عند ملك النوبة

كانت أسوان آخر حدود مصر من الجنوب، وتبدأ بعدها بلاد النوبة، وكانت مدينة آهلة، فيها تجارة واسعة؛ لما يتبادله فيها التجار على اختلاف مللهم من البضاعة بين مصر والسودان، وكثيرًا ما كان النوبيون يسطون عليها ليضموها إلى بلادهم، فيحاربهم المسلمون ويردونهم عنها، وفيها مغارسُ النخيل الخصبة، وعندها يبتدئ الشلال الأول في النيل، وهو جنادلُ تعترض مجرى الماء فيسمع لها دوي وخرير ويتعذر فيه السير على السفن، فيجرونها أو يحملونها حملًا حتى تتجاوز تلك المضايق، وعند أسوان كثيرٌ من آثار الفراعنة أهمها هيكل أنس الوجود.

وفي عهد روايتنا هذه كان هناك تجاه أسوان في البر الغربي ديرٌ يقيم به بعض الرهبان، لا تزال آثارُهُ باقية إلى اليوم، ناهيك بالجبل المجاور لأسوان من جهة الصحراء، وفيه المناجم الصوانية، يقطعون منها الأحجار، وتراها إلى الآن باقية، وفيها الأحجارُ المقطوعة والحُفر المنقورة.

وكان ملك النوبة يومئذٍ يسمى فيرقي، أو «قيرقي»، وكان طامعًا في امتلاك مصر، وإخراجها من يد المسلمين وإعادتها إلى ملك الروم، فكانت الرُّسُل والرسائل تروح وتجيء سرًّا بين الروم والنوبة بوساطة أسقف مقيم بأسوان، وأحب ملك النوبة في ذلك العام أن يأتي بنفسه ليتصل بالأسقف، فتنكر ونزل بلدة «مسلحة» على حدود النوبة وراء أسوان، ولا يعرفه بها غير نفر من خاصته، وبلغ الأمر سمعان من جماعة كانوا مع قافلة الملك عند خروجها من دنقلة، وتركوها قاصدين مناجم الزمرد.

وبعد يومين من إذن أبي حرملة لدميانة بالرحيل أعدت الركائب لها ولسمعان واستصحبا خادمًا وجملًا يحمل المئونة، والمسافة إلى أسوان قصيرة، فأشرفوا عليها في الأصيل، فقال سمعان: «إننا على مقرُبة من أسوان، وهذا جبلها المشهورُ يقطعون منه الأحجار لنحت التماثيل فينبغي أن نتجاوز أسوان إلى الجنوب.»

قالت: «ولماذا لا ننزلها؟ فقد بلغني أن فيها ديرًا ذا كرامة أحب أن أزوره.»

قال: «إن الدير على البر الآخر لا نصل إليه إلا بعد اجتياز النيل، ولا بد من ذهابنا إليه، أما الآن فعلينا أن نُقابل الملك.»

قالت: «وأي ملك؟»

قال: «ملكنا … ملك النوبة.»

قالت: «ألا يُقيم بأسوان؟»

قال: «كلا، إنه لا يَنزل أسوان؛ فهي ليست في مملكته، ولكنه ينزل في بلدة مسلحة وراء الشلال، وفيها حاميةٌ من رجاله.»

فهمت بأنْ تتكلم، ثم سكتت، وظهر مِن ملامحها أنها تكتم أمرًا لا تُحب إظهاره، فقال: «أظنك تتعجلين السفر إلى مصر.»

فضحكتْ وقالت: «هل تلومني على ذلك؟ وقد فارقت أهلي يبكون فراقي، وربما يئسوا من وجودي.»

قال: «لا ألومُك يا سيدتي. ولكننا أحوج إلى نجدة الملك منا إلى السفر إلى مصر، ثم إني مكلفٌ برسالةٍ من أبي حرملة إليه لا بُدَّ من تبليغها.»

قالت: «افعلْ ما بَدَا لك.»

فلَمَّا أشرفا على النيل من بعيد رأيا سطحه يلمع كفرند السيف، والجبال تحدُّه من الضفتين، ويتخلل ذلك أنقاضُ الهياكل الفرعونية فيها الجدران والأساطين. ولما اقتربوا من أسوان سمعوا هدير الماء عند الشلال من تزاحمه في سيره بين الجنادل. وقد مرت على وادي النيل دول شتى وتوالت عليه أحوال مختلفة من عز وذل، ونزل به ملوك وقواد من عهد الفراعنة العظام، إلى اليونان، فالرومان، فالمسلمين وهدير ذلك الماء واحد ومجراه على وتيرة واحدة لا يمل من الجري ولا يمل جاره من السمع.

مروا بالقرب من الجبل وقد كادت الشمس أن تغيب فقال سمعان: «لا نزال بعيدين عن مسلحة، فأرى أن نبيت هنا الليلة، فما قولك؟»

قالت: «لا رأي لي يا عماه، افعل ما تشاء.»

فأشار إلى الخادم أن ينصب خيمةً صغيرة كالمظلة تبيت دميانة تحتها ن ويبيت هو خارجها، وأن يعقل الجمال وينام بينها، فقال الخادم: «أين أنصبها؟»

قال: «انصبْها في سفح هذا الجبل في مكان ممهد.» قال ذلك وترجل وأنزل دميانة عن الجمل وقد تعبت، فأخذ يحدثها ليشغلها عن التعب، وألقت هي نظرها على ما هنالك من المشاهد الطبيعية، فلما رأت النيل تنسمت رائحة الفسطاط، وتذكرت حبيبها وتاقت نفسها إلى اللقاء؛ لترى ما يكون من أمرها.

