيونُ هواجع
فيبتهج الراعي بأبهج منظر
(ويطمع لو ظلت تنير فينظرا)٧٧

•••

هوامش

(١) فصلنا في المقدمة أسباب تنويعنا النظم في ترجمة الإلياذة. وقد نحونا في هذا النشيد وبضعة أناشيد أخرى نحوًا جديدًا عسى أن يروق المطالع اللبيب: من محاسن لغتنا العربية اتساعُها لتأدية المعاني الفطرية وإن ضاقت دون الكثير من التعبيرات العصرية. وهي بهذا المعنى مخالفة للغات الإفرنج؛ فتَفْضُلُهُنَّ في التعبير الجاهلي والوصف الفطري القديم، ويَفْضُلْنَهَا في التعبير المدني والوصف العصري الحديث. ولهذا كانت أصلح منهنَّ لترجمة منظومة كالإلياذة كما أَبَنَّا في المقدمة. والداعي إلى هذا التنبيه افتتاح الشاعر نشيده بقوله: «كسا الجو وجه الأرض ثوبًا مزعفرا» فإن بعض نَقَلة الإفرنج استصعبوا تأدية هذا المعنى بلغتهم شعرًا؛ بناءً على أن لفظة الزعفران لا تقع وقعًا حسنًا في نظمهم، فاضْطُرُّوا إلى استبدالها بلفظة الوَرد وما ماثلها، فحادوا بالمعنى عن وضعه المقصود مع كل ما فيه من بلاغة التشبيه. فعربيتنا والحمد لله لا تضطرنا إلى مثل هذا التكلف. وشعراؤنا الأقدمون تفنَّنوا في وصف الطبيعة تفنُّنًا لم يسبقهم إليه السابق ولم يَفُقْهُمْ فيه اللاحق. ونفس هذا التشبيه وارد في الكثير من شعرهم. قال المعري وأبدع:
طلعتُ عليهم واليوم طفلٌ
كأن على مشارفه جِسادا
والجساد هو الزعفران كما لا يخفى. وفي بيت المعري زيادة في المعنى على بيت هوميروس في هذا الموضع. ولكنه دون قول هوميروس في مطلع النشيد التاسع عشر إذ يقول:
ما اشتمل الفجر بثوب الجساد
من يمَّه يبرز فوق العباد … إلخ
وقد أراد الشاعر بالجساد الزعفران الأحمر دون الأصفر وهو كثير في بادية العرب.
قال المعري وهو يريد بلا ريب اللون الأحمر:
أقائدها تغص الجو نقعًا
وفوق الأرض من عَلقٍ جسادُ
وقد أدمت هواديها العوالي
وأنضبها التطاول والطرادُ
ومثله قول عنترة:
وما راعني يوم الطعان دهاقةٌ
إلى مثل مَنْ بالزعفران يضرجُ
وليس بقليل أيضًا ذكر الزعفران الأصفر في الشعر العربي كقول عبد الكريم النهشلي يصف الخيل:
وصفر كأن الزعفران خضابها
ومن طرر الأقمار أوجهها الغرُّ
(٢) الاعتقاد بأن موضع العذاب مظلم مُدْلَهِمٌّ قديم في كثير من الأديان ولعل اليونان أخذوه عن المصريين.
(٣) لا صورة شعرية في كل منظومات هوميروس تناولتها أيدي الشراح تناولها لهذه الصورة البديعة. وقد رمى بها الشاعر على ظاهر العبارة إلى المغالاة بعظمة زفس واقتداره. فعلق بها المفسرون فقدحوا زناد الفكرة وتأولوها تآويل ضربوا بها كل مضرب. قال أفلاطون: رمز الشاعر بتلك السلسلة الذهبية إلى الشمس فبأشعتها يتماسك الكون وتحيى الطبيعة. وروى أفستاثيوس أن زفس في معتقد بعض الأقدمين إنما هو الجلد والسلسلة الشمس فإذا أمسك زفس بها عجزت الأرباب طُرًّا عن زحزحتها أما هو فلا أهون عليه من أن يجتذبها ويجتذبهم مع البِحار والأرضين ويُبْطِلَ حركة العالم كما أن الجلد يخفف الحرارة من أشعة الشمس ولولا ذلك لجفَّفت مياه البحار فتصاعدت بخارًا وطردت الرطوبة من جوف الأرض فوقفت حركة العالم وتلاشت كل قواه. وزعم الْقَدَرِيُّونَ أن المراد بزفس القضاء المحتوم لا مرد له مهما تَأَلَّبَ عليه من قوى السموات والأرض. وذهب آخرون إلى أن حلقات السلسلة عبارة عن أيام العالم تتعاقب بنور الشمس إلى أن تنتهي أما زفس وهو الجلَد فلا يعبث ولن يعبث به عابث ولا باعث. وجاء في الرموز الهوميرية لهيرقليذ أنه أشير بالسلسلة إلى دوران الكواكب حول الأرض. وارتأى پوپ عكس الرأي الأخير أي إن في تلك الصورة رمزًا إلى دوران الأرض والسيارة حول الشمس؛ فهوميروس إذن هو الذي أرشد كوبرنيك إلى معرفة النظام الشمسي. وهو قول بعيد الاحتمال بُعْدَ الشمس. ولو أذن لنا أن نستنبط مغزى رمزيًّا لاستنبطناه وألقينا دلونا يبن الدلاء ولكننا نعترف بالعجز عن إدراك مراد الشاعر لو كان في الأمر مراد خفي. وإذا توخى هوميروس الرمز في بعض أقواله جريًا على عادة أسلافه وقدماء المصريين فليس من اللازم أن يكون كل كلامه رمزًا ولغزًا. ثم إنه بصرف النظر عن التأويل والتفسير نراه قد أوضح رجحان زفس على سائر المعبودات ورسم لذلك الرجحان صورة شعرية يحار الشعور لتصورها فلِمَ نخرِّجها تخريجًا علميًّا ونُخسرها الرونق الشعري؟ ولِمَ لا نقول قول لوبريڤوست إن الشاعر لم يقصد بما قال إلا ما قال على ظاهره وكفى به إعجازًا وإيجازًا.
