العوالِم١

إلى «الأُسطى حميدة الإسكندرانية»:

أول مَن علَّمني كلمة «الفن» …

قُبيل قيام القطار من محطة مصر بنحو خمس دقائق، نزَلَ الحاج محمد المطيب من عَرَبة الدَّرجة الثالثة، ووقَفَ على الرصيف بجوار النافذة يُجفِّف عَرَقه، ويسعُل سعالَ «أصحاب الكيف» الذين يعيشون بأنفاسِ «التعميرة»، ثم صاح: يا الله … رمضان كريم.

وسعَلَ سُعْلة انتهتْ ببصقةٍ كبيرة، وألقى نظرةَ اطمئنان سريعةً على الأُسطى حميدة وجميع أفراد التَّخْت وقد «انحشرْنَ» في مقعدَين متقابلَين بطرف العربة، تتوسطهن صُرَر الآلات، ثم قال: أديني بَلا قافية رَستَأتُكم في رُكن مُعتبَر … خلِّيكو بقى كده بإذن الله لحَد محطة سيدي جابر.

فرفَعَت الأُسطى حميدة يدَيها إلى السماء بقوة: شي لله يا سيدي جابر … الفاتحة يا ولاد لسيدي جابر.

فصاح الحاج محمد بسرعة: بس … حاسبي … بَلا قافية إيدك حاتوَقَّع الرِّق من فوق الصرَّة على العُود تنقطم رقبته.

– شَر برَّه وبعيد … شي لله يا سيدي جابر … إلهي يُجْبر بخاطرنا بسِره الباتع … إلَّا يا حاج محمد … دي المستعجلة دي ولا المفتخر؟!

– المستعجلة … هو من غير مؤاخذة المفتخر يبقى فيه «ترسو»؟

– هلبت على كده ما نطُب هناك بعد مَدفع الفطور.

– على أبو التسعين … حاتلاقوا حَد من طَرَف بيت الفَرَح مستنظركم على المحطة.

وعندئذٍ رنتْ ضحكةُ سخريةٍ من سُلُم «الرقَّاقة» العاجزة، أردفتْها بقولها: وإن ما كنش حَد في انتظارنا يا ادلعدي … دي ساعة فطار وكل من كان همُّه في بطنه.

فالْتفتتْ إليها الأُسطى حميدة وقالت: النبي تنسدِّي … وتحطِّي على ميلتِك برش … العلوان معايه.

فابتسم الحاج محمد وقال: براوه عليكِ يا أُسطى حميدة … أهو بلا قافية إن ما كنش حَد في استنظاركم، أديكِ معاكِ العلوان.

وكانت الأُسطى حميدة (بجلالة قَدْرها) لم تفكِّر في العنوان إلَّا في هذه اللحظة … ذلك لأنها أخذتْ فجأةً تبحث عنه في ملابسها وفي صدرها … ثم الْتفتتْ إلى فاطمة «الرقَّاصة» وقالت بقَلَق: بِت يا فاطنة … الورقة اللي اديتها لك فين، وإحنا في الحنطور؟

فأجابتْها: ما هي ملفوف فيها الصاجات.

فدقَّت الأُسطى حميدة على صدرها صارخةً: صاجات يا بت؟ … الورقة اللي فيها العلوان؟! إلهي يسخطك!

فتجهَّم وجه الحاج محمد قليلًا وقال: بقى بلا قافية مش عارفين تستحرصوا على حتة ورقة؟!

وهنا دقَّ جرس المحطة الأول؛ فصاح جميع أفراد التَّخت في وقتٍ واحد بغير نظام ولا ترتيب: نشوف وِشَّك في خير يا حاج محمد.

ولكن الحاج محمد أشار إليهم بالسكون: هس … لسه … هس … سمع … لسه فاضل كمان من غير مؤاخذة جرس.

ثم سعَلَ وبصَقَ وصاح: يا الله … رمضان كريم.

فقالت الأُسطى حميدة وهي تبتسم بخبث: بحق يا حاج محمد … دا انت صايم … إلهي يصبَّرك.

فلَمْ يُجب الحاج محمد … ولم يتنبه إلى ابتسامات الخُبث والسخرية التي تُبُودلتْ بين جميع أفراد الجوق … واستمرَّ يُتمتم بذكر الله والصيام … ثم رفَعَ رأسه وقال: بقى فهمْتُم بلا قافية تعملوا إيه في محطة سيدي جابر؟ … تسألوا على بيت محمد بك قطبي، زي اللي مكتوب في الورقة … محمد بك قطبي من أعيان إسكندرية، أَلْف من يدلكم عليه.

