بشار

(١) شخصيته

لِبشَّار شخصية ذات مفتاح قريب يدلنا على مذهبه في الشعر والحياة ويفسر لنا الكثير من أخلاقه ونوادره، ومفتاحها هذا هو وصفه الجثماني الذي اتفق عليه مترجموه وطابَقَتْهم عليه بعض أبياته وأشعاره؛ فقد وصفوه بأنه كان ضخم الجثة مفرط الطول تام الألواح، ورووا أن أديبًا دخل عليه وهو نائم في دهليزه — كأنه جاموس — فقال: «يا أبا معاذ، مَن القائل:

إن في برديَّ جسمًا ناحلًا
لو توكأت عليه لانهدم

فقال: أنا، فقال: مَن القائل أيضًا:

في حلتي جسم فتى ناحل
لو هبت الريح به طاحا

قال: أنا، قال: فما حملك على هذا الكذب؟ والله إني لأرى لو أن الله بعث الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ما حرَّكتك من موضعك.»

وقد عاش الرجل سبعين سنة ومات بضرب السياط المبرح لا بمرضٍ أصابه ولا بضعف الشيخوخة، سمعوه يؤذن وهو سكران في غير وقت الأذان؛ فأتوا به وجلدوه حتى أشرف على التلف، فهو في تلك السن التي تسكن فيها النفس وتهدأ فيها شِرَّة الطبع وتفتر نزوات الحياة لم يزل كأنه في سن الفتوة ومَجَانَة الصبا ودفعة الحيوية العارمة. فكان وافي الجثمانية شديد الحيوانية من أصحاب ذلك المزاج الذين يغلب عليهم اللهو والفجور والشغف باللذات والملاهي وما تُسوِّلُه غواية اللحم والدم، وتغري به المطالب الجسدية والشهوات الحسية، فما كان له إلا أن يطيع طبيعته الحيوانية وينغمس في ذلك التيار الذي تدفعه إليه، ولكن أنَّى له بذاك وقد وُلِدَ أعمى، وليست مجالس اللهو والمجون مما يليق بالعميان وأصحاب الآفات، ولا هي بالموضع الذي يزاحمون فيه أهله فيفلحون في الزحام؟ فكيف تراه يصنع؟ أيقهر طبيعته حذرًا من العبث به والسخرية منه وإيثارًا للوقار الذي يجمل بنكبته والتدين الذي يطمئن به إلى مصيبته؟ ذلك وجه قد يخطر له لو كان حب الوقار والكرامة أرجح لديه من لذة القصف والدعابة، ولو أنه وُلِدَ كالمعرِّي في بيت التقوى والعلم ونشأ من طفولته نشأةً مهيأةً للدرس والتوقر لجاز أن يكبح نفسه وأن يُنَهنهَ من بواعث طبعه، ولكنه نشأ في بيئةٍ أهون شيء عليه الوقار والكرامة، فكان أبوه مولى طيانًا من السَّبْي وأمه امرأة ترضى أن تتخذ عبدها زوجًا لها، وكان الفقه في الدين أبعد ما يتصور من أبي بشار وأغرب ما مُنِّيَ به الناس منه! قيل إنه كان يضرب بشارًا ضربًا مبرحًا لهجوه الناس فكانت تقول له أمه: «لِمَ تضرب هذا الغلام الضرير؟ أما ترحمه؟ فيقول: بلى، والله إني لأرحمه، ولكنه يتعرض للناس فيشكونه إليَّ، فسمعه بشار فطمع فيه، وقال: إن هذا الذي يشكونه إليك مني هو قولي الشعر، وإني إن أتممت عليه أَغْنَيْتُك وسائرَ أهلي، فإذا شكوني إليك فقل لهم: أليس الله — عز وجل — يقول: «ليس على الأعمى حرج.» فلما أعادوا الشكوى على أبيه قال لهم ذلك؛ فانصرفوا وهم يقولون: فِقْهُ بُرد أَغْيَظُ من شِعْرِ بشار!»

فطبيعةُ بشار وتربيته قد أرادتا به أن يكون كما كان ماجنًا خليعًا مستجيبًا لشهوات الحس ومطالب الجسد، وكان لا بد له أن يوطِّن نفسه على ما يلقى من السخرية والعبث في سبيل ذاك، وأن يستهدف للضحك والابتسام والولع به والتغامز عليه، وأن يخلع الحياء فلا يبالي بشرفٍ ولا دينٍ ولا يراقب الناس في أمرٍ من الأمور التي تجتذبه وتستهويه، والتي يضاعفُ الحرمانُ من النَّظرِ رغبتَهُ فيها وتَكالبه عليها، فلم يكن أحد غيره أحق بأن يقول:

مَن راقب الناس لم يظفر بحاجته
وفاز بالطيبات الفاتك اللهج

ومن عادة التمادي في اللهو أنه يُضعف التقية ويُغري بخلع الحياء وقلة المبالاة، فأولى بالذي يجنح إلى اللهو — وهو قليل المبالاة بفطرته — أن يزداد به هذا الخلق رويدًا رويدًا حتى لا يعنيه مدحٌ ولا قدحٌ ولا يزعهُ شرعٌ ولا ضميرٌ، ولا يحفل حرمة من الحرمات التي يقدسها الناس ويستعينون بها على النزوات والأهواء، وقد بلغ الأمر ببشار إلى هذا الحد فكان لا يستبقي نسبًا ولا مودةً ولا دينًا ولا سمعةً إلا ما يمسهُ منهُ الضرر ويحول بينه وبين ما يريد، فهو يهجو سيبويه فيقول فيه:

سباويهِ يا ابن الفارسية ما الذي
تحدثت عن شتمي وما كنت تنبذ؟!

وبشار نفسُه ابن فارسي من الموالي!

وهو يهزأ بمكان الشعراء ولا فخر له بغير الشعر الذي يتكسب به، فقد سمع عقبة بن رؤبة يقول: أنا وأبي وجدي فتحنا الغريب للناس وإني لجديرٌ أن أسده عليهم، فقال بشار: ارحمهم رحمك الله، فقال: أتستخف بي وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟! فقال بشار: إذن أنت من أهل البيت الذين «أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرًا.» يريد أن يتهكم بِحَسَبِ الشعراء ويزدري ذلك النسب الذي افتخر به صاحبه.

وربما كان من هذا الاستخفاف نظمه الشعر في الأغراض المُسفة الركيكة كقوله في مدح جاريته:

ربابةُ ربة البيت
تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات
ودِيكٌ حسن الصوت

ومنه أنه كان لا يتحرج من تكملة الكلام بما يحضره من الأسماء والمفردات التي لا وجود لها في اللغة، فقال في بعض غزله:

صببت هواك على قلبه
فضاق وأعلن ما قد كتم
وقالت هويت فمت راشدًا
كما مات عروة غمًّا بغم
دسست إليها «أبا مجلز»
وأي فتى إن أصاب اعتزم
فما زلت حتى أنابت له
فراح وحل لنا ما حرم

فسأله سامع: ومَن هو أبو مجلز؟ فقال: وما حاجتك إليه؟ ألكَ عليه دَين؟ أتطالبهُ بطائلةٍ؟ هو رجل يتردد بيني وبين معارفي في رسائلي.

ومات حماره فزعم أنه رآه في النوم فأنشده:

سيدي خذ بي أتانًا
عند باب الأصفهاني
تيَّمتني يوم رحنا
بثناياها الحِسان

•••

ولها خَدٌّ أسيل
مثل خد الشنفراني

فقيل له: وما الشنفراني؟ فقال: ما يدريني؟ هذا من غريب الحمار، فإذا لقيتموه فاسألوه عنه؟

وكان كثيرًا ما يحشو شعره بهذه الأسماء الملفقة لقلة صبره على التجويد والتنميق.