وبعد قليلٍ جاء الخادمُ وأنبأها بنصب الخيمة على مصطبة من الصخر في سفح ذلك الجبل فقال له سمعان: «امكث أنت هنا مع الجمال حتى الصباح، وكن متيقظًا؛ لئلا يسطو عليك اللصوص.»

قال: «حسنًا.» ومضى.

وصعد سمعان ودميانة للمبيت تحت المظلة وهي لا ترى بأسًا من الانفراد بسمعان؛ لأنها كانت تعده مثل خادمها زكريا، وقد آنست فيه إخلاصًا، ولا سيما أنها عرفتْه وهي في أشد الضيق، وتوسمت فيه طِيبَ العنصر وأنه نصراني مثلها، والدين من أهم أسباب التقارُب.

حمل سمعان معه بعض الزاد، وجلسا تحت المظلة، فتناولا شيئًا من الطعام، ثم غلب عليهما النعاس، فنامت دميانة على بساط فرشه لها سمعان تحت المظلة، وتوسد هو أرضًا رمليةً — على بضع أذرع منها — وجعل رأسه على ذراعيه، وفيما هو يوشك أن ينام سمع دويًّا، فألصق أذنه بالأرض وأنصت، فسمع وَقْع خطوات، فرفع رأسه وقد خيم الظلام وأصاخ بسمعه فسمع لغطًا بعيدًا فنهض ومشى حافيًا نحو الصوت وهو يتلمس طريقه حتى أطل من وراء الجبل على خيام منصوبة ونار مشبوبة، فحدق نظره فإذا هي خيام نوبية، فلم يشك في أنها مضارب الملك، فحدثته نفسه بأن يسير إليها؛ لعله يلقى فيها إكرامًا وحفاوة ويبلغ رسالته، ولكنه خاف أن يترك دميانة وحدها، فعاد إلى متوسده ولم يكد ينام حتى سمع دويًّا قريبًا، فنهض، فرأى ثلاثة فرسان يسوقون أفراسهم في طريقٍ يؤدي إلى المضرب، وتفرس فيهم فلم يعرفهم؛ لأنهم متنكرون، فعاد إلى منامه. وقبيل الفجر جاءه الخادم فسأله: «هل شاهدت أحدًا مارًّا في الليل؟» فقال: «شاهدت ثلاثة رجال ومَرَّ بي خادمُهُم فسألته هل هم ممن يخشى منهم؟ فقال: كلا لا خوف منهم؛ لأنهم أسقف المدينة واثنان من رجاله، وقد رجعوا في آخر الليل ولم نشعر بهم.»

فلما سمع سمعان قوله أطرق هنيهة يفكر، ثم ابتسم وأشار إشارة معناها «عرفت السر.» ثم التفت وقال له: «امكث هنا حتى نعود إليك.» وقال لدميانة: «هل تأتين معي إلى هذه الخيام وراء هذا الجبل؛ فإنها مضاربُ ملك النوبة، لنقابله ونستأذنه في السفر ثم نعود.»

قالت: «إذا كنت ترى فائدةً مِن ذهابي أَذهب.»

قال: «الأجدر أن تأتي معي وأظنك تُحبين مشاهدة ملك النوبة؛ فإن الناس يتمنون رؤيته.» وأشار أن تتبعه، فمشيا حتى تجاوزا الجبل إلى بقعة منخفضة، فيها بضع خيام إحداها كبيرة، فتقدما حتى اقتربا منها، فتصدى لهم رجلٌ نوبيٌّ غليظُ البدن قويُّ العضل حافي القدمين التحف شملةً لف بعضها حول حقويه وأرسل باقيَها من جهة صدره إلى كتفيه فظهره، وقد علق سكينًا في كُوعه وشك سهامًا في شعره المتلبد وعلق قوسًا في كتفه. ولما رأى القادمين تصدى لهما، فتقدم سمعان إليه وكلمه بلسانه، فبغت الرجل عند رؤيته وتولته الدهشة، وصاح: «سمعان» وهمَّ به فضمه إلى صدره وصافحه مثنى وثلاث — وبين كل مصافحة والتي تليها يقبل الواحدُ منهما يده على عادة النوبة في التسليم — فأخذ سمعان يكلمه بالنوبية وهما متصافحان كلامًا لم تفهمه دميانة، وكلم سمعان الرجل وهو يشير إلى دميانة، فأسرع إليها ودعاها أن تتبعه فأومأ إليها سمعان أن تفعل، فذهب إلى خيمة فيها نساء استقبلنها أحسن استقبال.

