الفصل الثامن

في حيواناتها

(١) حيواناتها الأليفة

أمَّا حيواناتها فالأليفة منها: الإبل، والخيل، والحمير، والبقر، والغنم، والكلاب.

  • الإبل: أمَّا الإبل فهي أهمُّ حيواناتها الداجنة وأنفعها، وأكثر اعتماد البدو في معيشتهم عليها، وهم يؤصِّلونها ويعتنون بتربية الأصيلة منها كل الاعتناء، والأصيلة عندهم نوعان: «الزُّرَيقي» «والوُضَيحان».

    أمَّا «الزُّرَيقي» ومؤنثه الزُّريقة، وجمعه الزُّرق، ففي تقاليدهم أنه من قَعُود الراعي من إبل العيايدة، ولهم في ذلك رواية خرافية، قالوا: إنَّ راعيًا في العيايدة كان يرعى إبل سيده في أحد الأودية، فهب إعصار على ناقة من نياق سيده، فألقحها فولدت قعودًا، ولم يطَّلع على هذا السر سوى الراعي، فانتظر حتى حان أوان أجرته، وهي على عادة العرب «مفرود» يختاره من إبل سيده، فجعل شوكة تحت لسان القعود نتيجة الإعصار حتى ضعف وهزل، فلما سأله سيده أن يختار مفرودًا أجرة له، اختار قعود الإعصار، وكان لون القعود يميل إلى الزُّرقة فسماه «زُريقان»، فلما بلغ أشدَّه أعلن خبره وأذاع سره، فرغب فيه البدو وألقحوا نياقهم منه، فكان نسل زريقان! وقد رأيت من هذا النوع ناقة للشيخ صُبَيح السواركي من سكان الجورة ببلاد العريش، فدلني على كرم أصلها ورشاقتها وخفة حركتها وسرعة جريها.

    أمَّا «الوضيحان» فقالوا: إنَّ أصله من إبل الشرارات ببلاد العرب، وقد سُمِّي بذلك؛ لأن لون قوائمه الأربع وأسفل بطنه أبيض وضاح، وباقي الجسم أصفر مشرب حمرة كلون الغزال.

    ولا يصفو الأصل عندهم إلَّا في الجيل الخامس، وذلك بأن تلقح ناقة من هجين أصيل، فإذا أنتجت ناقة ولقحها هجين أصيل ولقح نتاج هذه الأنثى هجين أصيل إلى النسل الخامس، فهو الأصيل الصافي، ونتاجه أصيل، ومنهم من يؤصلون إبلهم إلى الجيل السابع أو الجيل العاشر.

    وهم يُعنون عناية خاصَّة بتربية هجن الركوب وترويضها على حسن الخصال، ومن عادتهم أنهم إذا نزلوا للمقيل بوادٍ فيه كلأ عقلوا إبلهم بأيديها وسرَّحوها فترعى في جوار المقيل، فاتفق في بعض أسفاري في سيناء أنَّ ناقةً سرحت بعيدًا عن مقيلنا، فجدَّ صاحبها في طلبها حتى وجدها، وكان الركب قد سبقه فلحق به ولم يقف في مؤخره، بل بقي راكبًا إلى مقدَّمه، ثم عاد بها إلى مؤخره وسار معه، فسألته في ذلك، فقال: أروضها كي تبقى مع رفاقها، فلا تذهب بعيدًا عنهم في الحل أو الترحال، ومن أقوالهم في عقل الإبل للمرعى: «جملك إنْ عقلته لك النصف فيه، وإنْ قيَّدته لك الربع فيه، وإنْ أطلقته ما لك حاجة فيه.»

    وهم قلما يستخدمون الأرسنة لغير الهجن، أمَّا المستعصية منهم فإنهم يخزمونها في أنوفها.

    ومن الإبل ما يثور في فصل الشتاء في شهر طوبة فيفتك بصاحبه، وقد حدثني البدو عن كثيرين ذهبوا فرائس الإبل الثائرة، فمن ذلك «الشيخ حميد» المدفون في «بئر الشيخ» بين بئر الثمد وجزيرة فرعون، قالوا: ثار عليه جمل فقتله.