وإن من الهزل أن يحسب لبشار رأي في الدين والعصبية؛ فيُقَال إنه كان معتزليًّا أو مسلمًا على هذا المذهب أو ذاك، فما كان لذلك كله شأنٌ عنده يشغله أكثر من ساعةِ سَمَرٍ أو كلمة يرسلها في قطعةٍ من الشعر للمداعبة والإغراب وإغاظة بعض المتحرجين على عادة المتهتكين والخلعاء في العبث بمَن يُظهِرون العفة والصلاح، وقد نشأ بشار في أوائل عهد المدنية العباسية أي في ذلك العهد الذي راجت فيه الأزياء الفكرية والذوقية كما تروج الأزياء عامة في عهود المدنية والعمران، وكانت الزندقة من أزياء الظرفاء أو كان الظرف من أزياء الزنادقة كما قال أبو نواس: «تيه مغن وظرف زنديق!» فكان بشار يتخذ له كل يومٍ زِيًّا من هذه الأزياء التي يتحلى بها ظرفاء عصره وروَّاد مآلفه، ويغشى مجالس المعتزلة ليتلقف منهم ما يخوضون فيه من النِّحَل الغريبة وما يتحذلقون به من الأقاويل المعتسفة، فتارةً هو على رأي القائلين إن إبليس خيرٌ من آدم:

إبليس أكرم من أبيكم آدم
فتبينوا يا معشر الأشرار
النار عنصره وآدم طينة
والطين لا يسمو سمو النار

فهل هذا جد يُسمَّى بالمذهب في الفلسفة أو الدين! وما لبشار ولآدم إن كان أفضل من إبليس أو كان إبليس أفضل منه؟! ومَن هم معشر الأشرار الذين يحنق عليهم بشار لغضهم من قَدْر أبي الشياطين ورفعهم من قَدْر أبي إخوانه الآدميين؟! هذه تسليةٌ ودعابةٌ وزِي من أزياء التظرُّف لا أكثر ولا أقل.

وتارة هو على مذهب الجبرية الذين يُسقطون الحساب والتكلف:

طُبِعتُ على ما فيَّ غير مخيَّر
هواي ولو خيرت كنت المهذبا
أريد فلا أعطى وأعطى ولم أرد
وقصر علمي أن أنال المغيبا
فأصرف عن قصدي وعلمي مقصر
وأمسى وما أعقبت إلا التعجبا

ويعود فإذا هو مؤمن شرعي يذكر الموت ويخشى الحساب:

كيف يبكي لمحبس في طلول
مَن سيفضي لحبس يوم طويل
إن في البعث والحساب لشغلًا
عن وقوف برسم دار محيل

وأبلغ من ذلك في هذا الباب قوله:

بدا لي أن الدهر يقدح في الصفا
وأن بقائي إن حييت قليل
فعش خائفًا للموت أو غير خائف
على كل نفس للحمام دليل
خليلك ما قدمتَ من عمل التُّقى
وليس لأيام المنون خليل

وما ذاك لأن الإيمان أو الكفر يكرثه ويعنت فكره فيطول فيه تقلبه وبحثه، ولكن لأنها دريئة تنجيه من الأذى وخواطر يتفكه بها «الظرفاء» ويوسعون بها على أنفسهم من قيود الأدب والشريعة، وقد رووا أنهم وجدوا في أوراقه كلامًا يقول فيه إنه همَّ بهجو رجلٍ ثم ذكر قرابته من رسول الله فعفا عنه، ويستدلون بذلك على أنه كان متشيعًا صادقًا في التشيع لآل البيت، ولكن الرواية في ذاتها لا تُصدَّق لأننا لم نعهد في شعراء العرب أن يدونوا خواطرهم ونياتهم، ولا سيما مَن كان مكفوفًا يحتاج إلى مَن يكتب عنه، ولا ننفي تشيع بشار للعلويين فإنه كان من البصرة وفيه عِرق من الفُرس، ولم يكن راضيًا كل الرضا عن دولة بني العباس، فإذا تشيع فلا غرابة في ذاك، ولكن الغرابة أن تظن به الحماسة للشيعة أو لغيرهم وهو مَن تعلم من المجون وقلة المبالاة.

وأنت لا تجد حتى في هجو بشار أثرًا قويًّا لمرارة البغض الصادق والغيظ الشديد على مَن ينحي عليهم بالهجاء، فإنما كان هجوه صناعيًّا وفنيًّا كما نقول نحن في هذا العصر، وكان أشبه بالعصا التي يذود بها مَن يتعرض له ثم يلقيها من يده إلى حين الحاجة، وربما تبرم بالدنيا وصدق فيه قول الأصمعي إنه «كان من أشد الناس تبرمًا بالناس.» وإنه كان يقول: «الحمد لله الذي حجب بصري» فقيل له: لِمَ يا أبا معاذ؟ فقال: لئلا أرى مَن أُبغض. ولكننا حريون ألا نبالغ في هذا الخُلُقِ الذي وُصِفَ به وألا نرى فيه أكثر من أنه عادةُ أصحابِ اللهو؛ إذ يستثقلون من الناس مَن لا يجدون عندهم حظًّا من السرور والسمر، ثم لا يكلفون أنفسهم مئونة الحقد عليهم والتغيظ منهم، ولا شك في أن بشارًا كان ينقم على العمى أحيانًا، ويشعر بالحسد للذين رُزِقُوا البصر من حوله فيضجر من الناس ويتبرم بالدنيا كلما أَلمَّ بنفسه ذلك الخاطر، غير أنها نوبات لا تطول عند صاحب هذا المزاج ولا تتعمق في سريرة نفسه، فما كان بشار بالرجل الذي يجعل من المصيبة حرمًا معزولًا يحفه بسياجٍ من الوحشة، ويجلُّه عن الذكر والعزاء ويتقدم إليه ليل نهار بقرابين من المضض والكراهية، وإنما هي لحظة عارضة يأسى فيها ما يأسى، ثم تنقضي فيذكر مصيبته في شعر الغزل والمزاح ويتخذ منها لعبة يتفرج بها على الناس، قيل: «إنه جلس على بابه وحده وليس معه خلق، وبيده مخصرة يلعب بها وقُدامه طبق فيه تفاح وأترج، فمر به رجل يُقال له دهمان الغلال فلما رآه وليس معه أحدٌ؛ تاقت نفسه إلى أن يسرق ما بين يديه فجثا قليلًا حتى مد يده ليتناول منه، فرفع بشار المخصرة خلسة وضربه ضربةً على يده كاد يكسرها، فقال الرجل: قطع الله يدك يا ابن …! أأنت أعمى؟! فقال بشار: يا أحمق! فأين الحس؟»

وقيل: «إن رجلًا سأله عن منزلٍ ذكره له فجعل يُفهِمه والرجل لا يفهم، فلما يئس منه بشار أخذ بيده، وقام يقوده إلى المنزل الذي يبتغيه وجعل ينشد في طريقه:

أعمى يقود بصيرًا لا أبا لكمُ
قد ضل مَن كانت العميان تهديه

وظل يقوده حتى وصل به إلى المنزل، ثم دفعه إلى داخله وقال له هذا هو المنزل يا أعمى!»

وما من حبٍّ في الخير جشم بشار نفسه أن يهدي الرجل إلى المنزل الذي ضل عنه، ولكنها فرصة أُتيحَت له؛ فأراد ألَّا تفوته حتى يسخر بالعمى وبالبصر في آنٍ واحدٍ.