•••

مضى سمعان إلى الخيمة الكبرى، فاستأذن في الدخول، فأذن له، فوجد هناك «فيرقي» ملك النوبة، وكان بدينًا كبير الهامة، عليه لباس مزخرف، وعند رأسه زنجيان يحملان مراوح من ريش النعام، يروحان له وهو جالس على جلد أسد لا يزال رأسه معلقًا فيها وقد عولج حتى يظهر للرائي كأنه أسد رابض. ولم يكن «فيرقي» في لباس الملك؛ لأنه جاء متنكرًا، ولكنه وضع على رأسه قبعةً على هيئةِ التاج وعَلَّقَ على صدره صليبًا من الذهب المرصَّع، واتشح بمطرف من الخز، عليه صور ملونة أكثرها صور القديسين وأهمها سورة القديس جاورجيوس لابس الظفر، وكان الملك قد جلس الأربعاء ووضع السيف في حجره، وأصلح من شأنه، فاكتحل وتطيب ونزع النعال من رجله. وكان في أواخر الكهولة وقد شاب شعرُهُ وخف ولكنه كان صحيح البدن مشرق الوجه. وقد أحاط خصره بمنطقة من الخز لم يعهد مثلها في تلك البلاد، فلما رأى سمعان داخلًا رَحَّبَ به وقال: «مرحبًا بخادمنا الأمين سمعان.»

فَأَكَبَّ سمعان وهو جاثٍ حتى قَبَّلَ ركبة الملك، فأشار هذا إليه أن ينهض، ودعاه للجُلُوس، فجلس بين يديه حتى حصير جميل من سعف النخل، فقال الملك: «من أين أنت قادم؟»

قال: «من المهمة التي أنفذني سيدي الملك فيها.»

قال: «من بلاد البجة؟ من هو صاحبها الآن؟ وكيف وجدته؟»

قال: «هو أبو حرملة.»

فقطع الملك كلامه قائلًا: «أبو حرملة النوبي؟»

قال: «كلا يا سيدي إن صاحب البجة تسمى بهذا الاسم تقليدًا بذلك القائد العظيم.»

قال: «وكيف سياسته؟ هل هو معنا؟»

قال: «لم يكن معنا في بادئ الرأي ولكنني جعلته يصير نوبيًا أكثر من النوبة. فإن هؤلاء القوم لا يغريهم إلا الكسب بالنهب فإذا علم أن محاربتنا للمسلمين تبيح له النهب صار معنا.»

قال: «هل أفهمته ما نرمي إليه من مناورة المسلمين؟»

قال: «إنهم لا يفهمون الانضمام إلى الروم لأنهم لا يدينون بالنصرانية وإنما اتفقنا على أنه إذا قامت حرب بيننا وبين المسلمين كان معنا. ورأيت منه ميلًا وعطفًا.»

فقال: «إن البجة من أصدقاء النوبة مِن عهد أسلافنا وأذكر أني ذهبتُ على عهد أبي مع رئيس البجة السابق وكنت غلامًا يافعًا إلى بغداد عاصمة المسلمين؛ ليشكو إلى الخليفة ظلم عماله في اقتضاء الجزية، فنلنا منه كل رعاية، وأهدانا الهدايا والتحف وبالَغ في إكرامنا. وقد شاهدنا من خيرات العراق ما لا مثيل له هنا، ولما رجعنا أهداني فرسًا وسرجًا ولجامًا وسيفًا محلًّى هو هذا الذي معي، وثوبًا ثمينًا وعمامة من الخز لم ألبسها، وهي هذه — وأشار إلى المنطقة حول خصره — عدا ما أعطى حاشيتنا.

وأهم من ذلك كله أن الخليفة نظر إلى شكوانا فوجد عامله بمصر يأخذُ مِنَّا فوق ما يجب، فأمره أن يخففه، ولقد كان هذا الخليفة — والحق يقال — على خُلُق عظيم، فاستتب الحالُ في عهده ولكن الأحوال تغيرتْ بانتقال الخلافة إلى سواه. فعاد عاملُ مصر إلى مناوأتنا. وحق العذراء إن ملك الروم خيرٌ لنا من هؤلاء المسلمين؛ فإنهم على دينٍ غير ديننا، ولا يدخرون وُسعًا في سبيل أَخْذِ أموالنا واسترقاق رجالنا. ولا أظنني في حاجة إلى زيادة التفصيل يا سمعان.»

فحنى سمعان رأسه مؤمنًا وقال: «فالبجة معنا الآن، وقد آنست من رئيسهم ميلًا إلى حِلفنا، ولم يكن يعلم أني جئتُهُ لأتجسس أحواله، فاتخذني مترجمًا له، وقد اغتنمت فرصةً سنحتْ، والتمست منه الإذن بالسفر إلى دنقلة وأنا أعلم أن مولاي الملك هنا.»

فقال الملك: «لقد أتيت متنكرًا؛ لأرى أسقُف أسوان وأكلمه وجهًا لوجه؛ فهو واسطةُ التحالف بيننا وبين ملك الروم — كما تعلم — وقد جاءني بالأمس ليلًا، وتشاورنا مليًّا، فرأيت منه سعيًا حميدًا وبقي البطريرك ميخائيل في مصر.» قال ذلك وتَنَهَّدَ.

فقال سمعان: «ألم تتصلوا به بعد؟»

قال: «أرسلنا له رسلنا ورسائلنا مرارًا، فلم يأتنا منه جوابٌ.»

قال: «طبعًا هو معنا لأنه …»

فقطع الملك كلامه وقال: «لا تقل طبعًا؛ فلو كان معنا لرد على كتبنا إليه.»

قال: «رُبَّما ضاعت الكُتُب خِلَالَ الطريق أو ضاع الردُّ عليها.»

