راقصة المعبد

١

ثعبانٌ قد انساب بين الجبال والوديان، تارةً يصعد كأنه يُلاحق العصافير، وتارةً يهبط كأنه بَرَد الماء المنحدِر من القمم، وتارةً يسعى في نفَقٍ مُظلِم طويلٍ كأنه يختفي عن أنظار المُطارِدين … ذلك القطار القادم من «سالزبورج» الذاهب إلى «باريس» … وكنتُ في مقعدي أحمل كتابًا ولا أقرأ، وأي عينٍ تستطيع أن تثبُت على صفحة وفي القطار نوافذ، وأمام طبيعة ترقص، أحيانًا متجرِّدة، وأحيانًا في أثوابٍ عجيبة الألوان كأنها «سالومي» في رقصة السبع الغلائل الحريرية … شيءٌ واحد كان يُفسد عليَّ هذا الروي الإلهي: صوت الآلة الكاتبة ينقر عليها مترجمي الفرنسيُّ نقراتٍ متصلة، وقد خلَعَ سترته، وشمَّرَ عن ساعديه، كأنما القدَر قد سلَّطه على صفوي؛ يكدِّره في تلك الساعة الجميلة … ولم أطِق صبرًا فصِحْتُ به: كفى بحقِّ رأسك اضطهادًا لرأسي … ألَا ترى الطبيعة أمامك كالراقصة الفاتنة، وأنَّ نقْرَك هذا يُهينها ويُغضبها؟

فأجاب دون أن يُعنى بالنَّظر إليَّ: الطبيعة راقصةٌ أندلسية … ونقري هو صوتُ الصفاقات الخشبية في أصابعها.

ومضى في عمله يصفِر بفمه … فقلتُ يائسًا: وزاد علينا الصفير … هذا «المزمار» غير «المسحور» ما حاجتنا إليه الساعة؟ … لقد كنا اكتفينا منك «بالصفاقات»!

– تلك أغنيةٌ غجريَّة سمعتُها في فيينا.

فنظرتُ إليه شزرًا، ولم أتمالك: غجرية؟! … أُقسم لك بشرفك أننا نحن الغجر … وهل رأيت فوضى أعجب مما نحن فيه؟! … ما يقول عامل القطار لو أنَّه رآك الساعة على هذه الصورة؟

– يقول إننا من رجال الأعمال … لا من رجال الفنِّ المخابيل … ينبغي أن تذكُر أن الناشر في «باريس» ينتظر مخطوطةَ كتابنا غدًا … والفصل الأخير لم يُضرب بعدُ على الآلة الكاتبة … أليستْ فرصةً سانحة أن نعمل في القطار والمقصورةُ خالية؟!

لم أنبس … ومِلتُ بجسمي كلِّه إلى النافذة أطلُب الهرب بروحي وفكري … لكنَّ الآلة الكاتبة بضجيجها، كانت في وجهي، على المائدة الصغيرة المتحركة التي بيني وبين صاحبي … فنهضتُ، وتركتُ له المكان، واتَّجهتُ إلى نافذة الممرِّ في الجهة الأخرى … فاستوقفني!

– إنَّك لم تُعطِني عنوانك في «باريس».

– ومتى كنتُ أعطي أحدًا عنواني، في «باريس» أو في غيرها؟

– وكيف أعثُر عليك؟

– إياك أن تعثُر عليَّ … إنِّي في باريس أريد دائمًا أن أكون مثلَ السَّمك في الماء … فإذا كان للسمك في الماء عنوان، فإن لي في باريس عنوانًا … أريد أن ينطبق عليَّ قولُ الشاعر «هنري هايني»:

«إن سألتُم السَّمكَ في الماء كيف حالك أيها السَّمك؟ … لأجابكم: إني كهنري هايني في باريس!»

فرفَعَ صاحبي يده عن العمل ونظَرَ إليَّ مليًّا.

– وأعمالنا هذه؟ والناشر … إذا طلَبَ حضورك للتوقيع على عقود … أأقولُ له إنَّ عنوانك كعنوان السَّمك في الماء؟

– هذا ما ينبغي لك أن تقوله بالضبط.

فضرَبَ «موريس» على مفاتيح الآلة الكاتبة ضربةً أو ضربتَين، ثم قال كالمُخاطِب لنَفْسه دون أن ينظُر إليَّ: أنا الذي كان يحسب أنَّك تنتهز الفرصة، فترى في «باريس» الأدباء الذين قرءوك، ويتصورونك بخيالهم الأوروبي رَجلًا ذا عمامةٍ كعمامة «ابن سيناء»، ولحيةٍ كلحية «عمر الخيام»، وحريمٍ كحريم «هارون الرشيد»، يعجُّ بالجواري الحِسان، والنساء ذوات العصائب والسراويل … آه! … ما أعجب منظرَك حقًّا بين الجواري والنساء! … أنت العدو اللدود للمرأة؟ … شدَّ ما أنتم عليه! … إنَّك تبغض المخلوق الوحيد الذي يستطيع أن يُلهمك خير الكتب … يا لَلنعمة الزائلة! … هذه الكتب التي كان مُقدَّرًا لها أن تخرج من هذا القلب النائم المتثائِب … كنْ على ثقةٍ بأنَّ هذه الكتب كنا ننشر بعضها تِباعًا في المجلات الكبرى، كما يفعل اليوم كُتَّاب العالم المشاهير؛ فتدرَّ علينا الدنانير … إنَّك أيها الكاتب الشرقي لا تعرف كيف تُؤكل الكَتِف.

وقرعتْ سمعي الكلمةُ الأخيرة لجوعي وقتئذٍ فنظرتُ إليه سريعًا: أين هي الكتف … وأنا أعطيك العهود والمواثيق … أنِّي أتعلَّم أكلها في مثلِ لمْحِ البصر؟

– أنا أدلُّك عليها … أصغِ إليَّ … لقد فاتني أن أُخبرَك: لمحتُ منذ ساعة في هذا القطار، الراقصة البولونية «ناتالي …» التي ظهرتْ على أحد مسارح «باريس» منذ عامَين، ورحلتْ إلى فيينا للاشتغال بالسينما … إنها حقًّا ذاتُ جمالٍ مُخيف … جمال يصعق للفور.

فالْتفتُ إليه مُقاطِعًا: أتعتمد على هذه المرأة في أن تُلهمنا الكتب التي تدرُّ علينا الدنانير … أم أنَّك تعتمد عليها في صعقي للفور؟

– في كلا الأمْرَين.

– كنْ على ثقةٍ بأنه ما من كتبٍ ستُكتب، وما من دينارٍ سيدخل جيوبنا … إنما المؤكَّد الموثوق منه أنِّي أنا الذي سيُصعق للفور … ولا مصلحةَ لك في ذلك فأغلِقْ هذا الباب أيها العزيز، ودَعْنا نظفر بسلامةِ الوصول.

– ولكنَّ السلامة لا تدفعك إلى الكتابة … ينبغي أن تُصهَر في لهَبِ الحُب حتى يهبط عليك الوحي.

– اسكتْ يا «موريس» وكفى سخفًا.

– بل إني لجادٌّ كلَّ الجِد.

فلَمْ ألتفتْ إلى قوله، فنظَرَ إليَّ يطلُب الجواب … فصِحْتُ: وإذا أكَّدتُ لك أنِّي إذ أقع في الحب لا أستطيع أن أكتُب سطرَين؟

– إذا أحببتَ، فإنَّك لا تستطيع أن تكتب؟!

– مُطلَقًا.

– ومَن الذي يكتُب لك رسائلَ الغرام؟

– في هذه المرة ليس أمامي إلا أنت …

– فتغيَّر وجه «موريس»: أنا؟! … لا … وألف مرَّة لا … إذا كانت النتيجة أنِّي أنا الذي … لا يا سيدي العزيز.

فابتسمتُ، وعاد إليَّ الاطمئنان … فاستطرد الفرنسي: وأنت عندئذٍ ماذا تصنع؟

– أنا واقعٌ في الحُب.

فنظَرَ إليَّ مُحملِقًا: وهل الحُب بئرٌ أو جُب أُلقيتَ فيه مكتوفَ اليدَين؟

– وما هو إذن؟

– أهو كذلك عندكم معشرَ الشرقيين؟

– لستُ أتكلَّم باسم الشرقيين … ولكني أقول لك أصالةً عن نَفْسي: إنه ينبغي لك أنْ تفهم أنَّ الحُب شيء، والتأليف شيءٌ آخر.

وأدرتُ له ظَهْري، واتَّجهتُ إلى النافذة، وطفقتُ أتأمَّل المناظر التي تمُرُّ بي في تماسُكٍ وارتباطٍ كأنها «فريسك» عظيمةٌ رسمتْها أيدٍ سماويَّةٌ على لوحةِ الفضاء، إلى أنْ نبَّهني رنينُ الصينيَّة النحاسية يقرعها خادمُ عَرَبةِ الأكل مُعلنًا ساعةَ الشاي … فنظرتُ إلى صديقي: الشاي يا «موريس» … بطني قد رَقصَ طويلًا «رقصة الجوع» حتى خارت قُوَاه!

فلَمْ يُجِب … وأشار إليَّ برأسه أنَّه باقٍ للعمل … فتركتُه وأسرعتُ، فقطعتُ دهاليز العربات على غير هدًى، أبحث عن عربة الطعام، وأنا لا أذكُر إن كنتُ في مؤخرة القطار أو في المقدمة … وكانت سرعة القطار تدفع المارَّ إلى الارتطام بالجدران، وبالمسافرين الواقفين في الممرِّ، وأكثرهم من النساء النشِطَات، أضجَرَهنَّ طولُ الجلوس … فمضيتُ حذِرًا خائفًا أن يختلَّ توازني فأقع على امرأة، والويل لي عندئذٍ، وإن كان من وراء ذلك: الإلهام، وصُنع الروايات، وامتلاء جيب «موريس» بالدنانير والفرنكات.

وبينا أنا أجتاز عربةً من العربات وقد بدا عليَّ الجهد؛ إذا رجلٌ كهلٌ أبيضُ الشَّعر، في ثيابٍ صفراءَ غيرِ نظيفة كثيابِ عُمال القطار، يقطع الممرَّ في نشاطٍ عجيب. فما إن دنا منِّي حتى أرسل إليَّ — من عينَين صغيرتَين خلْفَ منظارٍ سميك — نظرةً باسمة، فيها أُلفة، وفيها دعوةٌ خفيَّة إلى الكلام … وغلَبَ عليَّ تحفُّظي وجمودي، فلَمْ أعبأْ به، وهممتُ بالإعراض عنه، وسرتُ في طريقي، فأسرع في أدبٍ ولباقة، ودفَعَ أمامي بابَ العَرَبة التي أريد اجتيازها، وهو يقول في لهجةٍ فرنسيةٍ غريبة، لكنَّها مفهومة، وفي نبرةٍ مَرِحة تنمُّ عن خفَّةِ روح: ما زالتْ لديَّ كما ترى قوَّة الشاب!

فابتسمتُ، وسألتُه من فوري: عربة الأكل أين موقعها؟

فلَمْ يمهلني، وخفَّ أمامي يقودني إليها بنَفْسه، ويفتح أمامي الأبواب المُعترضة بقبضته الصُّلبة وحركته النَّشِطة، حتى أشرفْنَا عليها، ولمحتُ موائدها فانطلقتُ نحوها من فرْطِ جوعي … وجمُدتْ عيناي على أطباق الزُّبد وأواني العسل … لا أُبصر غيرها في المكان، ونسيتُ الشيخ الذي قادني، واستدرتُ بعد هنيهةٍ أُنادي الجرسون كي يُجلسني في موضعٍ غير محجوز، فألفيتُ الشيخ بالباب ينظُر إليَّ في ابتسامته الوديعة، فأعرضتُ عنه، فتركني ووقَفَ مع الطُّهاة يحادثهم، فتنفستُ، وقلتُ في نَفْسي: «لو صاحبتُ هذا الرَّجل ذا الثياب الصفراء المرصَّعة ببُقَع الزَّيت والغبار، لكان جزاؤنا الطَّردَ من هذه العَرَبة؛ فالخير في أنْ أتجنَّبه الآن إذا كان لي في الأكل مَطمَع.»

وأبطأ عليَّ الغلام، فرفعتُ بصري عن الزُّبد والعسل والخبز المحمَّر، وأدرتُه في المكان أبحث عن مائدة، فإذا الموائد قد شُغلت، ولم يبقَ غيرُ كرسيٍّ خالٍ في المائدة تجلس إليه سيدتان في مُقتبَل العمر، إحداهما ذاتُ جمالٍ مخيفٍ حقًّا … ما إن وقعتْ عيناها على عيني حتى أشحتُ بوجهي عنها كما يُشيح الإنسان بوجهه عن الشمس.

ووجدتُ عن يساري مقعدًا خاليًا يجلس إليه رَجلٌ من ثُراة الأمريكان وزوجه، فسقطتُ عليه كما يسقط العصفور الذي أصابتْه عينُ الأفعى، وهدأ روعي قليلًا، ورفعتُ رأسي فرأيتُ الأنظار كلها مُصوَّبة إلى هذه الجميلة، وخُيِّل إليَّ — ولعلَّ الأمر لا يعدو الخيال — أنَّه ما من واحدٍ يجرؤ على الدنوِّ من المائدة التي عليها الجمال، وخُيِّل إليَّ أيضًا أنه ما من عينٍ تصمد طويلًا أمام هاتَين العينَين … كهرمان وذهب وعسل مُصفًّى، مُزجتْ ألوانها فخرج منها لونٌ لستُ أدري ما اسمه بين الألوان: هو لون هاتَين العينَين.

وأقبل الغلام بأباريقِ الشاي واللبن، وصبَّ منها في فنجاني، ومضى ولم أُبدِ بعدُ حَراكًا … وبينا أنا على هذه الحال إذ عيناي تبصران في دهشةٍ ذلك الشيخَ ذا الثياب الصفراء قد عاد فدخل العربة، ومشى بخطًى ثابتةٍ مطمئنةٍ إلى مائدةِ الجميلة، وجلس في المقعد الخالي إلى جانبها بغير تردُّد ولا اضطراب … وما إن استقرَّ به المجلس حتى ثبَّتَ مِنظاره على أنفه، وأرسل إليها نظرةً فاحصةً هادئة، فهالني الأمر! قلتُ في نَفْسي: «هذا الرَّجُل مطرودٌ مطرود!»

وحانت من الرجل الْتفاتة إليَّ وابتسم، فعجلتُ ومِلتُ بوجهي عنه … وبودِّي لو أصيح في الناس قائلًا: «أُقسم لكم أيها الناس إني لا أعرف هذا الشيخ، ولم أرَه قَط في حياتي.»

