نص مسرحية «صدق الإخاء»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله الأخيار، وأصحابه الأبرار. أما بعد، فهذه رواية «صدق الإخاء»، وهي الرواية الثالثة التي ألَّفتها خدمة للوطن العزيز؛ لما اشتملت عليه من الحكمة والموعظة الحسنة؛ لأن التشخيص هو عبارة عن تواريخ مجسَّمة تنبئنا بأحوال الأعصر الخالية؛ لنتبع منها الفضيلة ونجتنب الرذيلة، كما قلت:

مناظر يبهر الألباب منظرها
كالسِّحر لكنها تهدي الهدايات
مراسح أحرزت تمثيل من سبقوا
وعظًا وجاءت لنا عنهم كمرآة
نشخِّص اليوم أحوال الأولي سلفوا
من طيبات لهم أو من إساءات
عسى يكون لنا في مَن مضى عِبَر
تجدي ونعلم أنَّا عبرة الآتي
عسى نكون كرامًا إذ يشخِّصنا
من بعدنا أوفيا طول الفضيحات
فالحر إن مات أحيته فضائله
والوغد ما عاش مقرون بأموات
هذا هو القصد من تمثيل مَن غبروا
لا اللهو والزهو والإعجاب بالذات

وقد جعلت جميع أشعار رواياتي ابتكارًا إلا ما ندر، تضمينًا أو تشطيرًا أو تخميسًا، واتبعت في تأليفها السهولة وعدم الحشو؛ لتكون موافقة لأذواق السامعين، ونسأل الله أن يلهمنا الصواب، ويلهم المطَّلِع عليها الصفح عما عساه يراه بها من الزلل، فإن العصمة لله وحده وله الحمد في الآخرة والأولى.

إسماعيل عاصم

الفصل الأول

(وفيه منظران)

المنظر الأول

(تنكشف الستارة عن منزل المرحوم الأمير رشيد، وفيه بنته السيدة عزيزة مع خطيبها الأمير عزيز ابن الأمير صديق.)

عزيز (لعزيزة) :
يا دمية القصر راعيني برحماك
وراقبي مهجة ما عشت ترعاك
الله في كبد حرَّا وأنت بها
أدرى وإنسان عين بالدما باكي
يا ليت شعري أهذا البدر ساطعة
أنواره الآن أم هذا محياك
وهذه روضة أنفاسها عبقت
مع الصبا سحرًا أم طيب رياك
عزيزة هل لهذا المطل من سبب
أم عن عزيز دلال الحسن ألهاك
طال انتظاري وأيام الحداد مضت
وأنت بالوعد لي ما كان أوفاك
عزيزة الروح جودي بالوفاء على
عزيز نفس كسته الذل عيناك
أو فاتركيني أمُت والله يرحمني
فرحمة الله تأتي فوق رحماك
عزيزة (لعزيز) :
خلِّ العتاب فإن القلب يهواكا
وبغيتي أن أرى دومًا محياكا
لا أعرف النوم من فرط الهموم وقد
كنت العزيزة بين الناس لولاكا
فاترك ملامي واتركني أمُت كمدا
من حر نار الجوى والله يرعاكا
عزيز (لعزيزة) : أنتِ تعلمين يا شقيقة البدر، أنه لولا وفاة والدك لتم لنا الأمر، فإن والدي كان خطبك منه إليَّ، وهو رحمه الله لم يبخل بك عليَّ، وكان موعدنا في بلوغ المراد، بعد فوات زمن الحداد. فجودي للصب بالوفا، ولقلبي العليل بالشفا.
عزيزة (لعزيز) : لو كان الأمر بيدي يا زين، ما تأخرت طرفة عين، ولكنه بيد أخي نديم، ولا أدري هل هو لنا حميم أم علينا حميم؛ لأنه لم يمضِ عنا زمن الحداد، حتى أضله الهوى عن الرشاد، وألهته زخارف شجونه، عن النظر في مهام شئونه، وإذا دام على هذا المنوال، لا يلبث أن تنفذ جميع الأموال، ونصبح بعد الغناء فقراء، وبعد العز أذلاء.

(ثم إنها تبكي.)