(٤) كان هوميروس يُدَوِّنُ أساطير زمانه ويتحرى صدق الرواية وكلامه الحجة الوثقى في تاريخ بلاده وآدابها وعلومها ومعتقداتها. ولقد مَرَّ بنا الجانب الأوفر من معتقدهم الخرافي ممَّا نبَّهنا عليه في مواضعه. على أننا لم ننبه إلى أنهم مع وفرة أضاليلهم كانوا يذهبون إلى أن العظمة والجلال والقدرة والكمال لإله واحد. فنسبة سائر الآلهة إليه كنسبة المخلوق إلى الخالق. ولا ريب أن هذا الاعتقاد قرَّب على أفهام عقبهم إدراك مواعظ بولس الرسول وهو يدعوهم إلى النصرانية ويُمَثِّلُ لهم من الربوة المحاذية للأكروبول في أثينا ومن مواقف أخرى عظمة الخالق ووحدته إذ يؤخذ ممَّا تقدَّم أنهم وإن كانوا مشركين كل الإشراك في الصورة فقد كانوا موحِّدين كل التوحيد في المعنى.
(٥) اليلامق، جمع يلمق: التروس وهي مُعَرَّبَةُ عن يلمه بالفارسية.
(٦) لم يكن أحد أحق من أثينا بالجواب على كلام زفس فالحكمة تلطف سؤرة الغضب وتخفف وطأة القضاء وإن لم ترده. ولو بقي الجميع صامتين لانقطعت حلقة ذلك المجلس.
(٧) كان كلام أثينا عبارة عن استعطاف واسترحام، فهش لها زفس وبش. ولا يخفى على المتأمل في كل أناشيد الإلياذة أن للدعاء والصلاة دخلًا فعالًا في تفريج الأزمات واستدرار الخيرات. وحيثما بُوشِرَ في أمر بلا صلاة ونذر فالعاقبة بلاء عميم وشر عظيم.
(٨) إن زفس على عظمته يشد جياده بيده إلى مركبته، وهنا إشارة إلى أنه لا يَكِلُ أمره إلى أحد.
(٩) غرغار أو غرغروس هو القمة الجنوبية من جبل إيذا في بلاد طروادة كانت مشهورة بخصبها وكثرة مياهها وهيكلها المقام لزفس واسمها الآن قازطاغ (جبل الأوز).
(١٠) لا يخفى أن معنى هذا البيت والبيتين التاليين مر في النشيد الرابع. ولا عجب إذا كلف هوميروس به فكرَّره وهو من مكررات الإلياذة التي وردت لِمَعَانٍ لا تكاد تقوم إلا بها. ولعل للحُفَّاظِ يدًا في تكرارها.
(١١) إن السبب في تقديس ضحوة النهار أو ما تقدم الظهيرة هو أنهم كانوا ينذرون ويقربون في خلال تلك المدة «أفستاثيوس».
figure
محارب يوناني.
(١٢) القسطاس الميزان. ليس هوميروس بأول من قال بوزن الحق لأعمال الخلق فهو مُعْتَقَدٌ قديم جاء مرارًا في نص التوراة واعتقاد اليهود وهو خير مميز يمثل به العدل ويتحقق به القسط حتى لقد يجعله النصارى في رسومهم من لوازم الحشر والمسلمون يعلمون أنه عز وعلا خلق الإنسان وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ
(١٣) يظهر من كلام هوميروس أن الكفة الراجحة ليست بالكفة الرابحة؛ والسبب في ذلك حسبما روى أفستاثيوس أن الأرض مقر الشقاء ودار الفناء فميلان الكفة إليها يؤدي إلى ما خلق عليها. وأما السماء فهي دار الحياة والهناء فارتفاع الكفة إليها نعيم وبقاء. هذا مُعْتَقَدُ اليونان بنص هوميروس والرومان بنص ڤرجيليوس. وقد فسَّر هوميروس ذلك في النشيد الثاني والعشرين إذ قال: إن كفة هكطور هبطت إلى الجحيم؛ أي إن طالع سعده توارى وراء طالع نحسه. وأما الإسرائيليون فالظاهر أنهم اعتقدوا العكس كما يُسْتَفَادُ من سفر دانيال إذ قال دانيال لبلشصر: قد وزنت فوجدت خفيفًا (أو ناقصًا). وجرى ملتن في «فردوسه» هذا المجرى فجعل الكفة ترتفع بإبليس دليلًا على الخفة والخفة بعكس الرجحان مجلبة للذل والهوان. وليس في الإنجيل ما يثبت ذلك أو ينقضه. وأما المسلمون فيقرءون فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ وهو مطابق لاعتقاد الإسرائيليين.