غير أني رأيتُ عجبًا بعد قليل، ما كِدتُ أجازف وأختلس النظر إلى تلك المائدة حتى وجدتُ الشيخ يُحادِث الجميلة، وهي تحادثه، وقد أضاء السرور وجهها فازداد إشراقًا على إشراق، وإذا هي تبتسم وتضحك، وتغرق في الضحك، فعجبتُ وقلتُ في نَفْسي: «مَن هذا الرَّجل الذي استطاع أن يُضحك الجميلة ولما يمضِ على جلوسه خمس دقائق؟!»

واستغرب الأمر كذلك بعض الرُّكاب، فنظروا إليه … وجاء الغلام فطلَبَ منه الشيخ سلَّةَ فاكهةٍ غضَّةٍ منوَّعة، فانحنى له الغلام انحناءةً تدلُّ على تقديرٍ له ومعرفةٍ لشخصه … وكانت المرأة الأخرى صامتةً قد اتَّجهتْ بوجهها شطْرَ النافذة، وقد ظهر من شأنها أنَّها لا تعرف الجميلة، وأنها — على ملاحةِ وجهها هي كذلك ورشاقة قدِّها — يعيبها جمودٌ وصلابةٌ ينمَّان عن جنسها الألماني … ولكن … لم يمضِ قليلٌ حتى كان الشيخ قد أضحك أيضًا تلك الألمانية، وأخرجها ليِّنةً طيِّعةً من محيط نَفْسها الجامدة كما يُخرج الساحر البارعُ الكَنزَ من مخبئه … وإذا المائدة قد دبَّتْ فيها رُوحٌ خفيفةٌ لطيفة، وإذا الجَمال الصامت قد تحرَّك، وشعَّتْ منه تياراتٌ مرِحةٌ فتَنَت لُب الحاضرِين … وإذا هذا المطعم الراكد يكاد يحسُّ كأنَّ رُوحه النابضة تلك المائدة التي جلَسَ إليها الشيخ بين الجميلتَين … وتكاد هذه العَرَبة تشعر من فرط المرح بخِفَّتها عن بقيَّة العربات، وبرغبتها في الارتفاع والرقص بمَن فيها فوق «الخطِّ الحديدي».

حِرتُ في أمر هذا الرَّجُل العجيب، وقد نزَلَ من نَفْسي منزلةَ الاحترام … وصِحتُ من أعماق نَفْسي: «إنْ هذا إلَّا أستاذٌ عظيم.»

ومنذ تلك اللحظة جعلتُ همِّي أن أترضَّاه، فأكثرتُ النظر إليه متربِّصًا به، علَّني أُصيب منه فرصةً … غير أنَّ الخبيث — وقد أدرك ما بي — لم يعطف عليَّ بنظرة، ولم يحفلْ بأمري ولم يمِلْ بوجهه ناحيتي قَط … ولم أقنط من رحمته، وجعلتُ أتابعه بنظري وسمعي، وأراقبه وهو يحادث الجميلة بالفرنسية فتضحك، ويداعب الأخرى بالألمانية فتضحك، وأنا لا يضحك قلبي ولا يبتهج، بل يمتلئ حسرةً ويأسًا وخوفًا أن يُمعن هذا الرَّجُل في تعذيبي بهذا الإهمال، وفي يده الآن مفتاح سعادتي وشقائي.

وأراد أخيرًا أن ينادي الجرسون، فوقعتْ منه عليَّ نظرةٌ عابرة، فأسرعتُ بقلبٍ واجِفٍ وأملٍ متجدِّد، وابتسمتُ له، وانحنيتُ برأسي تحيةً له واحترامًا، ولكنه ازوَرَّ في الحال بوجهه عنِّي، كأنَّه لا يعرفني، وكأنه لم يرَني قَط في حياته … فهمستُ في أعماق نَفْسي على حالٍ كسيرةٍ ويأسٍ أليمٍ وغيظٍ مُحرِق: «أيها الشيخ الملعون … عملتَها وانتقمتَ لنَفْسك شرَّ انتقام!»

ومضتْ لحظاتٌ لستُ أدري ما حدَثَ فيها، غيرَ أنَّ فنجاني ظلَّ على حاله، لم أرشفْ منه سوى مرةٍ أو مرتَين، والزبد والعسل والخبز المحمَّر لم أضعْ يدي في طبقٍ من أطباقها، ولم يبقَ منِّي إلَّا إنسانٌ جالسٌ لا حَراكَ به، ينتظر فُتاتَ النظرات من مائدة الجَمال … ولعلَّ هيئتي كشفتْ للرَّجُل عن دخيلتي، وكأنما أدركتْه بي شفقة، وكأنما أحسُّ أنَّ الدرس الذي أعطانيه قد أثمر … فإذا هو فجأةً قد أقبَلَ عليَّ بوجهه، ونظَرَ إليَّ نظرةً صريحةً باسمةً ردَّت الرُّوحَ إلى جسدي … وفي لباقةٍ غريبة، وبمناسبةٍ لستُ أدري كيف أوجَدَها، وجَّهَ إليَّ الكلام في جوٍّ من الأُلفة، نسَجَ خيوطه للتوِّ، حتى كاد الحاضرون وكِدتُ أنا نَفْسي أعتقد أن المعرفة بيننا قديمةُ العهد قويَّةُ الأسباب، دون أن أدري أو دون أن أذكُر: إنَّك قادمٌ من «فيينا»؟

قالها الشيخ بفرنسيته الغريبة المفهومة … فأسرعتُ بالجواب: لا … بل من «سالزبورج».

– حيث المهرجان الموسيقي … شأنك إذن شأن السيدة.

قالها الرَّجُل مشيرًا إلى الجميلة، ثم إليَّ في حركةٍ لبِقةٍ هي أبلغُ من التقديم، وإذا هي تُقبِل عليَّ في نظرةِ المتسائل عن أمرِ حضوري المهرجان … فتعلَّقتُ بأذيال هذه النظرة، ونهضتُ من مقعدي في الحال كمَن وُخزَ بإبرة، وذهبتُ إليهم وجلستُ في المقعد الرابع الخالي إلى جانب الألمانية، وأنا أقول في نَفْسي: «إنْ فاتتني هذه الفرصة فموتُ مثلي خيرٌ من حياته!»

ونظرتُ إلى الجميلة أمامي وإلى الشيخ الجالس بجوارها. وقلتُ على عَجل: سيدتي حضرتْ كذلك المهرجان؟

– نعم … كان بديعًا … ألَا ترى ذلك؟!

– وأيَّ إبداع! … لقد أمرضني المطبخ النمسويُّ ورَمَى معدتي بالداء، فشفتْني الموسيقى النمسوية ووجدتُ فيها الدواء.

فقال الشيخ باسمًا: إذن لقد خرجتَ من المهرجان لا لك ولا عليك!

فضحكنا … وقلتُ للشيخ: لقد خرجتُ مع ذلك بشيءٍ لا يُقوَّم بمال: مشاهدتي أوبرا «أورفيوس وإيردويس» للموسيقي «جلوك».

فنظرتْ إليَّ الجميلة في دهَشٍ: أليس كذلك؟! … حقًّا … إنها كانتْ أعجبَ وأبدعَ ما عُرضَ هذا العام … إنِّي أُدهش كيف أن هذه «الأوبرا» المعروفة بما فيها من إملالٍ للنفس، قد انقلبتْ تحت عصا «برونوفالتر» شيئًا يَسْحَر اللبَّ … لقد جعل منها قطعةَ «باليه» راقصةً طائرة، كأنها من تأليف الملائكة … أتذكُر منظر الجحيم ومنظر الفردوس … ما أبدَعَه «كوريجرافي»!

– يُخيل إليَّ يا سيدتي أنَّ «جلوك» كان قد وضَعَ قطعته لتؤدَّى على هذه الصورة الراقصة، لا لتُغنَّى كما تُغنَّى بقيَّة الأوبرات. لقد قالت مثلَ هذا القول الراقصة العظيمة «إيزادورا دونكان» وهي أعرفُ الناس في نظري «بجلوك» … ماذا تُراها كانت تقول لو رأت اليوم «أورفيه» كما عُرضتْ هذا الصيف في «سالزبورج»؟!

فقالت الجميلة: أرأيتَ «إيزادورا»؟

– رأيتُها مرةً منذ عشر سنوات في رقصتها الأخيرة … وفي اليوم التالي نشَرَت الصُّحف خبرَ موتتها الفظيعة في «نيس» مخنوقة في غِلالتها الحريرية … لقد تواطأتْ على قتلها تلك الغِلالة التي طالما رقصتْ بها، مع الهواء الذي طالما أحبَّت الرقص تحت جناحَيه! … لقد حزِنتُ عليها وقلتُ في نَفْسي: «شاء القدَرُ ألَّا تموت حتى أراها، وتُزيح لعيني السِّتار عن عالَمٍ رائع كنتُ أجهل وجوده من قبل … وا أسفاه عليكِ يا «إيزادورا»!»

وعندئذٍ قطَعَ الشيخُ الحديثَ وهو ينظر إليَّ: يُخيَّل إليَّ أنَّك أيضًا يا سيدي من رجال الفن: موسيقي؟ … مصوِّر؟ … شاعر؟ … روائي؟

فقلتُ له باسمًا: صدقَتْ فراستُك … أنا من أولئك النفر الذين خُلِقوا كي يملئوا الدنيا كذبًا وتمويهًا.

فقال الشيخ للفور: إن أردتَ الحقَّ، فكلُّ رجال الفنِّ في الكذب سواء … ولكنِّي أحسب الروائيَّ أطولَهم باعًا وأملأهم جَعبةً.

– لا سِيَّما إنْ كان شرقيًّا من صُلب مؤلفي «ألف ليلة وليلة».

فقالت الجميلة وهي تنظر إليَّ باسمةً: يسُرُّني حقًّا أنْ أرى كاتبًا من سلالة تلك الفئة العجيبة … ولكني لا أحبُّ أن تسمِّي فنَّك كذبًا … إنَّ الكذب المتَّسق هو أصدقُ من الصدق … ما الفنُّ إلا كذبٌ متَّسقٌ جميل.

فرفعتُ عيني إلى السماء، وقلتُ في شبه دعاءٍ إسلامي: اللهم نسِّقْ لي كذبي!

فضحكت الجميلة وضحِكَ الشيخ، وحتى الألمانية ضحكتْ من منظر كفَّيَّ المرتفعتَين إلى السماء، على نحوٍ لعلَّها ما رأتْه إلَّا في الأفلام السينمائية التي تمثِّل الصحراء والبدو من المسلمين.

وكانت الألمانية قد فرغتْ من تناوُل الشاي ومحاسبة الغلام، ورأت الحديثَ يدور بالفرنسية التي لا تعرفها، فنهضتْ وحيَّتنا بإشارةٍ من رأسها تحيةً سريعة، وانصرفتْ إلى عربتها، وتركتْنا نحن الثلاثة في ضحكنا وابتسامنا وسرورنا … وكان مقعد الألمانية أمام الجميلة وجهًا لوجه، وعن يمينها النافذة البلورية، فبادرتُ وانتقلتُ إلى مقعدها الخالي … وأنا أقول للشيخ: وأنت يا سيدي … هل كنتَ معنا في «سالزبورج»؟

– لا … للأسف … إنِّي قادمٌ من «إنسبروخ» حيث كنتُ طولَ وقتي أتسلَّق الجبال، ولم أزَل كما ترى بثيابِ التسلُّق القَذِرة … إنِّي من قدماء المتسلِّقين الهُواة … لذلك أعترف لك بأنَّ الموسيقى التي تهزُّ مثلي هي موسيقى الطبيعة.

– هنيئًا لك يا سيدي هذه الموسيقى … ومَنْ غير الموهوب يستطيع أن يتذوَّق «سانفونيات» الطبيعة الصوتية الضوئية في آن؟ … ما الفنُّ إلا سفيرٌ بيننا وبين «الطبيعة» يصفُ لنا «بلاطها» وما فيه من أُبَّهةٍ وبذخٍ وعجائبَ وأسرار.

فلمعتْ عينا الجميلة، وقالت كأنها تخاطب نَفْسها: الفرق بين الفنِّ والطبيعة في الرقص، كالفرق بين «بافلوفا» و«إيزادورا».

فحدقتُ فيها، وقد أخذني الدَّهَش: ملاحظتكِ يا سيدتي غاية في الصواب … وإن كان علمي بفنِّ الرقص غير غزير … نعم … عند «إيزادورا» الإنسان في الطبيعة شأنه — سواء بسواء — شأن الزهرة في المروج، والشجرة في الغابة، والسنبلة في حقل الحنطة … له رقصته الطبيعية، وله تموُّجاته المتَّسقة مع الهواء العابث بشعره المرسل الطائر … فهو في غير حاجةٍ إلى تقليد «موت البجعة» أو «مشية العصفور».

فقالت: ولكنَّ الفنَّ مع ذلك هو الجمالُ المصنوع … إنَّ من فضائلنا — نحن الآدميين — أننا استطعنا أن نصنع الجَمال في معاملنا البشرية … ولم نكتفِ مثل بقيَّة عناصر الطبيعة بأن ننتظم نغمًا في نشيدها العامِّ وحركة في رقصتها الكبرى.

فقلتُ لها على الفور: أنتِ تُحبِّين «بافلوفا».

فأجابتْ باسمةً: وأنت تُحبُّ «إيزادورا».

فصاح فينا الشيخ بغتةً: مهلًا … مهلًا … وأنا أحبُّ مَن؟ … أتوزِّعان فيما بينكما «الأحبَّة» وتتركاني بغير «حبيب»؟!

فبرقَ في رأسي خاطر، وتذكَّرتُ من فوري حديثَ صاحبي الفرنسي عن الراقصة البولونية، وأيقنتُ من كلام الجميلة في الرقص ومن جمالها «المُخيف» أنَّها ولا ريب هي …

فأسرعتُ وأجبتُ الشيخ باسمًا وعيناي إلى الفاتنة: أنتَ تحبُّ «ناتالي …».

فتلوَّن وجه الفاتنة على نحوٍ أدركتُ معه أنِّي في حضرة الراقصة … والْتفتَ الشيخ إلى جارته قائلًا في لباقةٍ وكياسة: لو أذنتِ أن أكون من عبادك المُعجَبين!