وفي هذه اللحظة صفر القطار؛ فصاح الحاج محمد: هه … يا جماعة … مش لازمكم حاجة؟

فصرختْ سُلُم الضريرة: حاج محمد … يا حاج محمد … لازمنا قُلة مَيَّه.

فأجاب الحاج محمد مُنتهِرًا: قُلة مَيَّه إيه؟! إحنا في رمضان يا ولية … اتقي الله واختشي على عرضك.

فهزَّت نجية «الطبَّالة» رأسها وقالت: حِكَم … بقى المَيَّه يا حاج محمد والَّا التعميرة؟

فصاح الحاج محمد بغضب: تعميرة إيه يا مره؟ … وحق صيامي …

فقاطعته نجية: صيامك؟ … صيامك أنهو ده يا روحي؟! … ما تقولش كده أُمَّال … دانا شايفاك بعيني الصبح في إيدك الجوزة وقاعد تُكح وتنبر!

وأراد الحاج محمد أن يتكلم فقاطعتْه الأُسطى حميدة مغيِّرةً مَجرى الحديث فضًّا للنِّزاع … وقالت بعد أن غمزت «الطبَّالة» نجية بطرف عينها: الحاج محمد صايم، زي مانا صايمة … فضُّكم يا ولاد من السيرة الغبرة دي … فضُّكم … قطيعة. آه … حاج محمد … يا حاج محمد … شوفي ياختي … نسيت أقول لك … يا دي الحوسة … الأرانب أمانة في رقبتك يا حاج محمد … ما تنساش ترمي للأرانب فوق السطح قِشر العجور … أمانة عليك … السيدة في ظهرك!

وهنا دقَّ الجرس الأخير … وعلا الضجيج من كلِّ جانب … وتحرَّك القطار بين صياح أفراد التَّخت: نشوف وشَّك في خير يا حاج محمد.

وبين صياح الحاج محمد: مع السلامة.

واختلطتْ هذه الأصوات بعضها ببعض، حتى لم يعُدْ في مقدور الحاج محمد ولا غير الحاج محمد أن يُميِّز كلمة «الأرانب» أو جملة «نشوف وشَّك في خير.» من بين هذه الأصوات المختلِطة … ومع ذلك استمرَّ في هذا الصياح الغريزي كلٌّ من الطرفَين … كأنما كلٌّ يصيح للصياح نَفْسه، إلى أن ابتعد القطار … وعندئذٍ هدأ كلٌّ لنَفْسه.

•••

جلَسَ أفراد التَّخت برهةً من الزمن في سكونٍ عميق، كأنما فراق مصر — ولو لمهمَّة قصيرة المدى — أَدخل على نفوسهنَّ أثرًا مُحزِنًا ووحشةً مؤثِّرة.

لم يقطع هذا السكون القاتم غيرُ صوتِ سُلُم الضريرة قائلةً: يوه … شوفي ياختي نسينا نقول للحاج محمد يشتري لنا دخان … بقى هو بسلامته باكو السمسون اللي معانه حايكفي طول النهار؟!

فلَمْ يُجب أحد … واستمرَّ كلٌّ في سكونه وإطراقه.

وأخيرًا رفعت الأُسطى حميدة رأسها قليلًا، وتنهَّدتْ ثم قالت بتأثُّر: يا حبيبتي يا مصر!

وكأنَّ هذه الجملة كانت تُعبِّر تمامًا عن إحساس الجميع، فأطرَقَ الكلُّ لحظةً … ثم بدأ كلٌّ يرفع رأسه وينظُر حوله، ليُرفِّه عن نَفْسه.

فقالت سُلُم العاجزة: كلها بُكره ونرجع تاني لبلدنا.

وقالت نجية «الطبَّالة» بابتسامٍ وعيناها ترمقان المقعد التالي: وهي إسكندرية وحشة؟ … والنبي إسكندرية روح …

وقالت فاطمة «الرقاصة» وعيناها كذلك ترمُقان بدلال المقعد التالي المُلاصِق: إسكندرية مرية، وترابها زعفران.

وهكذا أخذ يُسرَّى عن الجميع … وتتلاشى آثار الوَحشة … فعاد الصفاء إلى وجه الأُسطى حميدة، وقالت: سُلُم … لفِّي لي سيجارة.

تناولت سُلُم علبة الدُّخان، وجعلتْ «تلفُّ» سيجارة، بينما أخذت الأسطى حميدة تتلفَّتُ حولها متصفِّحةً وجوه المسافرين، ثم نظرتْ إلى فاطمة ونجية، وقالت بتهكُّم: حسرة وندامة على دُول ركَّاب!