ويَقِلُّ في فكاهة بشار السَّخَر الذي مصدره الاهتمام بالأمور والجد في شئون الحياة، كسخر ابن الرومي النافذ الحاد أو كسخر المعري الشاحب الرزين، ويكثر في هذه الفكاهة السخر الذي مصدره اللعب وقلة الاكتراث، وذلك الإيذاء الإبليسي الذي يَبْدُر من النفس عفوًا بلا تعمل ولا حماسة ولا التهاب، وليست تنقصه أسباب هذه الفكاهة؛ لأن الذكاء وممارسة اللهو وفتور النخوة والتعرض لدواعي المزاح والتناقض بين معيشة الإنسان والمعيشة التي تنبغي له وتنتظر منه، كل أولئك من أدوات الفكاهة التي اشتهر بها بشار وأعانته عليها الفطرة والعادة فحبَّبت الناس فيه وأخافتهم منه، ومِنْ دَأْب ذوي العاهات الذين ينغمسون في غمار الحياة أن تكثر فيهم الدعابة المضحكة؛ لأنهم عُرضة لها في كل حين، فلا بد لهم من سلاحٍ حاضرٍ يتَّقون به ما يصيبهم منها، ويديرون به الفكاهة على مَن يقصدهم بها، وبمثل هذه الدعابة سار ذكر بشار بين الظرفاء والظريفات في عصره، وصار بما اشتهر به من الغزل ووقائع الغرام أعجوبة في أحاديث الناس يودون رؤيتها والتعجب منها، وبلغ من ذاك أن جواري المهدي — وكان من أشد خلفاء بني العباس غيرةً على المحارم — «سَأَلْنَه أن يريهن بشارًا وقلن له: لو أذنت له يدخل إلينا يؤانسنا وينشدنا فهو محجوب البصر لا غيرة عليك منه؟ فأمره فدخل إليهن واستظرفنه وقلن له: وددنا — والله يا أبا معاذ — أنك أبونا حتى لا نفارقك، قال: نعم، ونحن على دين كسرى!» ونوادره في ذلك كثيرة لا نظنه كان يفرغ منها.

أما شعره فرصينٌ صحيحٌ في الأكثر الأعم مما وصل إلينا منه، وهو يقسمه قسمين: «بدوي» تغلب فيه الجزالة والجفوة، و«حضري» تغلب فيه الرقة والنعومة، فإذا نظم في أغراض الشعر القديمة كان أقرب إلى لغة الأعراب التي لا تشوبها دماثة الحضارة، وإذا نظم في الغزل والمجون كان أقرب إلى اللغة المألوفة الشائعة التي رقت حواشيها وسلسلت عباراتها، ولا اختيار له في ذلك وإنما هو اختيار الموضوعات وحُكم الصياغة وما يوائمها، وقد كان يُدل بسلامة لفظه وجودة نظمه، ويقول لمَن سأله في ذاك: «ومن أين يأتيني الخطأ وقد وُلدتُ هنا ونشأتُ في حجور ثمانين شيخًا من فصحاء بني عقيل ما فيهم أحدٌ يعرف كلمة من الخطأ؟! وأما نساؤهم فأفصح منهم، وأيفعت فأبديت إلى أن أدركت، فمن أين إذن يأتيني الخطأ؟!»

وروح شعره هو الروح الذي يُعرَف به أمثاله من ذوي الطبيعة الحيوية والمزاج الدنيوي الذي يتخيل الأشياء كما يحسها في عالم الواقع القريب، ويراها كما تبدو في صورة المعيشة المعهودة وحقائق البيت والسوق، فلا إلهام في شِعره ولا حنين ولا أشواق ولا بدوات ولا خيال، ولكنها تجربة الدنيا تُملِي عليه ما ينظم من الحكمة والوصف والغزل والهجاء فلا يمتاز فيها عن سواد الناس بغير اللسان اللبق والقدرة على النظم والتعبير، وأحسبه أصلح أدباء العرب لأن تؤخذ من شعره الشواهد الكثيرة على أساليب «الطريقة الطبيعية الواقعية» التي اشتُهِرَ بها بعض أدباء فرنسا على الخصوص في القرن الأخير، فاذا قرأت له هذه القصة الصغيرة في قوله:

عجبتْ فاطم من نعتي لها
هل يجيد النعت مكفوف البصر
بنت عشر وثلاث قسمت
بين غصن وكثيب وقمر
درة بحرية مكنونة
مازَها التاجر من بين الدرر
أذرت الدمع وقالت ويلتي
من ولوع الكف ركاب الخطر
أمتي بدَّد هذا لعبي
ووشاحي حله حتى انتثر
فدعيني معه يا أمتي
… … … …
أقبلت في خلوة تضربها
واعتراها كجنون مستعر
بأبي والله ما أحسنهُ
دمع عين غسل الكحل قطر
أيها النُّوام هبوا ويحكم
وسلوني اليوم ما طعم السهر

أو قرأت له قصته الأخرى التي يقول فيها:

حسبي وحسب الذي كلفت به
مني ومنه الحديث والنظر
… … … …
… … … …
أو عضة في ذراعها ولها
فوق ذراعي من عضها أثر
أو لمسة دون مِرْطها بيدي
والباب قد حال دونه الستر
… … … …
… … … …
واسترخت الكف للعناق وقا
لت إيه عني والدمع منحدر
انهض فما أنت كالذي زعموا
أنت وربي مغازل أشر
يا رب خذ لي فقد ترى ضرعي
من فاسق جاء ما به سكر
أهوى إليَّ معضدي فرضضه
ذو قوة ما يطاق مقتدر
ألصق بي لحية له خشنت
ذات سواد كأنها الإبر
… … … …
… … … …
أقسم بالله لا نجوت بها
فاذهب فأنت المساور الظفر
كيف بأمي إذا رأت شفتي
أم كيف إن شاع عنك ذا الخبر
قد كنت أخشى الذي ابتُليتُ به
منك. فماذا أقول يا عبر
قلت لها عند ذاك يا سكني
لا بأس! إني مجرب خبر
قولي لها بقة لها ظفر
إن كان في البق ماله ظفر

فكأنك تقرأ صفحةً من زولا أوجي دي موباسان، ومثل هذا الغزل لا علو فيه ولا هيام؛ لأن الشهوة فيه أغلب من الحب والعطف والمناجاة، وغير عجيب مع هذا أن يُقَال إن الشيوخ والزُّهَّاد كانوا يهيبون بالمهدي أن يكف بشارًا عن الغزل، وإنه نهاه عنه وحرمه جوائز المدح التي كان يحتال على دس الغزل فيها.

وربما كان من العِبَرِ التي لا بأس بالتنبيه إليها أن بشارًا هذا على ما علمت من قوة جسمه واتساق خلقه وطول عمره لم يسلم من فدية الأدب التي يفرضها على أبنائه، والتي يقول بعض الكُتَّاب الأطباء إنها حق للفن على الفنان يأخذه من عقله أو من نسله أو من حواسه أو من خلقه، ولا يُعفَى منها أحدٌ له اشتغال مطبوع بالآداب والفنون، وأما فدية بشار فهي بصره الذي فُجِعَ فيه وهو جنين في بطن أمه، فكان ذلك أول خلل اعتراه في التركيب وقد تكون له علاقة حميمة بالمزاج والأعصاب، ونسله الذي فقده في حياته ورثى منه في هذه الصفحات ولدًا وبنتًا صغيرين، ولم نعرف بعد من سيرته أنه أعقب غيرهما خلفًا من الذكور أو الإناث.

ولا يتسع المقال الآن لأكثر من هذه العجالة فلنرجيء الكلام المفصل في بشار إلى فرصةٍ أخري، ولنشكر الأديب الذي اجتهد في جمع ما اهتدى إليه من شعره شكرًا يكافيء جهده وقصده، وبِودِّنَا لو استطعنا أن نقف عند ذلك ولكننا مضطرون إلى أن نلاحظ له بعض المآخذ في مجموعته منها: أنه لم يدقق في رواية بعض الأبيات وإن كانت قليلة لا تعيب المجموعة، ومنها أنه أورد فيها أبياتًا كان الأجمل حذفها والإعراض عنها؛ لإفراطها في الفحش والبذاء، ولا يجوز الاحتجاج بكثرة أمثال هذه الأبيات في كتب الأدب المعدودة؛ فإن لكل عصرٍ أدبًا غير آداب العصور التي تقدمته، وهذا فضلًا عن أن كتب الأدب في عصور الدولة العربية كانت تُخط لمَن يتعمد نسخها ولا تُطبَع للعامة بعشرات الألوف، فهي أشبه بالرسائل الخاصة منها بالكتب المعروضة لجميع الأنظار.