(١٤) ما أحسنها وسيلة اتخذها الشاعر لاندحار الإغريق. لم يكن يجدر بهم أن يَلْتَوُوا لعدو هو دونهم دُرْبَةً وعددًا إلا أن تكون هناك قوة فوق قوة البشر فجعل التواءَهم لزفس دون الطرواد. ولم يكن زفس ليردهم على أعقابهم حتى ظهر بأعظم مظاهر عظمته وجبروته فأرعد من جانب الطور وأبرق، وأخذتهم الصعقة فكانت تلك الهزيمة لهم مجلبة عز وفخار لا مدعاة ذل وشنار.
وكأني بهوميروس لمَّا شرع في نظم هذا النشيد كانت قريحته مَلْأَى مما التقطه من الاعتقادات الْمُنْبَثَّةِ في مصر وسائر بلاد المشرق أخذًا عن العبرانيين ومن عاصرهم فنقلها مزيجًا مشوبًا بما خالطه من خرافات القوم؛ فالوحدة والميزان والإرعاد والإبراق كلها أمور ليست من مستنبطاته، والوعيد بطرح المرَدة من أعالي النعيم إلى درك الجحيم ليس إلا بقية اتصلت إليه من تمرد إبليس وإهباطه من الجنة.
(١٥) لقد نبهنا الشاعر بوقوف نسطور مُضْطَرًّا بقتل جواده إلى جملة أمور يجدر التنبه إليها. أولها: أن نسطور على عجزه وهرمه كان يقاتل كالفتيان أي إن الشيوخ لم يكونوا ليجتزءوا بموقف المشير الخبير بعيدين عن زعازع المعامع. والثاني: أنه مع انصباب الأهوال وضعضعة الأحوال لم يعدم نصيرًا يذود عنه ويخرج به حيًّا سليمًا؛ إشارةً إلى أنهم مع شدة الهول لم ينهزموا انهزام المرتاع أضاع شعوره وضل سبيله. والثالث: أن ذلك النصير المجير إنما كان الفتى الغض الشباب يقتحم مستبسلًا غمرات المنون، فلا هو بالمبالي بشديد المصاب ولا بالهياب من رعيد الأرباب.
(١٦) لم يكن أوذيس ليقف مثل ذلك الموقف الحرج وهو الكهل الداهية الذي كان أعرف الناس بسوء مصير المتمردين على الأرباب «فجد يسوق الخيل للفلك لا يعي».
(١٧) التبع: التابع.
(١٨) مر بيان ذلك في النشيد الخامس.
(١٩) هذا كقول النمري:
ومُصلتاتٍ كأن حقدًا
منها على الهامِ والرقابِ
ومثله قول أبي تمام:
كأنما وهي في الأكباد والغةٌ
وفي الكلى تجد الغيظ الذي تجدُ
(٢٠) أستنيل: حوذي ذيوميذ، وأفرومذون: حوذي نسطور، قفلا بمركبة نسطور.
(٢١) طَمَّحَ الْفَرَسُ: رفع يديه والمقصود هنا التَّجَفُّلُ.
(٢٢) لشعرائنا تصرف كثير بهذا المعنى. فمن ذلك قول أبي خراش:
مخافة أن أحيا برغم وذلةٍ
ولَلْمَوْتُ خيرٌ من حياة على رغمِ
أخذه أبو فراس فقال:
ولا خير في دفع الردى بمذلةٍ
كما ردهُ يومًا بسوءته عمرو
وأحسن منهما قول الحُصين بن الحُمام المرِّي:
فلست بمبتاع الحياة بذلةٍ
ولا مُبْتَغٍ من رهبة الموت سُلَّمَا
ولكن خذوني أي يوم قدرتمُ
عليَّ فحزُّوا الرأس أن أتكلما
(٢٣) الدرادنة قوم آنياس سكنة دردانيا وأقدم أبناء تلك البلاد. سُمُّوا بذلك نسبة إلى دردانوس بن زفس وإلِكترا. نشأ في أرقاديا وابتنى دردانيا في آسيا الصغرى وهي مدينة كانت على مقربة من الدردنيل وكلا الاسمين منسوب إلى دردانوس المذكور.