عزيز (لعزيزة) : اعلمي أن المال يزول، والحال تحوَّل، والذهب يذهب، والفضة تنفض، وكل هذا لا يعنيني، ولكن قربك هو الذي يغنيني، وأنا ما أحببتك إلا لأدبك، وسمو حسبك ونسبك، وبئس الرجل بين الرجال، من يخطب النساء حبًّا في المال.
عزيزة (لعزيز) :
دعني عزيز أقاسي الهون من حزني
مما ألاقي من التبريح والمحن
ما بي نديم بأوجاعي ينادمني
ظلمًا وما بي عذاب الحب والشجن
فاختر لنفسك غيري يا عزيز ولا
تتعب لأجلي وسوء البخت يخطبني
عزيز (لعزيزة) : أنت الحبيبة الوحيدة، وجوهرة حياتي الفريدة. طمنيني ولو بمجرد الوعد، فإنا لا ندري ماذا يأتي به الغد.
عزيزة (لعزيز) : ما حيلتي أيها الحبيب النديم، والأمر أمر أخي نديم، وهو مشتغل عنا بلذَّاته، وغريق في بحار سيئاته، وما ضرني أكثر من مساعدة والدته إليه، وحنوها بغير تبصرة عليه، ولم تتدبر عقبى ما يجلبه ولدها من المحن، كأنما أخذت عليه موثقًا من الزمن.
عزيز (لعزيزة) : وأين والدتك الآن؛ لأحادثها بهذا الشان؟
عزيزة (لعزيز) : هي معجبة بولدها في قصرها، لا تدري شيئًا من كرِّ الأيام وفرها، ولا بد أن تأتي لهذا المكان؛ لأنها علمت بقدومك الآن. فحادثها محادثة الكرام، ولا تغلظ عليها في الكلام، وخذها بالكياسة والظرف، فقد يُؤخذ بالعرف ما لا يُؤخذ بالعنف.
عزيز (لعزيزة) : سأحادثها بما يقتضيه الحال، ولكل مقام مقال.
عزيزة (لعزيز) : ها هي مقبلة علينا.

(ثم تدخل الأميرة ليلى والدة نديم.)

ليلى (لعزيز) : أسعد الله أوقات الأمير.
عزيز (لليلى) : دام سعدك يا ربة المجد النضير.
ليلى (لعزيز) : لعلك اشتقت لرؤيا نديم.
عزيز (لليلى) : نعم؛ لأنه صاحبي ونعم النديم، وقد مضت أيام عديدة، ولم يزرنا كعادته الحميدة. فأتيت لزيارتكم برهة وجيزة، وأطمئن على خطيبتي السيدة عزيزة.
ليلى (لعزيز) : لا تؤاخذنا، فإن نديمًا مشتغل بلبس كسوته، والتبرج لتحسين هيأته. فإنه كما يعلم كل إنسان، أجمل أولاد هذا الزمان، وله ظُرف وخلاعة، ودعابة ووداعة، وقد أصبح جميع الشبان أصحابه، لا ينفكون عنه ولا يبارحون رحابه.
عزيز (لليلى) : دعينا من هذه الشئون، فالمقدَّر على المرء يكون، وساعديني بإنجاز أمر الاقتران بالأميرة خطيبتي منذ أزمان.
ليلى (لعزيز) : إن أمر خطيبتك أيها الأمير، بيد أخيها نديم الكبير.

(ثم يدخل نديم وبإحدى يديه كأس والأخرى زجاجة ثم يشرب.)

نديم (لعزيز) : بونجور يا مسيو عزيز.

(ثم تخرج عزيزة من المرسح.)

عزيز (لنديم) : أسعد الله وقتك العزيز، وما هذا الذي أراه في الزجاج؟ لعله شفاك الله نوع من العلاج.
نديم (لعزيز) : بئس هذا الفال «يا مونشير»، وما أنت في الحقيقة «مونفرير»، وإن هذه أم الأفراح، وأخت الأرواح، وبنت الدنان، واسمها «فين شمبان».

(ثم يشرب مرارًا ويقول):

