الفصل السابع والأربعون

حول ما نكتب

علقت صحيفة «البورص إچبسيان» على ما كتبناه في موضوع الشيوعية، فقالت بعد تلخيص رأينا فيها: «… وإن الأستاذ العقاد لينظر إلى الشيوعية في لون قاتم، وهي ما زالت على حسب سياسة ستالين في دور الكشف والظهور، فلا تعرف على التحقيق إلى أي طريق تسير في تطبيقها العملي بعد تجاربها في السنوات الأخيرة، فقد أنشأ نظام الأسرة فيها يتكون ثم المدرسة ثم الأخلاق، ثم الاعتراف بتفاوت الدرجات والرجوع أخيرًا إلى الدين، وكل هذا معناه أن الشيوعية الحالية ليست إلا اسمًا مسمى، وإن هي في حقيقتها إلا اشتراكية مستنيرة.»

وهذا التعليق في رأينا هو أقرب إلى التأييد والتوكيد منه إلى المناقضة أو التفنيد.

لأن معناه أن ستالين يخالف الشيوعية التي ننكرها، ولا يدين بقواعدها التي بسطها كارل ماركس وشرع في تحقيقها لينين.

ومعناه من جهة أخرى أن الشيوعية في تطبيقها تخالف الشيوعية في أصولها النظرية، وأنها من أجل ذلك مذهب لا يصلح للتنفيذ في الحياة العملية.

وقد اضطر ستالين فعلًا إلى الاعتراف بتفاوت الدرجات والأجور، واضطر إلى التسليم للأسرة ببعض الحقوق، وقبول الملكية في وضع من الأوضاع، ثم انتهى خلال الحرب الحاضرة بتعظيم فضيلة الوطنية التي كانت في عرف كارل ماركس وأصحابه لعنة من لعنات الاستغلال، وحيلة من حيل أصحاب الأموال، فهو وأعوانه يسمون الحرب الحاضرة بالحرب الوطنية، وحرب الدفاع عن الدمار؛ لأنهم علموا أن اسم الشيوعية وحدها لا يشحذ همة الشعب إلى النضال، ولا يغني عن نخوة الوطن والعصبية القومية.

فاضطرار الأقطاب الشيوعيين إلى العدول عن بعض قواعدها الأولية يؤيد ما نقول، ولا ينفي أنها مذهب غير معقول ولا مقبول.

ولكننا مع هذا ندعو إلى الحذر من تصديق كل ما يروى عن التطبيقات الشيوعية في الوقت الحاضر؛ لأن الوصول إلى حقيقة النظم الروسية اليوم من أصعب الأمور، ولم يسمح قط لرجل مستقل الرأي منزه عن الغرض بالطواف في أرجاء روسيا على حريته بغير رقيب أو دليل، وإذا سمح له بالطواف في المواطن البعيدة عن الأسرار والخفايا، فلا ينقضي أسبوع على معاشرته لفرد من الأفراد، أو فئة من الفئات إلا أسرع الحاكمون بتبديله، وإحلال آخر أو آخرين في محله، حتى لا تنعقد بين السائحين المستقلين وبين أحد من الروسيين صلات وثيقة تطلق عقال الألسنة، وتكشف كوامن الصدور.

ولا حاجة بنا بعد هذا وذاك إلى ملاحظات السائحين المستقلين لإدراك هذه الحقائق الغنية عن الدليل، فحسبنا أن حرية الكتابة مكبوحة في روسيا منذ نيف وعشرين سنة؛ لنعلم أن بواطن الأمور غير ظواهرها، وأن رعايا الشيوعيين لا يملكون الإفضاء بما في ضمائرهم لأبناء وطنهم فضلًا عن الغرباء الطارقين، الذين يحاطون بالرقباء والأدلاء من قريب وبعيد.

ولا نزال نذكر الفكاهة التي رويت على لسان الفلاح الروسي حين سمح له بالتحدث إلى العالم الخارجي من محطة الإذاعة العامة على شريطة أن يفوه بكلمة واحدة، ولا يزيد عليها، فكانت كلمته التي جمعت كل ما أراد الإفضاء به إلى العالم الإنساني كله هي: «النجدة!» ولاذ بعدها بصمت الأموات.

فحسبنا أن المذهب في أصول النظرية غير معقول، وأن أقطابه لا يقدرون على تطبيقه إلا بعد الانحراف عنه والتعديل فيه، وأن الأقوال التي تصل عنه إلى العالم الخارجي لا تخلو من حجر ورقابة، وهذه كلها حقائق متفق عليها، حسبنا كما قلنا أن نعلمها لنعلم أن الحذر من تصديق ما يقال هو أقل ما تقابل به تلك الأقوال.

وليست كل التعليقات جدًّا كهذا التعليق الذي ألمعنا إليه من كلام «البورص إچبسيان».

فهناك تعليقات الأوشاب!

وهناك تعليقات عبيد المعدة!

وهناك تعليقات الماديين الذين يفسرون كل شيء بالماديات!

والأوشاب وعبيد المعدة والماديون هي كلمات مرادفة لكلمة الشيوعيين باعتراف هؤلاء الشيوعيين الفخورين!

وهؤلاء — أو أذناب هؤلاء — يقولون: إنني لا أكره الشيوعية ولا أكتب ما أكتب عنها إلا لأنني قبضت من أعدائها خمسة آلاف جنيه للتشهير بها في بضع مقالات.

ولكنني أكتب ما أكتبه اليوم عن الشيوعية منذ كانت الشيوعية، أو منذ عشرين سنة على التقريب.

وأكتب عن جميع المذاهب التي تناقض الديمقراطية كما كتبت عن الشيوعية والشيوعيين.