(٢٤) لم تكن كل صواعق زفس لتكبح جماح ذيوميذ حتى وقعت عليه صاعقة الفصاحة من منطق نسطور؛ فانثنى وما كاد ينثني بل كان المُنثني نسطور. وهذا منتهى غرائب الاستبسال من وجه وغاية عجائب الأقوال من وجه آخر، لقد اتفق الناس على أن مهرة المصوِّرين والرسامين استخرجوا من هوميروس الجانب العظيم من مواضيع صورهم. فتصوَّر الوقائع وصورها لهم بأبدع ما تتخيله المدارك، فرسموها عنه على أهون منال. وأي مثال لاشتداد أزمة الحرب أوقع في النفس من هذا المثال. هنالك زفس على قمة الطور مُتَّشِحًا بعدة الاقتدار مُسْتَلْئِمًا بشكة النضار تتعالى طوع أمره الغيوم المكفهِرَّة وتتوالى الصواعق المزمهرة فيستر مركبته منها بما شاء وينفذ باقيها إنذارًا بالويل والبلاء ويرعد ويبرق فيبدد قومًا ويشدد آخرين فينجو من فسح له في الأجل المقدور. وهنا هرم وقور وفتى جسور، يتحجب الأول لحول الأقدار، ولا يتهيب الثاني لهول الأخطار، يتدرع بالبأس ولو ريع كل الناس، وزُلْزِلَتِ الأرض زلزالها، تنقض الصاعقة بين قدميه، وتزبئر لها جلود الإنسان والحيوان، وهو كفلذة الحديد لا يحيد ولا يميد، إلى أن أدركه إرشاد ذلك الشيخ ببلاغته فنفذت فيه ولا نفوذ الآيات البينات، وارعوى لها ولا ارعواءَه لزعزعة الأرضين وتفتُّح السموات.
(٢٥) هذه أسماء جياد هكطور ومعناها على ترتيبها: الكُميت والطيار (سريع الخطى) والأشقر والساطع. ولا عجب إذا خاطبها هوميروس؛ فالشاعر يخاطب الجبال والوهاد والحي والجماد، وأي موقع أحق بهذا الخطاب من بطل مغوار ثمل بخمرة الانتصار، وقد شام برق الأمل بالضربة القاضية على عدوه بعد أن عيل وقومه صبرًا وكادوا يهلكون؟ بل أي مقام أولى من هذا المقام بادِّكاره سابق عنايته وتحوطه بها ادخارًا لها لمثل هذا اليوم. وما أحلى تلك الذكرى لديه وهي ملازمة لذكرى أنذروماخ وبها يفدي كما رأيت أمه وأباه وإخوته وذوي قرباه والأرض ومن عليها، وكم من مثل لنا بشعراء جاهليتنا يخاطبون خيلهم وتخاطبهم كقول عنترة:
فقلت لمُهري والقنا يقرع القنا
تَنَبَّهْ وكن مستيقظًا غير ناعسِ
فجاوبني مُهري الكريمُ وقال لي
أنا من جياد الخيل كن أنت فارسي
(٢٦) البُرُّ: الحنطة، ينبئنا هذا بما كان للخيل عندهم من المنزلة حتى تُعد بنات الملوك ونساؤهم علفها بأيديهن وبما كان من تحبب الزوجات المخلِصات إلى بعولتهن.
(٢٧) هي اللأمة التي غنمها من غلوكوس في النشيد السادس وكانت ذهبًا.
(٢٨) كان الآلهة الموالون للإغريق كثيرين ذوي صولة وبأس، ومع هذا فلم يكن منهم من يجسر على التصدر بطلب المدد لهم إلا هيرا؛ ذلك لأنها زوجة زفس ودالة الزوجة فوق كل دالة، ولا سيما إذا كانت كما هيأ لنا الشاعر هيرا جريئة الجنان ذربة اللسان.
(٢٩) أليقا: مدينة عظيمة بناها يون من أجداد اليونان في بلاد الإخاءة وخربت بزلزلة. وإيغس: بُليدة كانت على مقربة منها وكان في كل منهما معبد لفوسيذ وتمثال عظيم.
(٣٠) المراد برفع هذا البُرْدِ الأحمر بيد زعيم القوم استلفات الأنظار لأمر جلل. وشيوخ باديتنا لا يزالون يتشحون بهذا البرد الأحمر ولعله بقية توارثوها من عهد الجاهلية وهو كما لا يخفى شعار الملك والسلطان.
(٣١) الخلية: السفينة العظيمة، والأشراع: جمعة شرعة وهي السفينة أيضًا، صرح الشاعر بالمراد من إرساء سفن إياس وآخيل على طرفي الأسطول بقوله: شدة وتبسلًا لأنهما أشد القوم بأسًا؛ فكان من الحكمة أن يكونا في أحرج المواقف. وأما إرساء سفن أوذيس في منتصف الأسطول فالحكمة فيه كما قال الشراح: أنه أدهى القوم وأخدعهم والحرب خدعة، فلزم أن يتوسط ليكون أقرب الجميع إلى الجميع ليسهل عليه بث الآراء والأخذ بالحنكة والدهاء.
figure
آريس إله الحرب.