•••

أصابت الأُسطى حميدة … في الواقع أغلب الركَّاب كانوا من الصعايدة والفلاحين … ومع ذلك فإن الأُسطى حميدة، بعيونها الكحيلة، لم تَلمَح خلْفَها أصحابَ المقعد التالي المتلاصق … أصحابه أربعة: ثلاثة أفندية … ورابع يرتدي «بنش» وطربوشًا.

وإذا أرادت الأُسطى حميدة أن تعرف أكثر من ذلك فَلْتعلم أن هؤلاء الأربعة من حين أن تحرَّك القطار لم يفتروا لحظةً عن النظر إليها، وإلى هيئة التَّخت، ما عدا سُلُم «العمياء».

وإذا أرادت الأُسطى حميدة إفصاحًا، فَلْتسلْ عيونَ نجية وفاطمة. لفَّتْ «سُلُم» السيجارة، ثم دقَّت على صدرها قائلة: يوه … يا ندامة الشوم … ما معناش كبريت!

وفي هذه اللحظة ظهَرَ مفتِّش التذاكر، ودقَّ على جدار العربة «بكمَّاشته» وصاح: تذاكر قليوب.

فصاحتْ سُلُم وهي تُدير وجهها نحو مصدر صوت المفتِّش: حضرة المفتِّش … ما معاكش كبريت … إلهي ما تغلب لك ولية؟!

فأجاب المفتِّش ببرود: كبريت إيه؟

فقالت الأُسطى حميدة متلطِّفة: ما تآخذناش … بس نولع السيجارة.

فقال المفتِّش بتحفُّظ، وبغير أن يلتفتَ نحوهن: أنتم فاطرين رمضان والَّا إيه؟

وكان قد وصَلَ إلى المقعد التالي المُلاصِق، فسرعان ما تنحنح «لابس البنش» ورأى الفرصة سانحةً للكلام؛ فقال: الفطار مُباح لأهل الحظ يا سيدنا المفتِّش!

فلَمْ يُجب المفتِّش … بل لزِمَ بروده وتحفُّظه … وجعَلَ يؤدِّي أعمال وظيفته بجِدٍّ جافٍّ … إلى أن ابتعد … فقالت الأسطى حميدة: يا سِم على ده مفتِّش!

فردَّتْ فاطمةُ وهي تنظُر إلى الأفندية أصحاب المقعد الملاصِق: ياختي حقَّا … ماله إنط كده ومتعنطظ بعيد عنك؟!

فتنحنح «لابس البنش» وقال: ما هو اللي زي ده — من غير مؤاخذة — فاهم نَفْسه الحكومة.

فصادقتْ فاطمة على كلامه … ثم أخَذَ الجميع، «العوالم» من جهة و«الأفندية» من جهةٍ أخرى، يتحدَّثون لحظةً على حساب هذا المفتِّش … إلى أن قال أحد الأفندية: جرى خير … الحمد لله.

وقال الثاني بلُطف: الكبريت معانا يا سِتَّات.

وزاد الثالث: ومعايا سجاير كمان.

ثم تنحنح «لابس البنش» وقال: حضرتكم نازلين فين … ولو فيها رذالة؟

فردَّتْ سُلُم بسرعةٍ كأنها مغتبطةٌ بمعرفة هؤلاء الذين معهم الكبريت والسجاير: سيدي جابر يا ادلعدي.

فصاح الرجال: زيِّنا بقا … سكة واحدة إن شاء الله … إحنا نازلين إسكندرية.

وأضاف أَحد الأفندية: الليلة بإذن الله نصلِّي التراويح في سيدي «أبو العباس».

وتنحنح «لابس البنش» مرةً أخرى ثم قال: أظن حضرتكم مسافرين في فَرَح؟

فقالت الأُسطى حميدة بعظمةٍ وتفاخُر: أيوه يا فندم … فَرَح — اسم الله — محمد بك … محمد بك … إيه يا بت يا فاطنة؟

فردَّتْ فاطمةُ بسرعة: محمد بك قطبي.

فنظرت الأُسطى حميدة إلى الأفندية وقالت: محمد بك قطبي … من أعيان إسكندرية على سِن ورُمح.

– أَنعِم وأكرِم.

وأردَفَ أحد الأفندية: محمد بك قطبي … أظنُّه رجل كبير؟

فأجاب سُلُم العاجزة: العريس؟ … لا وحياتَك إلا حتة جدع خِفة مشلبن يشفي العليل!

فالْتفتتْ إليها نجية قائلةً: أنتِ يعني شُفتيه؟!

فردت سُلُم: الحاج محمد كان بيقول العريس جدع صغار.