    ورأيت في منتصف «وادي الحيطان» رجمًا من الحجارة، مغطًّى بأغصان الشجر، قالوا: هذا «رجم الشيخ أبو براطم الحويطي» قتله جمل ثائر، وأشاروا إلى تلة صعبة المرتقى جدًّا في جوار الرجم، وقالوا: لجأ أبو براطم إلى تلك التلة فلحقه الجمل إليها، وبقي يطارده فيها حتى ظفر به وقتله.

    ولإبل سيناء صبر عجيب على العطش، ففي أيام الربيع تبقى شهرين أو أكثر بلا ماء، أمَّا في أيام الصيف فالتي تشتغل منها تطلب الشرب كل يوم أو كل يومين، وقد تصبر إلى اليوم الثالث والرابع، وهم يردون بها إلى الآبار أذوادًا كل ذَود في حوض، ويُروونها على نغم الأناشيد ولطيف الأشعار كما سيجيء.

    ولكل قبيلة منهم شارة خاصة تسم به إبلها في الوجه والعنق والورك كما سيجيء.

    وسعر الجمل الواحد عندهم من خمسة جنيهات إلى عشرين جنيهًا أو أكثر، ولكن لا يبلغ هذا الثمن الأخير إلَّا ما كان من الهجن الأصيلة.

    وتختلف أسماء الإبل باختلاف أسنانها، وهذه هي كما أخذتها عنهم:
    • المُبَاري أو الحِوار: وهو ولد الناقة قبل أن يُفطم، ومدة الرضاع تختلف من خمسة أشهر إلى ثمانية أشهر، قالوا: إنَّ ولد الناقة يقف في اليوم الأوَّل من ولادته، ويمشي في اليوم الثالث، ويرافق أمه للمرعى في اليوم السابع.
    • والمفرود أو الفصيل: وهو ولد الناقة بعد الفطام إلى أن يبلغ السنة.
    • واللبني: ولد الناقة في السنة الثانية.
    • والمربوط: ولد الناقة في السنة الثالثة.
    • والحُقُّ: ولد الناقة في السنة الرابعة.
    • والجَدَع: ولد الناقة في السنة الخامسة.
    • والرُّباع: ولد الناقة في السنة السادسة.
    • والسُّداس: ولد الناقة في السنة السابعة، وهو الجمل بلغ أشدَّه، ومن أسماء الإبل:
      • القَعُود: وهو ذكر الإبل من سن المُباري إلى الجَدَع.
      • والجَمَل: وهو ذكر الإبل من الرُّباع فصاعدًا.
      • والبَكْرة: وهي أنثى الإبل إلى سن الجَدَع.
      • والناقة: وهي أنثى الإبل من الرُّباع فصاعدًا.
      • والهجين: وهو جمل الركوب، وأفضل الهجن الأصايل المروَّضة على الجري، والركوب على هجين مروَّض أصيل يفضَّل على ركوب أية دابة كانت، بل يفضل على ركوب المركبات والسيَّارات؛ لأنه مريح للغاية خصوصًا في الصحراء، ومن أقوالهم في الهجن السريعة:
        الركاب ما لهم مناقد تنقدوهم
        إلَّا بقوسهم في الأراضي
        الركض يا مع طوال هفاهيف
        يا مع قصار عراضِ

        وإبل سيناء أبهى منظرًا وأخف حركة، وأسرع جريًا من إبل مصر، ولكن إبل مصر التي للحمل أقوى جدًّا من إبل سيناء، فجمل مصر المروَّض على الحمل يحمل من ٧ إلى ٨ قناطير، ولكن قلَّما تجد في إبل سيناء ما يحمل أكثر من ٤ قناطير.

        fig22
        شكل ٨-١: فارسان من السواركة على فرسيهما.
  • الخيل: وأمَّا الخيل فلا يقتنيها من بدو سيناء إلَّا الرميلات وبعض السواركة الساكنين شرق بلاد العريش، وقد ندر في الرميلات من ليس له فرس أو فرسان، ويقتنيها أيضًا ترابين سيناء كإخوانهم الترابين في جنوب سوريا، وهم يعتنون بتربيتها ويحافظون على أصولها وكرامتها أشد المحافظة.

    وأشهر الأصول الكريمة عندهم: المَخْلَدية، والكُبَيْشة، والعُبَيَّة.