(٣٢) لمنوس أو لمني: جزيرة في الأرخبيل الرومي تجمَّع بها جيش اليونان وهم قاصدون بلاد الطرواد، وقد اشتهرت بمرفئها، حتى إن اسمها يفيد معنى المرفأ. وليؤذن لنا أن نبدي ملاحظة وإن انحرفنا بالبحث قليلًا: فالمينا للمرفأ في العربية واللومان والليمان للسجن ألفاظ مُعَرَّبَةٌ عن كلمة لمني اليونانية، فموضع الأخذ ظاهر لفظًا ومعنًى، وليس في مواد العربية ما يستخرج منه هذا المعنى. وأما اللومان فالسبب في استخراج اسمه من كلمة بمعنى المرفأ: أنهم كانوا يحجرون على الأسرى وبعض المسجونين في بعض الفرض أي في بعض المواني، فقولهم أُرْسِلَ فلان إلى المينا أو اللومان كقولهم أُرْسِلَ إلى سجن الثغر. ولقد بحثت في كتب اللغة فلم أر من وجَّه هذا التوجيه إلا أن «محيط المحيط» نبَّه إلى تعريب اللومان ولكنه لم ينبه إلى تعريب المينا.
(٣٣) من كلام أحد الخلفاء العباسيين:
أليس من العجائب أن مثلي
يرى ما عزَّ ممتنعًا عليهِ
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعًا
وما من ذاك شيءٌ في يديهِ
(٣٤) الأرادم: الْمَلَّاحُونَ.
(٣٥) كان النسر أصدق الطيور في طِيرتهم. يفسره الشراح هنا بهكطور، والظبي بالرعدة أو الجيش المهزوم، وسقوطه قرب هيكل زفس إشارة إلى أن زفس يقيهم شر البلاء، وذو الوحي أو رب الوحي: لقب من ألقاب زفس لأنه في معتقدهم علَّام الغيوب لا يعلم منها سائر الآلهة والأنبياء إلَّا بإذنه، كانت الطيرة عندهم أشبه شيء بها عند العرب، وستأتي على البيان في النشيد الثاني عشر عند ذكر السانح والبارح. ولقد وهم من ظن أنها عقيدة عفت آثارها ولم يبلغ عصرنا إلا أخبارها، فهي لا تزال عند قبائل الطغة في الهند ولعل منشأها من تلك البلاد.
(٣٦) لما كان ذيوميذ آخر الْمُوَلِّينَ لم يكن يجدر به إلا أن يكون أول المُقْبِلِينَ. وهنا انقلبت حالة الإغريق من الإدبار والدفاع إلى الهجوم والإيقاع.
(٣٧) كان طفقير كما تقدم أخا إياس بن تلامون لأبيه وكان أرمى الإغريق كما كان فاريس أرمى الطرواد، ولقد رأى الشاعر ويا نعم ما رأى أن يُفْرِدَ لنا هنا نبذة في رمي النبال تنويعًا لمجرى القتال، فأبرز لنا طفقير غير مدرَّع كسائر الجند يتوارى تحت مجن أخيه. ولقد ذهب أفستاثيوس وبعض الشراح إلى أنه برز كذلك لئلا تربكه اللأمة، على أنه يُستفاد من كلام هوميروس نفسه في النشيد الثاني أن الرماة لم يكونوا يستلئمون إلا إذا اضطروا للقتال في الطلائع كفاريس وإلا فهم في الغالب في الساقة بعيدين عن مشتجر الرماح وقرع السلاح فلا حاجة بهم إلى حمل ثقيل هم عنه في غنى.
(٣٨) لم يكن شاعرنا — وهو أعلم الناس بعواطف الناس — ليجهل أن تلاوة قصص الحروب تقسي القلوب؛ فلهذا تراه يلطفها حينًا بعد حين بكناية أو رواية أو تشبيه رقيق يهيج العاطفة ويلين تلك الخشونة، وحسبك مثالًا هذا التشبيه الذي يسحق تلك الصلابة ويرتفع بالفكرة من حضيض المشقة والمخاوف إلى سماء الرقة والعواطف. وإنه ليعجزك من وجه آخر أن تحكم أالفخر لطفقير بسداد مرماه وكيد أعدائه أم لأياس الذي أسبل عليه ذلك الستر المنيع، كانت العرب تترامى على هذا النمط في بعض الأحوال فيترس فارس لفارس، فقد جاء في أخبارهم أنه لما كانت الواقعة بين توبة بن الحمير وثور بن أبي سمعان كان عبد الله أخو توبة يترس له كما كان إياس يترس لطفقير. (أغاني ج ١٠: ٧٠).
(٣٩) لقد نطق أغاممنون بما يجدر بكبار القواد، ولم يُغْضِ من شأن طفقير بذكر نسبه على مسمعه؛ لأنه لم يكن يعيبهم أن يكونوا أبناء السبايا، بل ربما كان في الأمر زيادة فخر ببأس آبائهم، إذ لم يكن يسبي السبايا إلا كل قرم باسل، وأم طفقير طروادية من خيرة الطرواد وهي ابنة لومذون وأخت فريام، سباها هرقل وكانت سهم تلامون جزاء بسالته وإبلائه، فطفقير إذن يوناني الأب طروادي الأم.