فأطرق الملك حينًا وهو يحك عثنونه الشائب بسبابته ثم رفع بصره إليه، وقال: «صدقت إن الكتب قد تضيع في الطريق، فهل تكون رسولي إلى البطريرك ميخائيل؛ لتبلغه الأمر شفاهًا، وتأتيني بالجواب النهائي، ولك أن تستخدم مهارتك في إقناعه، هل تفعل؟»

فأشار سمعانُ برأسه مطيعًا وقال: «أفعل ذلك يا سيدي.»

قال: «أتعلم مقر البطريرك ميخائيل؟»

قال: «أظنه الآن في دير أبي مقار في بادية النطرون.»

قال: «هل تعرف الدير؟ وهل أنت واثقٌ مِن وُجُود البطريرك هناك؟»

قال: «أعرفُ الديرَ، وإذا لم يكن البطريرك فيه أذهبُ إليه حيثما يكون، كن مطمئنًّا.»

فابتسم الملك وقال: «إنك محب صادق وإذا ظفرنا بما نؤمله أجزلنا لك الجزاء.»

فوقف سمعان وانحنى شاكرًا، وقال: «إني لا ألتمس على ما أفعله أجرًا، فإني أقومُ به حُبًّا لمولاي الملك وتأييدًا للدين.»

قال: «ومتى تسافر؟»

قال: «عندما يأمرُ الملك وأنا أرفعُ إلى مقامه، إن معي فتاة من قبط مصر وقعت سبية عند سيد البجة، وعهد إلي أن أُعيدها إلى أهلها، فأحب أن أصطحبها ونسافر في قافلة بالبر الغربي، فيكون طريقنا توًّا إلى وادي النطرون.»

قال: «اصطحبْ مَن شئتَ، وما تريدُهُ من مال وركائبَ من بيت مالِنا.»

قال: «لا حاجة بنا لركائب؛ فإن الطريق الذي ذكرته لا يخلو من قوافل التجار مارةً بأحمال الريش والصمغ والعاج إلى مصر، فنرافق واحدة منها على ألا يعرف القومُ غرضنا، وأجعل نفسي خادمًا للفتاة التي ذكرتها.»

قال: «أحسنت، ومن هي هذه الفتاة؟»

قال: «ذكرت لمولاي أنها سبية غنمها البجة من حلوان بجوار الفسطاط وأَتَوْا بها إلى أميرهم فأرادها لنفسه فأبت.» وقص عليه حديثَها إلى آخره.

فأعجب الملك بما سمعه مِن تَمَسُّكِها بالمبادئ النصرانية، وأثنى على عِفَّتِها وتقواها، وقال له: «هل هي معك هنا؟»

قال: «نعم هي في الخيمة الأُخرى.»

فصَفَّقَ الملك، فدخل غلامُهُ فأمره أن يأتي بالفتاة القبطية، وقال لسمعان: «سأجعل سفرك إلى مصر في خدمتها؛ إكرامًا لكما.»

ثم عاد الغلام وقال: «إن الفتاة بالباب.» فنهض سمعانُ فاستقبلها تشجيعًا لها على مُلاقاة الملك. فدخلت وهي مطرقةٌ، فابتدرها قائلًا: «مرحبًا بالفتاة الطاهرة النقية، لقد سمعنا بصدق تدينك وعفة نفسك، فأحببنا أن نراك ونهنئك — حفظك السيد المسيح وجعلك من مختاريه.»

فطأطأت رأسها حياءً واحترامًا فقال لها: «قد أوصيت محبنا سمعان أن يذهب معك فيوصلك إلى مأمنك.» قال ذلك باللغة القبطية لأنه كان يعرفها.

فاستأنست دميانة وفرح قلبها لاهتمام ملك النوبة بأمرها، وشكرت له تنازله، وخرجت ومعها سمعان إلى مبيتهما، فاستقرا هناك حتى أُتيح لهما تعدية النيل إلى البر الآخر بدير هناك أقاما به أيامًا ينتظرون مرور قافلة ذاهبة إلى مصر يصطحبانها.

•••

خشي ملكُ النوبة أن يتأخر سمعان عن أداء المهمة التي كُلف بها فأمر بإعداد قافلة سير فيها جماعة من رجاله يحملون بعض أصناف التجارة إلى الفسطاط، وأمرهم أن يسيروا في طريق البادية على البر الغربي للنيل حتى يأتوا الجيزة تجاه الفسطاط، ومنها يعبرون النيل إليها، فيبيعون بضاعتهم في أسواقها ويذهب سمعانُ بدميانة إلى حيث تريد، ثم يبحث عن مكان البطريرك ميخائيل ويبلغه رسالتَه.

فلما أعدت القافلة سار سمعانُ ودميانة معه وكل منهما على جمله مع من يحتاج إليه من أسباب الراحة، وفي الطريق محطاتٌ تقفُ القافلة عندها للطعام أو الراحة أو النوم. ولم تكن دميانة تعرفُ أحدًا في ذلك الركب إلا سمعان، فكانتْ تزداد استئناسًا به وتقديرًا له، وهو لا يفتر عن القيام على خدمتها ومؤانستها بالأحاديث المختلفة، وهي تقصُّ عليه ما تعرفه أو ما مَرَّ بها، وتطرقت إلى سَرْدِ حكايتها وسبب خروجها من بيت أبيها، وبالغت في الثناء على زكريا لِمَا أظهره من الغيرة عليها والتفاني في خدمتها حتى آخر عهدها به في حلوان، ثم ذكرت أنها لا تعلم عنه شيئًا بعد ذاك.

