السيكوز

الفصول السابقة هي للتنوير والإرشاد، ولكن هذا الفصل للتنوير فقط؛ فإن السيكوز هو أخطر الأمراض النفسية، ولذلك يحتاج إلى المتخصص كما تجب المبادرة في علاجه، ولا يجوز للمؤلف أن يتقدم بنصيحة أو إرشاد فيه، وإنما يقتصر على التنوير.

وقد تكون هناك أسباب جسمية أو مادية نجهلها في أصل السيكوز، بل قد يكون هذا أيضًا في أصل النيوروز، وفرويد نفسه لم يستبعد هذا الأصل، ولكن إلى الآن نجهل أي شيء يتصل بأصول جسمية سواء للنيوروز أو السيكوز.

وقصارى ما نعرف الآن أن النيوروز والسيكوز كلاهما يعود إلى احتباس العواطف والشهوات، وأن الأول هو اختلال عاطفي أَحْدَثَ كربًا وضيقًا ولكنه لم يَبْلُغ العقل، ولكن الاختلال في الثاني قد بَلَغَ العقل فأحدث الهذيان والخيالات.

في النيوروز نجد الضيق والكرب والحزن والعواطف مُحْتَدِمة لا تُطَاق، ولكن العقل سليم، كالأم تفقد ابنها لأنه ضَلَّ أو تركها، فهي في شك هل هو حي أو ميت، وهذا الشك لا تطيقه، ونحن نراها لا تكاد تأكل ولا تشرب، بل لا تكاد تقعد أو تنام، وهذه حال لا تطاق، ثم تَفْجَأنا ذات صباح بأن ابنها قد عاد وأنه سيحضر في المساء، وعندئذٍ نجد أن هذه الأسطورة قد أراحت نفسها فهدأت العواطف، ولكن العقل اخْتَلَّ.

وحقيقة ما حَدَثَ أن الكامنة التي احْتَبَسَ فيها حُبُّها لابنها قد طغت بالوجدان وتغلبت عليه، وكما أننا نحلم بالخبز عندما ننام على جوع، كذلك الأم التي فَقَدَت ابنها برؤيته في النوم؛ أي إن الكامنة (العقل الكامن) بعد أن تخلصت من رقابة الوجدان ثارت وانفجرت في النوم، واختلقت هذا الخيال اللذيذ لابنها حتى ترتاح العواطف، والأحلام كلها سيكوز؛ أي: اختلال عقلي وقتي يُفَرِّج عن العواطف المحتبسة في الكامنة.

ولكن إذا كانت العواطف متأججة، والاحتباس لا يطاق، فإن الأحلام تنتقل من النوم إلى اليقظة، والسيكوزي في هذه الحال يُطَلِّق الدنيا والواقع والوجدان، وينتهي بأن يعيش في حلم يرتاح إليه.

رجل كان ثريًّا وأفلس، لا يطيق هذا الهوان وهو ضائق بإفلاسه لا يعرف كيف ينظر النظر الموضوعي الوجداني؛ لأنه عاجز عن ترميم ما تَحَطَّمَ من كيانه المالي، وكل هذا نيوروز لا يطاق، وقد يحلم بأنه ثَرِيٌّ وقد استرد ثروته، ولكن راحة الحلم تقتصر على النوم، فهو يلجأ، أي إن كامنته تلجأ إلى التسلط على وجدانه فتلغيه، وتجعله كأنه يعيش في حلم؛ ولذلك يفجأنا ذات صباح بقوله: إنه قد استرد ثروته في البورصة، وأنه ثريٌّ الآن لا يخشى الفقر، ويستقر على هذه العقيدة ويعيش سائر حياته في هذا الحلم الذي ينقذه مما كان يقاسي من كَرْب العواطف وضيقها.

وهو إذا كان في الأيام الأولى من هذا السيكوز فقد يكون من المستطاع أن نجذبه مرة أخرى إلى الواقع ونَحْمِله على التعقل الوجداني، أما إذا مَضَتْ عليه مدة وهو يستمرئ هذه الخيالات التي قَطَعَتْ ما بينه وبين الواقع فإن من الشاق — بل من المحال تقريبًا — أن نرده إلى الوجدان، وإذا مَضَتْ عليه سنوات وهو في السيكوز فإن من المحال قطعًا أن نعيده إلى الدنيا الواقعة — دنيا الحقائق — بدلًا من دنيا الخيالات التي يعيش فيها.