    أمَّا «المخلدية» فيقال: إنها من أصل فرس خالد بن الوليد، ولذلك هي أشرف الأصول عندهم، قالوا: وهم لا يركبون فرسًا هذا أصله إلَّا بعد الاغتسال من «الجنابة»، بل قالوا: إنه إذا أقبلت فرس من هذا النوع على بدوي وهو جالس وقف إجلالًا لها، وإذا لم يقف لها وجبت عليه اللعنة!

    وأمَّا «الكبيشة» فلهم في أصلها رواية خرافيَّة، قالوا: خرج من البحر حصان فعلَا فرسًا للرميلات، فأنتجت الكبيشة.

    وأمَّا «العُبَيَّة» فقالوا في سبب تسميتها: إنَّ فارسًا بدويًّا في القديم فرَّ من وجه أعدائه، فطاردوه أميالًا فنجا منهم بسرعة فرسه، وكان للفرس مهرة تتبعها، فظن الفارس أنها تخلَّفت عن أمها وصارت في حرز الأعداء، فلما صار في مأمن منهم التفت وراءه فإذا بالمهرة بجانب أمها تسترها عباءته فسماها العُبَيَّة!

    وهم حريصون على أصل خيولهم حرصهم على أصل إبلهم وأزيد، فلا يسمحون لأحجار الخيل غير مشهورة الأصل أن تعلو أصائلهم، قالوا: وأجرة الحجر ريال مجيدي وملء مخلاته شعيرًا، وهم يبيعون الذكور من خيلهم المؤصَّلة بيعًا باتًّا، وندر بيعهم الإناث كذلك، بل قد يبيعون النصف ويحفظون لأنفسهم النصف الآخر، وفي هذا البيع يتناوب الشاري والبائع قنية الفرس، ويتقاسمان نتائجها، فكل منهما يقتنيها سنة ويكون للشاري منها نتيجة وللبائع نتيجة، وإذا اختلف الجنس في النتائج كان لكل منهما النصف من كل نتيجة، ولكن غالب بيعهم للإناث الأصائل بشرط أن يعطي الشاري البائع مهرتين من نتاج الفرس، والشاري بهذا الشرط لزمه ألا يطلق عليها إلَّا الأصائل، وإلَّا فإذا أطلق عليها الأحجار غير الأصائل لزمه نتاجها، ويكون تسليم الشاري المهرة للبائع بعد الفطام، ومدة الرضاعة عندهم مائة ليلة، فإذا ماتت المهرة في عشرة الأيام الأولى كانت بحظ الشاري، وإذا ماتت بعدها كانت بحظ البائع، لذلك متى بلغت المهرة سن العشرة الأيام أشهد الشاري شاهدين عَدْلين، أنَّ المهرة بلغت هذه السن وهي سليمة لا عيب فيها، وقال: «من بختي» لصاحبها.

    وقد وجدت في كحائلهم لين الظهر، وسهولة القياد، وخفة الحركة، وسرعة الجري، ولكنها في الغالب صغيرة الجسم نحيفة البنية، وهي جميلة الرأس قبيحة المؤخر.

    هذا والبدو في صحرائهم يفضلون ركوب الهجن على ركوب الخيل؛ لأنها أصبر على العطش والحرِّ، وأريح للركوب، ومن ذلك قولهم:

    قولوا لأبو زيد ما يركب «الرَّمك»
    الهجن أصبر ع السري والقوايل

    ولكنهم يفاخرون بركوب الخيل، ويعدُّون ركوبها أشرف من ركوب الإبل، قالوا: زار بدويٌّ بنتًا له كان قد زوَّجها إلى غني فافتقر، وجرى ذكر الخيل، فقال الأب لصهره ناصحًا:

    لا تخلِّ مالك قرن ماعز
    ولا بقر يجفِّلها الصفير
    عزُّ المال «سابق» تحت وِركك
    وإن دَهْبَشت دَهْبِش لك بعير

    وكانت ابنته تقاسي المرَّ من الفقر، فلما سمعت كلام أبيها هزَّت رأسها وقالت:

    مال! ما عندنا مال
    غير الفراخ العِتاقِ
    مرتعهم مقدم البيت
    والديك معهم يقاقي

    وهم إذا ركبوا الخيل أسرجوها بالسروج العربية المعروفة والركاب العريضة واللُّجم الضيقة، وحملوا الرماح الطويلة على أكتافهم والسيوف على أجنابهم، وقالوا في استعمال ضيِّق اللُّجم: إنَّ الخيل إذا استعمل لها واسع اللجم فتحت فاها عند العدْو وقلَّ جريها، وهم يعتنون جدًّا بشد السرج قبل الركوب، سواءٌ كان ذلك في ركوب الهجن أو ركوب الخيل، ومن أقوالهم في ذلك:

    «اقشط على الهجين، ولو كان أبوك تحت البِطان.»