وعندي بيرات نمساوية، وشمبانية فرنساوية، وفرمودات تليانية، ووسيكات إنكليزية، وروميات مسكوفية، وأنبذة يونانية، وعرقيات شامية، وأفيونة هندية، ومعاجين مصرية. كل هذه معدات للسرور، بل كيمياء الأنس والحبور. فهل لك يا عزيزي في كاس، تطيب بها منك الأنفاس.
عزيز (لنديم) : دام عليك إيناسك وطابت بالمسرة أنفاسك، ولتكن هذه النعمة الكبرى، منك لنا في أوقات أخرى، وإني أتيت في أمر يجب الاهتمام به في أقرب وقت.
نديم (لعزيز) : اسكت يا عديم الحظ والبخت. فلولا أن طالعك ردي، لكان مات والدك كما مات والدي، وتتمتع بعده بالأموال وتكون مطلق الحرية في جميع الأعمال.
وعن إذنك أتوجه إلى القهوة
وأحظى مع أصحابي بلذة النشوة
هيَّا إلى الحان واطرب واغنم النشوة
مع الندامى وصاحب لذة القهوة
وفرِّق المال في جمع الحظوظ بها
فإنما المال للذات يا صبوة
عزيز (لنديم) : مهلًا أيها الأمير، حتى أحادثك بما في الضمير.
نديم (لعزيز) : تفضل.
عزيز (لنديم) : أنت تعلم أن والدي ووالدك كان محبين.
نديم (لعزيز) : قبَّح الله الاثنين.
عزيز (لنديم) : دعنا من هذا الكلام، فإنه لا يناسب هذا المقام.
نديم (لعزيز) : تفضل.
عزيز (لنديم) : إن والدي كان خطب لي أختك السيدة عزيزة، وأجابه والدك لإتمام ذلك في مدة وجيزة، فعالجه وا أسفاه المنون، قبل إنجاز هذه الشئون، وقد أتيتك متوسمًا كل الخير فيك لإنجاز وعد المرحوم أبيك.
نديم (لعزيز) : أيليق بشرفك يا ابن الأمجاد، أن تحادثني في ذلك قبل مضي زمن الحداد؟!
عزيز (لنديم) : كيف تتعلل بالحداد والحزن، وأنت منغمس في شهواتك والمجن؟! فهل يا نديم تعاطي هذه المسكرات، وضياع أموالك في اللهو والحانات، والانكباب على الألحان والندمان، كل ذلك من الحداد والأحزان؟! وهلَّا اقتنيت من دنياك غير أصناف الخمور، التي عدَّدتها لنا وأنت بها فخور. فأين يا نديم شجاعتك، وعزمك وشهامتك، وقد كنت تقهر الفرسان وترهب الأبطال في الميدان، وأنت لم تزل في سن الحداثة؟! فكيف استبدلت ذلك بهذه الخناثة؟! فاتقِ الله في أختك وأمك، ولا تجرعهما كئوس سمك.

(ثم يدخل خادم نديم.)

الخادم (لنديم) : سيدي إن الأصحاب في الانتظار، لتشريف جنابكم عند الخمار.
نديم (للخادم) : أبلغهم بأني قادم في الحال إليهم.
الخادم (لنديم) : أدام الله فضلك علينا وعليهم.
عزيز (لنديم) : كيف حالك يا رفيع الجناب؟ ومَن هم يا تُرى أولئك الأصحاب؟ أليسوا من الأوغاد المتاعيس، الذين أخذوا العهد في الإضلال على إبليس؟ فهؤلاء طالما فضحوا الجهلاء أمثالك، وسلبوا أموالهم كما سيسلبون أموالك. فانتبه لنفسك يا نديم، ولا تضيع مجد بيتكم القديم، فإن والدك كان صدر السلطنة الأعظم. فكن أنت قلب ذلك الصدر الأكرم.

(ثم يشرب نديم كأسين ويقول):

نديم (لعزيز) : لقد خرجت يا عزيز عن الحد، وخلطت الهزل بالجد، وجعلت نفسك من الحفاظ، أو الكهنة الوعاظ.

(ثم يشرب نديم كأسين ويقول):

نديم (لعزيز) : واعلم بأني ما تعللت لك بالحداد، إلا لعدم الرغبة في مصاهرتك يا ذا الرشاد، ويحزنني أن أخبرك بأن أختي لا ترضاك، وأنها مخطوبة لأمير سواك، وهي أجابته للطلب، وعن قريب يتم لها الأرب.
عزيز (لنفسه) : اختارت سواي وأجابته للطلب! ما هذا العطب؟! آه يا خائنة! لا، عزيزة ليست مائنة، وإنما هي دسيسة من أخيها الختال، وستكشف لنا حقيقة الحال.
نديم (لعزيز) : وحينئذٍ فلم يبقَ لجنابك بنا علاقة، ولم يبقَ لنا على تحمل أثقالك طاقة.
ليلى (لنديم) : ما هذه الحال يا نديم؟ وكيف تخاطب عزيزًا بهذا الكلام الأليم مع أنه أخلص النصيحة إليك، وقلبه يا ولدي عليك؟!
نديم (لليلى) : دعيني من هذا الهذيان، وها أنا متوجه لأصحابي في الحان.
هيا إلى حان الخمور
تلقى بها كل السرور
واشرب وأنت بها فخور
فالحظ فيها والحبور

(ثم يخرج نديم.)

ليلى (لعزيز) : لقد أغلظت على نديم في الكلام، وهو لطيف المزاج لا يتحمل كثرة الكلام.
عزيز (لليلى) : إذا كنت على مزاج ولدك ضنية، فما ذنب عزيزة المسكينة؟!
ليلى (لعزيز) : نحن أقرب منك إليها، والذي يجري علينا يجري عليها. فاشتغل بنفسك يا عزيز، وإلا تكن عندنا غير عزيز، وإني متوجهة لمنزل أحد الأصدقاء، والبيت بيتك فامكث فيه ما تشاء.