وفي هذه الأثناء أخرَجَ أحد الأفندية من جيبه علبةَ السجاير وأدارها على أفراد التَّخت، وقال وهو ينظُر إلى فاطمة «الرقَّاصة»: أظن الست الصغيرة هي اللي حتلم النُّقطة؟

فأجابت فاطمة بدلال: أيوه يا فندي.

وقال آخر وهو ينظُر إلى نجية: الست أُمَّال إيه؟

فأجابتْه نجية بابتسام: دربكة يا فندي.

وقال الثالث «لابس البنش» للأُسطى: إحنا من حق بِدنا نتشرف بالاسم الكريم.

فأجابت الأُسطى حميدة بخُيَلاء: حميدة المحلوية … واسأل في حتة باب الخلق، أَلْف من يدلك.

فقال الجميع باحترام: أنعِم وأكرِم.

ثم قال أحدهم وهو يُشير إلى العُود: حضرتك بقى الأسطى العوَّادة؟

فأجابتْ: أيوه يا فندم.

فتنحنح «لابس البنش» وقال: ما شاء الله … ما شاء الله … العُود سلطان الطَّرَب … يا سلام!

وقال آخر: معلوم … ده أبو المَغنى والحظوظ.

ثم صمَتَ الجميع لحظةً … قطعتْها سُلُم بقولها: يعني ما حدِّش سألني أنا رخره أبقى إيه؟!

فارتبَكَ الرجال وخجلوا قليلًا، وتمتَمُوا باعتذاراتٍ واهية … ثم أراد أحدهم التخلُّص من هذا الموقف؛ فأخرَجَ من جيبه علبة السجائر وأدارها من جديد على أفراد التَّخت … غيرَ أنَّ سُلُم بعد أن مدَّتْ يدها وتناولتْ سيجارة قالت عابسة: بس … كتَّر خيرك يا فندي … إحنا ما نشربش غير «سمسون» فَرط ماركة الغزالة.

وهنا كان القطار قد وصَلَ إلى محطة قليوب؛ فأبى الأفندي إلَّا أن يشتري لسُلُم باكو سمسون من المحطة.

ما غادر القطار محطة قليوب حتى كانت العلاقة قد استحكمت تقريبًا بين أصحاب المقعد التالي الملاصق وبين هيئة التخت.

فتنحنح «لابس البنش» وقال: بقى يا أُسطى حميدة صلِّ على النبي.

فقالت: اللهم صلِّ وبارك عليه.

فاستطرد «لابس البنش»: بقا إحنا ولا مؤاخذة ناس صايمين، والصايم له الحق في التسالي … ولَّا أنا غلطان؟!

وأردف أحد الأفندية: والله تكسبوا فينا ثواب.

– لأ … وكمان يبقى زِكا عن فطاركم.

فأجابت الأسطى حميدة وهي تزجِّج حاجبيها بعود ثِقاب: صوتي مبحوح شويَّة.

فقال «لابس البنش»: صوتك المبحوح ده سلطان الطَّرَب.

وقال أحد الأفندية: أنا عايز أسمع «في العشق قضيت زماني»؛ لأن نعيمة المصرية …

فقاطعتْه الأُسطى حميدة صائحةً باحتقار: يا دهوتي … نعيمة المصرية تعرف تقول «في العشق قضيت»؟!

فقال الأفندي بخبث: ما أنا بقول كده برده.

وهزَّت سُلُم رأسها ثم قالت: يا حضرة الأفندي اللي يسمعنا ما يسمعش نعيمة المصرية.

فأجاب الأفندي: أيوه … ما هو أنا ناوي ما اسمعهاش.

وصادَقَت الأسطى حميدة على قول سُلُم برأسها، ثم صاحتْ بحماسةٍ وخُيلاء: قولي له … قولي له أنا مين؟! دا أنا حميدة المَحلَّوية يا مزغرطات.

فصاح «لابس البنش» باحترام: مفهوم يا فندم … ونِعم …

وفي أثناء حماسة الأسطى حميدة انحدر رأس «ملايتها» بدون أن تشعر؛ فظهَرَ «الصفا» الذهبي البرَّاق الذي يزين شعْرَها، كما ظهَرَ منديل «التِّرتر» في مقدَّم رأسها يخطف الأبصار … وتنبَّه الرجال إلى ذلك، فأخذوا يختلسون النَّظر إلى شَعْرها بين فترةٍ وفترة … ولاحظتْ ذلك منهم فاطمة «الرقَّاصة»؛ فأسرعتْ بتنبيه الأسطى مخاطِبةً إيَّاها باللغة الاصطلاحية بين «العوالم»: إطسا … يا إطسا … أفصك نايب.