فأسرعتُ قائلًا للشيخ في ضراعة: مهلًا … لا تتركْني … خذْني معك أنا أيضًا عبدًا من العباد الخاضعين الساجدين …

فضحِكَت الجميلة ضحكةً رقيقةً كشفتْ عن ثغرٍ لؤلؤيٍّ أثمنَ من كنوزِ سليمان … وقالت: أتحبَّان الرقص بهذا المقدار؟!

فقلتُ من فوري: وكيف لا نحبُّه يا سيدتي والكون كلُّه رقص … إنَّ المجموعة الشمسية في دورانها الأبدي ليست إلَّا رقصة «باليه»!

فقال الشيخ في تنهُّد المشتاق: كم ترى ثَمنَ الكرسيِّ لمشاهدة هذا «الباليه العلوي»؟

فقلتُ باسمًا: أقلُّ ثَمنٍ للحضور، فيما أعتقد، «حياة» الإنسان.

فقال الشيخ باسمًا: تقصد ولا ريب بأقلِّ ثَمنٍ: «أعلى التياترو»!

فضحكت الجميلة وقالت: ليس الثمن باهظًا على أيِّ حال … على شرط أن يُسمح لنا برؤية هذا المشهد العجيب!

فقال الشيخ: اطمئنِّي يا سيدتي … قلبي يحدِّثني أنَّ كراسينا محجوزةٌ مُقدَّمًا، من قبل أن نُولد لمشاهدة هذه الحفلة … وكل ما أرجو أن نوضع نحن الثلاثة في مقاعد مُتقارِبة كما نحن الآن … حتى نتبادل الآراء فيما نشاهد، كما نتبادلها الآن … ينبغي إذن أن نتعارف من الساعة حتى لا يضلَّ أحدُنا عن الآخر … أتسمحان؟! … وأَخرَج الشيخ من جيبه محفظةً تناوَلَ منها بطاقة، وفعلتُ عندئذٍ فِعلَه، وكذلك فعلت الجميلة، وتبادَلْنا البطاقات … وعلمتُ أن صاحبي الشيخ من أصحاب المصانع الموسرين في بوخارست، وأنَّ الجميلة هي حقيقةً «ناتالي». وأردتُ أن أحيِّي هذا التعارُف بزجاجةٍ من الشمبانيا؛ فناديتُ الغلام وطلبتُ منه ذلك، فاعترض الشيخ محتجًّا في ظرف أن هذا الواجب من نصيبه … ثم اتفقنا آخرَ الأمر على أن ندعه يفعل ما يشاء في العشاء … وجاءت الشمبانيا في وعائها الفضِّي مُحاطةً بالثلج … وفضَّ الغلام خاتَمها، وملأ الكئُوس. وما كِدْنا نرفعها إلى الشفاه حتى دخل صاحبي «موريس» عربة الأكل، ووقَعَ نظَرُه عليَّ في الحال وأنا على هذه الحال، بين جَمالٍ باهرٍ وشرابٍ فاخِر، ونعيمٍ ليس بعدَه نعيم، فارتسمتْ على فمِ الملعون ابتسامةٌ أدركتُ لوقتي معناها … ولمْ يُمهلني حتى أتدبَّر أمري معه، ودنا حتى بلَغَ مائدتنا، فانحنى أمامي باحترام، وقال: سيدي «عدوُّ المرأة» لم يُصعق بعد على الفور؟!

ثم اعتدل واستدار، ورجَعَ من حيث أتى … كأنَّه كان قد جاء ليُلقي هذه الكلمة ويَمضي.

وبدا الدَّهَش على وجه الجميلة والشيخ، وكأنَّ أعيُنَهما تسأل عن معنى ذلك.

ولم أرَ بدًّا من الإفصاح … فقلتُ: هذا الرَّجُل يرى ألَّا نفعَ لي ولا فَلَاح إلَّا إذا صعَقَني حُب امرأة!

فصاح الشيخ: وحقِّ هذا الشَّراب المقدَّس إنَّ الرَّجُل قد صدَقَ!

ونظرتْ إليَّ الجميلة باسمةً: ولكنه قال أيضًا إنَّك «عدوُّ المرأة».

فأردتُ أن أُشير بالإيجاب، فبادَرَني الشيخ مُقاطِعًا: إياك أن تَكفُر في حضرة الجَمال … ألستَ معي من العباد الصالحين الخاضعين؟!

فقلتُ في شيء من التمرُّد: إنِّي أحبُّ الجَمال وأكره المرأة.

فقالت الجميلة في هدوءٍ وابتسام: لماذا تكرهها؟

– أأكون صريحًا؟

– نعم.

– لأنَّ المرأة يا سيدتي مخلوقٌ … ماذا أقول؟! … أرجو عفوَكِ … إنِّي كلما تذكَّرتُ أثرَةَ المرأة وظلمها ومنطقها الغريب … إليكِ يا سيدتي مَثلًا بسيطًا … ما جرى في تلك القطعة الموسيقية التي شاهدناها … لقد رأينا «أورفيوس» المسكين في الفصل الأول يبكي على قبر زوجته «إيروديس» ويستبكي الآلهة بألحانه الحزينة وقيثارته الشجيَّة، حتى أذنوا له أخيرًا بالبحث عنها في الجحيم والفردوس … إلى أن وجَدَها … وأراد الخروج بها إلى الدنيا، فلَمْ تأبَ عليه الآلهة ذلك، على شرط ألَّا ينظُر إلى وجه زوجته «إيروديس» قبل أن يجتازا مملكة الموت، وإلَّا بقيتْ زوجته إلى الأبد في مملكة «بلوتون». وتذكُرين يا سيدتي بعدئذٍ كيف أن تلك المرأة قد نسيتْ كلَّ ما فعَلَ زوجُها من أجلها، وأنَّها عاتبته مُر العتاب؛ لأنه «فقط» لم ينظُر إلى وجهها … وما زالت به حتى أَنسَتْه وعده، ونظَرَ إليها؛ فسقطت لوقتها، وعادتْ رُوحها إلى مملكة الظلام … فبكى الرَّجُل من جديد، واستبكى … إلى آخر القصة … ولو كنتُ في مكانه لتركتُ هذه المرأةَ وشأنها.

فسدَّدتْ إليَّ الجميلة نظرةً فاترة ألقت الاضطراب في «جهاز» عقلي … وقالت في نبرةٍ عَذْبة أتتْ على البقيَّة الباقية منِّي: ما أقسى حُكمَك!

فقلتُ كمَن يتَّقي سلاحًا مصوَّبًا: باللهِ لا تُسلِّطي علينا الجَمال يا سيدتي … إنَّه في أيديكن كالمخالب في أيدي القطة … تُبرزنه وقت اللزوم … من أجل هذا أكره المرأة.

وكأنَّ الشيخَ لم يُطِق سكوتًا؛ فقال في صوت المتوسِّل: لا تكره المرأةَ يا سيدي العزيز … إنَّ المرأة الجميلة كالزهرة النَّضِرة … كلُّ شيء فيها جميلٌ، حتى شوكُها … إنَّ الجَمال لا يتجزَّأ … إنَّه الجَمال وكفى … إنَّ الجَمال هو فضيلةُ المرأة … بل هو الفضيلة وكفى.

فأجبتُ الشيخَ في صوتِ المغلوب على أمره: لقد خُنتَني يا سيدي … وفتتَّ في عضدي، وخذلتَ جنسنا، وظاهرتَ الجنس الذي يُقال إنَّه لطيف، وهو في غير حاجةٍ إلى دفاع … إنَّ المرأة لا تُدافِع … إنَّها تهاجم وتصعق … آه من الجَمال … المرأة الجميلة هي القوة وكفى … هي الصاعقة وكفى.

وأخرجتُ منديلي كأنِّي أريد أن أُجفِّف عرَقَ الاندحار.

فضحكت الجميلة وقالت: لا يبدو عليك مطلقًا أنَّك صُعِقتَ.

– وماذا تريدين يا سيدتي أن يبدو عليَّ؟

– لستُ أدري … لكن …؟

– لا أكتمكِ يا سيدتي أنَّ في رأسي «مانعةً» للصواعق … كتلك القطعة من الحديد التي تُوضع في رءوس البيوت … هو مبدأ قد رسخ في ذهني: إنَّ حريتي أثمَنُ عندي من رُوحي … وإنَّ المرأة وحدها هي أخطر عدوٍّ يهدِّد هذه الحرية … فالمرأة يا سيدتي هي السجَّان … الدائم لنا نحن الرجال … نتخبَّط بين جدران بطنها ونحن أجِنَّة … نَطعَم ما تريد هي أن تُطعمنا إيَّاه … فإذا خرجنا من بين تلك الجدران المُظلِمة إلى الحياة المُضيئة الرَّحبَة؛ وقعنا بين سِياج حجرها، تُغذِّي أفهامنا بما تريد هي أن تُلقِّننا إيَّاه … فإذا اجتزنا بالكِبَر ذلك السِّياج تلقَّتْنا أغلال ذراعَيها فطوَّقتْ أعناقنا حتى الممات … فمتى الخلاص منها؟ … ومتى الحرية؟

فابتسمت المرأة ابتسامةً لها فِعْل الكهرباء: ألَمْ أقُلْ لك … إنَّك لم تُصعَق؟!

فصاح بي الشيخ: سيدي العزيز … سيدي العزيز … أتوسَّل إليك في خضوعٍ أن تُخرِج من رأسك تلك الحديدة!

فتنهَّدتُ وقلتُ: وما حظُّك من أن تعرِّضني للخطر؟ … يا إلهي اشهد! … لقد اصطلحتْ عليَّ الأسباب هذه الليلة لإضاعتي … إنَّ «الحديدة» يا سيدي قد صُهرتْ … ومتى كانت صاعقة الجَمال يردُّها حديد أو خشب؟ … إنِّي قد صُعقتُ … إنِّي قد صُعقتُ … إنِّي قد صُعقتُ … أمَا تزال سيدتي مُصرَّة على أن هذا لا يبدو عليَّ؟!

فأجابت الجميلة في ضحكةٍ رقيقة: داؤك غيرُ خطير.

وكان القطار قد مرَّ ببحيراتِ زوريخ الرائعة فنظَرْنا كلُّنا إلى تلك الجبال الشاهقة الخضراء، كأنها مرَدَةٌ عمالقةٌ في أبرادٍ حضرميَّة، يلعبُ تحتها الماء الأزرق الهادئ كأنه يُداعب أقدامها العارية … وغمَرَنا الشِّعرُ المحيط بنا فأنسانا أنفسنا … فلَمْ نُفِق إلا على حركة الغلام وهو يرفع عن مائدتنا الأطباق والأكواب … فالْتفتنا، فإذا عربة الأكل قد خلتْ من الرُّكاب، ولم يبقَ غيرنا، وقد مضتْ ساعةُ الشاي منذ وقتٍ ليس بالقصير من دون أن نحسَّ مَرَّها … وبدأ السُّقاة والغلمان يهيِّئُون الموائد تأهُّبًا للعَشاء … فنهضت الجميلة في الحال في خِفَّة العصفور إذ يقفز من غصنٍ إلى غصن … واستأذنتْ في العودة إلى مقصورتها، ووعدتْ باللقاء عند العَشاء تلبيةً لرجاء الشيخ … وذهبتْ عنَّا كأنَّها الشمس التي غابت وقتئذٍ خلف الوِديان … فتركتْنا في ظلامَين … ولبثتُ أنا والشيخ صامتَين مُطرِقَين، كأنَّنا نخشى الإفاقة من سِحر تلك اللحظة … غير أنِّي تكلَّمتُ على الرغم منِّي في صوتٍ ضعيف كأنِّي أخاطب نَفْسي: دائي غيرُ خطير.

وسمِعَ الشيخ منِّي وفطِنَ لي، فالْتفتَ إليَّ قائلًا: أوَقَعْت؟

فخرَجَ من فمي الجواب من دون أن أشعُر: نعم.

وانتبهتُ لنَفْسي فرأيتُ الشيخ يحدِّق في وجهي … فاستهولتُ الأمر، وسرَتْ في جسمي رِعدة، وخشيتُ على نَفْسي … وإذا الشيخ يقول في صوتٍ هادئٍ مُطَمئِن: اعتمدْ عليَّ!

– أعتمدُ عليك في ماذا؟!

فنهَضَ ومدَّ إليَّ يده وصافحني ضاغطًا على يدي، وهو يقول في صوتٍ حارٍّ: إنِّي أفهمك وكفى … إلى المُلتقَى في العَشاء.

ومضى في حركته النَّشِطة، وأنا أنظُر إليه، ولا أدري ما أفعل ولا ما أقول، حتى غادَرَ عرَبَة الأكل واختفى عن عيني … وثبتُ إلى رُشدي ورأيتُ نَفْسي وحيدًا في المكان بين الطُّهاة والسُّقاة، فانصرفتُ إلى مقصورتي وأنا شارِدُ الفِكر ضائعُ اللُّب.

•••

جلستُ في مقعدي صامتًا من دون أن أُلقي نظرةً على «موريس»، ولا أذكُر ماذا كان يصنع وقتئذٍ، لعلَّه كان يُراجع أو يتظاهر بمراجعةِ فصله … ورأيتُ نَفْسي في حاجةٍ إلى أن أخفي عنه أمري … فتناولتُ كتابي، وفتحتُه حيثما اتَّفق، ودسستُ وجهي فيه، ومضتْ لحظةٌ لم أعِ فيها ما حولي، فقَدْ غاصتْ نَفْسي في القرارة السحيقة من نَفْسي، كما تغوص القوقعة في أعماق صدَفَتها … وإذا بي أسمع همهمةً، كأنَّ أحدًا يغالب الضحك ولا يستطيع كِتمانه، فرفعتُ عينًا حريصةً مُستطلِعة خارجَ الكتاب، فرأيتُ الخبيث «موريس» يهتزُّ كالمِرجل بالضَّحك المحبوس … فقلتُ له في هدوءٍ مُصطنَع من دون أن أَبسِم: أعطِ نَفْسك راحتها، وأفرِغْ هذا الوِعاء المُمتلِئ هذرًا وسخفًا!

فما تَوانَى … وفتح عقيرتَه بقهقهةٍ صريحة، وهو يقول: شتانَ بين وجهكَ الذي ذهبتَ به، ووجهكَ الذي تعود به الآن!

فقلتُ في فتورٍ وبرود: ما الفرق؟ … أذهبتُ حليقًا وعُدتُ بلحيةٍ بيضاء؟

– بل ذهبتَ هادئ البال … وعُدتَ مسلوب البَلْبَال.

فلَمْ أطِق صبرًا: كي ترضَى وتَطمئنَّ؛ هذا ما كنتَ تتمنَّاه من صميم فؤادك … ما زلتَ بي حتى طرحتَني أرضًا … لكنِّي أُقسم بشرَفِك ثلاثًا …

– كفى قَسمًا بشرفي … أَقسِمْ بشرفك أنت مرةً واحدة!

