الفصل الخامس

العوامل الحقيقية في الأخلاق الفردية

(١) تكوين الأخلاق الفردية وشأن الأخلاق

ليس للقوانين المُوكَلِ إليها حمايةُ الأخلاق الجَمْعِيَّة، التي هي وليدة مقتضيات الحياة المشتركة، أن تُبَالِيَ بالأخلاق الفردية، وذلك كما رأينا.

وهنالك عواملُ مختلفةٌ مستقلة عن الروادع الاجتماعية تُعِينُ على تكوين الأخلاق الشخصية، ومن أهمِّ تلك العوامل نَذْكُر السَّجِيَّةَ التي تُولَد مع الإنسان، وكثيرٌ من الصفات الخُلقية، كالصلاح والحِلْم والصدق … إلخ، يَتَأَلَّف منه تُرَاث الأجداد فيَصْعُب اكتسابُه على وجه مصنوع، ومن قول هُوراسَ: «يُنْجبُ الأبُ الصالح بأولادٍ صالحين، وما في الثِّيران والجياد من قوةٍ فناشئٌ عن جنسيْهما، ولن يَلدَ النِّسْر الكاسر وَرْقاءَ ذاتَ حياء.»

وفي الغالب تُعَرَّف السَّجِيَّة بأنها «مجموعة مُقَوِّماتٍ عقلية وعاطفية وشخصية»، فتعريفٌ كهذا لا يُسَلَّم به إلا قليلًا؛ لعَدَم تفريقه بين العقل والسجية.

فالسَّجِيَّة هي من دائرة العاطفة بالحقيقة، وهي مؤلفة من مجموعة مشاعرَ يأتي الإنسان بها معه، والعقلُ إذا كان يُعِينُ على التفكير فإن السَّجِيَّةَ تُعِينُ على السَّيْر، ومن هنا تُبْصِر أن شأن السَّجيَّة كبيرٌ في عالَم السلوك،١ ومن ثَمَّ في الأخلاق الفردية، ولكن السَّجيَّة، لثَبَاتِها، يَعْسُر كلُّ تأثير بالغ فيها، وإلى هذه الملاحظة ذهب أشهر علماء الأخلاق.

قال شُوپِنْهَاوِر: «أيمكن الأخلاقَ أن تجعل من غليظ القلب رجلًا رحيمًا عادلًا محسنًا؟ كَلَّا، فالفروقُ الخُلقية غريزيةٌ ثابتة، وما الخبيث في خُبْثه الموروث إلَّا كالأفاعي بأنيابها وجيوبها السَّامَّة فلا تتخلص هي ولا هو مما عليهما إلا قليلًا جدًّا.»

وهذا الرأي الذي أبداه ذلك المفكر الشهير قد أبْدَى مثلَه أعاظمُ الفلاسفة في القرون القديمة، فقد قال أفلاطون: «ليست الفضيلة ثمرةً طبيعية ولا نتيجةً للتربية، ولكن الإنسان إذا سَعِدَ بحيازتها فَبِلَا تَأَمُّلٍ، فبفضلٍ إلهيٍّ.» ومن قول سقراط وأرسطو: «لا نقدر أن نكون فضلاءَ ولا رُذَلَاءُ، فيظهر أن السجايا طبيعية، فإذا ما كُنَّا عادلين حَذِرين … إلخ، اتَّفَقَ لنا هذا منذ وِلادتنا.»

ويَصْعُب عَلَيَّ أَلَّا أقولَ بغير ذلك الرأي، ومع ذلك يمكنننا أن نرى فريقًا من الناس، وهم أكثر الآدميين عددًا على ما يحتمل، لم يَنْظُر أولئك الفلاسفة إلى أمره، فهذا الجَمْع الكبير ذو سجايا هَيِّنَة غيرِ ذات مَنَاحٍ قَوِيَّة إلى الخير أو إلى الشرِّ فيَسْهُل توجيهه.

ويقاوم ذوو السجايا القوية تقلباتِ البِيئَة ويَتَّصِفون بمزاجهم النفسي الثابت، غير أن أولئك الذين ندعوهم بذوي السجايا الهَيِّنة ذوو قابلياتٍ متقلبة فيُعَانُون جميع المؤثِّرات الخارجية لتَقَلُّب شخصيتهم بلا انقطاع.