فاهتمَّ لأمرها، وسألها: «وإلى أين تقصدين الآن؟»

قالت: «لا أدري وإذا اقتربنا من الفسطاط نسأل عن المهندس سعيد بين رجال ابن طولون في القطائع، فإذا عَثَرْنَا عليه عرفتُ منه ما أريد.»

قال: «وإذا لم نجده؟»

قالت: «نبحث عن زكريا.» وتذكرت مصائبها فانقبضت نفسها وتنهدت.

وكان جملاهما سائرين متحاذيَين وراء القافلة لا يسمع لخفافهما وقع، وإذا التفتَ الراكبُ إلى يساره رأى رمالًا وصخورًا، وأما إلى اليمين فيقع البصرُ حينًا بعد حين على المزارع عند ضفة النيل، وقد يرى النيل جارها والعمارة على ضفتيه أكثرها قرى صغيرة.

وكَانَا قد اقتربا من الجيزة، ومَرَّا في طريقهما على الهرم المدرج، وأشرفا على أهرام الجيزة، ووقع نظرُهُما إلى اليمين وراء النيل على حلوان، وظهر لها المقطم وعليه قبة الهواء وتحتها قطائعُ ابن طولون، فأذكرها ذلك يوم الاحتفال الذي أخذ فيه سعيد، فهاجت أشجانها وبان الانقباضُ في وجهها، وتلألأ الدمع في عينيها، ولحظ سمعان ذلك فشاركها في إحساسها، وأخذ في التخفيف عنها، وكان قد عرف أنها بنت وجيه غني، وأعجبته أنفتها وعزة نفسها؛ فقال لها: «لا بأس عليك يا سيدتي اشكري السيد المسيح على نجاتك من الأسر والعار.»

فقالت: «أشكره كثيرًا، ومِن نعمه أنه سخرك لإنقاذي، ولكني تنقبض نفسي كلما أتذكر شقائي وأني أصبحت طريدةً شريدةً لا أخ لي ولا أخت ولا أم، وقد عاداني أبي، واضطهدني أقربُ الناس إليَّ.»

وتَنَهَّدَتْ وسكتت، وظهرت في ملامحها ملامحُ الخجل واليأس معًا؛ لأنها تذكرت سعيدًا وأرادت أن تذكره وترجو لقاءه فغلب عليها الحياء ولحظ سمعان ذلك فأحب أن يخفف عنها وقد تذكر مصائبه وكان قد تناساها مع الزمان فقال: «إن الإنسان يا سيدتي عرضةٌ للمصائب، والمسيحيُّ الحقيقيُّ يتأسى بالسيد المسيح، فقد تألم وصُلب من أجلنا، واحتمل كل ذلك بالصبر فينبغي لنا أن نصبر.»

فاقتنعتْ بحجته ولكنها بقيت مكبوتة العواطف، وتود أن تقول شيئًا عن سعيدٍ والحياء يمنعُها، فقال سمعان: «ولا يَخْفَى علي أنك تضمرين أمرًا يمنعك الحياءُ مِنَ التصريح به، لعل سعيدًا مرجعُ آمالك، فإذا لقيته نسيت كل شيء، أليس كذلك؟»

فأجابت وقد غُلبت على أَمْرِهَا: «نعم صدقت ولكني لا أدري أين هو: أَفِي السجن أم أُطلق سراحه؟» وأطلقت لنفسها عنان البكاء، فخاف سمعانُ أن يسمع أحدٌ من الركب صوتها، فأخذ يتباطأ في سيره وهي تجاريه حتى سبقتهما القافلةُ مسافةً بعيدةً، وصارت على مقربة من أهرام الجيزة، وكانا قد أشرفا عليها وعلى أبي الهول من بعيد، فاستبشرا بقُرب الوصول.

أما دميانة فاستأنست بسمعان، واتخذته عونًا لها — كما كانت تفعل مع زكريا — وزادها تعلقًا به مشابهته له في ملامحه وأخلاقه، فقالت: «وهل تظنني أنسى هذه المتاعب يا سمعان؟» قال: «أرجو ذلك من الله، أَمَّا أنا فلا أتخلى عنك حتى أبلغك أمنك ويطمئن قلبي.» قال ذلك وتنهد وقد تغيرت سحنته وسكت فسألته عما طرأ عليه فقال: «إني لا أمر من هذا الطريق وأنظر إلى الفسطاط إلا وتنقبضُ نفسي وتهيج أشجاني … لحادث أتذكره مع رغبتي في تناسيه … فلا تهتمي بهذا الأمر … عودي إلى حديثنا عن المهندس سعيد.»

فضحكت ومالت إلى معرفة كنه أمره، وحسبت إلحاحها عليه بذلك مما يخفف وقع ذكرياته فقالت: «لقد شغلت خاطري بما ظهر عليك من الانقباض فلعل لك قصة غريبة.»

قال: «حديثي غريب، ولكنه قديم وقد كدت أنساه.»