ولم أرَ فائدة من الكلام مع «موريس»، ولم أجدْ في نَفْسي ميلًا إلى الجدل والحديث؛ فغادرتُ المكان وخرجتُ إلى الممرِّ يشيِّعني الفرنسي بضحكاتٍ مرِحَة، وهو يفركُ يدَيه سرورًا وجذلًا، كأنما الحال والأعمال سائرةٌ على خير ما يُرام … أو كأنما يرقص في جيبه «شيك» سخيُّ الأرقام … وابتعدتُ عن مقصورتنا … وأسندتُ جبيني إلى زجاجٍ من نوافذِ الممرِّ، وجعلتُ أفكِّر فيما حدَثَ … إنَّه الجنون … أيُّ مطمعٍ لي في هذه الراقصة الفاتنة؟! … إنَّها على مقدارٍ من التواضُع ونُبلِ الخُلق فيما أرى … لكنَّها متى هبطتْ «باريس» أَحاطَ بها الفنانون والظُّرفاء والأثرياء … وبعدُ … فماذا أريد منها على وجه التحقيق؟ … هذه مسألةٌ ينبغي أن أُلقي عليها الضوء في أنحاء نَفْسي، وألَّا أتركها مُبهَمةً غامضة … ما حقيقة شعوري نحوها أولًا؟ … كلَّا … هذا سؤال يدلُّ على الحُمق … إن كان الأمر متوقِّفًا على الشعور؛ فإني الآن أحسُّ أنِّي لا أرى في الحياة عسلًا ولا وهجًا إلَّا في عينَي هذه المرأة.

تُرى ما مذهبها في الرقص؟ … وبكَمْ أبتاعُ ليلةً ترقُص لي فيها وحدي بين جدرانٍ أربعة؟! … إنَّ المرأة سجَّاننا الدائم … اللهم إنِّي مغفَّل! … اللهم إنِّي أَقبَل السَّجن مع هذه المرأة بين جدرانٍ لا تُهدم وفي أغلالٍ لا تُحطم! … إنَّ الحياة خارجَ مثلِ هذا السِّجن هي السِّجن … لكن … معذرة … هذا كلامُ فتًى في العشرين … وأنا اليوم لستُ في العشرين ولا في الثلاثين … وليستْ هذه المرة الأولى في حياتي التي … آه للقلب! إنَّه لا يعرف غيرَ لغةٍ واحدة … إنَّه إذا استيقظَ غنَّى عينَ الأنشودة بألفاظها وأنغامها، غيرَ حافلٍ بصِغَر أو بكِبَر، كأنَّه «أسطوانة» غناء، إذا مستْها الإبرة صاحتْ بما كانتْ تَصيح به في كلِّ حين … وأنا الذي كان يحسب أنَّ أسطوانةَ قلبه قد غيَّرتْ أنشودتها … مستحيل … إنَّ الصوتَ قد يفعل فيه القِدَم فيضعف ويبهت … ولكنَّ الأغنية هي دائمًا الأغنية.

كل ذلك صحيح … ولكن هذا العقل الساكت أمَا ينبغي له أن يتكلم؟! … أيها الرُّبان المُحترَم الذي يُدير هذه السفينة الثَّمِلة، ما بالك قد انزويتَ في «قمرتك»؟! … كأنِّي بكَ تحتسي أنت أيضًا كئُوسًا من «الشمبانيا» تاركًا السفين يلعب في يد المقادير … أريد منك الجواب عن سؤالٍ واحد: ماذا تريد؟ أو ماذا ينبغي لنا أن نريد من هذه الجميلة؟ … لستَ تدري؟ … هذا لا يدخل في دائرةِ عمَلِك؟ … وا عجباه! … إنَّ العقل أيضًا قد ثَمِل … هنالك صوتٌ داخلي مع ذلك يهتف بي ألَّا أحاول شيئًا وألَّا أطمع في شيء، وأن أمكث في مكاني لا أذهب إلى العشاء … نعم … لا يجب أن أذهب لمقابلتها في العشاء، إذ … ما الفائدة؟

ودوَّى في العربات رنينُ الصينية النحاسية، فلَمْ أتحرَّك من موقفي. على أن رفضي رؤيتها على هذه الصورة أمرٌ لا يتمُّ لي إلا بعد حركةِ قمعٍ دامية، قُمتُ بها داخل النَّفْس المتمرِّدة … لقد أقنعتُ نَفْسي أنَّ الانتصار الحقيقي هو دائمًا في كلمة «لا».

لقد انتصرتُ إذ لم أذهب حيث كانت تنتظرني … لكن عفوًا … مَن قال إنَّها تنتظر؟ … ما هذه الألفاظ التي نسبغها أحيانًا على مواقفَ عادية هي غاية في البساطة؟ … وما هذا الانتصار المزعوم؟ … وعلى مَن تُراه وَقَع؟ … عليها هي؟ … أغلبُ ظنِّي أنَّها لا تشعُر به ولا بي … أمَّا إن كان على نَفْسي فنَعَم … وانتصاري على نَفْسي ما قيمته على الأقل فيما نحن فيه الآن؟!

آه من هذا الانتصار في الهزيمة! … هذا الذي لا يعرف غيره الأدباء المساكين!

وطفقتُ أنسج على هذا المنوال خيوطًا واهيةً من الخواطر، لا نفْعَ فيها إلا إضاعةُ الموعد عليَّ … ومضتْ ساعةٌ فيما يُخيَّل إليَّ وأنا جامدٌ في موضعي، ولم أُفِق إلَّا على صوتٍ خلفي يهتف باسمي، فالْتفتُّ فإذا الشيخ يشتدُّ نحوي صائحًا بي: لقد قلبتُ القطار …

– قلبتَ القطار؟ … هذا القطار الذي نحن فيه؟!

– بحثًا عنك … أين كنت؟ … ولماذا لم تظهر ساعةَ العشاء؟

– آه … إنِّي آسفٌ حقًّا كلَّ الأسف إذ حرمتُ نَفْسي … لكن …

– لا بأس … إنِّي أفهمك.

قالها الشيخ في نبرة الواثق وصوتِ المُجرِّب المُعاني.

وخامرتْني الرغبة في أن أستزيده إيضاحًا، وأن أعرف على أيِّ وجهٍ قد فهِمَني … غير أنَّه عاجَلَني قائلًا: إنَّ غيبتك قد أقنعت الجميلةَ بأنَّ داءك على شيءٍ من الخطر.

– دائي؟!

ورفعتُ يدي أجسُّ صدري وقلبي وكبدي … وقد كاد يدخلني اليقين أن قد نزل بي مرضٌ حقيقي … ومضى الشيخ يقول وهو يهشُّ لي: اطمئنَّ … لقد استنزلنا عليك عطفها.

– ماذا أسمع منك؟ … مدَّ الله في عمرك وأطال لنا بقاءك ولا عدمناك نصيرًا للبائسين اليائسين … ولكن بحقِّ شرفك عندي إلَّا ما أخبرتني وزودتني … متى كان ذلك؟ … وكيف؟ … متَّعك الله بالصحة والشباب والنشاط.

وأخذتْني نوبةٌ عصبية من الفرح؛ فاستنزلتُ على الشيخ كلَّ ما في السموات من خيرات، وما في الجَعْبة من دعوات.

فاقترَبَ منِّي باسمًا … وهمَسَ في أُذني وهو يغمز بعينه: هي لك.

فتجهَّم في الحال وجهي، ورميتُ الرَّجُل بنظرةٍ قاسية: لا تمزحْ يا شيخ.

فابتسم الرَّجُل وقال: إنَّك لا تصدِّق … ويحقُّ لك ألَّا تصدِّق … فهذه المرأة على جانبٍ كبير من الخُلق والثقافة والذكاء … وليس ما بها خِفَّة، ولا تبذُّل ولا حاجة إلى مال، وإنما هو حبُّ استطلاعٍ فيما أرى. وقد خدَمَك الحظُّ الليلة، وربما كان لشخصي الضعيف أثرٌ في تمهيد الطريق وفرْشِه بتلك الأزهار التي ابيضَّ شَعرُنا هذا في اصطناعها لمثل هذه اللحظات … لقد تكلَّمنا عنك طول الوقت … وعلمتُ أنها في «باريس» ستنزل في فندق «إدوارد السابع»، وأنَّه قد حُجزَ لها فيه حجرتان وحمَّام … وقد استكثرتُ أنا عليها الحجرتَين، واستأذنتُها في أن تنزل لك عن حُجْرة.

فما تمالكتُ أن صِحتُ وأنا أهتزُّ كالقصبة من التأثُّر والاضطراب، والفرح والإعجاب: أُقسم لك بشرفك يا سيدي إنَّك أبرعُ مَن رأيتُ على وجه البسيطة، بل أُقسم بشرفك ثلاثًا إنَّك ملَكٌ أُرسل إليَّ من السماء … وهل من الضروري أن أرى لك أجنحةً حتى أُصدِّق أنَّك ملَكٌ من ملائكة السماء؟!

فمضى الشيخ يقول دون أن يحفل بقَسَمي وحماستي: ولقد قَبِلتْ آخر الأمر بعد إلحاح … فها أنت ذا منذ الغد في جناحٍ من الفندق، لا يفصل بينكما …

فأسرعتُ وقاطعتُه، وقد بدا لي ما أزعجني: لكنْ أصغِ إليَّ يا سيدي … أتعرف «كليوباترا» وذلك «العبد» الذي أعطتْه ليلةً من لياليها، وفي الصباح قتلتْه؟ … أتعرف «سميراميس» وذلك «الأسير» الذي منحتْه نَفْسها في الليل، وعند الفجر أسلمتْه إلى الجلَّاد؟! … أهي تريد بي هذا المصير؟

فقال الرَّجُل: دَعْنا من الجلَّاد والعبد وهذا الكلام الذي تملئُون به القصص … إنَّ كلَّ ما أعرف الآن أنَّ هذه الجميلة قد أمستْ طوعَ بَنانك!

– بَناني؟! … اللهم لُطفًا بعقلي … اللهم …

وانحبس الكلام في حلقي، ولم أدرِ ما أفعل، فارتميتُ على حِذاء الشيخ، فأسرع وأمسك بذراعي صائحًا: ماذا تصنع؟!

– أُقبِّل قدمَيك.

– هذا تفعله إذا كنتَ تُبصر على رأسي تاجًا من الورق المقوَّى … أو كنتَ تحسبني ملِكًا من ملوك المسارح … انهضْ يا … «عدوَّ المرأة» … حسبي اغتباطًا أنِّي أصلحتُ بينك وبينها، وما تركتُك حتى يسَّرتُ لك الأمور، ونظمتُ لك الشئُون … وإن طلبتَ معونتي بعد ذلك في أيِّ وقت، فإنَّك تجدني في «جراند أوتيل» بميدان الأوبرا، حيث يحجزون لي دائمًا حُجْرتي، إذ أقيم في «باريس» … والآن وقد وضعتَ يدك في يد امرأةٍ جميلة، فإنِّي أستأذنك في الانصراف … وليلةً هانئة … وإلى اللقاء!

وتركني الرَّجُل ومضى … وأنا كمَن قد ذهَبَ لُبُّه وغاب وَعْيُه … لا أعرف بعدُ إن كنتُ في قطارٍ يجري بي على الأرض، أو في منطادٍ يرقى بي إلى السماء.

٢

كان كلُّ همِّي — وقد دخَلَ القطار «باريس» — أن أُدبِّر طريقةَ الهرب من «موريس» … لكنْ … كيف الهرب وحقائبي بين حقائبه؟! … وهو لا ريب شاعرٌ بي إذا أبديتُ حركة … فلْنكنْ شرفاء … ولْنخبره من مبدأ الأمر بما خامر النفس، وانطوى عليه العزم … وأردتُ أن أفاتحه … فوجدتُه في النافذة مُستقبِلًا «باريس» كمَن يلقى حبيبًا بعد طول فراق … وقد أنساه الشوق والحنين نَفْسه ومَن حوله، فجعَلَ يصفر بفمه أغنية الراقصة «مستنجيت»:

«باريس غادةٌ شقراء،
باريس ملكةُ الدنيا!»

فانتهزتُ الفرصة، وغافلتُه مادًّا يدي إلى حقائبي. أستخلصها من بين الأمتعة وأُخرجها إلى الممرِّ … وأضعها بعيدًا عن المقصورة، قريبًا من باب العَرَبة … وفرغتُ من ذلك كله، دون أن يتنبَّه إليَّ … ففرحتُ، وحمدتُ الله … ولم يبقَ إلَّا أن أضع قبَّعتي وأحمل مِعطفي وعصاي؛ ففعلتُ … وما كدتُ أهمُّ بمغادرة المكان، حتى الْتفتَ إليَّ هذا اللعين قائلًا: ماذا تصنع؟!

فانخلع قلبي … وسقط في يدي … ولم أرَ بدًّا من الكلام … فقلتُ: أهرب منك.

فقال في نبرةٍ ساخرة: وهل نجحت؟

فملأتْني هذه العِبارة غيظًا، وذكرتُ كل ذلك الجهد الذي ذهب سُدًى … غير أني تمسَّكتُ بالصبر واصطنعتُ الحِلم … وقلتُ له: أصغِ إليَّ أيها الصَّديق!

فقال باسمًا: ها أنا ذا مُصغٍ.

– إنَّك تتمنَّى لي الخير؟

– طبعًا.

– والهناء؟

– طبعًا … طبعًا.

– هنالك طريقة واحدة أنال بها ما تتمنَّى.

– ما هي؟

– هي أن تعود فتدير وجهك نحو النافذة، وتصفر بفمك أغنية «مستنجيت» وتجعل كأنَّك لم ترَ شيئًا ولم تتنبَّه إلى شيء!

– وعنوانك؟

– يُحفظ بشبَّاك البوستة العمومية.

فلَمْ يتردَّد … وأسرع فاستقبَلَ النافذة … وهو يغمز لي بطرف عينه أن: «رُح … لستُ أرى شيئًا، ولا أتنبَّه إلى شيء!»

وطفق يصفر:

«باريس غادةٌ شقراء،
باريس ملكة الدنيا!
عيناكِ تبسم دائمًا.
كلُّ مَن عرَفكِ،
وثمِلَ من لُطفِكِ؛
يذهب عنكِ،
ليعود إليكِ دائمًا.»