(ثم تخرج ليلى.)

عزيز (لنفسه) : إذا جهلت واجباتها الأمهات، فالويل ثم الويل للعائلات. فرحمة الله عليك يا رشيد، لقد خلَّفت من بعدك خلفًا غير رشيد، ويا ليت شعري والآمال عزيزة، كيف تصير حالتي والسيدة عزيزة؟!
عزيزة الروح هل يدنو تلاقينا
أم الزمان بنار البُعد يصلينا
من بعد ما كانت الآمال تجمعنا
أضحى التنائي بديلًا من تدانينا
تحكم اليوم أهلوك عليك وقد
مات الذي كان بالآمال يرضينا

(وفي أثناء الإنشاد تدخل عزيزة.)

عزيزة (لعزيز) :
دعِ البكاء فليس النوح يكفينا
ولا العويل على ما فات يغنينا
وانظر مليًّا لما يأتي الزمان وهل
تموت بالبعد أم بالقرب يحيينا
ضاعت بفعل أخي ويلاه ثروتنا
والعز راح وخانتنا معالينا
كنا وأعداؤنا نرجو محبتنا
والآن أصحابنا صارت تعادينا
وما كفت كل هذه النائبات أخي
حتى غدا اليوم يسعى في تنائينا
ويحي ووالدتي أمست تساعده
قُل لي عزيز فماذا صار يرضينا
يا ليتني قبل هذا كنت مِت ولا
أرى زمانًا به ضاعت أمانينا
عزيز (لعزيزة) : لا تجزعي يا ربة الكمال، فدوام الحال من المحال، واعلمي أن فقد الغنى، لا يلزم عليه فقد المنى. فرُب غني ذليل، وفقير جليل، والإنسان بكماله، لا بكثرة ماله.
لا تأسفي من زوال الجاه والرُّتب
أو من زوال لجين راح أو ذهب
فالمال مكتسب والعز مرتجع
إذا النفوس وقاها الله من عطب
واعلمي أنه إذا وقع ما لم يكن في الحسبان، وجفتنا الأهل والخلان فإني آخذك رغم كل بعيد وقريب، وأسير بك في كلاءة الله القريب، ولنا في ذلك شِرعة مندوحة، وأبواب الله للقاصدين مفتوحة.
عزيزة (لعزيز) : من بعد العز والقربة، أبيت في الذل والغربة! وبعد بيت الصدارة والإمارة، أصبح يا ويلاه هاربة فرارة، والموت الحِمام! أدركني يا سلام.
ليت المنايا تُباع
لبائس يبتغيها
تكون نعم المتاع
يا مهجتي فأشتريها
عزيز (لعزيزة) : هوِّني عليك أيتها الحبيبة. فألطاف الله بعباده قريبة، ولا تكرهي بغير سبب الحياة، ولا تيأسي من روح الله، وعن إذنك أذهب الآن لتدبير ما يعنينا. فعندي من الثروة الوافرة ما يكفينا.
كوني عزيزة في أمان
فهمتي فوق الزمان
حر ولكن للحسان
عبد وأهوى من عبد

•••

دومي على عهد الكرام
فإنني نعم الهمام
أحميك من هول الصدام
إن عزَّ في الناس المدد

(ثم تخرج عزيزة من جهة وعزيز يخرج من جهة أخرى، وتكشف ستارة عن المنظر الثاني.)

المنظر الثاني

(تنكشف الستارة عن حانة خمَّار وفيها صاحبها الخواجة باولو وخادمه جورجي وروزة وصوفيا بيراريات، وخمس ترابيزات وجالس على إحداها نديم ومعه أصحابه عامر ولطفي والشيخ عبود، وجالس بجانب نديم كل من روزة وصوفيا وكلهم ينشدون هذا الدور.)

مذهب

يا وردتين في الجنينة
يا جمالهم سوا

دور

جاني وعرض
يشكو المرض
ولا ليش غرض
ولا لوش دوا

مذهب

يا وردتين في الجنينة
يا جمالهم سوا

دور

غضب وقام
ورجع قوام
ضم القوم
ولا ليش هوى

مذهب

يا وردتين في الجنينة
يا جمالهم سوا
نديم (لباولو) : دور كونياك يا باولو.
باولو (لنديم) : حاضر يا سعادة الأمير عشرة كونياك.
روزة (لنديم) : هات لي قزازة شمبانية.
نديم (لروزة) : حاضر يا روحي. هات يا باولو عشرين شمبانية .

(ثم يدخل جورجي ومعه الكونياك.)

(ثم يخرج باولو لإحضار الشمبانية.)