    وهم من أول أكتوبر يتركون السرج ليلًا على ظهر الفرس، فإذا أتى الربيع جرَّدوها منه، قالوا: إنَّ الخيل تشعر بالبرد قبل الإنسان بشهر.

    وإذا ربطوا الفرس جعلوا لها قيدًا بيديها، وقيَّدوا إحدى رجليها بشَبحة يعقدونها إلى رزَّة من ورائها، وربطوا رسنها برزَّة من أمامها، وهم يعلفونها ويسقونها في أوقات معينة لا يتعدونها، يعلفونها مرة عن الفجر، ومرة توًّا بعد الغروب، ويسقونها مرة عند الظهر، ومرة في المساء بعد العليق، وعلفة الفرس في الصبح ربع صاع، وفي المساء نصف صاع، وفي زمن الصيف يعلفون الخيل البطيخ والذرة الخضراء بدل البرسيم في مصر، والموسر منهم يطعم خيله البطيخ والذرة في الصباح، والشعير في المساء.

    ولكن البدو مع شدة اعتنائهم بتربية خيلهم وتنظيم علفها قلَّما يعتنون بنظافتها، فهم يغسلونها مرة واحدة في البحر كل سنة في الصيف.

    وعندهم أنَّ الخيل في الخريف لا تزيد ولا تنقص ومن أقوالهم:

    تشرين في تشرين بيقل جريهنَّ
    وفي ذمتي جري المكرمات يزيد

    ولهم قاعدة في معرفة علو الخيل منذ ولادتها، قالوا: إنَّ ذراع المهر يوم ولادته من أعلى الحافر عند منبت الشعر إلى مفصل الركبة، هو ربع العلو الذي يصير إليه عند البلوغ، ولكن خيلهم لا تعلو كثيرًا، وأعلى ربع للخيل عندهم ١٩ قيراطًا، فما بلغ هذا الحد استوفى علوه.

    • سباق الخيل: وهم يتسابقون على الخيل والإبل في أيام الأعياد والأفراح، وزيارة الأولياء، واستقبال الضيوف، وأهم سباقهم سباق الخيل في أيام عيد الأضحى وختان الأولاد.

      ففي سباق عيد الأضحى يجتمع البدو نساءً ورجالًا في ميدان متسع صالح للسباق، فتقف النساء في جانب منه، وفي يد إحداهن منديل أحمر مرفوع رايةً على عصًا، ويقف الفرسان في الجانب الآخر من الميدان، والرجال المتفرجون في صف النساء على نحو كيلومتر منهن، فحالما يرى الفرسان الراية قد ارتفعت في صف النساء يطلقون الأعنة لخيولهم، فمن فاز بها أولًا كان السابق، فإذا طارده أحد أقرانه وأخذها منه كان هو الفائز وإلَّا بقي الفوز للأول.

      وفي سباق الختان يرفعون قفطانًا من الأطلس رايةً بدل المنديل الأحمر، ترفعه امرأة راكبة جملًا، وقد قصَّ عليَّ بعض الرميلات ما كان لهم في سباق مع الترابين قبيل الثورة العرابية، قالوا: احتفل الرياشات أحد فروع السواركة بطهور (ختان) بعض أولادهم، فأقاموا سباقًا للخيل جمع جمًّا غفيرًا من فرسان السواركة والترابين، وكانت الراية قفطان حرير، ففاز بها ترباني يسمى مُهَيزع بن علي، ولم يأتِ إلى موقف الرجال كما هي العادة، بل بقي سائرًا بالراية إلى قومه، فأخذت النخوة سعيد أبو شيخة من فرسان الرميلات، وكان راكبًا فرسًا حمراء من أصل «الكُبيشة»، فدفع فرسه وانطلق وراءه حتى أدركه وأخذ الراية منه، ولبسها وعاد بها إلى الميدان.