٣

سِرتُ إلى جانب الجميلة على إفْرِيز المحطة، في طريقنا إلى باب الخروج، وقد تغيَّرتْ في عيني مظاهر الأشياء، وقد أمسى لكلِّ شيءٍ معنًى آخرُ فوق معناه … ومررنا بالقطار الذي كنَّا فيه، وهو واقف، يتصاعد من عَجَلاته البخار، ويقطر من جوانبه الماء والغبار. فقلتُ: هذا «البُراق» الذي ركبناه، واقفٌ يلهث تعبًا ويتصبَّب عَرقًا!

فقالت الجميلة: مَنْ ذا يقول إنَّ مثل هذا الشيء القبيح قد استطاع أن يقودنا خلال أبهى المناظر … وأن يعرض على أبصارنا أجمل حلى الطبيعة، وأبدع كنوز الخليقة؟!

فقلتُ لها: إنَّه مثل الشاعر، بل مثل الفنان … زريُّ الهيئة أحيانًا، ولكنه هو المنوط بقيادة البَشَر خلال مروج الحُسن وفراديس الجمال! … من أجل ذلك يا سيدتي … لا أنصح كثيرًا للناس أن يتأمَّلوا الفنان من الخارج كما نتأمل نحن الآن هذا القطار … فإنهم لن يروا عليه سوى آثارِ التعب والغبار!

فالْتفَتَت الجميلةُ فجأةً، ونظرتْ إلى وجهي مليًّا … وقالت باسمةً: نعم … أرى ذقنك لم تُحلق كما ينبغي!

فخجلتُ … وأردتُ أن أُبدي السبب لو أن هنالك سببًا … لكني رأيتُ مندوب فندق «إدوارد السابع» يُقبل نحونا ويرفع قبَّعته ذات الرُّقعة النحاسية … وقد بدا لي أنَّه عرف نزيلته المعتادة … وعرَفَ حقائبها مع الحمَّالين، فمشي في أثرهم … وخامرني أنا قلَقٌ نغَّصَ عليَّ ما أنا فيه … وجعلتُ أفكِّر في أمر هذا الفندق الكبير: فندق «إدوارد السابع» ببابه الدائر كأنَّه ساقيةٌ آدمية … لا ينقطع له دوران … يقذف إلى بَهْوه القادمين، ويلفظ إلى إفْرِيزه الراحلين، وقد وقف عليه في ملابس اﻟ «جروم» غلامان ضخما الجسم أحمرا الوجه، كأنهما ثوران، يحملان المظلَّات، ويهرعان لاستقبال السيارات … كلَّا … لن يغمض لي جفن في مثل هذا الفندق … ولقد كنتُ دبَّرت من قبل أمْرَ مسكني الذي يستطيع مثلي أن يعيش فيه.

فنظرتُ إلى الجميلة بجانبي: أين ننزل؟

– يدهشني أنَّك لا تعرف.

– «إدوارد السابع»؟! … إنِّي لا أحبُّ النزول في فنادق الملوك.

فالْتفتتْ إليَّ مازحةً باسمة: شيوعي؟!

– لستُ كذلك بالضبط … ولكني رَجلٌ تُعوِزه الشجاعة أن يحيا طويلًا في غمار أولئك الذين خُلقوا ليرتَدُوا ثياب السهرة في كلِّ ليلة، ويقفوا على مائدة «الروليت»، ويغرقوا في مقاعد بَهْو الفندق الفخم يدخِّنون «الهافانا»، ويتحدثون عن سِباق «لونشان» … لقد غلطتُ يا سيدتي مرةً في فندق «أوربا» العظيم؛ فهربت في اليوم التالي … وجعلتُ أبحث عن بُغيتي حتى وجدتُها في فندق «شتين» المطلِّ على النهر، المطلي باللون الأحمر القاني … لون الطاحونة الحمراء، التي كانت يومًا صدْرَ «مونمارتر» الزاخر بعاطر الهواء … آه! … لكَمْ وقفتُ اللياليَ تحت تلك الطاحونة الحمراء … أتأمَّل مراوحها المضيئة وهي تدور … فما أتمالك أن أصيح: تلك رئتاكِ يا «مونمارتر»! … إنكِ لا تتنفسين إلَّا ليلًا.

وما أشعر عندئذٍ إلَّا وأحد الحمَّالين كاد يصدمني بعربة عليها أثقالٌ يدفعها بيده. فجذبتْني الجميلة من ذراعي جذبةً أنقذتني، وقالت في خُبثٍ ظريف: كاد الشِّعر يُضيِّعك … فأنقذتْك امرأة!

– إني مدينٌ لكِ بحياتي!

قُلتُها في بساطةِ غير المؤمن بما يقول … وفي ابتسامةِ المُجامِل، وفي سرعة مَن لم يجدْ غير ذلك ردًّا … واقتربنا من الباب الكبير، وقد اصطفت السيارات، فالْتفتتْ إليَّ ثانيةً قائلة: إذن لن تأتي معي إلى «إدوارد السابع»؟

– ومَن قال إنكِ ستذهبين إلى «إدوارد السابع»؟

فنظرتْ إليَّ بعينَين واسعتَين من العَجب: ماذا تعني؟!

– أعني أنَّ أهلَ الفنِّ أمثالنا لا يحسُن بهم إذا هبطوا «باريس» أن يَحيوا حياةَ تجَّار الحديد وأصحابِ مصانع الكبريت! … إنَّ الفنادق ليستْ لنا بمنازل … إنِّي أعرف ذوقكِ … أنتِ لا غنى لكِ عن صورٍ جميلة، و«كروكي» بارعة، و«إسكيس» غريبة تُزين مخدعكِ … أنتِ لا غنى لكِ عن مكانٍ رحبٍ تُطلقين فيه كلَّ صباحٍ خطواتك الصادحة … أنتِ لا غنى لكِ عن ضوءٍ غزير، يشعُّ من جُدرانٍ بلورية … أنتِ لا غنى لكِ عن أزهارٍ وأطيار، و…

– ما هذا الوحي الذي هبطَ عليك في المحطة؟!

– إنَّه يهبط عليَّ حيثما أنتِ معي … وهل أنتِ إلَّا هو؟!

وأسرعتُ فأشرتُ إلى سيارة «تاكسي» انطلقتْ بنا في طرفةِ عينٍ تجوب شوارع «باريس» … وقد تملَّك كلانا وجومُ الحنين إلى هذه المدينة العزيزة، فما انتبهنا إلا على صوتِ السائق يستدير إلينا سائلًا عن الجهة التي إليها نقصد … فبادرتُ مجيبًا: «مونبارباس» … شارع «دي لامير».

فصاحتْ بي الجميلة: ما هذا؟!

– هذا يا سيدتي المكان الذي ينبغي أن تُوضعي فيه داخل إطارٍ فوق «شفاليه» كما تُوضع صورُ مثيلاتك من الحِسان الخالدات!

– إنَّك تتصرف في حياتي على نحوٍ غريب!

– اسمحي أن يكون لي هذا الشرف مرةً في حياتي.

ومرَّ برأسي تلك اللحظة خاطرٌ، فنظرتُ من نافذة السيارة الخلفية الصغيرة، فلَمْ أجد أحدًا يتبع أثري … فعلمتُ أن الماكر «موريس» قد ارعوى وانصرف إلى شأنه.

والْتفتُّ إلى الجميلة فأبصرتُ التردُّد والتجهُّم قد بدءا يظهران في شبه خطوطٍ رفيعة فوق جبينها الفضِّي … فرأيتُ أن أُشغلها بالحديث قبل أن ينبت في رأسها عزمٌ يسوءني … وكنا قد مررنا ﺑ «اللوفر» ونحن نعبُر «السين» إلى الضفة اليسرى على قنطرة «بون رويال» فأشرتُ إليه وقلتُ لها: ها هنا امرأةٌ لها مثل عينيكِ.

فألقتْ إليَّ نظرةً تنمُّ عن فكرٍ شارد، ولكن فيها مع ذلك معنى الاستفهام … فمضيتُ في الكلام: هي «لوكريزيا كريفيللي».

فأقبلتْ عليَّ في انتباه، وقد انفرجت أساريرها، وتفتَّح ثغرُها تَفتُّحَ الزهرة بالابتسام … وقالت: أهي لم تزل على الحائط الأيسر في القاعة المستطيلة؟!

– بارك الله في ذاكرتكِ! … أعترف لكِ في خجلٍ أن مسألة الحيطان هذه أكبرُ من أن يسعها رأسي الضعيف!

– لماذا؟ … إنَّ صور «ليوناردو» كلها فيما أظنُّ على الحائط الأيسر! … تذكُر معي: «إله الخمر» والقدِّيس «يوحنا» و«الجوكندا» و…

وجعلتْ تستعرض تلك اللوحات، وأنا مشغولٌ منهوب … أرنو إلى حركة شفتَيها وهي تلفظ أسماءها في نُطقٍ إيطالي لذيذ … وقد فطنتُ لنَفْسي حتى لا تُفاجِئ هذا الرُّنوَّ الذي قد يكشف عن أشياء يُخفيها قناعٌ من البساطة والمرح.

ودخلت السيارةُ شارعَ «دي لامير» ووقفتْ على بابٍ كبير، فانتبهت الجميلة ونظرتْ إليَّ، فلَمْ أُبادلها النظر، وأسرعتُ بفتح باب العربة، ونزلتُ ومددتُ يدي إلى يدها أُعينها على النزول … ثم دفعتُ إلى السائق أجره.

وقرعتُ جرس المنزل، فخرجتْ حارسةُ الباب … فما رأتْني حتى عرفتْني وحيَّتْني أحسنَ تحية … والْتفتتْ إلى الجميلة وانحنتْ لها وهي تهمس: «مدام» … ثم عادتْ موجِّهةً إليَّ الكلام قائلةً إنها قد تسلمتْ برقيَّتي، وأعدَّت المسكنَ خيرَ إعداد … ووضعت النار في المِدفأة الكبيرة.

وأشارت إلينا أنْ تقدَّما … وبادرتْ هي إلى الأمتعة، فأنزلتْها إلى الأرض، وحملتْ منها ما استطاعتْ حمله، وتبعتْنا به … وسرتُ أنا بالجميلة إلى المصعد، وارتفعنا إلى الطابق الخامس … ثم مشينا إلى بابٍ على اليمين، وأَخرجتُ من جيبي مفتاحًا صغيرًا ففتحتُه به … وأشرتُ إلى الجميلة أن تفضَّلي … فدخلتْ في شِبه دهليز في صدره ستارة، وفي جانبيه أبوابٌ صغيرة … فنظرتْ مُستطلِعةً من خلال الأبواب المفتوحة، فإذا على اليسار قاعةٌ للأكل بسيطةٌ صغيرةٌ مُنخفِضة السَّقف … وإذا على اليمين مطبخٌ صغيرٌ مجهَّز بالآنية النظيفة اللامعة، وأدوات الطهي والشِّواء فوق فُرنٍ صغير تُوقد ناره من غازٍ يجري في أنابيب … ثم سُلَّم صغيرٌ حلزونيُّ الشكل، يوصل إلى شبه طابقٍ آخر فيه حُجْرة النوم والحمَّام … واقتحمت السِّتارة … فإذا هي في قاعةٍ هائلةٍ طولها طول المَسكَن كله، وارتفاعها ارتفاعه … جدارها الطويل من البلور ترى منه الشمسَ إذا طلعت، وبرج إيفل إذا صَفَت السماء … وقد انتحى المَوقِد الكبير ركنًا مُهمَلًا من أركان تلك القاعة، يكتنز النار في قلبه كأنَّه عاشقٌ مهجور، وفي ركنٍ آخر مكتبٌ كبيرٌ عليه كتبٌ وأوراق، وحوله فُرُش وثيرةٌ فوق سجاجيد، أُلقي عليها جلدُ دبٍّ أبيض ووسائد منثورة … وفي الوسط قام «شفاليه» من خشب الجوز يحمل «لوحة» زيتيةً من عمل المصوِّر النرويجي «أوتو» الذي كان يقطن هذا المكان، تُمثِّل عروسَ الرقص «تربسيكور» تمثيلًا غريبًا لا علاقةَ له قَط بلوحةِ «شوتزنبرجر» الشهيرة المعروضة في متحف «اللوكسمبورج».

ألقت الجميلة نظَرَها على هذا كله، وهمستْ كالمخاطِبة لنَفْسها: «استوديو»؟!

– نعم … ها هنا ينبغي أن نعيش.

ودخلتْ حارسة الباب بالأمتعة، ووضعتْها في الدهليز، ثم سألتْنا عمَّا إذا كنا نطلب شيئًا، فأجبتُها بالسلب، فانصرفتْ وأغلقتْ خلفها الباب وأشرتُ أنا إلى حُجْرة النوم ونوافذها الصغيرة التي تُشرف على القاعة، وقلتُ للفاتنة: تلك حُجْرتكِ … اسمحي لي أن أُصعد أمتعتكِ إليها.

وتركتُها في الحال … وصعدتُ السُّلم الحلزوني حاملًا حقيبتها … ثم عُدتُ إلى جانبها، وقد دنتْ من أُصُص أزهار «الميموزا» و«الهورتنسيا» على الجدار الزجاجي، وابتسمتْ لألوانها، ثم الْتفتتْ إليَّ: صَدَقت … هنا كلُّ شيءٍ جميلٌ … لكن …

ورفعتْ عينَيها في شيءٍ من التردد والحيرة إلى حُجْرة النوم الوحيدة: لا أستطيع للأسف أن أقبل ضِيافتك … لقد كنتُ أحسب أن لديك …

فأدركتُ مرمى قولها، وسارعتُ قائلًا: اطمئني! … هذه الحجرة لكِ وحدك، لا شريك لكِ فيها.

– وأنت؟

– إني سأرقد على هذا الفِراش في هذه القاعة.

– أليَ الحقُّ أن أغتصب حُجْرة نومك وألقي الفوضى في نظام حياتك؟!

– إن الفوضى هي نَفْسها نظام حياتي … وأنتِ التي لها الحقُّ أن تغتصب قلبي … أفَلَا يكون لها الحقُّ أن تغتصب حُجْرتي؟!

فضحكتْ وقالت: أصبت، هذا منطقٌ لا بأس به.

واستأذنتْ في الذهاب إلى حُجْرتها لبعض شأنها … ولبثتُ أنا في مكاني قليلًا … وبدا لي أن أُفرغ أنا أيضًا حقائبي … وأن أهيِّئ أمري في تلك القاعة.