علمت مما تقدم من خطاب أغاممنون لخريس الكاهن في النشيد الأول أن السبابا مهما شَرُفْنَ أصلًا وعَلَوْنَ قدرًا كُنَّ في أحوال كثيرة بمنزلة الإماء ولكن هذا الغض من قدرهن لم يكن ليحط من شأن ولدهنَّ بخلاف أبناء الإماء عند العرب؛ فإنهم إنما كانوا بمنزلة العبيد الأرقاء كأمهاتهم إلا إذا أنجبوا وأَتَوْا أمرًا عظيمًا. وهذا عنترة بن شداد فارس العرب القائل عن نفسه:
أنا العبد الذي خبرت عنه
قضى زمن صباه وهو عبد أبيه لا ابنه ولم يحسبه في عداد أبنائه بعد إتيانه المعجزات حتى اضطر إلى استنفاره في يوم شدة فقال له كلمته المشهورة: «كرَّ وأنت حر». راجع ما قلناه بهذا الصدد (ن١) حيث أَبَنَّا ما كان للإسلام من الفضل في رفع شأن السبايا. قال مسكين الدارمي:
وكائن ترى فينا من ابن سبية
إذا التقت الخيلان يطعنها شزرًا
فما زادها فينا السباءُ مذلةً
ولا خبزت خبزًا ولا طبخت قدرًا
ولكن خلطناها بخير نسائنا
فجاءت بهم بيضًا غضارفة زهرا
(٤٠) المنصة قطعة مما كان يتهادى به سيأتي وصفها في النشيد التاسع.
(٤١) الطروح: القوس الشديدة القذف البعيدة المرمى.
(٤٢) شهم سرية: أي سيد قومه.
(٤٣) الكناية والتشبيه بالكلب للشتيمة والاحتقار مما ورد غير مرة في الإلياذة. وإن ثقلت هذه اللفظة على آذان بعض النقلة فليعلموا أن الشتم والتحقير لا يكونان باللفظ الرقيق والكلام الرشيق. قال الأخطل:
أيشتمني ابن الكلب أَنْ فاض دارمٌ
عليه ورادي صخرة ما يَرُومُهَا
(٤٤) السرية السهم والنصل.
(٤٥) بمغفره: أي بخوذته، حسبنا أن نستلفت نظر القارئ إلى هذا التشبيه فهو يشرح عن نفسه ما لا يناله قلم الشراح.
(٤٦) صرَّح: أخطأ؛ أي إن أفلون حوَّل السهم عن هكطور.
(٤٧) لا يظل القارئ يعجب لإخطاء طفقير هكطور مرارًا متوالية مع كل رمايته إلى أن يبلغ هذا البيت؛ فيعلم أن الواقي شر تلك السهام إنما كان أفلون رب السهام.
(٤٨) كان قبريون ابنًا طبيعيًّا لفريام فهو إذن أخو هكطور لأبيه.
(٤٩) اللجيف المقذذ: السهم الحاد وأوفقه أي وضعه بالفُوق وهو فرض القوس.
(٥٠) المريش: السهم الملصق عليه الريش ليحمله في الهواء.
(٥١) أي أصابه الحجر في عِرْقِ عنقه المتصل بالصدر كما جاء في البيت السابق.
(٥٢) يكبكب: يصرع. والأغضف: الكلب الكبير، إن هذا التشبيه مع ما يظهر فيه من أثرة هوميروس لقومه بديع في نفسه يمثل تلك الهزيمة وذلك التعقب أصدق تمثيل يناله التصور، ولا سيما إذا عرف القارئ أنهم كانوا يُضَرِّئُونَ الكلاب لذلك العهد كما يضرئونها اليوم في بوادي أواسط آسيا وكردستان والعجم وبعض بادية العرب، فتنقض على وحوش الفلوات ولا انقضاض الليوث. فإذا ذُعرت السباع للنباح والصياح ولَّت مدبرة ولكن إدبار الباسل الحذر، فتلتوي حينًا بعد حين محدقة بالفريسة والرعاة والحماة. وما أحسن ما قال بهذا المعنى أوس بن حجر وهو يصف الثور الوحشي والكلاب تتبعه:
ففاتهنَّ وأزمعن اللحاق به
كأنهنَّ بجنبيه الزنابيرُ
حتى إذا قلت نالته أوائلها
ولو يشاء لنجته المثابيرُ
كرَّ عليها ولم يفشل يمارسها
كأنه بتواليهنَّ مسرورُ
يشلها بذليق حده سلبٌ
كأنه حين يعلوهنَّ موتورُ
ثم استمرَّ بباري ظله جزلًا
كأنه مرزبان فاز محبورُ
وعلى هذا فلا يدري القارئ أيكبر اقتحام الطرواد أم انهزام الإغريق وهذه خطة جرى عليها الشاعر في أكثر إنشاده، فهو مع إعظامه بسالة الطرواد فميلُه إلى الإغريق بَيِّنٌ حتى في وصف انكسارهم واندحارهم. ولقد لامه بعض الشراح على هذا الميل ولا أرى اللوم سديدًا لأنه لما كان الإغريق أوفر عددًا وأكمل عُددًا، وكان لا بد لتقهقرهم من باعث قوي كان لا بد من التماس عذر لهم وإلا لظهروا بمظهر الأنكاس الجبناء.