وتلاحظُ تلك الحالة لدى الأمم التي لم تستقرَّ روحها فلا تُحَدِّد أخلاقها القومية ما ينشأ عن الأحوال من التقلبات.

أَجَلْ، لا ترى مِنْهَاجًا قادرًا على تحويل ذوي السجايا الهَيِّنَة إلى أبطال، غير أن التربية الصالحة تَقْدِر على منحهم من الأخلاق ما ينتفعون به قليلًا في الحياة.

والتربيةُ عند ذوي السجايا القوية تُنَمِّي الخِلَال الطبيعية، وهي تَمْنَح الضعفاءَ قليلًا، وقليلًا فقط، من النشاط الذي يحتاجون إليه، وقَلَّما يَصْدُر عن الناس أقصى ما يستطيعونه، ففي الناس ما يجهلون وجودَه فيهم من الممكنات فتُظْهِره التربية أو الأحوال، ومن ذلك أن ناپليون أظهر من سُمُوِّ البطولة في الناس ما يَقْدِرون على الارتقاء إليه عندما تُعْرَف قِيَادَتهم.

نَعَمْ، إن البِيئَة الاجتماعية تؤثِّر في قابليات الأفراد، تَبَعًا لِما يُرَى في فضائل بعض الأعمال ومساوئها من القيمة، غير أنه يَصْعُب على تلك المُؤَثِّرَات أن تتغلب على المُيُول الطبيعية، وهي لا تُؤَثِّر في سوى الطبائع المُحايِدة، أي السجايا الهَيِّنَة التي لا لَوْنَ لها، فيَسْلُك صاحبُها سبيلَ الخير أو سبيلَ الشرِّ بحسب ما تسوقه الأحوال إليها.

ويَتَجَلَّى تأثير السجايا في أخلاق الأمم بمثل تأثيره في أخلاق الأفراد، فمن المعلوم وجودُ قابلياتٍ عامَّة تُعَدُّ سجايا للعِرْق، غيرِ الصفات الفارقة الخاصَّة ببعض الناس، كعناد الإنكليز وتَقَلُّبِ الفرنسيين وصَلَفِ الإسبان، وتختلف هذه السجايا العامة باختلاف الأمم فَتُمْلِي سلوكًا مختلفًا في أحوال متشابهة، وهي توجب، من حيث النتيجةُ، أخلاقًا متباينة مع أن المبادئ التي تُشْحَن بها الكُتُب واحدةٌ في كلِّ مكان.

وملاحظاتٌ كتلك تكفي لإثباتنا أن تعليم الأخلاق النظريَّ يَبْقَى، في الغالب، عاجزًا عن التغلب على الاستعداد الطبيعيِّ، وماذا يَقْدِر عليه، مثلًا، تِجاهَ أثَرةِ الزِّنْجِيِّ وخِفَّتِه وكَسَله وشَبَقه؟

ونرى أن البيئَة الاجتماعية، البالغة القُوَّةِ في إحداث أخلاقٍ جَمْعِيَّة تَدْعَمها القوانين، ذاتُ تأثيرٍ ضعيف في الأخلاق الفردية.

وقوةُ الرأي وحدَها هي التي تحول دون كونها صِفْرًا في ذلك، فالإعجابُ العامُّ ببعض الخِلال يُنَمِّي هذه الخِلال في الأشخاص المتصفين بها قليلًا.

وتُوَلِّد المعاركُ الحربية وتقديرُ الشجاعة خصائصَ فرديةً مختلفة كروح المبادرة، وتضحيةِ المصلحة الفردية في سبيل المجتمع … إلخ، ولا يُنْكِر دُعاة السَّلام الذين يَئِنُّون من الحروب فيَعُدُّون الماضيَ وجهًا من وجوه الهمجية أن وقائعَ الأجداد الضَّارِيَة وملاحمَ القرون الأولى الفاقدةَ الرحمة أَسْفَرَت عن حدوث خلال كالمبادرة والصبر والثبات ينتفع بها الرجال المعاصرون في مشاريعهم العلمية والصناعية والتجارية، ولو كانت السِّلْم وحدَها رائدةَ الأجداد لأَدَّتْ إلى ضروبٍ من الأثَرَةِ لا تقوم بها أية حضارة.