(٢) غَزَلُه

عاش بشار أيام حياته كما قال:

قد عشتُ بين الندمان والراح والمز
هر في ظل مجلس حسن

وكان كثير الشعر عامة وكثير الغزل خاصة، فلم يبقَ من شعره ولا غزله إلا القليل المشتت الذي عفت عنه الأيام وسلم من ضغينة الأمراء المهجوين وحَجْرِ الفقهاء المتنطسين، ونُسي أكثره في حياته وبعد موته لإشفاق الأدباء والظرفاء من روايته والتغني به، ولكن القليل الذي بقي من غزله فيه دلالته الكافية للناقد الأدبي وإن لم يكن فيه الغناء للرواة والمستطلعين.

ولا يَنتظرُ القاريء أن يسمع من غزل بشار بتلك النغمة الساحرة التي ترتفع بالنفس إلي عالم الأحلام والأشواق وتسبح بها في فراديس الأفراح والأشجان، ولا يرجُ أن يطالع منه وصفًا للحب كأوصاف أولئك الشعراء الكماليين الذين يجعلون المرأة المحبوبة أقنومًا ماثلًا للعيان، يجمعون فيه ما خامر نفوسهم من المعاني الخفية والآمال الممنوعة والمحاسن التي لا أسماء لها في لغة اللسان والمواجد العطشى إلى غير مورد، فكل أولئك غريب عن طبعه بعيد من مشربه كما قلنا في الفصل السابق، وإنما كان غزل بشار وصفًا للذَّات الحس التي يباشرها أو يشتاق إليها، وكان حبه حبًّا ﻟ «النساء» لا حبًّا ﻟ «المرأة» … أو هو كان حُبًّا للأنثي التي يراها واحدة في كل امرأة على اختلاف الصفات وتعدد الأسماء، فليس يحتاج الشاعر إلا لأن يكون «حيوانًا» ذكيًّا؛ لينظم مثل ذلك الغزل ويُجيد فيه أحسن الإجادة، بل هو قَلَّ أن يحتاج إلى البصر — فضلًا عن النفس — ليهديه إلي مَن يُؤثر بالحب ويُختار للمتعة، فربما أغنته عن ذلك طبيعته الحيوانية التي ترضيها كل طبيعةٍ حيوانيةٍ تقابلها وتكمن له ثَم وراء تباين الأفراد وتغير الأسماء والصفات.

وقد ترى كثيرًا من العشاق الشهوانيين يتطلعون إلى ما وراء الحس، ويلجأون إلى الخيال يستعيرون منه محاسن أوصاف يضيفونها إلي محاسن الوجه الظاهرة وشمائل الجسد المرموقة؛ ليضاعفوا من السرور بِلذَّاتِهم ويغرقوا في الاستمتاع بصبواتهم، أما بشار فقد أخذ الحسُّ عنده مكان الخيال؛ وأغراه فَقْدُ البصر باستحضار ما فاته من «المحسوسات» التي لا يقنع بها المبصرون، فإذا طمح المتغزلون الذين يشبهونه في الذوق والمزاج إلى سمة معنوية مُحلَّاة بزينة الخيال يخلعونها على الصور المنظورة والملامح المألوفة، فحسبه هو أن يطمح بوهمه إلى ما وراء السمع واللمس من محاسن العيان التي حُجِبَ عنها، وأن يجعل تلك الصور المنظورة والملامح المألوفة أقصي شأو الظنون وغاية شوط الخيال، فلا يُخرِجُه التوهم عن حيز الحواس وإن غلا فيه وأبعد الرحلة في بواديه.

ومن هنا ترى أن مكان «الحواس المتخيلة» من شعر بشار قد خلا وصفر إلا من فلتاتٍ قليلةٍ يقلد فيها غيره على السماع ولا يعتمد فيها على الشعور والابتكار، وشُغِل ذلك المكان كله بتصور الألوان والأصباغ واستنشاق الروائح والطيوب، فكان لا يشبب بامرأة إلا تخيلها في ثيابها ووشيها ولون بشرتها وصبغة ما عليها من الزينة والحلي، وهو صاحب المثل السائر في قوله:

وخذي ملابس زينة
ومصبغات فهو أفخر
وإذا دخلت تقنعي
بالحمر إن الحُسنَ أحمر

وله من هذا النوع يصف طيفًا في المنام:

ولقد تعرض لي خيالكمُ
في القرط والخلخال والقلب

وفي وصف حسناء:

ومصفرة في الزعفران جلودها
إذا اجتليت مثل المفرطحة الصفر

وفي أمنية:

وما حاجتي لو ساعد الدهر بالمنى
كعاب عليها لؤلؤ وشكول

وقوله في فتاة:

كأنها صورت من ماء لؤلؤة
فكل جارحة وجه بمرصاد

وفي هذا المعنى:

وتخال ما جمعت عليـ
ـه ثيابها ذهبًا ودرًّا

وفيه:

وحوراء من حور الجنان غريرة
يرى وجهه في وجهها كل ناظر

وقد ينقل الوصف أحيانًا مما يُرى إلى ما يُحس؛ فيصف الهوى والجمال كأنهما شيء «مصبوب» على القلب والجسم، كقوله:

إذا نظرت «صبت» عليك صبابة
وكادت قلوب العاشقين تطير

وقوله:

«صببت» هواك على قلبه
فضاق وأعلن ما قد كتم

وقوله:

من فتاة «صب» الجمال عليها
في حديث كلذة النشوان

وأكثر من ذلك وَلَعُه بالطيب؛ فإنه يُدخِلُه في الغزل والمدح ويلهج به ويستنشق فيه العرف الذي يشمه والوجه الذي يتصوره، فهو عنده رائحة ومنظر ولذه حسية وخبر عما لا يراه، ويبلغ من ولعه به أنه يذكره في وصف نعال المهدي وهو يمدحه فيقول:

تُشم نعلاه في النديِّ كما
يشم ماء الريحان منتهبا

أما في الغزل فقد ذكره في مثل هذا المعنى فقال:

إذا وضعت في مجلس لك نعلها
تضوع مسكًا ما أصاب وعنبرا

وقال وقد زاره فتيات خمس يسألنه شعرًا يَنُحنَ به:

باكرن عطر لطيمة
وغمسن في الجادي غمسا

وقال في عبيدة:

هوى صاحبي ريح الشمال وإنه
لأشفى لقلبي أن تهب جنوب
وما ذاك إلا أنها حين تنتهي
تناهى وفيها من عبيدة طيب

وقال فيها:

عبيدة مالك مسلوبة
وكنت معطرة حالية

وقال يوصي زائرة:

وتوقَّ الطيب ليلتنا
إنه واش إذا سطعا

وقال:

يا رحمة الله حلي في منازلنا
حسبي برائحة الفردوس مِن فِيك

وحتى بيته الذي عيب عليه وهو:

وإذا أدنيت منها بصلًا
غلب المسك على ريح البصل

إنما جاءه من ناحية هذا الولع الشديد بالطيب وتَعوُّده أن يجمع فيه صور الملاحة المغيبة عنه.

على أنه قد برع في الاستدلال بالمشمومات والمسموعات على محاسن العيان حتى لقد كان يدرك بسمعه ما لا يدركه إلا البصراء، قيل إنه كان في مجلسٍ فيه نساءٌ وكانت إحداهن تُكثِر الضحك؛ فالتفت بشار إلي جاره وقال له: أرأيت فلانة هذه؟ ألست تراها حسنة الأسنان؟ فقال له جاره ويحك! وكيف عرفت هذا؟! قال: إنما تُكثِر من الضحك دون صويحباتها؛ لتُبدِي جمال ثناياها!