(٥٣) الدانويون: الإغريق على ما تقدم.
(٥٤) لما يئست هيرا من معاضدة فوسيذ انثنت إلى أثينا ولم تشرع أولًا باستنفار أثينا لأنها كانت على ثقة من انحيازها إلى الإغريق.
(٥٥) تحرير هذه الأحدوثة أن زفس كان أقسم بتولية مُلك أرغوس وميكينيا لأول مولود يُولَدُ في زمن معلوم. وكان راميًا بضميره إلى هرقل ووالدته إذ ذاك في شهرها التاسع. فاحتالت عليه هيرا واستوثقت منه بقَسَمٍ أنه ليبرنَّ بيمينه ثم أولدت والدة أفرستَ للشهر السابع من حملها قبل مولد هرقل فاضطر زفس إلى توليته الملك وكان هرقل من جملة أتباعه. فخشي أفرست صولة هرقل وألقاه باثنتي عشرة تهلكة ففاز هرقل ونجا منهنَّ جميعًا. تلك خرافة سابقة لعهد هوميروس ذكرها هنا وفي النشيد التاسع عشر على أنه لم يذكر من الاثنتي عشرة مكيدة التي كِيدَتْ لهرقل إلا انحداره إلى الجحيم لاقتياد كلب أذيس. وكاد حينئذٍ يهلك لو لم تبادر أثينا إلى إغاثته بأمر زفس.
(٥٦) تقبيل الركبتين للاستعطاف لا يزال معمولًا به في بادية العرب وبعض البلاد الشرقية، مرَّ بك أن ثيتيس أم آخيل كانت تود أن تثقل الوطأة على الإغريق إعلاءً لشأن ابنها وأخذًا بثأره منهم فإذا رجع إليهم بعد ذلك ونُكبت الأعداء كان كل الفضل فضله.
(٥٧) السرية: الكتيبة من الجيش، والترائك: جميع التريكة وهي الخوذة، وهياج الترائك: صفة من صفات هكطور لأنه كان إذا اشتد حرك رأسه يمنةً ويسرةً فتتراوح عذبات خوذته.
(٥٨) لا سبيل إلى توجيه خطاب أثينا وكلهُ عتوٌّ وعصيان إلا أن يقال إنها إنما تكلمت بسائقة الهمة لا بسائقة الحكمة لأنها تمثل الحكمة والبأس معًا. أو أن يقال أنها انخدعت لكلام هيرا وقد يُخدع الحكيم.
(٥٩) لقد وردت معاني هذه الأبيات في النشيد الخامس.
(٦٠) لا بدع أن يشتد سخط زفس على أثينا دون هيرا، فتلك ربة الحكمة ويُنكر على الحكمة أن تأتي أمرًا إدًّا. وهذه زوجة مَثَّلَهَا الشاعر كثيرة الدلِّ قليلة الانقياد وقد ألف زفس تمردها فما هو بالمتأثر لها ذلك التأثر. إذ يسخطك من العاقل ما لا يسخطك من الجاهل وإنما تعظم عليك فعلة العظيم.
(٦١) إيريس كما رأينا رسولة الآلهة عمومًا وزفس خصوصًا فطارت بأمره إلى الأولمب لأنه كان لا يزال على إيذا.
(٦٢) تجاوزت إيريس حدها في إبلاغ الرسالة إذ زادت عليها كلامًا لم يفُه به زفس. فكأنها ملكتها فرصة للتشفي من أثينا لحزازة في صدرها أو لعل كل هذا البيت دخيل وهو في الأصل بيتان.
(٦٣) لم تكن طاعة هيرا عن رغبة واختيار بل عن رهبة واضطرار، وما وقفت عند حد الخضوع بل أعلنت ما لا تُكِنُّ. وذلك شأن المخاتل الذي لا يسير في سبيل سَوِيٍّ. وهي على ما ترى باتت لا تبالي بأوليائها الإغريق والحقيقة أنها إنما قالت ما قالت مداهنةً ورياءً يشهد عليها قولها وفعلها في ما يلي. أما أثينا فكفى بِصَمْتِهَا دليلًا على سمو عاطفتها فهي تأبى أن تبوح بما لا تفكر وتخشى أن تناضل حيث لا يجدي النضال.
(٦٤) الساع أو الساعات كناية عن الفصول والأوقات كما مر في النشيد الخامس وقد جَسَّمَهُنَّ الشاعر كجاري عادته.