(٢) الأخلاقُ الفردية الابتدائية

لا تَتَكَوَّنُ الأخلاق الفردية في يوم واحد، وهي تُشْتَقُّ، كالأخلاق الجَمْعِيَّة، من ماضٍ طويل، وتختلف باختلاف الحضارة.

وكانت الأخلاق ابتدائيةً إلى الغاية في أوائل البشرية، حتى إنها لم تَكَدْ تُوجَد في زمن أوميرس، ومن العَمَى الغريب أن يُعَدَّ هذا الشاعرُ المجيد من كُتَّاب الأخلاق، فقد كانت الأهواء تستحوذ على مُقَاتِلِيه فيَبْدُون فائرين على الدوام، فما كانوا لِيُحْجموا عن ضروب الغدر والعنف والإجرام، وكانوا يمارسون، مع ذلك، من الفضائل ما هو ضروريٌّ لشروط حياتهم كالشجاعة وحبِّ الوطن والأُسْرَة والقِرَى ومخافة الآلهة.

وأهمُّ عيبٍ في مُقَاتِلِي العصر الأُومِيرِيِّ هو عيبُ الاندفاع المُفْرِط الذي يَبْدُو في جميع الفطريين، أي إن أولئك المقاتلين كانوا عاجزين عن مقاومة ما تُمْلِيه عليهم غرائز الزمن.

وكانت فائدة ضبط النفس تبدو واضحةً إلى الغاية فيُنْظَرُ إلى هذه الخَلَّة بعين التقدير، وإن لم يمارسها سوى الأقَلِّين كما في زماننا، وكان أغارقة أُومِيرُسَ يعترفون بقيمة خَلَّة ضبط النفس اعترافًا تامًّا، وإن لم يمارسوها قَطُّ، فقد أرادت مِينِرْڨَا أن تَمْدَح أوليسَ حينما صادفته في إيتاك فقالت له: «إنك ذلك الزعيمُ الحَذِر وسَيِّدُ حركات نفسه.»

وإذا كانت تلك الفضيلة الخُلُقِيَّة لم تَعُمَّ إلا ببطء لدى مُعْظَم الأمم فإنها محلُّ تقدير كبير في كلِّ مكان كما أقولُ مُكَرِّرًا، وكَأن رومانَ القرون القديمة وإنكليزَ الزمن الحديث مُتَّفِقُونَ على ترديد قول هُورَاسَ: «أَجْمَلُ بالمرء أن يَضْبُط نفسَه من أن يجمع لِيبْيَة وإسبانية في قَبْضَته.»

وما كانت أخلاق الآلهة في زمن أُومِيرُس لتفوق أخلاق الآدميين، فقد كانت تبدو ذاتَ أثَرَةٍ وحِقْدٍ وشهوة، ومن الطبيعيِّ أن كانت هذه صورةً لأخلاق عصرها.

وتلك الآلهة كانت تبدو تَوَّاقَةً إلى النُّذُور، ونَعْلَم من الأُودِيسِه أن أُولِيسَ وَقَفَ قِسْمًا مُهِمًّا من وقته على القرابين، وكان أفلاطونُ قليلَ الاحترام للآلهة الوثنية فيلومُها على سهولة إغوائها بالعطايا، واستطاع خلفاء أفلاطون أن يَرَوْا أن المؤمنين في كلِّ جيل ومن أيِّ دين لم يتخذوا طُرُقًا أخرى غيرَ تلك لاستمالة آلهة السماء، فالإنسانُ إذا ما كان غيرَ خُلُقِيٍّ كانت آلهتُه على شاكلته.

(٣) شأنُ المنفعة في تكوين الأخلاق الفردية

تُؤَدِّي الملاحظات المعروضةُ آنفًا إلى البحث باختصار في شأن المنفعة التي استُشْهِدَ بها كثيرًا في تكوين الأخلاق.

والقولُ بأن الأخلاقَ الاجتماعية تقوم على المنفعة هو من الحقائق المبتذلة كما يلوح، فمن النفع الواضح للفرد أن يَحْتَرِم الفردُ القوانينَ، فهو إذا ما انتهك حرمتَها عَرَّض نفسه للعقوبات، ولكن من الخطأ أن يقال بقيام الأخلاق الفردية على ذلك الأساس النفعيِّ.