صوفيا (لنديم) : هات لي أنا كمان وسكي.
نديم (لصوفيا) : حاضر يا عيوني هات يا باولو عشرة وسكي.

(ثم يدخل باولو بالشمبانية ويشربونه.)

(ثم يخرج جورجي لإحضار الوسكي.)

(ثم تدنو صوفيا وتأخذ الدبوس الألماس من صدر نديم وتوضعه في صدرها وتقول):

صوفيا (لنديم) : مش لطيف هنا؟ انظر يا حبيبي.
نديم (لصوفيا) : آه يا طرب عال بوسة.
صوفيا (لنديم) : اسكت أحسن رفيقي سيحضر وإن شافنا يموتنا.

(ثم يدخل باولو بالوسكي ويشربونه.)

(ثم إن روزة تمسك يد نديم وتنزع خاتمه وتلبسه وتقول):

روزة (لنديم) : شوف يا روحي كويس كده؟
نديم (لروزة) : في إيدك أحسن يا نور العيون هاتي بوسة.
روزة (لنديم) : البوسة بماية جنيه.
نديم (لروزة) : ها ها غالي والطلب رخيص يا باشا، خدي ورقة بنك بماية جنيه.

(ثم يعطيها ورقة وهي تعطيها لباولو ويقرأها سرًّا.)

باولو (لروزة) : هذه بألف جنيه يا بختك يا روزة!
روزة (لباولو) : أحسن من عينه.
عبود (لباولو) : هات لنا دور زبيب خلينا ننحظ ربنا يُبقي سيدنا نديم.

(ثم يخرج جورجي لإحضار الزبيب.)

(ثم يدخل حشمت وراغب ويجلسان على ترابيزة وتقابلهما روزة.)

راغب (لروزة) : هاتي اثنين كونياك.
روزة (لراغب) : وأنا واحد برمود.
راغب (لروزة) : طيب يا غزال.

(ثم تخرج روزة لإحضار الكونياك.)

(ثم يدخل شخص فلاح اسمه عمار.)

عمار (لباولو) : مسيك بالخير يا خواجة، تعالي يا بنت.

(ثم تأتي إليه صوفيا.)

عمار (لصوفيا) : هاتي واحد … اسمه … اسمه … جاتو داهية اسمه زبيب.

(ثم تتوجَّه صوفيا.)

(ثم تأتي روزة بالكونياك لراغب.)

راغب (لروزة) : يا سلام ما فيش كده جمال!

(ثم تدخل صوفيا بالزبيب لعمار.)

حشمت (لصوفيا) : تعالي هنا يا صوفيا.
عمار (لحشمت) : عيب عليك يا أفندي اقعدي يا بنت هنا.
حشمت (لعمار) : طز يا سي الشيخ.
عمار (لحشمت) : طز في عينيك يا غاير، الواحد منكم جعان في داره وبييجي يتفنجص في الخمارة، جاتكم غارة.

(ثم ينشدونه هذه الأدوار):

املا لي أقداحي
من سلاف الراح
واسقني يا صاح
فالحبيب عندي
يا سبب سعدي
يا أخا النداما
اسقني المداما
واترك الملاما
فالحبيب عندي
يا سبب سعدي
راغب (لحشمت) : خليها ألا فرانكة. كل واحد على حسابه.
حشمت (لراغب) : خليك ذوق. خليك وطني. ما لنا وألا لفرنكة.
عمار (لحشمت) : وسكي وعرقي وكونياك ونسوان ووقوف حال وغفلة مطبقة ثم تقول وطني!

(ثم يدخل الخواجة إبراهيم الصراف ويجلس على كرسي.)

إبراهيم (لباولو) : ليلتك سعيدة يا خواجة باولو.
باولو (لإبراهيم) : ليلتك حظ ها هو صاحبك.

(ويشير لنديم)

نديم (لإبراهيم) : سعيدة يا خواجة إبراهيم.
إبراهيم (لنديم) : سعيدة يا سعادة الأمير.
نديم (لباولو) : أعطي الخواجة جميع مشروبه على حسابي.

(ثم يخرج جورجي لإحضار المشروب.)

باولو (لنديم) : لعل سعادتك فاكر الحساب؟
نديم (لباولو) : قدر إيه؟
باولو (لنديم) : عشرة آلاف فرنك.
نديم (لباولو) : غور. بس كده، هات دور للجميع في محبة الخواجة إبراهيم.
إبراهيم (لنديم) : ربنا يطولي عمر سعادتك يا فنجري يا أبو جيبين.

(ثم يخرج جورجي.)

نديم (لباولو) : شوف حساب جميع الموجودين على حسابي.