ومضتْ ساعةٌ وكلانا غارقٌ في شئونه التافهة … وقد أخرجتُ ملابسي ودسستُها في خِزانة بالحائط مُعدَّة لحفظ أصباغ التصوير ورِيَشه … وألقيتُ بكتبي التي ابتعتُها حديثًا على «رفٍّ» فوق الفِراش … ورميتُ على رأس الدبِّ خُفِّي الأصفر الذي كنتُ اشتريتُه من خان الخليلي بالقاهرة … وقذفتُ على الوسائد ذات الرسوم الحديثة بعباءتي «الألاجا» الزرقاء … ووضعتُ «الجراموفون» الذي لا يفارقني فوق مائدةٍ صغيرة من موائد المعمل … ثم خلعتُ نَعْلي وبعض ما عليَّ من ثياب، وذهبتُ إلى المطبخ، فغسلتُ وجهي ورأسي فيه، إذ لم أشأ استعمال حمَّامها.

وعُدتُ فجعلتُ «البُلغة» في قدمي، وارتديتُ العباءة … ووخزتُ بالإبرة صدرَ «الجراموفون» فانطلقتْ «رقصة الأزهار» للموسيقي «تشايكوفسكي» تتماوج أنغامها في المكان، وتحيط بصورة «تربسيكور» وتكاد تُخرجها من الإطار، راقصةً رقصتها الإلهية، وكأنِّي بالأُصُص تهتزُّ فوق الجدار، وكأنِّي ﺑ «الميموزا» تُراقص «الهورتنسيا» … وإذا الجميلة تبدو في نافذةِ حُجْرتها المطلَّة على القاعة وهي في «روب دي شامبر» من الحرير، قِرمِزي اللون موشًّى بخيوط من ذهَبٍ في لون عينها … وإذا هي تتمايل لوَقْع الموسيقى في لُطفٍ ورِقة، فخُيِّل إليَّ أنها فراشةٌ جميلةٌ فرَّتْ من الجنة أو من حديقةٍ علوية لا وجودَ لها إلا في مملكةِ الخيال، أو أنَّها هي «تربسيكور» نَفْسها انطلقتْ من الإطار ووقفتْ بالنافذة، فالْتفتُّ إلى «الشفاليه» فإذا الصورةُ أقلُّ شأنًا منها في إبرازِ رُوح الرقص … وإذا هذا التمايُل الخفيف اللطيف، كأنه تمايُلُ السنبلة أو الزهرة تحت النسيم، إنما هو شيءٌ لا يقع إلَّا من «عروس الرقص» نَفْسها! … فوجمتُ لحظةً … ورنوتُ إليها مأخوذًا … ثم لم أتمالكْ أن صِحتُ بها: تربسيكور!

فلم تُجبْني … ولم يَبدُ عليها أنَّها فطنتْ لصيحتي، حتى سكَتَ الجراموفون … فانتبهتْ لنَفْسها ولي … وهمستْ: حقيقةً، هذا «الباليه» من أجمل ما كتَبَ «تشايكوفسكي»!

واختفتْ من النافذة … ثم لم ألبثْ أن رأيتُ يدها الصغيرة البيضاء تُزيح السِّتار قليلًا … وإذا هي في القاعة تُقبل عليَّ في خطًى رشيقة … وما وقعتْ عيناها على هيئتي بعباءتي حتى اتسعتْ حدقتاها … وقالتْ دهِشةً: عجبًا! … كأنِّي في حضرة «هارون الرشيد»!

فأجبتُها باسمًا: أتأذنين ﻟ «هارون الرشيد» أن يلثم يدكِ؟

فمدَّت إليَّ يدها فوضعتُها على شفتي في خشوع … ثم أجلستُها على مقعدٍ وثير في صدر المكان … وجلستُ بين يدَيها على وِسادةٍ فوق الأرض جِلسةً تشبه الركوع … ورفعتُ عيني إلى هذا التكوين البديع … ولم أجدْ ما أقول ولا ما أصنع … وهل نقول شيئًا أو نصنع شيئًا إذ نتأمل آيات «اللوفر» وروائع «السكستين»؟!

– لماذا تنظُر إليَّ هكذا؟

– لستُ أدري.

والواقع أنِّي لستُ أدري … أتُراها أبصرتْ في مِرآة عيني أشياءَ خفيَّة لم تطْفُ بعدُ على وجه نَفْسي الواعية؟ … إنِّي حتى الساعة لا أعترف في دخيلةِ قلبي أن للحبِّ شأنًا فيما نحن فيه … فهي ولا ريب لم يكُنْ ينقصها أن تَلقَى في حياتها مثلي حتى تعرف ما هو الحُب … وأنا لا حاجة بي إلى التجرُّع من كأسه مرةً أخرى … فلْيكُنْ لقاؤنا إذن هادئًا صافيًا جميلًا … فالويل لمَن يقع منَّا الآن في الحُب!

وأرادتْ أن تقطع الصَّمت، فمالتْ بجسمها ومدَّتْ يدها تطلُب كتابًا أبصرتْه فوق المكتب … فدَنَا رأسُها منِّي، وقد انحدرتْ خصلةٌ من الشعر فوق عينَيها، شممتُ عطر «الأوبيجان» في هذا الرأس الجميل أحسنَ ما يكون هذا العطر، وكأنَّه مُزج بأريجها هي … فأحسستُ شيئًا يصعد إلى رأسي الهادئ ويُلقي فيها جمرة … ولعلَّها رأت احمرارَ وجهي وجمودَ موقفي … فقالتْ باسمةً: فيكَ شيءٌ الساعةَ يشبه الفتى الذي لم يبلُغ العشرين!

فانتبهتُ لعبارتها وقلتُ على الفور كالمخاطِب لنَفْسي: أرأيتِ ذلك؟!

فلَمْ تُجِب … وسدَّدتْ إليَّ نظرةً رائشة بأهدابٍ من حرير: هل أنت أحببْتَني؟!

فأسرعتُ كالمُرتاع: لا تقولي ذلك!

فضحكتْ لرَوعي ضحكةً رقيقة، وقالت: إنَّك تخشى الحُب كمَن يخشى الموت!

– نعم.

قُلتُها في صوتٍ خافتٍ وأنا مُطرِق … ولم أَزِد.

ومضتْ تقول دون أن ترفع نظرتها المصوَّبة، وقد اتَّخذ صوتُها على عذوبته نبرةً أخافتْني: عرفتُ ذلك منك منذ النظرةِ الأولى … من أجل هذا …

وسكتتْ في الحال … كأنما كادتْ تنزلق على شفا غلطةٍ … ولم تمنحني وقتًا أسألها فيه … ونهضتْ وهي تنظُر إلى ساعةٍ في معصمها … ثم قالت: ألَا نخرج؟

– نعم.

ولم أتحرك من مكاني … ولم أنتبه إلى الكلمة وهي تخرج من فمي … ولم أفطن إلى عبارتها الأخيرة … ولم أحسَّ ذهابها إلى حُجْرة النوم، وعودتها بملابس الخروج بعد زمنٍ لا أستطيع تقديره … ولكني فطنتُ هذه المرة إلى قولها في صيحةِ دهشة: عجبًا! … ألَمْ تتحرك؟ … ماذا بك؟

فرفعتُ رأسي، ونظرتُ حولي وقمتُ للفور أقول في شِبه فزع: أنتِ ذاهبة؟

فحملقتْ في وجهي … فتذكَّرتُ … وأسرعتُ فخلعتُ عباءتي، وارتديتُ سُترتي، وتناولتُ عصاي، وأنا أقول: نعم … فلْنخرجْ للعَشاء … أين؟

– عند «الأب لويس»؛ فليس له في باريس نظير في شيِّ الدجاج!

•••

جلسنا في ذلك المطعم إلى خوَانٍ بالقرب من النار المستعِرة في شِبه مَوقِد بالجِدار، نُصبتْ فيه «أسياخ» طويلةٌ رفيعة، قد رشق بها دجاجٌ شهيٌّ، تلحسه عن بُعد أطراف ألسنةٍ من اللهب حمراء، وقد جاءنا الغلام بورقةِ «النبيذ البورجوني» فنظرتْ فيها «ناتالي» وقالت: «شابلي».

– زجاجة «شابلي»!

قالها الغلام وهو ينظُر إليَّ … فقلتُ دون وعيٍ: نعم … وأنا «بومار».

– زجاجة «بومار»!

– نعم … نعم.

فصاحت الجميلة: زجاجتان؟ … هذا كثير … إنِّي لا أريد أن يذهب لُب مولاي «هارون الرشيد».

فقلتُ في شيءٍ من المرارة، وكأنِّي أُخاطِب نَفْسي: لقد ذهَبَ لُب مولاكِ «هارون الرشيد» وانتهى الأمر!

فضحكتْ ضحكةً رقيقة ونهضتْ قائلةً إنها تريد مكان «التواليت» وتركتْني مُطرِقًا غارقًا في جوٍّ مُبهَم من الانقباض.

وعادت بعد بُرهة إلى جانبي دون أن أشعُر بها … فرفعتُ رأسي إليها، فوجدتُها تتأمَّل وجهها في مرآةٍ صغيرة بين أناملها … فجعلتُ أتأمَّله أنا أيضًا، وجعلتُ عيني تنتقل من جبينها إلى أنفها، إلى شفتَيها، إلى خدَّيها، إلى نحرها … وقد غمَرَ نَفْسي خوفٌ وكآبة … وأدركتُ لأول مرة الوزن الحقيقي لتلك الكلمة التي قُلناها في خفَّة وبساطة، أنا وموريس «الجَمال المُخيف» وأقبَلَ علينا الغلامُ مسرِعًا يُعلن أنَّ في التليفون مَن يطلب «السيدة» … وأشار إلى «ناتالي» فنهضتْ على عَجَل، واستأذنتْني بنظرة، ومضتْ … ففهمتُ أنَّ ذهابها في المرة الأولى لم يكُن للزينة وحدها … وعادتْ بعد قليل من دون أن تلفظ حرفًا … وجاء النبيذ المعتَّق في زجاجتَين يعلوهما التُّراب والعنكبوت … وسكَبَ الغلام في الأكواب … ورفعتْ «ناتالي» كأسَها إلى شفتَيها الرطبتَين وهي تقول في صوتٍ كالهمس: في صحة مولاي!

– في صحة جاريتنا!

قلتها دون أن أضحك، ودون أن أبسم، وفي شيءٍ من الصرامة وسوءِ الخُلق … وأردتُ أن أرفع الكوب إلى فمي فاهتزَّ في يدي اهتزازًا كاد يُريق ما فيه على غطاء الخوَان الجميل … ونظرتْ «ناتالي» إلى يدي المرتجِفة، وإلى جهدي في حمْلِ الكأس المتلاعِبة، وإلى يأسي ووضْعِ الكوب في مكانه من المائدة دون أن أشرب شيئًا … فقالتْ في نبرةٍ غريبة: الآن فلْتُسمِّني ما شئت!

•••

ذهبنا بعد العَشاء إلى حانةِ «الأرنب الخفيف» حيثما سمِعْنَا أغاني «باريس» القديمة، وأقول «سمعنا» من قبيل التجاوُز … فأنا لم أَسمع شيئًا، ولم أعِ شيئًا … وعُدْنا في منتصف الليل، أو بعده بقليل أو كثير … لا أدري … ودخلنا «الاستوديو» ووقفتُ عند السِّتار الموصل إلى القاعة الكبرى … ومددتُ يدي إلى «ناتالي» مُشيرًا بالتحية: نومًا هانئًا يا سيدتي؟

وتركتُها تصعد إلى حُجْرة النوم … وذهبتُ أنا إلى الفِراش الممدود بقُرب المكتب … فخلعتُ ملابسي على عَجل … وأطفأتُ النور، وارتميتُ بين الوسائد أطلُب النُّعاس … ولكنَّ نورَ حُجْرتها كان ينفذ إليَّ من نافذتها المطلَّة على قاعتي … فلَمْ يغمضْ لي جفن حتى أطفأتْ هي نورها … وشمَلَ الظلام المكان، فحسبت أني عندئذٍ سأنام … ولكنَّ النوم امتنع عليَّ … وجعلتُ أتقلَّب الساعات يمينًا وشمالًا في طلَبِ إغفاءةٍ لا تأتي … إلى أن وثقتُ من أنَّ النوم الليلة شيءٌ بعيدُ المنال.

فقمتُ وأضأتُ القاعة، وجلستُ إلى المكتب أقرأ كتابًا … وقرأتُ بالفعل سطرَين أو ثلاثة، ثم وضعتُ رأسي بين كفيَّ ولبثتُ على هذه الحال حتى طلَعَ النهار، وسمعتُ صوتَ سيارات «الأتوبيس» الأولى تنطلق كالفرحة بالصباح الباكر في «بولفار رسباي» فنهضتُ من فوري … وارتديتُ ملابسَ الخروج في غير جَلَبةٍ ولا ضوضاء، حتى لا أوقظها … وقبل أن أغادر المكان ذهبتُ إلى المكتب.

وتركت عليه هذه الكلمة: «سيدتي … لم يبقَ أمامي غير الفرار.»

٤

انطلقتُ من ساعتي إلى فندق «جراند أوتيل» بميدان الأوبرا … وسألتُ عن الشيخ فقيل لي إنَّه قد استيقظ مبكرًا كعادته … وأنَّه الآن يتناول طعام الإفطار في حُجْرته … فبعثتُ إليه بطاقتي، فأذِنَ لي في الدخول عليه من الفور … ولم يكَدْ يراني حتى صاح بي: أيها الرَّجُل السعيد! … ما كنتُ أتوقَّع رؤيتك ها هنا بهذه السرعة! … أين الجميلة التي وضعتَ يدك في يدها البارحة؟

– قد طلَّقتُها.

فحملَقَ في وجهي كمَن ظنَّ بي مسًّا: أنت؟!

فنظرتُ إليه ولم أتكلَّم … فمضى متعجِّبًا: أنت فعلتَ هذا؟!

فقلتُ وعيناي إلى الأرض كمَن اقترف إثمًا: نعم.

فقال الشيخ كأنما يخاطِب نَفْسه: أنت الذي أراد أمس أن يُقبِّل قدمي من أجلها!

فتشجَّعتُ ورفعتُ رأسي قائلًا له: اسمع يا سيدي الجليل …

– لا أريد أن أسمع في أمرك شيئًا.

وجعل يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا … وهو مُطرِقٌ حزين، كأنما فقَدَ أسهمًا ذاتَ شأنٍ في «بورصة» أعماله في «بوخارست»! … ولم أدرِ ماذا أصنع لأهوِّن عليه الخطب … فلزمتُ الصَّمت … وجعَلَ هو يضرب كفًّا على كفٍّ ويقول: طلَّقَها!

فاعترضتُه قائلًا: أصغِ إليَّ لحظة.