توصِي الأخلاقُ النفعية، التي بُشر بها منذ زمن سقراط، الفردَ بأن يكون فاضلًا لِما في الفضيلة من المنافع واجتناب الموانع، وهذا ما يُعَلِّمه، تقريبًا، فلاسفةُ الإنكليز السابقون وأصحابُ مذهب الذرائع المعاصرون، قال وِيلْيَم جِيمْس:

يقوم العدل على ما هو نافعٌ في سَيْرنا، مهما كان وَجْه هذا النافع تقريبًا.

ويقوم العدل، بحسب هذا التعريف، على ما هو نافع، ولكن من الذي يحكم في الشيء النافع؟ أفيكون الفرد أم المجتمعُ هو الحاكم؟

يَعُدُّ المجرمون السَّرَقَ والقتلَ وما إليهما أمورًا نافعة لِما يَجِدونه فيها من الفائدة، ويَقْمَع المجتمعُ مثلَ هذه الأعمال لِما يَجِدُه فيها من ضرر له.

والمجتمعُ وحدَه هو المقياس — كما هو واضح — ما دام الفرد خاضعًا له، وتكون المنفعة، إذ ذاك، إطاعةً لتعاليم المجتمع مما لا جِدال فيه.

بَيْدَ أن القَسْر الاجتماعيَّ يتوارى في موضوع الأخلاق الفردية، والفردُ إذا ما اتخذ منفعتَه دليلًا وحيدًا له كان ذا أخلاق هزيلة أو كان عاطلًا من الأخلاق عَطَلًا تامًّا، ومن العبث أن يقال إنه يجب عليه أن يمارس الفضيلة؛ لأنها تؤدي إلى السعادة، فكلٌّ يَعْلَم أن الفضيلة لا تُوجِب السعادة في كلِّ وقت، وأنها تتضمن، في الغالب، كِفاحًا ضدَّ السعادة.

ومقياسُ المنفعة الصِّرْفَة يُورِث أَثَرَةً وثيقة بسهولة، وهو لا يُحْدِث أيةَ أخلاقٍ متينة، وليس في اتخاذ المنفعة الشخصية هاديًا سِرُّ تضحية أناسٍ كثيرين بأوقاتهم وثروتهم، وبحياتهم في الغالب في سبيل غاياتٍ نبيلة؛ كَقَدْح زناد فكرهم الغضِّ، ومغامرِتهم في أسفار خَطِرَة، وتعريض نفوسهم للهلاك إنقاذًا لأمثالهم من الموت … إلخ، ويمكن أن يقال، لشرف الإنسانية، إن المنفعة، أي الأَثَرَةَ، لم تكن عامل سَيْرها الرئيسَ قَطُّ.

ومن السهل، إذَنْ، أن يُدْرَك أن النَّفْعِيَّة كانت عند بعض الفلاسفة على الدوام، كَكَنْتَ مثلًا، «إنكارًا للأخلاق».

والناحيةُ الضعيفة في الأخلاق الدينية هي، بالضبط، في أن تكون المنفعة وحدَها عاملَ سلوك، وأيُّ شيءٍ أنفعُ للفرد، بالحقيقة، من أن يفوز بالجنة ويجتنب جهنم؟ فالفرقُ الوحيد بين الأخلاق النفعية لدى الفلاسفة والأخلاق النفعية لدى علماء اللاهوت هو أن الأولى: تَجْعَل السعادة في هذه الحياة الدنيا، وأن الثانية: تجعلها في الحياة الآخرة.

(٤) شأنُ اللاشعور في تكوين الأخلاق الفردية

كانت أخلاق الأوائل فِطْرِيَّةً إلى الغاية كما قلنا، فكان الخير عند الشخص في قتل عدوِّه، وكان الشرُّ عنده في أن يقتله عدوُّه.

وقَضَت الضرورات بالحياة المشتركة ففرضَت بعض القواعد الضرورية في سبيل المصلحة العامة فتكاملت الأخلاق الاجتماعية رويدًا رويدًا، ووُفِّقَت القوانين المدنية والدينية لتوطيد هذه الأخلاق بزواجرَ شديدةٍ أسفر عملها الرادع المُكَرَّر في عِدَّة قرون عن جعل مراعاة القواعد الاجتماعية أمرًا غيرَ شعوريٍّ بالتدريج، ومن ثَمَّ أمرًا سهلًا بالتدريج.