قالت: «ألا تقصه علي، فيساعد على تقصير الطريق؟»

•••

قال سمعان: «سَأَقُصُّ عليك حديثي؛ عسى أن يسليك. لقد نشأت مع أخ أصغر مني في بلاط ملك النوبة جد هذا الذي رأيته بالأمس، وكنا في رغد وهناء لا هَمَّ لنا غير الأكل والشرب واللعب، وجعلنا الملك من خاصة خصيانه. وكنا غلامَين يافعَين عندما أتي إلى هذه البلاد خليفة المسلمين الذي يسمونه عبد الله المأمون لأمر اقتضى ذلك، وتبودلت الرسائل بينه وبين ملكنا؛ فقد كان ملكنا يشكو من جور صاحب مصر في تحصيل الخراج، فاغتنم مجيء الخليفة وتقرب إليه بالهدايا من العاج والريش والرقيق، وأرسلني أنا وأخي في جملة الهدية، فجيء بنا إلى هذه المدينة «الفسطاط» فقبل المأمون الهدية، وفرق بعضها في رجاله وأطلق بعض الأرقاء وأنا منهم، وكنت أحسبه يطلق أخي معي أو يأخذنا جميعًا؛ لأني كنت مولَعًا بأخي، لكنه لم يفعل، فبكيت كثيرًا وبعد قليل علمت أن المأمون ذهب إلى الأرياف، وأنه أخذ أخي معه ثم علمت أنه عاد إلى بغداد، فشق علي ذلك ورجعت إلى الملك وأقمت في خدمته. وما زالت تنقبض نفسي كلما سمعت اسم الفسطاط، فما بالك إذا رأيتها؟»

فقالت: «يحق لك أن تحزن على فقد أخيك. ما اسمه يا سمعان؟»

قال: «اسمه إبراهيم؟»

وهمت بأن تستزيده إيضاحًا فإذا به ينظر إلى الأهرام متفرسًا وقد تغيرت سحنته، فرأت القافلة قد تبعثرت، وأحاط شرذمةٌ من الفرسان علمت مِن ألبستهم أنهم من الجند، فقالت: «ويلاه … سطا الجندُ على القافلة.»

فقال سمعان: «قَبَّحَهم الله، سَطَوْا عليها وسلبوها، وهل جُعل الجندُ لحماية الناس أو لِسَلْبهم؟ إني أراهم يسوقون الرجالَ والأحمال جميعًا، والأجدرُ بنا أن نلتجئَ إلى مكانٍ نختبئُ فيه؛ لئلا يمسونا بسوء، ولو كنت وحدي لَمَا تخلفت عن الرفاق، ولكنني أُوثر حمايتك على كل شيء آخر.»

قال ذلك وتحول معها إلى أنقاض بناء قديم من آثار الفراعنة، فترجلا وأدخلا الجملين في مخبأ بالقرب منه، وجلسا على بعض الأحجار ودميانة ترتعدُ من الخوف، فأخذ سمعانُ يخفف عنها ويشجعها وقال: «لا تخافي إن الجُند لا يأتون إلى هنا، وهم لم يرونا ولا أظنهم يتعرضون لأي عابر سبيل. وبعد قليل تغرب الشمس ويخيم الظلام، فنخرج خلسة إلى هنا وراء الأهرام، وننزل الجيزة فنَبِيت في خان هناك، ونذهب في الغد إلى الفسطاط.»

قالت: «أخافُ أن يلقانا أحدٌ مِن هؤلاء.»

قال: «لا تخافي، نتجسس الطريق قبل السير، فإذا رأينا أحدًا اختبأْنا.»

قعدا في الخربة وفيها الأساطين والتماثيل مهملة مبعثرة، وكأن الجملين هالهما المنظر فتهيبا فأخذا في الهدير وسمعان يُسكتهما؛ لئلا ينم هديرهما على المكان، فوضع لهما العلف يشغلهما به ولم يمض إلا يسيرٌ من الوقت حتى مالت الشمس نحو الأُفُق، فاستطالت الظلال حتى إذا توارت الشمس اختلطت وصارت ظلامًا، فاستولت الوحشة على تلك الخرائب، فلجأت دميانة إلى الصلاة تستجير بالسيد المسيح وبالعذراء، وأخذ سمعان يهتم بالانتقال من ذلك المكان، وهو لا يخلو من الحشرات السامة فضلًا عما يعتقدونه من وُجُود الجان أو العفاريت فيه. ولولا الإيمان والصلاة لَمَا أطاقا المكوث هناك لحظة، فضلًا عَمَّا قَاسَيَاهُ من العطش؛ فإن قِرَب الماء كانت محمولةً مع القافلة، وأخذت معها.

فلما اشتدَّ الظلامُ قال سمعان: «هيا بنا نركب إلى الأهرام؛ إني لا أرى شبحًا ولا أسمع أصواتًا، ولا ريب أن القوم رجعوا إلى الفسطاط.»

فنهضتْ دميانة، فأركبها جملها وركب جمله بحيث تبقى هي في أثره. وسارا هكذا وهما لا يتكلمان وقد تهيبا الصمت التام المستولي على تلك الرمال وما يجاروها من المغارس. فإذا التفت الناظر رأى إلى يساره الأفق تعترضه التلال الرملية والصخرية وإلى يمينه البساتين حتى النيل، ووراءه المقطم، وفي سفحه القطائعُ والفسطاط. وعلى ضفتَي النيل شجرُ النخيل يناطح السحاب.