وربما كانت البارانويا أبسط أنواع السيكوز؛ فإن السيكوزي هنا ينظر النظر الوجداني الموضوعي لكل شيء إلا في نقطة واحدة يختل فيها وجدانه، فقد كانت الكاتبة مي تعتقد أن هناك عصابة تنوي خطْفها من مصر وحَمْلها إلى سورية، وقد عَيَّنَتْ لي المكان الذي كانت تقعد فيه هذه العصابة، وكان روسو يعتقد أن بعض الناس يتجسسون عليه كي يَسُمُّوه، وقد فسدت علاقته مع كثير من أصدقائه بسبب هذه العقيدة، وكان هتلر يعتقد أن ألمانيا ستتغلب على هذا الكوكب كله، وعَرَفْتُ في مصر شخصًا يعتقد أن هتلر يرسل إلينا تيارات كهربائية (راديوئية) سوف تقضي علينا، وأحيانًا نجد أحد الزوجين يسرد قصة لا تتغير عن خيانة الآخر، وأحيانًا نجد شابًّا متعلمًا يقضي وَقْتَه وماله كي يبرهن أن الأرض غير كروية، إلخ. وفي كل هذه الحالات نجد التصرف وجدانيًّا، إلا في هذه النقطة التي تنبني على عقيدة عاطفية لا يعرف العقل؛ أي: الوجدان كيف يتصرف بها، كأن هذه البارانويا كابوس أو حلم قد انتقل من النوم إلى اليقظة.

والحالات الخفيفة من البارانويا كثيرة، ولكننا لا نلتفت إليها لأنها خفيفة؛ فإن أحد الناس يؤمن إيمانًا راسخًا بشيء ما أو بعقيدة معينة، ولكن لأن هذا الشيء أو العقيدة بعيدان عن علاقاتنا به؛ فإننا لا نكاد نعرفهما إلا مصادَفةً أو لا نعرفهما بتاتًا، وإذا عرفنا شيئًا منهما قلنا: إن هذا هوس خاصٌّ به فلا نباليه.

أما السيكوز المسمى مانيا فأخطر من البارانويا كثيرًا؛ لأن المانيا تغمر الشخصية ولا تترك للوجدان فسحة، وهي تصيب في الأغلب الشخصية الانبساطية، أو هي مبالغة في صفاتها، ولكن المُصَابَ يميل إلى الحزن ويسرف في البكاء أكثر مما يميل إلى طرب السرور، وإن كان هذا يحدث أحيانًا. والمنظر المألوف أنك تجد سيدة تبكي وتنوح وصرختها المتكررة هي مثلًا: «يا خراب بيتنا»، وقد يلجأ المصاب إلى الانتحار.

والماني؛ أي: المصاب بالمانيا قد يتناوبه الطرب: ابتهاج في ساعة من الضحك والمرح واغتمام في ساعة أخرى مع البكاء والأسى، ولكن في أغلب الأحيان يتغلب أحد الطرفين؛ فهناك مثلًا ذلك المؤمن الذي غرق في الإيمان يعتقد أن ذنوبه كثيرة فلا ينقطع عن البكاء؛ لأنه هالِكٌ مقضيٌّ عليه لكثرة هذه الذنوب، وقد يبعثه الحزن على الجمود والتبلد، وأحيانًا ينقلب غضبًا فيهيج، وبدهي أنه إذا مضت على الماني مدة طويلة وهو في هذا المرض بَعُدَ عن الواقع؛ وبذلك يَفْسُد وجدانه ومنطقه فيختل نظره لشئون الدنيا ويُقْطَع الرجاء من شفائه.

ونوبات الاغتمام في المانيا أكثر من الابتهاج، والماني وَقْت النوبة الاغتمامية يعْتَقِد أنه غير جدير بالحياة، ويرغب في الانتحار لهذا السبب، وهو يخترع القصص لتبرير هذا الاغتمام، وقد يَصْمت ويسكن أو يحرك ذراعيه ويترنح في ذهاب وإياب، وأحلامه هي أحلام الاغتمام، وقد تلازمه هذه النوبة سنة أو أكثر، وكثيرًا ما يُشْفى وحده، وبوادر شفائه أحلام حسنة تنبئ بالتفاؤل.

ونوبات الابتهاج تتخذ أسلوبًا آخر في الحركة والكلام الكثيرَيْن مع المرح العظيم، حتى إن زائر المريض يضحك معه. ولكنه في تفكيره متفكك يبدأ بموضوع وينتقل منه إلى غيره بلا ارتباط، وهو يبدي رغباته وشهواته أحيانًا سافرة في قحة الحركة والكلمة، وهو لا يطيق النقد أو المعارَضة، وقد يحمله هذا على البطش بمن ينتقده أو يعارضه. والماني يزعم في العادة أنه مَلِكٌ أو مخترع القنبلة الذرية أو محافظ القاهرة، إلخ، وبالثناء والتملق نستطيع مصالحته.

والشيزوفرينيا هي جنون الانطوائيين، وهي مبالغة في المزاج الانطوائي الذي نجد صاحبه في الصحة يُؤْثِر العزلة على الاختلاط، ويتجاهل الواقع ويستسلم لخواطره، ويقصد إلى أهداف خيالية. وهو في المرض يلتزم غرفته لا يبرحها، ولا يبالي حتى الجوع أو العطش؛ فإذا تُرِكَ لم يطلب الطعام أو الماء، وهو يُقسر على تناول الطعام بأنبوبة توضع في أنفه فيسلك منها الطعام إلى معدته، وأحيانًا يبقى جامدًا في وضع معيَّن قد رُفِعَت ذراعه أو ساقه، أو هو ينحني حتى تكاد تَمَسُّ يداه الأرض، ويبقى ساعات على هذا الوضع لأنه يستسلم لخيالات تفصل بينه وبين الواقع كما تحول بينه وبين الإحساس بالألم أو التعب.