ونشأ عن تقدم الإنسان الاجتماعيِّ، ولم تَقُمْ حضارة بغير هذا التقدم قَطُّ، قيامُ أخلاقٍ لا شعوريةٍ مقبولة بلا عَنَاء مقام أخلاقٍ شعورية لا تُحْتَرم بعضَ الاحترام إلا بعقوبات شديدة إلى الغاية.

وتطورٌ كهذا، صحيحٌ في الأخلاق الاجتماعية، صحيحٌ أيضًا في الأخلاق الفردية التي تَتَكَوَّن بدخولها دائرةَ اللاشعور، وهذا اللاشعور إذ كان المهيمنَ الحقيقيَّ علينا كان تكوينه بتربيةٍ ملائمة من الأهمية بمكان، فهنالك يَحِلُّ الأدب الباطنيُّ الذي يَتِمُّ بلا عناء محلَّ الأدب الخارجي المفروض.

وأثبتت التَّجْرِبة منذ زمن طويل — وهي أَسْنَى من إيحاء بعض المناهج العقلية العصرية — الوسيلةَ التي يَرْسَخ بها النظامُ غيرُ الشعوريِّ.

ومبدأ تكوين النظام اللاشعوري هو مبدأُ النظام المسيطر على التربية في جميع الحِرَف والصِّناعات حيث يكون لغير الشعوريِّ شأنٌ عظيم، ولا يقوم ذلك المبدأ على تعليم ما يجب أن يُعْمَل تعليمًا نظريًّا، بل يقوم على ما يُعْمَل فعلًا، فيُكَرَّر هذا العمل إلى أن يَتِمَّ أمره بلا عناء، أي آليًّا غيرَ شعوريٍّ، فعلى هذا الوجه يكتسب العازفُ على الپِيَانُو مزاولةَ صَنْعَته، ويكتسب الجنديُّ كيفيةَ استعمال أَسْلحته.

وينتقد الباحثون غيرُ الخبيرين، مختارين، دقائقَ تربيةِ الجنديِّ فيَرَوْنها، بعقلهم القصيرِ، غيرَ مفيدة، فيسألون: ما نَفْعُ تلك الحركات المُفَصَّلة التي يُؤْتَى بها في الثُّكْنَة أو في الحقل على ذلك النظام المُعَيَّن؟ وما نَفْعُ تلك الخُطَى الموزونة؟ وما نَفْعُ ضرورة صَفِّ كلِّ شيء في الكتيبة على وجهٍ ثابت لا يتغير؟ … الخ. إن نتيجة جميع هذه الحركات — غيرِ المفيدة في الظاهر — هي إدخالُها إلى الرجل عاداتٍ في الدِّقَّة والضبط والمِنهاج وما إلى ذلك من الأمور التي يؤدي تكرارُها إلى دخولها دائرةَ اللاشعور فيه فلا تُعَتِّمُ أن تَتَّفِق له بلا عناءٍ بعد أن كانت تَتِمُّ له بعناء.٢

ويمكن تلخيص المبادئ السابقة بأن يقال: إن جميع الأخلاق الفردية أو الاجتماعية تنطوي على عُسْر في بدء الأمر، تنطوي على قَسْرٍ لا يُحْتَمَل إلا بعد أن يصبح غيرَ شعوريٍّ، فمتى حَدَث هذا النظامُ غيرُ الشعوريِّ عاد الرجل لا يكون أُلْعُوبَةَ اندفاعاتِه وحُقَّ له أن يقول إنه سَيِّد نفسه بالحقيقة، والفوضويُّ، وهو يعتقد حريتَه لطَرْحِه كلَّ رَدْعٍ جانبًا ولانقياده لاندفاعاته فقط، عاطلٌ من أية حرية حقيقية فيَسِيرُ كورقة الشجر التي تُحَرِّكها الريح.

(٥) الشعورُ بالشرف عُنْوَانٌ مِثَالِيٌّ للأخلاق الفردية

مهما تكن عوامل الأخلاق الفردية يَكُن التعبير عن الأخلاق واضحًا بأن يقال إنها شعور بالشرف.