فلَمْ يلتفتْ إليَّ … ومضى يقول: طلَّقَها «هارون الرشيد» بعد ليلة … لا بعد ألفِ ليلةٍ وليلة!

فنهضتُ إليه متوسِّلًا متذلِّلًا: يا سيدي! ألَا تصبر عليَّ حتى أوافيك بالأسباب وأُواتيك بالحُجج؟!

فصاح في وجهي: حُجج! أتريد أيضًا أن تقدِّم حُججًا على هذا الكفر؟!

فأطرقتُ في خِزيٍ … ومضى الشيخ يقول: يا لَلقسوة!

فرفعتُ رأسي قائلًا: قسوة مَن؟

فلَمْ يحفل بي … وجعَلَ يقول: أتزعم أنَّ لك قلبًا من لحمٍ ودم؟!

فلفظتُ زفرةً من أعماق نَفْسي المُهدَّمة: آه يا سيدي … إنَّك تظلمني … وحقِّ جمال تلك الفاتنة إنِّي لم أعرف طعْمَ النوم منذ فارقْتَنا.

فأنقذتْني هذه الآهة … وأقبَلَ عليَّ الشيخُ مسرعًا وقد انقلب غضبه وسخطه حدبًا وعطفًا: أرِني عينَيك أيها المسكين!

ووضَعَ مِنظاره على أنفه وجعَلَ يحدُّ إليَّ البصر، كأنَّه طبيبُ عيونٍ يفحصُ عينَ مريض: نعم … نعم … أرى تباريح الهوى، وتباشير الألم.

– تباشير؟!

قلتُها وأنا أحملق فيه … لكنَّ الشيخَ جذَبَ مقعدًا أدناه منِّي، وجلَسَ فيه راضيًا باسمًا … وأشعل سيجارًا وجعَلَ ينفخ الدُّخان في راحةٍ واطمئنان، ويقول: الآن … هات حُججك وأسبابك!

فنظرتُ إلى الرَّجُل طويلًا — دون أن أتكلَّم — نظرةَ المُستطلِع المتسائل عن اغتباطِ هذا الرَّجُل لعذابي … كأنَّ بيني وبينه ثأرًا قديمًا … ورفَعَ الرَّجُل سيجاره عن فمه، ولحَظَني بطرفِ عينه، وقال: قبل ذلك أريد أن أسألك: هل تعرف شيئًا عن ناتالي؟

فأجبتُ: مطلقًا … امرأةٌ فاتنة وكفى!

فقال: اسمحْ لي إذن أن أقول لك إنِّي أعرف أكثرَ منك قليلًا … لقد فُتن بها — بين مَن فُتن — ثلاثةُ رجال، أوَّلهم: مات مُنتحِرًا.

فتراجعتُ ذُعرًا في مقعدي صائحًا: الله أكبر!

فلم يُهدئ الشيخ من رَوعي، ولم يلتفتْ إليَّ، ومضى يقول: وثانيهم فقَدَ ثروتَه.

– معقول … والثالث؟

– الثالث … وكان فنانًا …

– آه.

ونهضتُ أرتمي على قدمي الشيخ: أتوسَّل إليك … أتوسَّل إليك أن تنقذني ممَّا أنا فيه … قبل فوات الأوان!

فلَمْ يعبأ بي … وجعَلَ يقول: والثالث …

فصِحتُ به: أريد أن أعرف ما حدَثَ للثالث … ارحمني! لقد تُبتُ وأنَبت.

– والثالث … كان فنانًا … موسيقيًّا.

فبادرت صائحًا: آه … أحد أمرَين: إمَّا أنَّه باع «الكمنجة» وإمَّا أنَّه شنق نَفْسه بالأوتار!

فابتسم الشيخ وقال: لا هذا ولا ذاك … وضَعَ لها «فالس» يعدُّ من خير ما أنتجتْ قريحتُه.

فاطمأنتْ نَفْسي قليلًا … وهدأ ثائري، وقلتُ كالمخاطِب لنَفْسي: نعم … ليس للفنان الحقُّ في أن يموت بالحُب أو بغيره، قبل أن يؤدِّي الإتاوة إلى إله الفن!

فقال الشيخ: لقد قالت هي أيضًا ذلك.

– ماذا قالت؟

– قالت ونحن نتآمر عليك …

– تتآمران عليَّ؟!

فأحسَّ الشيخ أن لسانه قد زلَّ … ولم يستطع التراجُع، فأقبَلَ عليَّ قائلًا: آنَ الأوان أن أعترف لك أيها الصديق بما كان من الأمر.

– تعترف؟!

قُلتُها في دهشة … وقد أدركتُ أن القناع سيسقط أخيرًا عن وجه حقيقةٍ أُخفيت عنِّي … وتنحنح الشيخ وقال: قبل أيِّ شيءٍ ينبغي أن تعلم أنِّي من هواة الرياضة … وأَحبُّ الرياضة عندي تسلُّق الجبال وصيد الوعول … أمَّا التسلُّق فها أنا ذا آتٍ منه … وأمَّا الصيد فإنَّ موسمه يبدأ في سبتمبر … وأحيانًا في أكتوبر … هذا يتوقَّف على المنطقة وعليَّ …

فقاطعتُه قائلًا: أحسب أنَّك أردتَ أن تحادثني في أمرٍ يتعلَّق بي؟

– إنِّي إنما أتكلم فيما يتعلق بك … إنَّ موسم الصيد في سبتمبر أو في أكتوبر؛ أي بعد شهرٍ طويل … وإني لأنتظر افتتاح الموسم نافدَ الصبر … ولقد تحدثتُ في ذلك إلى الجميلة في القطار ساعةَ العشاء … فإذا هي أيضًا تحبُّ الصيد … كلَّ أنواع الصيد: صيد الوعول، وصيد القلوب … وجاء ذِكرُك … وطاف بخاطرنا وصْفُ صاحبك لك ساعة الشاي أنَّك «عدوُّ المرأة»، فتراهنت الجميلة معي على أن تصوِّب إلى قلبك سهمًا يُدميه، ويستقرُّ فيه قبل صياح الدِّيك؛ فما رأيك؟ … إنِّي أتمنَّى أن تربح الفاتنة الرِّهان … فليس من الكياسة — وقد افتتحنا معًا الصيد — أن أجعل سهمها يطيش!

وسكتَ الشيخ … ونظَرَ إليَّ باسمًا.

فنظرتُ إليه ناقمًا … وقلتُ في سخرية مُرَّة: ما كان أغناكما عن هذا التجشُّم، وافتتاح موسم الصيد في الصيف من أجل قنيصةٍ هزيلة!

فقال الشيخ وهو يُرسل الدُّخان في الفضاء: قلبُك الكبير ليس فريسةً هزيلة!

فلزمتُ الصمت قليلًا … وأطرقتُ لحظةً … ثم قلتُ: والآن … أنت مغتبِطٌ بهذه الرياضة … وبرؤية دمي يشخَب؟

فقال: لقد نبَّهتُ الجميلة إلى مسألةِ الدم هذه … ولقد تكفَّلت لديها بتضميد الجُرح … غير أنَّها قالت: لا شأنَ لك به … إنَّ دم الفنان من نصيب إله الفن دائمًا!

فلَمْ أُجِب … وجعلتُ أفكِّر … وقد انكشَفَ لعيني كلُّ الأمر … فما هو إلا لعبُ هازلَين مترفَين.

فنهضتُ ومددتُ يدي إلى الشيخ الثريِّ قائلًا: وداعًا يا سيدي الرياضي البارع!

فصاح بي: هكذا سريعًا؟!

فقلت: نعم … ينبغي أن أذهب سريعًا.

– إلى أين؟

– إلى إله الفن … ما دُمتُما قد خرجتُما من الأمر وبرئتْ ذِمَّتكما … وتركتُماني بدمي هبةً له … فلأذهبنَّ إليه … وهو لا ريبَ شاكرٌ لكما العطية.

– وأين هو؟

– في المعبد.

– وما هو عنوان المعبد؟

– يُحفظ بشبَّاك البوستة!

فضحك الشيخ وقال: إنَّه إذن كثير التنقُّل … يذهب في كلِّ جهةٍ بمعبده كما أذهب أنا بحقيبتي.

– ويحبُّ التسلُّق مثلك … ولكنَّ حباله من نوعٍ آخر.

فأمسك الشيخ بيدي وجذَبَني إلى المقعد قائلًا: اجلس هنيهة … وحدِّثني عنه!

فسحبتُ يدي في رفقٍ وقلتُ: لا أستطيع ذلك الآن … أعدُك بذلك في يومٍ آخر … أمَّا الآن فأرجو منك أن تَدَعني أذهب.

فنظر في عيني مليًّا وقال: أتذهب إليها؟

فاختلج قلبي: مَن هي؟!

فقال الشيخ في نبرة المتسامِح: فاتنتُنا.

– الراقصة!

قُلتُها في شيءٍ من عدم الاكتراث المصطنَع، لا أظنُّه قد خفي على الشيخ … فقَدْ لحظتُه ابتسم … لكني مضيتُ في كلامِ الخيال لأستُرَ حقيقتي المضطرِبة: بل إنِّي ذاهبٌ إليه هو.

فقال الشيخ في تهكُّم خفيف: إله فنِّك!

– نعم.

– وما وجه العجلة؟ … ما زال في الوقت فُسحة … ونحن ما زِلنا في الصباح الباكِر … وما أحسبه بعدُ قد استيقظ هذا الإله البُوهِيميُّ!

فقلتُ: إنَّه يتناول طعامَ إفطاره الآن … وأمامه الإبريق والفنجان، وهو لا شكَّ ينتظر دمي حارًّا!

وأسرعتُ بتحية الشيخ، وخرجتُ من حضرته في شِبه ركض.

٥

عُدتُ توًّا إلى مسكني في ذلك «الاستوديو» فلَمْ أجدْ أثرًا للراقصة … وهذا أمرٌ طبيعي … لقد انصرفتْ بأمتعتها … ولمْ تترك لي إلا بضعةَ أسطرٍ خطَّتْها بالقلم الرصاص، تحت كلمتي التي كنتُ قد تركتُها لها فوق المكتب … ولم تكُن الورقة في المكان الذي وضعتُها فيه، بل وجدتُها في فم الدبِّ الذي يُزين جلده الأبيض أرض القاعة الكبرى.

فتحتُ الورقة وقرأتُ هذه الكلمات:

«سيدي،

وأنا لم يبقَ لي إلَّا أن أطرح القوس والنُّشَّاب وأذهب … نفير السيارة يدعوني بالباب … ونفير الصيد يُؤذن بالانتهاء قبل صياح الديك! لقد فرَّت القنيصة والسهمُ عالقٌ بقلبها … وكل بُغيتنا الرياضة، لا الاحتفاظ بالجلود … شكرًا على الضِّيافة.

ناتالي»

فطويتُ الورقة، وألقيتُ بها على الأرض بعيدًا … وجلستُ على جِلد الدبِّ … وأسندتُ رأسي إلى رأسه، وقلتُ مخاطبًا نَفْسي في زفرةِ المحزون وآهةِ المجروح: لا تُريد أن تحتفظ بجِلدي؟

•••

مرَّت اللحظات، وتعاقبت الساعات، وأنا في مكاني لا أُبدي حَراكًا … لقد فُقِد كلُّ إدراكٍ للوقت … فلَمْ أدرِ هل انتصَفَ النهار أو مالت الشمس إلى المغيب … ولقد غامت السماء … كما غامَ كلُّ شيءٍ في عيني … ولم أحسَّ الجوع … ولم تَنزع نَفْسي إلى غير هذا السكون الكئيب … ورفعتُ رأسي آخرَ الأمر … ونظرتُ إلى ما حولي … فخُيِّل إليَّ أنَّ كلَّ شيءٍ نائمٌ جامدٌ لا رُوح فيه … فأزهار «الميموزا» و«الهورتنسيا» بدتْ لي كأنَّها مُطرِقة هي الأخرى … وعروس الرقص «تربسيكور» راقدةٌ في إطارها كالمومياء … والنور الذي كان يتدفَّق من الجُدران البلورية فيملأ المكانَ إشراقًا، إنما يملأ الآن قلبي ليلًا حالكًا … كيف أستطيع الإقامةَ في هذا المسكن الآن؟! … إنَّ تلك الراقصة قد أفسدتْه عليَّ … لماذا دخلتْه لتخرج منه وشيكًا؟ … لماذا جَمَّلتْه بوجودها وعطَّرتْه بأنفاسها وأحيتْ جماده برُوحها لتتركه بعدئذٍ أوحشَ من القبر؟

آه … بكَمْ أشتري لحظةً أخرى، أراها فيها واقفةً في هذه القاعة، وهي في ذلك «الرُّوب دي شامبر» الحريري القِرمزي الموشَّى بذَهَبٍ في لونِ عينَيها!

إنِّي لم أَنَم الليلةَ الماضية، وهي بالقرب منِّي … فهل أنام الليلة المقبِلة، وهي بعيدةٌ عنِّي؟!

وارتعدتُ لهذه الفكرة ولم أحتملْ تصوُّرها … فوثبتُ كالمجنون إلى الطريق أبحث عنها … وذكرتُ أنَّها تنزل فندق «إدوارد السابع» … فقلتُ: هي ولا شكَّ هناك.

فاستوقفتُ سيارةً مارَّة انتقلتْ بي إلى الفندق.

ودخلتُ من ذلك الباب الدائر إلى البَهْو، وسألتُ — في عَجَلة — موظفَ الفندق عن السيدة فقال لي: إنَّها في الخارج … لم تعُدْ إلى الفندق بعدُ؟

فبادرتُ أسأل: ومتى خرجتْ؟

– بعد الغداء.

وكِدتُ أُلقي سؤالًا آخر: مع مَن خرجتْ؟

ولكن الله عصَمَ لساني من الزلل، وحِرتُ فيما ينبغي أن أفعل … ورأيتُ آخرَ الأمر أنْ أذهب، ثم أعود في المساء … فخرجتُ إلى مَشرَبٍ صغير في مُنعطَف الطريق … فجلستُ إلى مائدةٍ من موائده … وطلبتُ كوبًا من الجِعَة، وضعتُه أمامي، ولم أمدَّ إليه يدي، فقَدْ كان جسمي ورُوحي بين يدي صورة «ناتالي».