فما تفسير ذلك يا ترى؟ ولم لا تكون الكراهة هنا كراهة رأي ما دامت مطردة في جميع الأوقات، وعلى جميع المذاهب وبين جميع الأحوال؟

كلا، لا يمكن أن يفسر كلام إنسان بالرأي والعقيدة في عرف الأوشاب، وعبيد المعدة، والمفسرين للتاريخ كله بالماديات.

أفي الدنيا إنسان يحارب رأيًا لأنه يؤمن ببطلانه؟ كيف يكون هذا؟ وكيف يكون الإنسان عبدًا للمعدة إذن، ويكون الرأي محور أقواله ومثار خصوماته؟

هذا مناقض «للمذهب» في الصميم.

وهو كذلك مناقض «للخطط الحربية» التي أوصى بها ماركس أتباعه علانية، ولم يتورع أن يزينها لهم في منشوراته على مسمع من الدنيا بأسرها؛ فهو القائل: إن تشويه كل ديمقراطيٍّ حسن السمعة واجب مفروض على الدعاة، وهو الذي سنَّ لهم هذه السنة حين أشاع أن «باكونين» جاسوس للروس والنمسويين، وهو يعلم أنه لطريدة الروس والنمسويين!

ومن عقائدهم التي لا يخفونها أن «الحق» المطلق خرافة ليس لها وجود، وأن ما يسمى حقًّا إنما هو جملة المصالح التي تنتفع بها الطبقة الغالبة في أمة من الأمم، وأن الكذب العمد على هذا لخدمة «الطبقة» أمر مشروع بل واجب مشكور.

فلا عجب إذن أن يقرفني الأوشاب عبيد المعدة بما يعهدون في أنفسهم وفي عقائدهم من الخلائق والأدناس.

بل عندي أنهم حيوني أكبر تحية في مقدروهم حين رفعوا سعر الرشوة التي أرشاها إلى خمسة آلاف من الجنيهات أجرًا مقدورًا لبضع مقالات.

نعم هي أكبر التحيات التي يملكونها وهم يعلمون أن سعرهم جميعًا وأجور مجهوداتهم جميعًا منذ خدموا الشيوعية إلى أن تستغني الشيوعية عن خدمتهم لن يقارب خمس هذه الآلاف.

فلهم على تحيتهم المغصوبة شكر يلائمها.

ولهم فوق ذلك تبرع آخر ينتفعون به في كل لحظة إن وجدوا السبيل إليه.

فإنني لمتبرع لهم بهذه الآلاف الخمسة حيثما وجدوها في مصرف أو بيت أو ثمنًا لعقار أو بضاعة أو أسناد تشرى وتباع.

وحيثما وجدوا ذلك المال فليكتبوا إلى صاحب الرسالة بموضعه، ولهم أن أتبع كتابتهم بعد يوم واحد بتحويل صريح يخولهم قبضه حالًا مباحًا وفاقًا لكل شرط يقترحونه من شروط القانون.

وليدعوا لي بالخير إذن كما يدعون للرفقاء أجمعين، فإنني سأعطيهم إن صدقوا ما لم يأخذوه — ولن يأخذوه — من رفيق!

•••

وندع هذه الأضاحيك ونعود إلى موضوع «المؤلفين والمقترحين»، الذي كتبنا عنه في الرسالة مقالنا الأخير.

فقد وردتني في هذا الموضوع رسائل شتى من مؤيدين ومناقشين، وخير ما وردني من رسائل التأييد رسالتان إحداهما يقول صاحبها «أ. زين العابدين»: إن كل نسخة من كتاب يقتنيها قارئ مثقف هي رد مطول على أصحاب المقترحات على قلتهم، وإن كانوا من ذوي الثقافة والاطلاع.

والأخرى يقول صاحبها «محمد عبد الهادي»: إن رضا المؤلف عما كتب قراؤه هو العزاء الذي يرجح بكل جزاء، ويغنيه حتى عن الإعجاب والثناء.

وراقني فحوى هذه الرسالة على التخصيص؛ لأنني تلقيتها من محض المصادفة في بريد واحد مع مجلة «ورلد ديجست» الإنجليزية، وفي صدرها خطاب معاد لمستر تشرشل يتكلم فيه عن «غبطة المؤلفين»، ويجعلها — كما يجعل كل غبطة من نوعها — عليا المطامح التي ترتقي إليها آمال الناس في هذه الحياة.

فليس في الدنيا — كما يقول — سعادة أسعد من نجاحك في التوفيق بين موضوع عملك وموضوع سرورك، أو من اتخاذك العمل سبيلًا من سبل الرياضة والرضاء، وهو يسأل ويطيل في سؤاله بما خلاصته: ماذا يعنيك مما يحدث وراء الأفق الذي تعيش فيه بعملك وسرورك؟ ليصنع مجلس النواب ما بدا له؛ وليصنع معه مجلس اللوردات مثل هذا الصنيع؛ ولتضطرب الأسواق، وليثر من يثور، فلا ضير عليك وأنت منزو في تلك الساعات القلائل عن عالم يساء حكمه أو يساء نظامه.

ثم ينتقل إلى الحديث عن الحرية والتأليف، فيرى أن أداة التأليف هي أخف الأدوات مئونة وأقلها كلفة؛ لأنها قلم وصفحات من الورق، وإن أبقى شيء يبقى من وراء أسداد الزمان والمكان هو الكلمات.

•••

قل: إنه عزاء للمؤلفين يخلقونه من الخيال أو يخلق لهم من وقائع الأيام، فالمهم أنه قد خلق، وأنه قد نزل من نفوسهم منزل العزاء الصحيح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