(ثم إن باولو يُخرِج ورقة من جيبه ويقول):

باولو (لنديم) : جميع الحساب ثمانية عشر ألف فرنك برسماله بما فيه لعب القمار الليلة الماضية.
نديم (لإبراهيم) : أعطيه يا خواجة إبراهيم المبلغ المذكور وألف فرنك بقشيش.
إبراهيم (لنديم) : أمرك يا مولاي، وفقط يلزم تأمين للبنك على المبلغ والفرط.
نديم (لإبراهيم) : اكتب رهنية بالأملاك الباقية
إبراهيم (لنديم) : اختم هذه الورقة على بياض، وبعدين نكتبها على مهلنا والدار أمان.

(ثم نديم يطلع الختم من جيبه ويعطيه لإبراهيم.)

نديم (لإبراهيم) : خذ واختم بأمانة ربنا.

(ثم إن إبراهيم يأخذ الختم ويختم جملة أوراق ثم يسلمه لنديم.)

إبراهيم (لنديم) : عن إذن سعادتك أتوجه البنك لإحضار المبلغ.

(ثم يخرج إبراهيم.)

(ثم يدخل باولو بالمشروبات.)

باولو (لنديم) : الخواجة إبراهيم أخبرني أنه لا يعود هذه الليلة.
نديم (لباولو) : خليه للصبح.
باولو (لنديم) : لا تخرج من هنا حتى تدفع الحساب.
نديم (لباولو) : أنام عندك للصباح.

(ثم يرتمي نديم على الأرض بغاية السُّكر ويتهوع.)

(ثم إن الجميع ينشدونه هذه الأدوار.)

الجميع :
نديم سَكر وصَبح بالهم
وصار بتفليسه في غم
روزة :
وكم أقول لك يا ابن الناس
فُضك من التبذير والكاس
واوعَ لنفسك والأنفاس
واصحى من الغفلة يا دم

•••

ضيعت مالك في الإسراف
بين الخمورجي والصراف
ما هكذا فعل الأشراف
ابكي على روحك واندم
الجميع :
يا رب عفوًا يا غفار
عما اجترمنا من أوزار
واستر علينا يا ستار
فأنت بالجاني أرحم
(ثم تنزل الستارة ويتم الفصل الأول.)

الفصل الثاني

(وفيه منظران)

المنظر الأول

(تنكشف الستارة عن منزل نديم بغاية الحقارة، وفيه نديم وأخته عزيزة ووالدتها الأميرة ليلى لابسين ملابس رثَّة.)

نديم (لليلى) :
ألا موت يُباع فأشتريه
لكي أنجو من العيش الكريه
وفي الآخرة أرى عيشًا هنيئًا
فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس حر
يهاديني بموت أجتبيه
ولكن ما رأينا قَط خلًّا
تصدق بالوفاء على أخيه
ما أصعب الفقر بعد الغنا، والذل بعد العز! من بعد ما كنا نتقلب في الخز والديباج، وننعم على الراجين بالذهب الوهاج، أصبحنا نتقلب على التراب، وجفتنا الأهل والأصحاب. لا نملك قوت يوم، ولا نعرف طعم نوم.
حكم الدهر علينا بالمصاب
آه من حكم الزمان
ليتني مِت ولا هذا العذاب
ربنا هبنا الأمان
قاتل الله النساء والندمان، فإنهم حبائل الغواية والشيطان. خرَّب الله القهاوي والحانات، فإنها صواعق الخراب المهلكات. دمَّر الله أماكن المقامرة، فإنها صفقة الدمار الخاسرة.

(ثم يبكي)

ليلى (لنديم) : ماذا يغني عنا الآن دمع العين، بعد ما حرقت يا نديم الأخضرين؟! فرِحت في موت أبيك، ونبذت نصيحة ناصحيك. فقُل لي ما ذنب النساء والندمان، وأنت الذي اخترت من بينهم كل شيطانة وشيطان؟! ولماذا تسُبُّ الحانات، وأماكن المقامرات؟! فهل جاءت بك إليها قهرًا، أم جذبتك لديها قسرًا؟! كلا، بل أنت الذي مشيت لها على قدميك، وسعيت إليها على عينيك كما يسعى للنار الفراش، ويحترق بها وهو منها في انتعاش. فعاتب نفسك ولا تعاتب الأيام، وابكِ علينا يا نديم بكاء الحِمام.
نديم (لليلى) :
اغفروا لي أيها الناس الكرام
ما جنت ظلمًا يداي
أنت يا أماه أسباب الخصام
حيث طاوعت هواي
ليلى (لنديم) :
ما كفاك ما جنيته علينا
حتى ترسل سهام لومك إلينا
وإذا كنت وفيَّ العهد في زعمك، كيف ساغ لك تبديد أموال أختك وأمك؟! فاخسأ يا عبد الشهوة، ويا عديم المروءة والنخوة.
ويا ليتك كنت من العذارى
خير من أن تكون من السكارى
نديم (لليلى) :
راحت الدنيا ورحنا والسلام
وتجلَّى السعد غاب
ليلى (لنديم) :
أنت أسباب البلايا والخصام
أنت ينبوع المصاب
نديم (لليلى) :
تتبرئين اليوم من السكارى
وأنت كنت خازنة خموري
وتسبينني الآن يا أمي جهارًا، وأنت كنت عوني على أموري؟! ما أضر الأمهات الجاهلات، على البنين والبنات! فرحمة الله عليك يا والدي الحبيب. لقد أصبحنا بعدك في ذل وتنكيب.