(٦٥) هذا نفس الكلام الذي نطقت به أثينا في مبتدأ هذا النشيد، وقد التمس بعض الشراح للشاعر أعذارًا لا أراها بموقع سداد. ولا أخال العذر معقولًا إلا أن تكون هيرا أرادت التستر بكلام أثينا علمًا بمكانتها في نفس زفس وإلقاءً لتبعة التمرد عليها فأرادت الإيهام بأنها تابعة غير متبوعة. أما زفس فلم ينخدع وأجابها بغير جوابه لأثينا.
(٦٦) المخافق: السيوف.
(٦٧) ينبئنا الشاعر هنا بما سيكون، ولا أوقع من أن يكون هذا النبأ من لدن زفس. وقد اختلفت آراء الشراح في ما أشبه هذه الأنباء. فمن مُدَّعٍ أنها تذهب بجانب من رونق القصة لعلم القارئ بها. ومن قائل بالعكس أنها تزيد طلاوة السياق بما تزيد من تشوق المطالع إلى الإتيان تفصيلًا على ما أُشير إليه بالإيجاز.
(٦٨) قرونس هو زحل، خلعه ابنه زفس وأنفذه إلى أعماق الطرطار أو الجحيم يقيم مع الطيطان أو الأبالسة. ومنهم يافت بن أورانوس وأبو الأطلس. ومنهم هيفريون أبو الشمس والقمر والفجر ولم تظهر كلمة هيفريون في التعريب لأنها في الأصل تفيد معنيين: فإما أن تُعْتَبَرَ الكلمة بلفظها علمًا فيقال: الشمس ابن هيفريون (على تذكير الشمس) وإما أن تُعْتَبَرَ بمعناها فيقال: الشمس الساترة فوقنا وقد اخترنا المفاد الثاني.
figure
قرونس — زحل.
(٦٩) مظهر: منصور.
(٧٠) كل بلدة ذات معابد شهيرة كانت تُدْعَى قدسًا ومقدسة.
(٧١) كانوا يعتقدون أن حصون إليون من أبنية الآلهة كما مر.
(٧٢) السنوَّر: الدروع. قال لبيد العامري:
وجاءوا به في هودج ووراءَهُ
كتائب خضر في نسيج السَّنَوَّرِ
(٧٣) دعاءٌ لنفسه بالخلود مع دوام الشباب.
(٧٤) تمنى أن يكون واثقًا ببلوغه مجد أثينا وسمو الشمس ثقته بما سينال من النصر المبين، وهذا منتهى التحمس والادعاء، يُشعر من خطاب هكطور بالفرق بين حكم الإغريق وحكم الطرواد فهنا الأمرة المطلقة بكل عواملها وهناك الشورى بكل فضائلها وإن كان الأمر للملوك. ثم إن هكطور مع كل حماسته وحسن سياسته لا يذهل لحظةً عن يقينه وعبادته فهو الجندي الخالص العقيدة يوقن أن النصر من عند ربه يؤتيه من يشاء.
(٧٥) في بعض نسخ الأصل أربعة أبيات هنا رأينا أن نُغْفِلَهَا اتباعًا لمن أغفلها ومفادها أنهم ضحوا بالضحايا المئين فلم تقع لدى الآلهة موقع القبول لما استقر في نفوسهم من كراهة إليون وملكها وملته. ولا نظنها إلا دخيلة في النسخ التي أثبتتها لأن اندحار الإغريق في ما يلي يدل على أنها ليست في موضعها.
(٧٦) يستفاد من عدد المقابس أنهم كانوا خمسين ألفًا ويدخل حلفاؤهم في هذا الإحصاء؛ لأن أرصاد اليونان طرقت في الليل معسكرًا واحدًا عسكر فيه الطرواد وحلفاؤهم. فجيشهم إذن دون نصف الإغريق عددًا.
(٧٧) اتفق الشراح على الإعجاب بهذا التشبيه حتى قال بعضهم: إنه أرق ما جادت به قريحة شاعر في وصف بهاء الليل. إلا أن بعضهم اعترض أن القمر وهو بدرٌ لا تنجلي الكواكب حوله للنظر؛ ولهذا ذهبوا إلى أن الكلمة في الأصل لا تفيد البدر بل القمر على الإطلاق. ولو فطن الشاعر لهذا الاعتراض أو أراد أن يعبأ به لما زاد وصف الساطع على القمر فَسِيَّانِ إذن عنده أن يكون بدرًا أو لا يكون. وعلى هذا فإن في التعبير تسامحًا قد يشفع له سمو التصور وبلاغة الوصف.
قال البحتري وكأنه أراد معارضة هوميروس:
وحسن دراريِّ الكواكب أن تُرى
طوالع في داجٍ من الليل غيهبِ
ومثله قول جرير بهذا المعنى:
سرى نحوهم ليلٌ كأن نجومه
قناديل فيهن الذبال المُفَتَّلُ
وقول مسكين الدارمي:
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهيةً
إذا الكواكب كانت في السما سُرُجا
ومثله قول امرئ القيس:
نظرت إليهم والنجوم كأنها
مصابيح رهبان تُشَبُّ لقفَّالِ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