•••

كان سمعان يتطاول بعُنُقه من فوق جمله، ويشخص ببصره، ويتفرس فيما أمامه؛ مخافة أن يكون هناك متربصٌ من اللصوص أو الجُند فكان يرى أبا الهول والهرمين الكبيرين، تقترب إليه وتتجلى صورها بالتدريج وهو يصيخ بسمعه فلا يسمع إلا صوت وقْع خفاف الجمل على الرمال وصوت شخيره أو تنفُّسه. حتى إذا اقتربا من أبي الهول أمسك سمعان بزمام جمله ليسير الهوينى، ولم يتجاوز أبا الهول ويشرف على الهرم الكبير حتى رأى شبحًا يتسلق الهرم متلصصًا، وظهر له من قيافته أنه من العامة ولم يَرَ وجهه ليتبين سحنته. فلما رآه يتلصص أوقف الجمل، فوقف الرجل هنيهةً ثم عاد إلى الصعود، فتأكد سمعانُ أنه لا يفعل فِعْل المتلصص الخائف، فساق الجمل نحو الهرم حتى استقبل الجانب الذي رأى الرجل يَتَسَلَّقه، فرآه قد اتجه إليهما ونزل إلى أسفل الهرم ووقف، فخطر لسمعان أن يسأله عن الماء ليتطرق من ذلك إلى أسئلة أُخرى، فقال له باللغة القبطية: «من الرجل؟»

فأجاب: «من أهل القرى، ومن أنت؟»

قال سمعان: «غرباء نطلب ماء، هل تعرف مكانًا فيه ماء بهذا الجوار؟» فتقدم الشيخ وقال: «إن في هذا الجوار عينًا ذات ماء كثير، تعاليا فأدلكما عليها.»

وكانت دميانة تخشى أن يكون الرجل من طلائع الجُند فلما سمعتْ صوته خفق قلبها وأجفلت؛ لأنه يشبه صوت زكريا. فلما رأته مشى وخلفه سمعان صبرت حتى تسمع كلامه ثانية، فعاد سمعان إلى سؤاله عن أقرب الطرق إلى الفسطاط فقال: «تنحدران من هذه الأكمة بين هذه المغارس إلى الضفة، فتجدان هناك جسرًا من السفن المتحاذية، تقطعانه إلى جزيرة الروضة، ومنها تقطعان جسرًا آخر إلى الفسطاط.»

وكانت دميانة تسمع كلام الرجل وقلبها يزداد خفقانًا؛ لأنه صوت زكريا بعينه، وتفرست في مشيته عن بعد فتحققت أنه هو فلم تعد تعلم ماذا تعمل من الدهشة والفرح، فتجلدت وقالت: «هل تريد أن ترافقنا في هذا الطريق يا عماه؟» قالت ذلك بصوت مختنق من شدة التأثر.

فعجب سمعان لتصديها للكلام ومن اختناق صوتها، أما الرجل فلما سمع الصوت وقف والتفت إلى دميانة والظلام يحول بينهما، وكانت هي قد استعدت لإمعان النظر فيه فلم يبق عندها ريبٌ من أمره، وأما هو فاختناقُ صوتها أخفى عليه أمرها، فقال: «إني في خدمتكم إلى حيث تشاءون، فهل نذهب توًّا؟». وأصغى ليسمع الجواب.

فقالت: «نشرب أولًا، ثم نسير إلى المعلقة.»

فلما سمع ذكر المعلقة اضطرب، وتراجع حتى أمسك بزمام الجمل — وسمعان يستغرب — وقال: «من أنت. مولاتي دميانة؟ دميانة؟»

فصاحت هي: «زكريا! عمي زكريا.» وكادت للهفتها أن تقع عن الجمل، فلما سمعها سمعان تَذْكُر زكريا بهذه اللهفة أدرك أنه خادمها الذي تحدثه عنه، فنزل عن الجمل وأناخ جملها وساعدها على النزول، فأكب زكريا على يدها يقبلها، وكاد — لولا الحياء — أن يضمها إليه لتلهفه لرؤيتها، وظن نفسه في حلم إذ لم يَدُرْ في خلده أن يراها بجوار الأهرام في مثل هذه الساعة، وهو يظنها في أسر البجة، فأكثر من السؤال ومن ترديده وفعلت هي مثله فقال: «سيدتي دميانة! أنت هنا؟ شكرًا لله على سلامتك. كيف جئت؟ من أنقذك؟»

قالت: «لا تقل سيدتي؛ فإنك عمي، وهذا عم آخر أنقذني من بلاد البجة وتكلف المشقة حتى وصلنا إلى هنا.»

فصافحه زكريا وسلم عليه وأثنى على فضله، لكنه لم يتبينه لشدة الظلام.

ولم يكن سمعان أقل منهما دهشة لهذه الصدفة، فقال: «الحمد لله إذ سر أمري فأهنئكما بهذا اللقاء.»