(ثم يبكي)

عزيزة (لنديم) :
يا شقيقي ماذا يفيد البكاء
بعد ما حاق بالنفوس البلاء
ذهب المال والسعادة ولَّت
وتوالت بضيمها النكباء
بكت الشامتون حزنًا علينا
ويح حر تبكي له الأعداء
ليس غير التسليم لله شيء
فهو يقضي في خلقه ما يشاء
نديم (لعزيزة) : آه يا عزيزة! ماذا أفعل؟ إلى أين أذهب؟
ضاقت بوجهي الكائنات بأسرها
وذهلت حتى لست أدري ما بيا
صبت عليَّ مصائب لو أنها
صبت على الأيام صرن لياليا
عزيزة (لنديم) : إني سمعتك الآن تندب أيام أبيك ونضرة جمالها، وفي الحقيقة لا يعرف الإنسان قيمة النعمة إلا بعد زوالها، واعلم يا أخي أن الأمير صِديقًا كان الصديق الوحيد لأبيك، وقد أوصاه عليك وعلى ذويك، ولا أظنك نسيت وصية والدنا الهمام، وقوله لنا وهو يعالج سكرات الحِمام، إذا رماكم الدهر بالضيق، فعليكم بصديق صديق. فأرجوك أن تتوجَّه إليه وتعرض حالنا يا أخي عليه، عساه يمن علينا، أو يوصل من خيراته إلينا.
نديم (لعزيزة) : بأي وجه أتوجه إليه؟ وبأية هيئة أُقبِل عليه؟ أبهذه الثياب البالية بعد ثياب السندس والحرير؟! أم بهذه الأقدام الحافية، التي كانت تطأ التخت والسرير؟!
ليلى (لنديم) : إن للضرورة أحكام، واللبيب مَن دَار مع الأيام. فاسمع قول أختك يا نديم، وبادر لهذا الصديق الحميم، وأسرع إلينا يا ولدي في الرجوع، فقد أحرقنا الظمأ وأنهكنا الجوع.
نديم (ليلى) :
كيف يا أماه أمضي
هكذا عند الأمير
ليتني يا رب أقضي
قبل ميعاد المسير
عزيزة (لنديم) :
يا نديم اذهب إليه
إنه نعم الصديق
فعسى تلقى لديه
حسن تفريج المضيق
الجميع :
رب هبنا حسن صبر
منك يرضي القاصدين
واجعل العقبى لخير
يا إله العالمين
(ثم يخرج نديم من جهة وعزيزة من جهة أخرى، وتنكشف الستارة عن المنظر الثاني.)

المنظر الثاني

(تنكشف الستارة عن منزل الأمير صدِّيق جالسًا مع ولده عزيز، وصالح البواب واقف على الباب.)