      وكان ممن حضر هذا السباق ابن لمهيزع يدعى عليًّا، فلما رأى الرميلات قد استردُّوا الراية من أبيه أخذته الغيرة، وطلب من السواركة أن يقيموا سباقًا آخر، ففاز بالراية ولحق بأبيه فتبعه مسلم أبو صفرة الرميلي، وكان راكبًا فرسًا حمراء من أصل الجُريبة، وهو من الأصول المشهورة أيضًا، فأدركه قبل أن يصل قومه واستردَّ الراية منه، وعاد إلى الميدان بين زراغيت النساء وترحيب الرجال، هذا في الخيل والإبل.

وأمَّا «الحمير» فهم يقتنونها لركوب النساء، وجلب الماء عليها من الآبار.

وأمَّا «البقر» فلا يقتنيها في سيناء كلها إلَّا الرميلات لقربهم من سوريا، وهم يقتنونها لا للحرث عليها؛ لأنهم يحرثون على الإبل، بل للحليب والنتاج، ودرس الحنطة وغيرها.

وأمَّا «الغنم» من الضأن والمعزى، فكثير في كل جهة، وأكثر غنمهم من المعزى.

وأمَّا «كلابهم» فثلاثة أنواع:
  • العَكَل: لحماية الغنم من الذئاب والضباع.
  • والسَّلَق: لصيد الأرانب والغزال.
  • والضِّري: وهو خاصٌّ بصيد التيتل، قيل وهو جنس مولد من العكل والسلق.

(٢) حيواناتها البرية

وأهم حيواناتها البرية:
  • النمر Leopard: ويسكن الجبال الوعرة، وهو يفترس ثعالبها وغزلانها، وكثيرًا ما يفترس أغنامها.
  • والذئب: وهو كثير ويسطو على الأغنام، والبدو يقتنون كلاب الضري بكثرة لمنع أذاه، وفيها الضبع، والثعلب.
  • والغزال: وأكثره في السهول، يصطاده البدو لأجل لحمه وجلده.
  • والتيتل Ibex: ويوجد في الجبال العالية الوعرة، يصطاده السياح؛ لأجل جلده والارتياض بقنصه، ويصطاده البدو لأجل جلده ولحمه، وقد رأيتهم يبيعون لحمه في مدينة الطور الأقة بثلاثة غروش صاغ.
  • والوَبْر Coney: دُوَيبة كالسنور، أصغر منه، كحلاء اللون، حسنة العينين، لها ذنب قصير جدًّا.
  • والقنفذ: وهم يبخرون بشعره المصاب بالحمى.
  • والأرنب: وأكثره في السهول المرتفعة.
fig23
شكل ٨-٢: تيتل رابض على صخرة.

ويستدل من اسم وادي اللبوة ووادي السباعية من أودية بلاد الطور أنَّ «الأسد» كان يعيش فيها، قالوا: وكان في بلاد التيه «النعام»، ولم ينقطع منها إلَّا منذ أربعة أجيال، حدثني الشيخ علي القُصيَّر شيخ اللحيوات السابق قال: إن جدَّ جدي شاهد النعام في الجزيرة.

(٣) طيورها

وأهم «طيورها الأليفة»: الدجاج والحمام.

ورأيت من «طيورها البرِّية» الحمام البري، والحجل وهو كثير، والقطا البري، والشنار أكبر من القطا ولحمه ألذُّ طعمًا من لحم القطا، والصقر وهو يفترس الأرنب، والغزال، والورور، والسنونو، والقبَّرة، والهدهد، والبومة، والعقاب، والنسر، والغراب، والدوري.

(٤) زحافاتها وهوامها

ومن زحافات سيناء وهوامها:
  • الحيَّة: ومنها نوع سامٌّ أسود اللون، وآخر من النشاب لونه كلون التراب إلَّا طرف ذنبه فإنه أسود حالك، وله في رأسه قرنان لحميَّان، قيل هو أشد الحيَّات سمًّا، وقد رأيت بدويًّا قتل حية من هذا النوع في وادي المُكتَّب، وقال: «قتلنا السم وزال الهم.»
  • والعقرب، وأبو شبت: وهو يشبه الرتيلاء، ولكنه سامٌّ كالعقرب، ولدغته أسلم عاقبة من لدغة العقرب، وهم يعالجون لدغة العقرب وأبو شبت بالكي بالنار، أو بمص السام بالفم، وقبل مصه يأخذ المداوي قطعة من الملح يجفف بها فمه حتى لا يبلع السم.