فقال زكريا: «امكثا عند قاعدة الهرم حتى آتيكما بالماء تشربان، ثم نسير إلى الفسطاط معًا.» قال ذلك ومضى، ثم عاد إليهما بالماء، فشربا ودميانة تود أن تعرف ماذا جرى لسعيد والحياء يمنعها، فقالت: «أين كنت هذه المدة، وكيف حالك؟»

فأدرك غرضها، فقال: «إن حديثي طويلٌ سأقصُّه عليك. أما حالي فإنها على ما يُرام والحمد لله وسيدي سعيد ينتظرُ لقاءك على مثل الجمر. وهنيئًا لك ما ناله من الحظوة عند أميرِ مصر؛ فهو صاحب الكلمة النافذة والمقام الرفيع.»

وكان زكريا يتكلم وقلب دميانة يرقص فرحًا ولما فرغ من كلامه بسطت يديها نحو السماء وقالت: «أسكرك اللهم لأنك حرسته وحفظته فحق علي وفاء النذور.»

فقال سمعان: «لا أقدر أن أصف لكما فرحي بجمع شملكما، والآن وقد أكملت لكما تعينكما فإني أنطلق قافلًا.»

فاعترضته دميانة قائلة: «كلا، إنني لم أقم بحق جميلك، ولم أكافئك على بعض ما فعلت.»

قال: «لم أفعل ما يصح أن تكافئيني عليه، وأنا ذاهب الآن في مهمة لا بُدَّ لي من قضائها، وسأعود إليكم بعد ذاك.»

قال زكريا: «لم تنقض مهمتك بعدُ يا أخي، فأنا لست حرًّا طليقًا لأكون في خدمته.»

فقالت دميانة: «وكيف ذلك؟»

قال: «إني سجين يا سيدتي.»

قالت: «سجين! إني أراك حرًّا طليقًا.»

قال: «ولكني خرجت من السجن على أن أعود إليه.»

قالت: «ترجع إليه؟ أتكون حرًّا وتقيد نفسك؟»

قال: «خرجت من السجن على أن آتي هذا الهرم لآخذ منه شيئًا ودعته فيه وأعود إلى السجن، ولا بد لي من العودة إليه؛ لأني وعدت الرجل الذي سَهَّلَ خروجي بذلك.»

قالت: «صدقت، إن وعد الحر دين، ولكن كيف حبست ولماذا؟ إني لم أفهم ما تقول.»

قال: «حديثي طويل، سأقصه عليك أثناء الطريق أما الآن، فإني أصعد إلى باب الهرم، ثم أعود.»

وصعد ثم عاد وقال: «هيا بنا إلى أسفل هذه الأكمة؛ فإن لي حمارًا ربطتُهُ هناك فأركبه ونسير معًا.»

فنزلوا جميعًا وركب حماره ومشى بين الجملين، وأخذ يروي لهما ما وقع له بعد فراق دميانة في حلوان منذ ذهب إلى بيت أبيها وأخذ منه الأسطوانة، ثم ذهب إلى دير أبي مقار ورأى البطريرك ميخائيل وأخذ منها كتابًا إلى ملك النوبة وضعه في الكيس مع الأسطوانة وكيف خانه ذلك اليهودي وأتى بالجند فقبضوا عليه فخبأ الكيس بباب الهرم، وحمل إلى السجن فأقام حينًا وتوصل إلى سعيد، وأخبره عن الكيس وأنه يريد أن يأتي به فتوسط له عند السجان على أن يخرجه ويعود إلى السجن في تلك الليلة … إلى أن قال: «قابلت خلسة لأخذ الكيس من باب الهرم، فرأيتكما وخفت أن تكونا عينًا علي، ثم حدث ما تعلمانه، وقد ذهبت الآن إلى باب الهرم، وأتيت بالكيس، وهو معلق بعنقي تحت أثوابي.»

وقصت عليه حديثَها، ونَوَّهَتْ بمكارم أخلاق العم سمعان، وكان هذا قد سمع حديث زكريا وما يتخلله من كلام البطريرك ميخائيل، وأنه لا يرى ملك النوبة في إخراج مصر من حكم المسلمين إلى حكم الروم، ففترت همته عن الذهاب إليه ولكنه أراد التثبُّت فقال: «حقًّا، لقد قاسيت كثيرًا في ذهابك إلى دير أبي مقار. هل البطريرك هناك الآن؟»

قال: «سمعتُ أنه قادمٌ إلى الفسطاط ليجتمع بصاحب مصر.»

قال: «ألا يزال كتابُهُ إلى ملك النوبة معك؟»

قال: «في الحقيبة (الكيس) معه الأسطوانة.»

قالت دميانة: «أراك كثير العناية بهذه الأسطوانة حتى عرضت نفسك للخطر من أجلها! فأي شيء فيها؟»

قال: «ستعلمين بعد حين.»

وظلوا في الحديث حتى وصلوا إلى جسر الجيزة، فعبروه إلى الروضة ومنها إلى ضاحية الفُسطاط عند بابلون قرب دير المعلقة، فلما صاروا هناك قال زكريا: «لا بد من رُجُوعي إلى السجن الآن، فأين تمكثان لأراكما إذا خرجت؟»

قالت دميانة: «أنا أُفضِّل النزول في هذا الدير.»

قال: «لا أرى ذلك؛ فإن أهله يعرفونك، فأخاف أن ينقلوا خبرك إلى الأسقف المعهود أو أبيك أو إسطفانوس فيسعون في ضررنا، والأوفق أن تنزلا في كنيسة بابلون إلى أن آتيكما.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