وفي جميع حالات السيكوز نجد كظمًا سابقًا قد اختزنته الكامنة، ثم انفجر بجنون معين يلتئم مع شخصية المريض في الأغلب؛ أي: المانيا مع الانبساطي والشيزوفرينيا مع الانطوائي، ولكن ليس هذا قاطعًا؛ لأننا أحيانًا «قليلة» نجد الانبساطي الشيزوفريني كما نجد الانطوائي الماني.

وكما سبق أن قلنا: من المستطاع العلاج إذا كانت الإصابة في بدايتها، ولم يرسخ المرض في المريض ويقطع ما بينه وبين الواقع، أما إذا تقادم — وخاصة إذا كان هذا المرض شيزوفرينيا — فإن الأمل في الشفاء بعيد.

في النيوروز والسيكوز يحتاج المريض قبل كل شيء إلى الابتعاد عن الوسط الذي أحدث له الكظم، سواء أكان عائليًّا أم حرفيًّا؛ لأن الابتعاد الجغرافي يؤدي إلى ابتعاد نفسي.

وهناك أمراض تقف بين النيوروز والسيكوز؛ أي إن المريض يبصر بحالته ولا يحتفظ بوجدانه في كثير من تصرفه، أو أن هذا الوجدان يعود إليه في فترات فيستطيع أن يتعقل وينظر إلى نفسه النظرة الموضوعية. وقد رأينا في البارانويا المريض يُحسن التفكير في عامة الأشياء إلا في نقطة معينة، فيخبرك مثلًا أن القيامة قد عُيِّنَ لها ميعاد هو سنة ١٩٥٠ ويتعب نفسه في إقناعك بهذه الفكرة، فهنا سيكوز يتحيز جزءًا من تفكيره، ولكنه في سائر تفكيره حَسَنٌ سَوِيٌّ.

وهناك النورستينيا، وهي توتر عاطفي يشتد فيؤثر أثرًا خفيفًا في الجسم، ففي فترات يُحِسُّ المريض أن قلبه يوشك أن يطير منه، ويسيل العرق على وجهه كأنه يغتسل به، وفي يده رعشة وفي أنحاء جسمه قشعريرة أو اختلاجات، ثم هو يخاف ويتشاءم، وهذه الحال تُعَطِّله عن عمله الذي يُرْزَق منه.

وقد رأيت أن هذه الحال تصيب كثيرًا من الموظفين الذين يجدون من رؤسائهم معاكَسات ومناكدات كل يوم، ويجب أن نذكر أن المعاكسات الصغيرة التي تبعث التوتر العاطفي، إذا تَكَرَّرَتْ كُلَّ يوم مثلًا، تُحْدِث في النفس أضرارًا وأخطارًا أكثر من الكارثة العظيمة تحدث مرة واحدة؛ فقد يستطيع أحدنا أن يتغلب على كارثة الإفلاس التام أو وفاة ابنه الوحيد أو قَطْع ساقه، وهو يترنح بالصدمة ولكنه يفيق، أما المناكدة اليومية من الزوجة أو الحماة، والمعاكسة من الرئيس بالتهديدات المتكررة كل يوم، فإن النفس لا تتحملها، وكثيرًا ما تَنْحَدِر في مثل هذه الأحوال من النيوروز المرهق إلى السيكوز الذي يعيش فيه المريض مرتاحًا بأحلامه وخيالاته، والمرأة التي تلجأ إلى الزار إنما تفعل ذلك لمناكدات يومية لا تُطِيقها من حماتها أو ضرتها أو زوجها.

وهناك الهستيريا — وهي بين النيوروز والسيكوز — وعلامتها التأثير في أحد أعضاء الجسم بالشلل مثلًا، أو بحركة معينة لها معنًى رمزيٌّ، كالاشتهاء الجنسي في المرأة المحرومة يؤدي إلى فالج أو حركات غير واضحة، وكالضابط في الجيش لا يُطِيق المعركة فيُشَلُّ ويُحْمَل إلى المستشفى. وأحيانًا تَعْمِد الفتاة أو السيدة وهي في الهستيريا إلى تحطيم الأطباق أو الأثاث وهي غائبة الذهن؛ فإذا كان الصباح نَسِيَتْ كل شيء فيُعْزَى التحطيم إلى العفاريت، والأغلب أن هناك كظمًا جنسيًّا هو الذي دفعها إلى هذا التصرف، وأثار عقلها الكامن إلى هذه العربدة، وهي في غير وجدانها، تنفيسًا عن الشهوة الجنسية المكظومة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