ومن زحافاتها: «الفيران، والجراذين، واليرابيع» وأشرُّها الجراذين، فإنها آفة من آفات الجزيرة وتكثر فيها جدًّا، ولا سيما في الأراضي الزراعية المرملة كبلاد العريش الشمالية، فإنك ترى الجراذين قد خرَّقتها حتى صيرتها كالمنخل، فلا تكاد تخطو خطوة حتى تقع في جُحر من أجحارها، ويستخدم البدو لقتلها سمًّا يدعى «عيش الغراب»، ولها عدو من جنسها يُدعى «الورَن» فيفتك بها، ولكنها لا تنقطع إلَّا بحرث الأرض وزرعها كل سنة.

وينتاب هذه البلاد أحيانًا «الجراد»، فلا يبقي ولا يذر، ويكثر فيها صيفًا الذباب والبق، ولكن البراغيث نادرة فيها، وآفة البدو القمل؛ لعدم اعتنائهم بالنظافة.

  • ذبَّانة الإبل: ويظهر في بر الزُّقبة من بلاد العريش «ذبانة» سامَّة طويلة الأجنحة، إذا لسعت الجمل أهزلته أو قتلته، تظهر في المنطقة الواقعة جنوبي بحيرة البردويل من بئر النصف إلى خشوم الأدراب، وتظهر مرتين في السنة، المرة الأولى في أوائل مايو وتدوم أربعين يومًا، ثم تنقطع، فتظهر المرة الثانية في أوائل أغسطس وتدوم ثلاثين يومًا، قيل والسبب في ظهورها المستنقعات التي تتخلَّف عن بحيرة البردويل، وأهل البلاد يحتاطون لها، فيهرِّبون إبلهم في ذينك الفصلين خارج منطقتها.

(٥) صيد الحيوان في البر والبحر

(٥-١) صيد التيتل

وبدو سيناء يصطادون التيتل بكلاب الضري، قالوا: يطارد الكلب التيتل حتى يدركه، فيعضه عضة مؤلمة في فخذه، ويقف عنده يرقبه، والتيتل لا يجسر أن يوليو ظهره خوفًا من عضة أخرى، فيبقى حتى يجيء الصياد فيمسكه باليد أو يرميه برصاصة ويقتله، وترى في سيناء عند كل ماءٍ ترده الأوعال دريئة من الحجارة، يستتر بها الصيادون لصيد التيتل بالبنادق عند وروده الماء.

fig24
شكل ٨-٣: بدوي قابض على تيتل.

(٥-٢) صيد الأرانب والغزلان

وفي كل سنة في الصيف يذهب جماعة من مغاربة الزقازيق على هجنهم، ومعهم صقورهم وكلابهم السلوقية إلى بر قَطْيَة؛ لصيد الأرانب والغزلان، يذهب الصياد على هجينه طالبًا الصيد ومعه صقره وكلبه، فإذا رأى الصيد أطلق عليه الصقر والكلب معًا، فيدركه الصقر أولًا، فيرف حول عينيه ويحبسه عن الجري حتى يدركه الكلب، فيعضه في فخذه ويرقبه، فيأتي الصياد على هجينه ويأخذه باليد.

وأمَّا بدو سيناء فتصطاد الأرانب والغزلان بالكلاب السلوقية وحدها؛ لأن كلابهم أسرع جريًا من الأرنب والغزال، ويقال: إنَّ عشر جمزات للغزال بتسع جمزات للكلب.

هذا وفي كتاب كترمير: «إنَّ السلطان بيبرس في توجهه من مصر إلى الشام سنة ٦٦١ﻫ، كان يتعاطى الصيد في طريقه مع أمرائه وكان يحب الصيد، فلما وصل العريش جعل من جنوده حلقة فيها ثلاثة آلاف رجل أحاطوا بجزء كبير من الأرض؛ ليصطادوا ما بداخل الحلقة من الغزلان، ثم أخذوا يضيقون الحلقة شيئًا فشيئًا مع المحافظة على ما بداخلها من الحيوانات، حتى قبضوا على ما بها من الوحوش.» ا.ﻫ.

fig25
شكل ٨-٤: بدويان صادا نمرًا.