وكان أنزه ما يتغنى به بشار من محاسن النساء الحديث والسمر، وكان يحب أحاديثهن ويكرر وصفها، ويفتنُّ في تجميلها والترنم بها، وهي أبعد لذَّاته من المحسوسات وأقربها إلى المعنويات، ومن قوله في ذلك:

وحديث كأنه قطع الرو
ض وفيه الصفراء والحمراء

ومنه:

ودعجاء المحاجر من معد
كأن حديثها ثمر الجنان

ومنه:

ولها مبسم كثغر الأقاحي
وحديث كالوشي وشي البرود

ومنه:

وكأن رجع حديثها
قِطَعُ الرياض كُسِينَ زهرا
وكأن تحت لسانها
هاروت ينفث فيه سحرا

ومنه:

لقد عشقت أذني كلامًا سمعته
رخيمًا وقلبي للمليحة أعشق

ومنه:

وإني ليجري بيننا حين نلتقي
حديث له وشي كوشي المطارف

ومنه:

وبكر كنوار الرياض حديثها
تروق بوجهٍ واضحٍ وكلام

ولكنك ترى من هذا الشغف بحديث المرأة أنه كان يسمع منه ويرى في وقتٍ معًا، وأنه كان يُشرِك فيه حاستين بحظ حاسةٍ واحدةٍ، ويصغي إليه أصواتًا مسموعة ثم يتصوره ألوانًا منظورة فيها الصفراء والحمراء وأصباغ المطارف والأزهار والثمار؛ لأنه — كما قلنا — كان يصرِف الخيال إلي استيفاء ما فاته من حظ البصر، ويتمم على هذا النحو ما يقصر عنه اللمس والشم والسماع.

•••

وقد كان أناس في عصر بشار يُعجبون لتشبييه بالنساء وميله إلى مجالسهن، ويُخيَّل إليهم أن مَن فقد البصر فقدَ معه أداة الغزل وسبب استحسان المرأة، واستوت عنده جميع النساء في كل شيء، وليس العجب إلا أنهم يعجبون من غزل الأعمى ويحرمونه الطبيعة الإنسانية؛ لأنه حُرِمَ الإحساس بعينيه، إذ ليس بصر العينين إلا رائدًا للنفس؛ لأنه اختيار شكل من أشكال «المرأة» وترجيح صفات منها على صفاتٍ أخرى، ولكنه لا يوجِد الأشكال والصفات ولا يخلق الميل بين الرجال عامة والنساء عامة، وليس هو بعدُ بالوسيلة التي لا وسيلة غيرها للاختيار والترجيح، ولبشار أقوال شتى في تفنيد لوم اللائمين لا نخال أحدًا من الشعراء قال أصدق منها ولا أبلغ في تعليل عشق العميان بل المبصرين من بعض الوجوه، ونجتزيء منها بقوله:

وما تبصر العينان في موضع الهوى
ولا تسمع الأذنان إلا من القلب
وما الحُسن إلا كل حُسنٍ دعا الصبا
وألف بين العشق والعاشق الصب

وقوله:

يا قوم أُذُني لبعض الحي عاشقة
والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمَن لا ترى تهذي فقلت لهم
الأذن كالعين توفي القلب ما كانا

وليس هذا الكلام من قبيل «حسن التعليل» الذي أُغرم به البيانيون، ولكنه هو التعليل الصحيح الذي نعرف مصداقه في جميع العاشقين والمعشوقين سواء منهم المكفوفون والمبصرون، فما أكثر ذوي الأبصار الذين يسلطون قلوبهم على عيونهم وأسماعهم وعقولهم فلا تبصر إلا ما تراه، ولا تسمع إلا ما توده ولا تعقل إلا ما تشتهيه وتتمناه! فإذا هم أحجى من المكفوفين بتصديق حكمة بشار:

وما تبصر العينان في موضع الهوى
ولا تسمع الأذنان إلا من القلب

إن العشق شوق من إنسانٍ إلى إنسانٍ آخر قائم على اختلاف الجنسين، أو هو في الحقيقة قائمٌ على اختلاف الصفات التي يمثلها كلٌّ من الجنسين، ويتمم بها كلاهما ما ينقص الآخر، وهذا الاختلاف بين الذكورة والأنوثة عريق في طبائع الأشياء أحسب أن المادة نفسها لا تخلو منه، وأن انقسام الذرات الدقيقة إلى كهارب موجبة وكهارب سالبة إن هو إلا ضربٌ من «الجنسية» الأولى التي تدعو إلي التآلف بين جميع الأجسام، فإذا تركنا تقسيم الأحياء إلى ذكورٍ وإناثٍ، وقلنا في موضع ذلك التقسيم أن الأشياء كلها ترجع إلى طبيعتين إحداهما فاعلة مؤثرة والأخري قابلة متأثرة، ففي وسعنا أن نقول حينئذٍ إن الذكورة والأنوثة شائعة في جميع الكائنات ابتداءً من الموجب والسالب وانتهاءً إلى الرجل والمرأة، وجاز لنا أن نقول إن من صفات الذكورة ما يوجد أحيانًا في النساء كما أن من صفات الأنوثة ما يوجد أحيانًا في الرجال، وسواء أنظرنا في الاختلاف بين الرجل والمرأة إلى الخصال الجسدية أم إلى الخصال الأدبية فأول ما يظهر لنا أنه اختلاف بين صفات فاعلة مؤثرة تبدو في العزيمة والبأس والصلابة والعمل والغلبة، وصفات قابلة متأثرة تبدو في الصبر والحنو والعطف والنعومة والتسليم، فطبائع الرجل مبتدئة نافذة، وطبائع المرأة مُلبِّيَة قابلة، والعشق بينهما هو الشوق الذي يجمع بين طبيعتين تسكن كلٌّ منهما إلى الأخرى، ولا تتم وتهدأ إلا بالارتياح إليها.

وقد كان بشار من أحسِّ الناس بالأنوثة الجسدية وأرغبهم في الاتصال بها والاستراحة إليها والاستماع إلى حديثها، وكان في كثيرٍ من غزله يمثل المرأة «مؤنثة» متكسرة باكية تلين لشدة الرجولة وخشونتها، وتستعذب الخضوع لسطوتها وأثرتها، فانظر إلى قصيدته التي أوردناها في الفصل السابق والتي يقول منها:

أذرت الدمع وقالت ويلتي
من ولع الكف ركاب الخطر
أمتي بدد هذا لعبي
ووشاحي حله حتى انتثر
فدعيني معه يا أمتي
… … … …
أقبلت في خلوة تضربها
واعتراها كجنون مستعر
بأبي والله ما أحسنه
دمع عين غسل الكحل قطر

أو قصيدته الأخري التي يقول منها:

واسترخت الكف للعراك وقا
لت إيه عني والدمع منحدر
انهض فما أنت كالذي زعموا
أنت وربي مغازل أشر
يا رب خذ لي فقد ترى ضرعي
من فاسقٍ جاء ما به سكر
أهوى إلى معضدي فرضضه
ذو قوةٍ ما يطاق مقتدر
ألصق بي لحية له خشنت
ذات سواد كأنها الإبر

… إلخ إلخ.

فإنك ترى في هذه الأبيات رجلًا حيوانًا يصبو إلى المرأة الحيوان، وجسدًا مذكرًا يشتاق إلى جسدٍ مؤنثٍ يجاوب طبعه ويُرضِي أثرته. فلم تكن به من حاجةٍ إلى النظر بالعين والتفريق بين هيئات النساء؛ لأنه خلص من جسد المرأة الشاخص للعيان إلى أنوثتها وطراوة طبعها، ونقل إلى هذا الشعور بها كل لذات النظر ومحاسن المشاهدة.