أي: «أسطى … يا أسطى … صفاك باين.»

ولكن الأسطى لم تسمع أو تُرِد أن تسمع، متشاغلةً بتزجيج حاجبيها بعود الثِّقاب … ولاحظتْ نجية «الطبَّالة» أيضًا نظرات الرجال إلى شَعْر الأسطى، فسرعان ما انضمتْ إلى زميلتها فاطمة في تنبيه الأسطى: إطسا … أفصك نايب ياختي.

فلم تنتبه الأسطى … وانتبه أحد الأفندية إلى هذه الجملة الغريبة … فلَمْ يفهم معناها، وقال: إطسا … إطسا دي فين؟ … دي وجه قِبلي.

فقال «لابس البنش»: لأ لأ … دُول بيضربوا بالسِّيم.

واشتدَّتْ حِدَّة فاطمة لتغافُل الأسطى حميدة ولنظرات الأفندية لشَعْر الأسطى؛ فصاحت بغيظ: ياختي ما تسمعي أُمال … «أفصك نايب».

وردَّدتْ نجية كذلك بغيظٍ وغَيرة: ياختي الْحقي … أفصك باين.

فانتبَهَ أحدُ الأفندية ضاحكًا: أفص مين اللي باين؟!

فاستدركتْ نجية بسرعةٍ صائحةً: يوه … يا دهوتي … شوفي ياختي … قال بدي أقول أفصك نايب … قلتْ أفصك باين.

ثم ضحكتْ ضحكةً رنانةً … هي التي نبَّهت الأسطى؛ فالْتفتتْ ونظرتْ إليها شزرًا، ثم قالت: هلبت انسخطتي لمَّا ترفعي الصهلولة كده في وسط الباجور.

فقالت نجية: أَصلي غلطت وأنا بضرب بالسيم … قطيعة!

وعادت الأسطى حميدة إلى حاجبيها وعود الثِّقاب؛ فقال «لابس البنش» بتوسُّل: يا أسطى حميدة … أنا محسوبك … التُّقل على الصايمين حرام.

فأجابت الأسطى بتِيهٍ و«دَلَع»: حاضر … من عيني.

فقال أحد الأفندية: «في العشق قضيت».

فأجابت الأسطى بدلال: حاضر.

فقال أفندي آخر: مش حاضر وبس … لأ … إحنا محاسيبك.

فقالت الأسطى: من عيني … حاضر.

فقال «لابس البنش» مشيرًا إلى العود: العود ما هو جنبك … أهو يا أسطى حميدة.

فأجابتْ «بتُقل»: حاضر … حالًا.

ثم نظرت إلى نجية وقالت بصوت يسمعه الأفندية: آه … ياما روحي بتشفشف على فنجان قهوة سادة.

فقال «لابس البنش»: لكِ عليَّا يا أسطى حميدة لمَّا نوصل بَنْها.

وقال أحد الأفندية منتهزًا الفرصة: مش نسمع «في العشق قضيت» يا أسطى حميدة ولَّا إيه؟ … إحنا نرجوكِ رجا خصوصي.

فأجابت الأسطى بدلالٍ و«تُقل» بنتِ «الكار»: حاضر … امسكي الرِّق يا سُلُم.

ثم نظرتْ إلى فاطمة وسألتْها همسًا «بالسيم»: بت يا فاطنة … بُصِّي في وشِّي … هلبت ما حاجب خفيف وحاجب تقيل؟

وفي هذه اللحظة حضَرَ المفتِّش؛ ليفحص تَذَاكِر مَن ركِبَ من قليوب … فقال لطائفة التَّخت بلهجته الجافَّة المُتحفِّظة: ما زادش عليكم حَد؟

فأجابتْه الأسطى حميدة وهي تخطُّ حاجبها الخفيف بعُود الثِّقاب: ما زاد علينا إلا الخطوط …

فانصرَفَ المفتِّش، خشيةَ أن تنقُص هَيبته بمزاح هذه الطائفة … وما كاد المفتِّش يبلغ طرف العَرَبة الآخر … حتى دوَّى في العَرَبة صوتُ هيئة التَّخت بأكملها مع الآلات جميعها من «عُود ورِق ودربُكَّة»:

«في العشق قضيت زماني،
وهمِّي اليوم يكفاني.
آه … انظروا جسمي السقيم.»

فوقف المفتِّش مبهوتًا، ووقَفَ كلُّ القطار على «رِجْل».

باريس – يونيو سنة ١٩٢٧م
١  المقصود هنا طائفة «العوالِم» في مصر منذ نَيفٍ وثُلث قَرن، وقد انقرضت اليوم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