ويمكن أن تُعَرَّف الأخلاق بالاحتياج إلى الكرامة الشخصية التي يُجْتَنَب بها بعض الأفعال، وتُؤْتَى بها أفعالٌ أخرى حتى المخالفةُ منها لمصالحنا، وذلك حِفْظًا لحُرْمة المرءِ وحُرْمَةِ أمثاله.

ومن مُمَيِّزات الأعمال التي تُنْجَز باسم الشرف هو أن تظلَّ هذه الأعمالُ مستقلةً عن أحكام القوانين في الغالب، فيكون الرادعُ الخُلُقي مُمْسِكًا لحِسِّ الشرف، وحِسُّ الشرف هذا إذا ما رَسَخ في النفوس غدا أقوى من زجر القوانين بدرجات، وفي موضوع الشرف وحدَه يمكن الكلامُ عن المَقُولات الحَتْمِيَّة.

والرأيُ العامُّ هو دِعامة كبيرةٌ للشرف، ولكن هذه الدِّعامة قد تكون من القوة بحيث تُؤَثِّر خارجةً عن كلِّ أمل في الاستحسان، فبذلك يُجْهَل العمل المُنْجَز لا رَيْب.

ويختلف الشعورُ بالشرف باختلاف الشعوب، فبينما ترى الشرف العسكري ناميًا والشرفَ التجاريَّ قليلًا في اليابانيين ترى العكسَ لدى الصينيين مثلًا، وقد بلغ الشرف التجاريُّ في الصينيين من القوة ما يُدِينُهم أربابُ المصارف الأمريكية معه نقودًا بلا ضمان، على الرغم من حَذَر هؤلاء الأرباب؛ وذلك لوُثُوقهم بأن المَدِينَ إذا مات قبل الاستحقاق أَوْفَت المبلغَ أُسْرَتُه وأصدقاؤه عند الضرورة.

والشعورُ بالشرف لدى أمةٍ يكفي لمَنْح هذه الأمة أخلاقًا وطيدة عند شِدَّة نُمُوِّه، ونورد اليابانَ مثالًا على ذلك، فإليك كيف يُعَرِّف الأستاذُ كانيتو دستورَ اليابان الخُلقيَّ المعروفَ بالبُوشِيدُو:

لا يُوحي البُوشِيدُو بما هو أبعد من ذلك، وهو لا يفاخر بأيِّ مُؤسِّس، ويقوم مُؤيِّدُه الأسْنَى على الشعور الغريزيِّ بالخجل من كلِّ سَيِّئة، فالشجاعةُ تُعَدُّ به أعلى فضيلة، وبه يُعَد الإقدام والصبرُ واجبَي الإنسان، وتُعَدُّ الاستقامةُ والعدالة ملازمتيْن للبسالة الحقيقية، ويُعَدُّ الرِّفْق صِفَةَ النفس النبيلةِ.

ولا يكفي ذلك التعريف لإثبات قوة ذلك الدستور، فقد بلغت هذه القوة من العظمة ما لَا يَتَرَدَّد معه الأشخاص في الانتحار إذا ما اعتقدوا مَسَّ شرفهم، وقد سَمِعْتُ من يابانيين، على جانب كبير من التمدن، أن مما يَشِينُ رُبَّانَ سفينةٍ تجارية تَقْبِض عليها مُدَرَّعَةٌ إذا لم ينتحر.

والشرفُ الذي أبصرنا تَحَوُّلَه باختلاف الشعوب يختلف باختلاف الطبقات والطوائف والمِهَن أيضًا، فلكلٍّ من الجنديِّ والقاضي والصَّرَّاف والطبيب شَرَفُه الخاصُّ الذي لا يَسْمَح بانتهاكه، وهناك أشخاصٌ كثيرون ليس لديهم من الأخلاق سوى شرف زُمْرَتهم.

ولا يكاد كتابٌ ضخم يكفي لبيان الأحوال الخاصة إذا ما أُريد الانتقالُ إليها من تلك العموميات، فمن أَدِلَّاء اللاهوت الخُلقيِّ القديم التي يتألف منها قاعدةُ سلوك الإكليروس، كدليل القِدِّيس أَلْفُونْس اللِّيغُورِيِّ، تتألف مجموعاتٌ عظيمة، ونَذْكر، على الخصوص، تلك الدقائقَ التي اشتهرت بإقْلِيميَّات پَسْكال، فهي لا تنفع سوى المرشدين المُوكَلَة إليهم تَهْدِئَةُ وساوس شيوخ العُبَّاد المريضة.