فهو يفهم «الأنثى الجسد» ذلك الفهم الخليق بطبيعته الحيوانية ولذَّاته الحسية، ولكنك لا تقرأ له بيتًا واحدًا يسمو به إلى إدراك «النفس» الأنثوية وما فيها من حلاوةٍ صافيةٍ ورحمةٍ سماويةٍ وكنوز عطفٍ تغذي بها وجدان الرجل، وتُرضِعُه بها روح الحياة طفلًا كبيرًا كما أرضعته من قبل وهو طفل صغير. ذلك ضربٌ من الغزل لا تقرؤه في شعر بشار وأمثاله، ولا تجده في الشعر العربي إلا أبياتًا متناثرةً في مئات الدواوين ومعاني هائمة بين قصائد العذريين.

(٣) بشار والهجاء

كان أول ما نظم بشار من فنون الشعر الهجاء. قيل إنه نظمه وهو في السابعة وإنه كان يهجو الناس فيشكونه الي أبيه فيضربه ضربًا مبرحًا فلا ينتهي ويقول لأبيه «إن هذا الذي يشكونه إليكَ منِّي هو قول الشعر وإنِّي إن أتممت عليه أغنيتك وسائر أهلي!»

وكان آخر ما رُويَ له من الشعر الهجاء؛ فقد أقذع في ثلب الخليفة المهدي فوشَى به الوزير يعقوب بن داود لحقده عليه، فما زالوا يتعللون له حتى سمعوه يؤذن وهو سكران في غير أوان الأذان؛ فضربوه حتى أشرف على التلف ومات من ألم الضرب، فهو قد أصاب بالهجاء وأُصيب به من مطلع حياته إلى خاتمتها، ولكنه مع هذا لم يكن هجَّاءً مطبوعًا ولا كان هذا الباب من الشعر مجاله الذي برز فيه بين الشعراء.

وأريد بالهجَّاء المطبوع ذلك الشاعر الذي يُولَد بفطرته ناقمًا هاجيًا لا يرضى عن شيءٍ ولا يستريح إلى مدح أحد ولا يكف عن النقد والعيب، كلفًا بهما واندفاعًا إليهما لا جلبًا لكسبٍ أو درءًا لمساءة، أو ذلك الشاعر الذي أُوتِيَ من الفطنة وسعة المخيلة واستعداد الطبع ما يفتح له معاني الهجاء إذا أراده ناقمًا أو غير ناقمٍ ومعتمدًا ما يقول أو عابثًا فيه. ولستُ أعرف في الأدب العربي غير شاعرين اثنين نابهين بهذا الصفة، هما: دعبل بن علي الخزاعي، وعلي بن العباس «ابن الرومي».

أما دعبل فقد كان صاحب طبيعة من تلك الطبائع النابية النافرة التي تخرج على «المجتمع» وتثور به ولا تزال في حربٍ معه لا مُسالمةَ فيها ولا مهادنة إلى أن يواريها الموت في ثراه، وكان غاضبًا أبدًا على الناس ينكر عرفهم، ويشذ عن إجماعهم ويهجو أفرادهم بأسمائهم وهو إنما يهجو الناس جميعًا في أشخاص أولئك الأفراد، وهو القائل:

إني لأفتح عيني حين أفتحها
على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا!

وكان يهيم على رأسه في البلاد سنين عدة تنقطع فيها أخباره وتخفى آثاره، ثم يظهر حيث كان فجأةً وقد أثرى وغنم ليبدد ما جمعه في اللهو والقصف، ثم ينقلب إلى شأنه من الإباق والتطواف في أرجاء الأرض، وربما لقي الشراة أو قُطَّاع الطرق في بعض رحلاته فيجالسهم ويؤاكلهم، ويأمر غلاميه أن يُغنِّيا لهم ويعرفهم ويعرفونه فلا يمسونه بأذى ولا يذكرهم بسوءٍ؛ لأنهم أبناء نِحْلَةٍ واحدة يؤلف شملهم النفور من الناس ويوفِّق بينهم الشذوذ عمَّا تواضعوا عليه من الآداب والدساتير، فهو قاطع طريق بفطرته التي وُلِدَ عليها وإن لم يحمل السيف ولم يخرج للفتك والغيلة، بل لقد قيل إنه قطع الطريق في بعض أيامه فعلًا «وأنه كان يكمن للناس بالليل فرصد يومًا صيرفيًّا طمعًا بما معه ففتك به، ولم يجد في كُمِّهِ إلا ثلاث رمانات في خرقةٍ فخرج هاربًا من الكوفة لاشتداد الطلب عليه.» وما كان هجوه لو بحثت في أسبابه إلا ضربًا من قطع الطريق على الناس اشتهاءً في أكثر الأحيان للذة الصيد والقنص ونزوة المطاردة والتخويف لا طمعًا في المال أو طلبًا للتراث، فما اتفق الناس على إمامٍ إلا هجاه وألحَّ في هجائه وإن أَحْسَنَ إليه وأجزل له العطاء. ولا ترك أميرًا ولا وزيرًا ولا واليًا إلا ناله بلسانه عرضًا أو قصدًا ولو كان من أبناء قبيلته ومن خاصة المفضلين عليه، فلما مات الرشيد ودُفِنَ بطوسٍ إلي جوار قبر الرضا قال فيه:

قبران في طوس خير الناس كلهم
وقبر شرهم. هذا من العبر
ما يُنفع الرجس من قرب الزكي ولا
على الزكي بقرب الرجس من ضرر

وقال في المأمون:

أيسومني المأمون خطة جاهل
أَوَ ما رأى بالأمس رأس محمد
إني من القوم الذين سيوفهم
قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خمول
واستنقذوك من الحضيض الأوهد

ولما نهض إبراهيم بن المهدي للخلافة — وكان عاكفًا على الغناء — قال يتهكم به وبأجناده:

يا معشر الأجناد لا تقنطوا
وارضوا بما كان ولا تسخطوا
فسوف تعطون حنينية
يلتذها الأمرد والأشمط
والمعبديات لقوادكم
لا تُدخَل الكيس ولا تُربَط
وهكذا يرزق قواده
خليفة مصحفه البربط

وقال في المعتصم:

وقام إمام لم يكن ذا هداية
فليس له دين وليس له لب
وما كانت الأنباء تأتي بمثله
يُملَّك يومًا أو تدين له العرب
ولكن كما قال الذين تتابعوا
من السلف الماضين إذ عظم الخطب
ملوك بني العباس في الكتب سبعة
ولم تأتنا عن ثامن لهم الكتب
كذلك أهل الكهف فى الكهف سبعة
خيار إذا عدوا وثامنهم كلب
وإنى لأُعلي كلبهم عنك رتبة
لأنك ذو ذنبٍ وليس له ذنبُ

وجاءه نعي المعتصم وقيام الواثق فارتجل هذين البيتين:

الحمد لله لا صبر ولا جَلَد
ولا عزاء إذا أهل البلى رقدوا
خليفة مات لم يحزن له أحد
وآخر قام لم يفرح به أحد

وقال في المتوكل:

ولستُ بقائل قذعًا ولكن
لأمر ما تعبدك العبيد!

وهذا هجاؤه للخلفاء واحدًا بعد واحدٍ، أما الوزراء والولاة والقواد فكان كأنما يجترئ عليهم ويولع بهم على قدر ما عُرِفُوا به من الغضب والسطوة وحدة الخلق، فكان المأمون يقول: أترون رجلًا يجترئ على أبي عباد ولا يجترئ عليَّ؟! وأبو عباد هذا هو الذي يقول فيه دعبل:

أولى الأمور بِضَيعة وفساد
أمر يدبره أبو عباد
… … … …
… … … …
وكأنه من دير هرقل مفلت
حرد يجر سلاسل الأقياد

وهو رجل «حديد جاهل» كما وصفه مولاه المأمون.