•••

جاء المساء … فعدتُ إلى الفندق أسأل عن الجميلة فقيل لي إنها جاءت … فأخرجتُ بطاقتي ودفعتُها إلى موظف الفندق، ورجوتُه أن يقدِّمها إليها ويستأذن لي في مقابلةٍ صغيرة … وانتظرتُ في البَهْو الجواب، وأنا أتقلَّب على نارِ الخوف والقلق … ومضى قليلٌ، وإذا المصعد يهبط، وفيه شابٌّ أنيقٌ يرتدي لباسَ السهرة، فتقدَّم إليَّ حاملًا بطاقتي في يده وقال: إنَّ السيدة تعتذر … إنَّ لحظاتها كلَّها مشغولة، وهي تشكُر لك الزيارة!

وانحنى قليلًا، ثم عاد أدراجه، وارتقى بالمصعد، واختفى عن نظري كما اختفى كلُّ شيءٍ في الوجود … فَقَد اسودَّت الدنيا في عيني … وكان خلفي مقعدٌ وثيرٌ ضخم فارتميتُ غارقًا فيه.

•••

مرَّ زمنٌ لستُ أدري مِقداره … ثُبتُ بعده إلى نَفْسي … وهممتُ بالقيام والذهاب. وإذا أنا أرى المصعد يهبط … وإذا الجميلة في رداءِ المساء البرَّاق، كأنَّها قطعةٌ من الشمس تسير على الأرض … قد خطَتْ في البَهْو نحو البابِ الدائر، يُحيط بها فِتيان ثلاثة، يرتدون «الفراك» … وكلهم جميلٌ أنيقٌ حليق … بالمناكب يفتحون لها بابها … ثم انطلقوا جميعًا كما تنطلق الأنشودة المرِحة.

٦

ضربتُ على غير هدًى في حانات باريس وملاهيها حتى الهزيع الأخير من الليل … ولم أجرؤ على العودة إلى المسكن قبل الساعة التي قدَّرتُ أن النوم يقهرني فيها قهرًا.

ودخلتُ فخلعت ثيابي توًّا … وألقيتُ بجسمي على الفِراش وأغمضتُ عيني … واستعنتُ بعزيمةٍ ماضية على طلَبِ النُّعاس … وخُيِّل إليَّ أنِّي نجحتُ … فلقَدْ رُحتُ في إغفاءةٍ عميقة … ومضى وقتٌ لست أدري أهو دقيقةٌ أم ساعة … وإذا أنا أنتفض انتفاضةً أيقظتْني، وكأنما شيءٌ قد وخَزَني في قلبي … فقمتُ أصيح في جوف الظَّلام: يا إله الفن! … لماذا تفعل بي ذلك؟! … لماذا تصنع بي ذلك دائمًا؟!

وذهَبَ النومُ من عيني … فجلستُ القُرفصاء في سريري … واضعًا رأسي في كفيَّ، محدِّقًا ببصري في سواد الليل المحيط بي … وجعلتُ أقول: «آه … ما من مرةٍ صادفتُ فيها امرأةً هزَّت نَفْسي إلَّا كانت تلك هي النهاية! … لماذا يا إله الفنِّ يروق لك دائمًا أن تجرح وتُذلَّ هذا القلب الذي هُيِّئ لخدمتك؟!»

وغرقتُ في الصمت … ولكنَّ كلمة «إله الفنِّ» ما زالتْ تطنُّ في أُذني، كأنَّ لها حقيقةً واقعة … وطفقت أردِّد: يا إله الفنِّ! … إله الفنِّ! … إله الفنِّ!

نعم … إنَّه هو وحده الذي أتوجَّه إليه مُستجيرًا من أثقالِ حياةٍ يقودها بالسلاسل في موكبه الحافل.

ونظرتُ أمامي في الظَّلام … وقلتُ: إنَّك في المعبد! … آه لو ألقيتَ إليَّ نظرةً من فوق عرشك!

وأحسستُ شيئًا من العزاء في هذه الفكرة … وجعلتُ أبحث عنه بعيني في الظَّلام … تُرى أين هو الآن؟ … لستُ أدري لماذا تمثَّل لي عندئذٍ بناءُ «الموزارتيوم» الفخم الضَّخم في «سالزبورج»! … هذه المؤسسة الدولية التي اشتركتْ في إنشائها الأممُ المتحضِّرة اعترافًا بعبقرية «موزار» … وجعلتْ منها معهدًا عاليًا لدراسة الموسيقى، ومتحفًا لآثاره، ومسرحًا لإبراز أعماله … هنالك في القاعة ذات الحيطان الذهبية … حيث أصغيتُ إلى «سانفونية جوبيتر» تسيل ألحانُها كالماءِ الزُّلال من أصابع النبي «توسكانيني» … خُيِّل إليَّ أنِّي سمعتُ همساتِ الإعجاب من إله الفنِّ.

ثم هنالك في بناء المهرجان «الفشستسبيل هاوس» حيث شاهدتُ أوبرا «أورفيوس» و«إيروديس» و«تريستان وإيزولت». لمحتُ أيضًا حركاتِ تصفيقٍ خفيةً من يدَي إله الفنِّ.

وفي كنيسة «سان بيتر» حيث أصغيتُ إلى ألحان موزار الدينية … فحِرْتُ وتساءلتُ: أترى عبقرية موزار هي التي خدمت الكنيسة … أم أنَّ الكنيسة هي التي أظهرتْ عبقرية موزار؟

هنالك أيضًا شعرتُ كأنَّ إله الفنِّ كان حاضرًا، ينثر على تلك الأنغام الملائكية ابتسامةَ الرضا.

وأمام الكاتدرائية، ثم في صدر الجبل، حيث رأيتُ قصة «بيدرمان» وقصة «فوست» من إخراج «رينهارت» … فوجدتُ التناسُق الفنيَّ والخَلق الذهنيَّ والتصوُّر القويَّ، على أتمِّ ما يمكن أن يخرج من رأس فنان تمثيلي. بدا لي أيضًا أن إله الفنِّ كان ناظرًا في سرور.

نعم … كلُّ ذلك لا ريب فيه عندي … إنِّي موقنٌ بأنَّ إله الفنِّ كان منِّي غيرَ بعيدٍ أمام كلِّ هذه المظاهر الفنية العظيمة.

آه … ولكنِّي أريد أن أراه الساعةَ وجهًا لوجه … لأجثُو عند قدمَيه، وأشكو إليه.

ومرةً أخرى أرى في الظلام — دون أن أدرى السبب — بعض ما رأيتُ من مناظر «سالزبورج» … فتلك بُحيرةُ «فولفجانج» على شاطئها فندق «الحصان الأبيض» كأنَّه طيرٌ يرِدُ الماء … وهذه بُحيرةُ «زال آم سي» في قاع جدرانٍ عالية من جبالٍ تُحيط بها، كأنها آنيةٌ من الخزف الأزرق، صنَعَها مهَرَةُ فنَّاني «فنيسيا».

نعم … ها هنا الطبيعة الإلهية، والعبقرية الآدمية، تلتقيان!

ها هنا يد السماء في هذه الجبال والبحيرات … ويد الإنسان في هذه المؤلَّفات التي خلَّفها «موزار» تتصافحان!

في هذا البرزخ بين الأرض والسماء … وفوق هذا الجسر بين القدرة العلوية والموهبة البشرية؛ لمحتُ في الظَّلام عجلةً تشبه عَجَلات قدماء المصريين، تأتي مُسرِعة، يجرُّها ثمانية جيادٍ شُهْب، كتلك الجياد المُطهَّمة الجميلة التي شاهدتُ رسمها يزين سقفَ قاعة التدخين الكبرى في مبنى المهرجان!

وتقدَّمت العَجَلة في دويٍّ من صليلِ السلاسل وصهيل الخيول … يحفُّ بها موكبٌ لم أرَ له آخِرًا … ولم أستطع أن أُميِّز وجهًا من الوجوه … فقَدْ كنتُ في ذيل الصفوف … أسيرُ داميَ القدمَين، مُقيَّدًا في أغلالٍ من حِبال «الليف» تربطني مع غيري من الألوف … كأننا أسرى من العبيد خلْفَ عَجَلة رمسيس المُنتصِر.

ووقفت العَجَلة ووقفنا أمام بُحيرةِ «زال آم سي» وقَدْ صفا ماؤها صفاءَ دمعةِ الحسناء … ورقَّ النسيم … وتألَّق حلي السماء … وإذا أجسامٌ بضَّةٌ مضيئة كأنها قِطَع النور تسبح في البحيرة … ثم تخرجُ متدثِّرةً في غلائلَ دِمَقسِيَّةٍ مختلفةِ الألوان … وإذا هي ترقص حول العَجَلة رقصاتٍ إلهية، كأنَّها رقصاتُ «سالومي» في الغلائل السبع الحريرية.

فحَدَدتُ البَصَر إلى الراقصاتِ الجميلات … فإذا بينهنَّ نساءٌ قد عرفتُهنَّ في يومٍ من الأيام.

فتلك «سنية» وتلك «ريم» وتلك «سوزي»، وهذه … عجبًا … عجبًا يا إلهي … وهذه «ناتالي»!

نعم … هذه «ناتالي» بعينها، في تمايُلها اللطيف الذي يُماثِل تمايُلَ السنبلة في الحقول … كما رأيتُها تفعل على وقْعِ أنغام «رقصة الأزهار» ﻟ «تشايكوفسكي» … ورقَصَ الجميع عند أقدامِ إله الفنِّ … تحت أنظار العبيد المُلتهِبة … وحدَّقَ الإله في عيونِ أسراه … وأدرَكَ ما بهم، فسلَّمَ إلى كلِّ راقصةٍ قوسًا ونُشَّابًا وبضعَ زهرات … فقذفْنَ الأسرى بالزهرات … فالتقَطُوها كالمجانين … وأراد بعضهم أن يقطع الحبال ويجري نحوهنَّ، فأومأ إليهنَّ إلهُ الفنِّ … فرفعْنَ القِسيَّ في أيديهنَّ ورَمَين.

آه … إنِّي أعرف الساعة في قلبي سِهامًا أربعةً مُنغرِسةً فيه كأنَّها السنابل … آخرها ذلك السَّهم المنطلِق من قوس الراقصة البولونية.

وصِحْتُ عندئذٍ صيحةً مدوِّية الْتفتَ إليها إلهُ الفنِّ قائلًا: مَن هذا؟

فرفعتُ صوتًا متمرِّدًا قاصفًا: لماذا تفعل بنا هذا؟!

فنظَرَ إليَّ حيثُ أقف … وقال: عبدٌ يَعترِض؟!

فقلتُ في ذِلةٍ وإطراق: حاش أن أعترض … إنما أنا أسأل عن العِلَّة … وأطلبُ أن أفهَمَ الحِكمة.

فأجاب في هدوءٍ وجلال: أنتم جميعًا في خدمتي … أنتم لي وما ملَكَت أيديكم … أنتم رقيقٌ مشدودٌ إلى عَجَلتي … لكم أن تنظُروا إلى راقصاتِ معبدي … وأن تتأمَّلوا جمالهنَّ … وأن تلتقطوا أزهارهنَّ … وأن تستلهِمُوا حُسنَهنَّ وحُبَّهن … ولكن اذكُروا دائمًا أنهنَّ لسنَ لكم … كلُّ ما لكم من متاعٍ حقيقي: هو هذه الحبال من الليف التي تربطكم أبدًا إلى عَجَلتي!

فَصِحتُ به: أبهذا نخدمُك؟!

فقال: نعم.

فَصِحتُ: ماذا نصنع لك؟

فقال: تصنعُون لي أَردِيةً جميلة.

فأدركتُ عندئذٍ حقيقةَ الموقف … غير أنِّي تجرَّأتُ وقلتُ: وهل نستطيع ذلك وقلوبُنا قد رُشقتْ بالسِّهام؟!

فابتسَمَ وقال: ألم ترَ الخيَّاط الذي يُفصِّل لك رداءك؟ … كيف يُعلق بذراعه قلبًا من القطن قد غُرست فيه الدبابيس؟! … هذا عمله … أنتم أيضًا معشرَ الخيَّاطين المنوطين بصُنع أَردِيتي، يجب أن تكون لكم قلوبٌ قد غُرستْ فيها السِّهام! … هذا عملكم!

فتفكَّرتُ قليلًا. وقد أفحمني الجواب. وأشرتُ إلى الراقصات قائلًا: وهؤلاء هنَّ المكلَّفات بتوريد الدبابيس؟!

فأجاب في ابتسامةٍ خفيفة: أراكَ الآن قد فهمتَ.

فأطرقتُ مليًّا … وقلتُ مخاطِبًا نَفْسي: نعم! … نعم!

ثم الْتفتُّ إليه وأنا أخرُّ ساجدًا مستغفرًا: عفوك! … لقد نسيتُ أن هذا من عملنا … وأن تفصيلَ أَردِيتِك في حاجةٍ إلى كلِّ هذه الأدوات.

وشعرتُ بعدئذٍ براحةٍ تملأ نَفْسي، وأخَذَني نومٌ عميق … لم أستيقظ منه إلَّا ظُهْر اليومِ التالي … ونهضتُ وأنا لا أذكُر ناتالي … ولكنِّي ذكرتُ صاحبي «موريس» … وقلتُ: عجبًا! … يُخيَّل إليَّ أن هذا الخبيث قد حدَّثَني في أمرٍ يشبه مسألةَ الدبابيس … ولقد تمنَّى ذلك هو أيضًا … وأراد أن يحمِلَني على الإكثار من صُنْع الأَردِية … كأنَّه أحدُ سماسرة الخيَّاطين! … وارتديتُ ثيابي على عجَلٍ وأنا أقول: إلى العمل! … إلى العمل!

ويمَّمت شطرَ «شباك البوستة العمومية»؛ حيث وجدتُ في انتظاري رسالةً من صاحبي الفرنسي يقول فيها:

«صديقي …

أُبادر بالكتابة إليك، لأنَّ قلبي يحدِّثني أنَّ الرقصةَ الأخيرة قد أنتجتْ أثَرَها … وأنَّ قلبك النائمَ المُتثائِب قد استيقظ … وإنِّي لأسمعُ له على البعد صوتًا كفورانِ الشمبانيا ذاتِ الحَبَب في الزجاجة المختومة … فعلينا إذن أن نُسرِع إليه بالكئُوس.

إنِّي أتناول العشاء دائمًا في قهوةِ «سيرانو» التي تحبُّها ﺑ «مونمارتر» … إني أنتظر … والأعمال تنتظرك … فارجعْ إلى أحضانِ الفنِّ.

موريس»

فوَضَعتُ الرسالة في جيبي … وتنهَّدتُ من أعماق قلبي المرصَّع بالسِّهام: نعم … وا أسفاه! … ليس لي دائمًا غيرُ أحضانِ الفنِّ!

ذكرى سالزبورج
صيف ١٩٣٦م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