ثم إن أولئك المتكلمين يَتَّخِذُون مناهجَ خاصةً للبرهنة فقد قال مسيو بايه:

يُمَيَّز عند علماء اللاهوت بين المذهب التَّشَدُّدِيِّ المطلق الذي يقول بأنه لا يجوز انتحالُ الرأي إلا إذا كان وثيقًا، والمذهبِ التَّرَخُّصِيِّ الذي يقول بالاكتفاء بالرأي المحتمل، والمذهبِ المتوسط الذي يقول بالاكتفاء بالرأي المحتمل جدًّا، والمذهبِ الاحتماليِّ القائل بالأخذ بالرأي المحتمل أكثرَ من الرأي المخالف، والمذهبِ القائل بانتحال أحد الرأيَيْن المتساوييْن احتمالًا، والمذهبِ القائل باتخاذ الرأي القويِّ الاحتمال ولو كان دون غيره متانةً، والقديسُ أَلْفُونْسُ هو احتماليٌّ أو إنه يقول بانتحال أحد الرأييْن المتساوييْن احتمالًا، ولاهوتُ كِليرمُون احتماليٌّ قائلٌ بإمكان انتحال أقلِّ الرأيين احتمالًا.

فهذه الشواهدُ تكفي لإثباتنا أن الأخلاق القائمة على علم اللاهوت ليست أقومَ كثيرًا من الأخلاق القائمة على العقل، والأخلاقُ لا تقوم، كما قلتُ، إلا بعد أن تصبح خارج دائرة البرهنة بدخولها دائرةَ اللاشعور ومن ثَمَّ دائرة الغريزة، فهنالك، فقط، تُمَارَس بلا عناء.

هوامش

(١) رجال العمل، على الخصوص، هم الذين يحسنون فهم الفرق بين السجية والعقل، قال الجنرال مارمون: «عندما تستحوذ السجية على العقل ويكون للعقل بعض الاتساع يسار إلى هدف معين ويؤمل في بلوغه، وعندما يستحوذ العقل على السجية بغير الرأي والخطط والوجهة بلا انقطاع لنظر العقل الواسع إلى المسائل بوجهة جديدة في كل آن، ولولا تدخل الإرادة في تلك التقلبات لتذبذب الإنسان بين مختلف الاتجاهات من غير أن يستقر على واحد منها، وهو بدلًا من أن يدنو من الهدف يبتعد عنه، في الغالب، بتردده فيضل.» (من كتاب النظم العسكرية للجنرال مارمون).
(٢) تتضح فائدة المبدأ المعروض آنفًا من الأسطر الآتية التي أقتطفها من الطبعة الخامسة عشرة من كتابي «روح التربية»:

إليك كيف يعرب عن رأيه أحد الكتاب في المبحث الممتاز القوي الذي نشر في عدد الجريدة البحرية العسكرية (الإنكليزية) الصادر في ٨ من مايو سنة ١٩٠٩: «لم يأتِ أحد قط بتعريف للتربية أفضل من التعريف الذي جاء به غوستاف لوبون وهو: «أن التربية هي فن إدخال الشعوري إلى اللاشعوري»، وهذا المبدأ هو الذي اتخذه رؤساء أركان الحرب العامة الإنكليزية ركنًا أساسيًّا لإقامة وحدة بين الرأي والعمل في التربية العسكرية التي ترانا ذوي حاجة ملحة إليها.» ويعرض هذا الكتاب عرضًا حسنًا إلى الغاية أمر تطبيق هذا المبدأ في تعاليم أركان الحرب الإنكليزية الذين أدركوا إدراكًا تامًّا أن الغريزة، لا العقل، هي التي تسير في ميدان القتال، وأن من الضروري تحويل العقلي إلى الغريزي وفق تربية خاصة، فعن اللاشعور تصدر الأوامر السريعة، ومن قول هذا الكاتب: «يجب أن تصبح البراعة ووحدة الرأي أمرين غريزيين وفق تربية ملائمة»، فلا قول أطيب من هذا القول.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