وقد روجع دعبل فى هذه الأهاجي التي كان يقتحم بها غضب الملوك والأمراء وأخطار العداوات وإِحَن الصدور، فكان يقول:

«أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة لست أجد أحدًا يصلبني عليها»، وقال له أبو خالد الخزاعي الأسلمي: «ويحك! قد هجوتَ الخلفاء والوزراء والقوات ووترتَ الناس جميعًا فأنت دهرك كله شريد طريد هارب خائف، فلو كففت عن هذا صرفت هذا الشر عن نفسك، فقال: ويحك، إني تأملتُ ما تقول فوجدتُ أكثر الناس لا يُنتَفع بهم إلا على الرهبة، ولا يبالي بالشاعر وإن كان مُجيدًا إذا لم يخف شره، ولمَن يتقيك على عِرضه أكثر ممن يرغب إليك في تشريفه، وعيوب الناس أكثر من محاسنهم، وليس كل مَن شرفته شرف ولا كل مَن وصفته بالجود والمجد والشجاعة — ولم يكن ذلك فيه — انتفع بقولك. فإذا رآك قد أوجعتَ عِرض غيره وفضحته اتقاك على نفسه وخاف من مثل ما جرى على الآخر.»

وهذا كلام يقبله العقل من حيث ينظر إليه دعبل، ولكنه قد أخطأ طبعه ولم يعرف نفسه إن كان قد ظن أنه هجا من هجاهم لهذه العلل التي انتحلها وأودعها فلسفة الهجاء العربي كله، فإنه لم يُعفِ من الذم مسيئًا ولا محسنًا ولم يُبقِ من وجوه عصره على بخيلٍ ولا كريم، فلم يكن قدحه فى المطلب بن عبد الله بن مالك الذي ولَّاه ولاية أسوان ووهبه الجزيل من الهبات دون قدحه فى الوزراء والولاة الذين حرموه وتعقبوه؛ لأنه بدأهم بالذم والتشهير، مع أن المطلب بن عبد الله من خزاعة التي هو منها، فهو يَمُتُّ إليه بِصِلَة من القرابة وصِلَة من الإحسان ويستشفع إليه بكل شفاعةٍ تُنجيه من ذلك اللسان، ولكنه هكذا خُلِقَ هاجيًا مطبوعًا لا يأوي إلى الناس، ولا يكف عن ذَمِّهم والعيب عليهم ولو غمرته الثروة وبات أغنى الخلق من عطاء الممدوحين والمذمومين، وكان كثيرًا ما يُعَرِّض بأصحابه فى الهجاء لغير علةٍ يعرفونها كما قال وهو يهجو ابن أبي دؤاد:

ولو سكت ولم تخطب إلى عرب
لما نشبت الذي تطويه من سببك
عدَّ البيوت التي ترضى بخطبتها
تجد فزارة العكلي من عربك

فلقيه فزارة العكلي وقال له: يا أبا علي، ما حملك على ذكري حتى فضحتني وأنا صديقك، قال: يا أخي، والله ما اعتمدتك بمكروه، ولكن كذا جاءني لبلاءٍ صبه الله — عز وجل — عليك! ومن هذا أنه هجا أبا نصر بن جعفر بن محمد بن الأشعث، فقال فيه:

ما جعفر بن محمد بن الأشعث
عندي بخير أبوة من عثعث!

فلقيه عثعث وقال له: «عليك لعنة الله، أي شيء كان بينى وبينك حتى ضربتَ بي المثل فى خِسَّة الآباء؟!» فضحك وقال: «لا شيء والله إلا اتفاق اسمك واسم ابن الأشعث فى القافية، أوَ لا ترضى أن أجعل أباك وهو أسود خيرًا من آباء الأشعث بن قيس؟!»

وكانت فى دعبل تلك الدعابة التي تجدها فى هؤلاء النامقين المتبرمين الذين تضيق صدورهم وينفد صبرهم فيضحكون بالناس ويُضحكون الناس منهم، وكان قومٌ من خزاعة يدَّعُون أن جدهم كلم الذئب وأنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام «فحدَّثه أن الذئب أخذ من غنمه شاةً فتبعه فلما غشيه بالسيف قال له: مالي ومالك تمنعني رزق الله؟! قال: فقلت يا عجبًا لذئب يتكلم …! فقال: أعجب منه أن محمدًا نبي قد بُعِثَ بين أظهركم وأنتم لا تتبعونه! فبنوه يفخرون بتكليم الذئب جدَّهم»، فكبرت هذه الحماية على صبر دعبل وضاق بهذه الدعوى فقال يهجوهم:

تهتم علينا بأن الذئب كلَّمكم!
فقد لعمري أبوكم كلَّم الذيبا
فكيف لو كلم الليث الهصور إذن
أفنيتم الناس مأكولًا ومشروبا
هذا السنيدي لا فضل ولا حسب
يكلم الفيل تصعيدًا وتصويبا

ومِن دَأْبِ أصحاب هذه الطبائع النافرة الملول أنها تنفس عن نفسها بشيئين: بهذه الدعابة التي تخفف مرارة الجد وترقق حواشي البغضاء، وبالعقيدة التي يتخذونها من قوة ما يجيش بقلوبهم من السخط والكراهية. والعقيدة سواء أكان منشؤها الحب أم البغض إنما تقوم بأملٍ يحييها ويثبتها ويعينها على حبها أو بغضائها، فما كان من السهل على دعبل — أو أي إنسان مثله — أن يسخط على الناس ويهجوهم وينكر جميع حالاتهم بغير أملٍ يتوق إليه ويصب عليه كل ما في نفسه من قوة الشعور النافر والعطف المعكوس، فمَن لم يؤمن بشيءٍ لم يثابر على حبٍّ ولا على بغضٍ ولم يصبر على رضا ولا على نقمةٍ، ومَن أضاع الأمل أضاع الإيمان ثم أضاع الشعور بنوعيه من خيرٍ وشرٍّ ومن حدبٍ ونفورٍ، وكذلك مَن أضاع الشعور فقد فتر أمله وتراخى جلده وسُدَّت دونه منافذ الإيمان.

ولكن دعبلًا كان رجلًا شديد الشعور بالنقمة، فلم يفتر إيمانه وانعقدت هذه الشدة في نفسه على التعصب لآل البيت من العلويين والأمل في انتصارهم وظهور أمرهم وغلبتهم على أعدائهم، وجمع نقمته على «المجتمع» كلها فى كراهة مَن يكرهون العلويين ويغصبون حقهم ويقعدون عن نصرتهم، وخُيَّل إليه أنه لم يكن ينبو بالناس إلا لأنهم أجحفوا بآل البيت وخذلوهم ومالَئوا عليهم أعداءهم، والحقيقة أنه لم يتعصب لآل البيت إلا لأنه كان ينبو بالناس ويجد في اعتقاد الظلم الذي حاق بآل البيت معوانًا له على كراهة الظالمين والسخط عليهم والشوق الدائم إلى تبديل حالهم، ولو أفلح هؤلاء المظلومون فى أيام دعبل، لرأينا أن ذلك السخط على «المجتمع» لم يذهب من نفسه ولم يُلطِّف من نزوة الهجو التي في طبعه، ولسمعنا له فى هجائهم مثل ما سمعنا من هجائه لظالميهم، فهو «هَجَّاء مطبوع» قد وُلِدَ ليذم ويبغض ويصل إلى المدح والحب من طريق الذم والبغضاء، وهو في تكوينه كله قصيدة هجاء حية تلقى الناس أبدًا بالتجهم والعبث والشذوذ.