(٥-٣) صيد الأنمر والضباع

وهم يصيدون الأنمر والضباع برصاص البنادق أو ينصبون لها الفخاخ، والفخ عبارة عن وجار صناعي مبني بالحجارة الغشيمة على شكل تابوت له باب مفتوح في أحد طرفيه، وكوة في ظهره قرب الباب، فيضع الصياد قطعة من اللحم في داخل الفخ يعقدها إلى طرف حبل، ويعقد طرفه الآخر إلى حجر عند الكوة تسمى «ردَّاسة»، فإذا استنشق الضبع أو النمر رائحة اللحم دخل الفخ من الباب ليأكلها، ولا يكاد يجذبها بأسنانه حتى تسقط الردَّاسة من الكوة وتسد الفخ، ويبقى الضبع أو النمر محبوسًا فيه إلى أن يموت أو يأتي الصياد فيقتله برصاصة من بندقيته.

fig26
شكل ٨-٥: بدوي يصيد نمرًا في فخه.

(٥-٤) صيد الطير في بلاد العريش

هذا، وقبيل دخول فصل الشتاء؛ أي حوالي شهر سبتمبر، تبدأ مهاجرة الطيور من أوروبا إلى ساحل بلاد العريش، وغالب هذه الطيور:
  • الفِرِّي: ويقال له السمان أيضًا.
  • والمرعاة: وهو أكبر من الفِرِّي حجمًا، ولكنه أخف وزنًا وأقل قيمةً، ولون الذكر منه أسود، والأنثى مائل إلى السواد.
  • والرُّقْطي: وهو طائر كالحمام، ولكن لون ريشه أخضر وأصفر، وأهل العريش من بادية وحضر يصيدون هذه الطيور ويبيعونها حية في مصر، وأكثر بيعهم لها في بورسعيد.

أمَّا أهل مدينة العريش، فقد رأيتهم يصيدونها بشباك ينصبونها على شاطئ البحر، مرفوعة على قوائم من خشب مسافة خمسين مترًا، وعلو ثلاثة أمتار، أو يجعلون على الشاطئ عشاشًا من الأعشاب أبوابها لجهة البحر، ويجعلون الشباك على الأبواب، فتأتي تلك الطيور مُتعبة من عبر البحر المتوسط، فلا ترى تلك العِشاش حتى تترامى عليها طلبًا للراحة، فتعلق في الشباك، ويأتي الصياد فيقبض عليها باليد.

أمَّا عرب البادية، فإنهم يجدونها تعبة نائمة في ظل الأعشاب قرب الشاطئ فيصيدونها باليد، فويلٌ للحيوان من الإنسان!

هذا كله في صيد الفرِّي والمرعاة، وأمَّا الرقطي فإنه لا يصاد إلَّا بالدِّبق على الشجر؛ لأنه يحذر الشباك ولا يختبئ في الأعشاب.

ويهاجر إلى بحيرة الزرانيق في الصيف نوع من الطائر المائي الملوَّن الريش، فيصطاده الأهلون بالبنادق، ويصبِّرونه ويدخلونه في المتجر حليًّا لبرانيط النساء.

(٥-٥) صيد السمك

ويصطاد السمك كثير من سكان الشطوط البحرية من أهل المدن والبدو، خصوصًا مزينة والترابين، يصيدونه بالشباك أو السنارة، وأهل مدينة الطور كعرب جهينة في ينبع وضبا من برِّ الحجاز يصطادون نوعًا من السمك من خليجي العقبة والسويس، ويجففونه ويدخلونه في المتجر، وهو المعروف في مصر «بالبَقَلاه».

وهم أيضًا يغوصون على اللؤلؤ «واليسر» في خليج العقبة عند رأس محمد وذهب والنويبع.

وفي البحر الأحمر لا سيما في خليج العقبة كثير من السمك الطيَّار والإرش، أمَّا الإرش فهو حيوان مفترس لا يؤمَن الاستحمام في الخليج بسببه، وقد طارده ضباط الطرَّاد الإنكليزي «ديانا» مدة إقامتهم في جزيرة فرعون سنة ١٩٠٦، فاصطادوا إرشًا طوله ٢٨ قدمًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