•••

أما ابن الرومي، فلم يكن مطبوعًا على النفرة من الناس ولم يكن قاطع طريق على «المجتمع» في عالم الأدب، ولكنه كان «فنانًا» بارعًا أُوتِيَ مَلَكة التصوير ولطف التخيل والتوليد وبراعة اللعب بالمعاني والأشكال، فإذا قصد أحدًا أو شيئًا بالهجاء صوَّب إليه «مصورته» الواعية فإذا ذلك الأحد أو الشيء صورة مهيأة فى الشعر تهجو نفسها بنفسها وتعرض للنظر مواطن النقص من صفحتها كما تنطبع الأشكال في المرايا المعقوفة والمحدبة، فكل هجوه تصوير مستحضر لأشكاله أو لعب بالمعاني على حساب مَن يستثيره، كقوله في هجو صاحب لِحْيَة طويلة:

ولحية يحملها مائق
مثل الشراعين إذا أشرعا
لو قابل الريح بها مرة
لم ينبعث في خطوه أصبعا
أو غاص في البحر بها غوصة
صاد بها حيتانه أجمعا

وفي آخر:

إن تطل لحية عليك وتعرض
فالمخالي معروفة للحمير
علق الله في عذاريك مخلا
ة ولكنها بغير شعير!
لو غدا حكمها إليَّ لطارت
في مهب الرياح كل مطير

وفي مغنية:

تضغط اللحن الذي تشدو به
غصة في حلقها معترضه
فإذا غنت بدا في جيدها
كل عِرْقٍ مثل بيت الأرضه

وفي أصلع:

ووجهه يأخذ من رأسه
أخذ نهار الصيف من ليله

وفي أحدب:

قصرت أخادعه وطال قذاله
فكأنه متربص أن يُصفعا
وكأنما صُفعت قفاه مرة
وأحس ثانية لها فتجمعا

وفي قصيرٍ أعور أصلع:

أقصرٌ وعورٌ
وصلع في واحد؟!
شواهد مقبولة
ناهيك من شواهد
تخبرنا عن رجل
مستعمل المقافد
أقماه القفد فأضـ
ـحى قائمًا كقاعد

وفي مغنٍّ معلم صبيانٍ:

أبو سليمان لا تُرضى طريقته
لا فى غناء ولا تعليم صبيان
له إذا جاوب الطنبور محتفلًا
صوت بمصر وضرب في خراسان
عواء كلب على أوتار مندفة
في قبح قرد وفي استكبار هامان
وتحسب العين فكَّيه إذا اختلفا
عند التنغم فكِّي بغل طحان؟

وفي طويل الأنف:

وإذا نهضت كبا بوجـ
ـهك للجبين المعطس
إن كان أنفك هكذا
فالفيل عندك أفطس
وإذا جلست على الطريـ
ـق ولا أرى لك تجلس
قيل السلام عليكما
فتجيب أنت ويخرس

وفي ثقيلٍ:

كأن بغداد لدن أبصرت
طلعته نائحة تلتدم
مستقبل منه ومستدبر
وجه بخيل وقفا منهزم

وفي طيلسان:

يا ابن حرب كَسوْتني طيلسانا
يتجنى على الرياح الذنوبا
طيلسان إذا تنفست فيه
صاح يشكو الصبا ويشكو الجنوبا
تتغنى إحدى نواحيه صوتًا
فتشق الأخرى عليه الجيوبا
فإذا ما عذلته قال مهلًا!
لن يكون الكريم إلا طروبا

وفي وجهه هو:

أهيم بالخرد الحسان وما
يصلح وجهي إلا لذي ورع
كي يعبد الله في الفلاة ولا
يشهد فيها محافل الجمع

وهكذا وهكذا مما ازدحم به هجوه ومدحه ووصفه وعامة شعره من هذه الأشكال السهلة الصحيحة التي تكاد تسلكه في عداد الرسامين كما سلكه نظمه في عداد الشعراء، فلو نقل المصور ديوانه بريشته لملأ به مجلداتٍ ضخامًا من خير ما تستنبطه القريحة الفنية من صور الهزل والجد ومعاني التهجين والتحسين، ومثل هذا الشاعر يهجو حيث شاء بأداته الحاضرة كالرسام الذي يحمل «مصورته الشمسية» ليلتقط بها المناظر التي تروقه وتسترعيه أينما كان.

أما بشار فلا هو من طراز دعبل ولا هو من طراز ابن الرومي، لم يكن عنده من مرارة الخلق وحدَّة العقيدة ما يقيم حربه على الناس فيهجوهم صادقًا في شعور الحفيظة عليهم وإن أخطأه الصدق فيما ينعتهم به من المساويء والعيوب، ولم تكن له أداة ابن الرومي من مَلَكَة التصوير المطبوعة التي لا تخذله في مواقف التمثيل والتشويه، ولكنه كان رجلًا يحب المجتمع وينغمس فيه، وكان هجَّاءً كل بضاعته من الهجاء أن يجمع أقبح العيوب وأشين الرذائل التي تزري بصاحبها فيقذف بها على مَن يهجوه، ويصوغها شعرًا تسهل روايته وتُتقى مَعَرَّة انتشاره، فإذا هو هجاء لا عمل فيه لقريحة الشاعر غير نظم الكلمات وجمع العيوب، وكلما أعوزته البراعة وصدق الشعور بالغ في الإقذاع وأفحش فى الهجو وجاء بكلامٍ لا يصلح منه للنقل في الصحف والكتب المهذبة إلا القليل الذي لا طعم له، وما كان ليخيف الناس لولا شناعة المثالب التي يلصقها بهم وخبث الدعاوى التي يفتريها عليهم، أما قدرته على التصرف في معاني النقد وفنون الهجو فلم تظهر في شيءٍ من شعره الذى تخلف في الكتب، ولا نظنها ظهرت في شعره المفقود وحده، ثم لم يبقَ لها أثرٌ يدل عليها في هذه البقية المحفوظة.

وإنما أكثر بشار من الهجو على قلة أدواته عنده وضعف سليقته فيه لأسبابٍ شتى دعاه إليها عصره وميل نفسه وحالة معيشته، منها: أنه أدرك الشعراء الهجَّائين في صدر الدولة الأموية وسمع روايات الناس عن مناقضاتهم ومباهلاتهم وعرف هوى الرواة في حفظ مساجلاتهم ورغبة الأمراء والولاة فى التحريش بينهم، فأَحَبَّ أن يقتدي بهم لينبه ذكره وينقل شعره ورُوِيَ عنه أنه قال: «هجوتُ جريرًا فأعرض عني واستصغرني ولو أجابني لكنتُ أشعر الناس.»

ومنها أن الهجاء كان بابًا من أوسع أبواب الكسب في ذلك الزمان، وهو كان يقول إذا ذُكرت له كثرةُ أهاجيه: «إني وجدتُ الهجاء المؤلم آخذ بضبع الشاعر من المديح الرائع، ومَن أراد من الشعر أن يكرم في دهر اللئام على المديح، فليستعد للفقر وإلا فليبالغ في الهجاء؛ ليخاف فيُعطَى»، ومنها أن الهجاء كان في عصره كالامتحان للشعراء المتنافسين؛ يكون أقدرهم وأبلغهم في رأي الناس مَن يفحم خصمه ويسير على الألسنة نقده وذمه، فإذا كثر الشعراء في بيئةٍ واحدةٍ حول مرتزقٍ واحدٍ، فلا ندحة لهم عن التهاجي والتباهل ليُعرف أيهم أمضى لسانًا وأكثر افتنانًا وأجدر بأن يُمنَح ويُتَّقَى وأن يُحفظ كلامه ويُروى، ومنها أن الإيقاع بين الشعراء كان من لذة بعض الأمراء والولاة؛ ليلهوا بالتغاير بينهم والاستماع إلى نوادرهم وأهاجيهم على نحوٍ مما كان معروفًا شائعًا في مصر إلى حين قريب من الإيقاع بين المجان والخلعاء في ليالي الأفراح والمواسم، ومنها أن بشارًا كان أحوج الشعراء إلى أن يخافه الناس ويسكتوا عنه ويحذروا الاستخفاف بشأنه، وكان سليطًا لا يستحي ولا يخشى على عِرضه ولا على أعراض الناس، فلم يكن يمنعه من الوقوع فيهم مانعٌ ولا يتكلف في ذلك منازعة نفس أو مصاداة لائم، فقد تمت له بذلك أسباب الميل إلى الهجاء والإكثار منه وإن لم تتم له فيه سليقة مسعدة وملكة مجيدة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