صديق (لعزيز) :
إذا كنت في نعمة فارعها
بحسن اقتصاد يقيك العدم
وداني الحلال ونائي الحرام
فإن المعاصي تُزيل النعم
وداوم عليها بشكر الإله
يزدك بحسن الرضا والكرم
وخف نقمة الله أن تعصه
فإن الإله شديد النقم
إني ليحزنني يا والدي ما سمعته عن نديم، وما حلَّ به وأهله من الكرب العظيم. فإنه بعد أن مات والده وا أسفاه! أطاع شيطانه واتخذ إلهه هواه، حتى نفدت ثروته، وما أغنت عنه سكرته. فيا أسفي عليك يا حبيبي رشيد، وما حل بعد موتك ببيتك المجيد! نسأل الله أن ينجينا من المهالك، وأن يحفظك يا ولدي بعد موتي من مثل ذلك.
عزيز (لصديق) : هل حالة نديم بلغت سيدي الآن؟ أم علمتم بها منذ أزمان؟
صديق (لعزيز) : إني عالم بظاهره وخافيه، من عهد موت المرحوم أبيه.
عزيز (لصديق) : وكيف تركتهم يا والدي على هذه الحال، حتى أفضت بهم إلى التعاسة والوبال؟!
صديق (لعزيز) : اعلم يا ولدي أني طالما بعثت لنديم بأنواع النصائح، وهو يقابلها بالجفاء وأنواع الفضائح، حتى عجزت عن نهيه وتقويم نهاه، وقلت إنما الهدى هدى الله؛ وذلك لأن للمعاصي لذة في نفوس المتاعيس، ينجذبون إليها انجذاب الحديد للمغناطيس، ولا تكاد نفوسهم تنفك عن تلك اللذة القتالة، إلا بقوة مؤثرة فعَّالة، وما رأينا قوة مؤثرة على الإنسان، أشد من قوة حكم الزمان، وناهيك ما ورد في أمثال العوام، مَن لم يُربِّه أبواه ربَّته الليالي والأيام.
عزيز (لصديق) : قلتم يا سيدي إن نديمًا نفدت ثروته، وما أغنت عنه سكرته. فهو والحال هكذا مستحق لرحمتكم، ومديد المساعدة إليه من حضرتكم.
صديق (لعزيز) : ها هو صاحبك نديم مقبل من بعيد، في حالة يلين لها الحديد، وما أخاله إلا جاء طامعًا في الهبات، ولكن هيهات ثم هيهات.
عزيز (لصديق) : عامِله يا والدي بعنايتك، واشمله فديتك برعايتك.
صديق (للبواب) : لا تأذن يا بواب لذاك الغلام، وعامِله بالغلظة وعدم الاحتشام.

(ثم يدخل نديم قليلًا.)

صالح (لنديم) : من أنت أيها الغلام الحقير؟ وكيف تجاسرت على الدخول بمنزل الأمير؟
نديم (لصالح) : لا تؤاخذني يا حضرة البواب؛ لأني من محاسيب هذا الرِّحاب.
صالح (لنديم) : اسكت يا أرذل الغلمان، فأنت أحقر من الوصول لهذا المكان.
نديم (لصالح) : تأدب أيها العنيد، فإني ابن الصدر الأكرم رشيد.
صالح (لنديم) : وهل أنت يا عديم الأدب، تتوصل لذلك الحسب؟
صديق (لصالح) : من هذا يا حاج صالح؟
صالح (لصديق) : هذا غلام كما أراه طالح.
نديم (لصديق) : بل أنا ولدك نديم يا مولاي.
صديق (لنديم) : اذهب واتخذ لك والدًا سواي، فخيبة الله عليك وعلى أمثالك، وعلى كل من يجاريك في أفعالك.
نديم (لصديق) : اغفر لي يا مولاي فالكريم من غفر، وارحموا عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر.
صديق (لنديم) : أنت الذي أفقرت نفسك بسوء فعلك، وجلبت البلاء على ذاتك وأهلك.
نديم (لصديق) :
هبني أسأت فأين العفو والكرم
والله يقبل مَن تابوا ومَن ندموا
فارحم خضوعي واذكر يا أمير أبي
إن الكرام إذا ما استُرحِموا رحموا
صديق (لنديم) : نحن إنما نرحم مَن يصاب اضطرارًا بالقضاء المقدور، لا مَن يصيب نفسه مثلك بالفسق والفجور. فانصرف يا جبان من هذا المكان، مسخوطًا عليك من الله ومن كل إنسان.

(ثم إن البواب يدفع نديمًا بقوة للخارج حتى يقع على الأرض.)

نديم (لنفسه) : انقطعت آمالنا يا رب إلا منك، وخاب رجاؤنا يا حق إلا فيك.

(ثم يخرج نديم بالكلية.)

عزيز (لصديق) : كنت أتمنى يا والدي أن تقابله بحلمك، وتعامله بعفوفك وكرمك، وإن لم يكن لأجل نفسه الحزينة، فليكن لأجل أمه وأخته المسكينة.
صديق (لعزيز) : لا تعترض على أبيك يا عزيز، وإلا حرمتك من التعزيز؛ لأنك جاهل بمواضع الحلم. فلا تسألني ما ليس لك به علم، وقُل لي مَن يضمن لنا أن نديمًا أقلع عن هواه، وأنه تاب وأصلح وأناب إلى الله، وما أدراك أنه إنما تاب من ضيق ذات اليد، حتى إذا عادت إليه ثروته عاد إلى قديم العهد.
يقول أخو الندامى مذ رآني
عفيفًا منذ حين ما شربت
على يد أي شيخ تبت قل لي
فقلت على يد التفليس تبت
فاحذر أن تفوه بكلمة من شفتيك؛ فإن أعمال والدك لحكمة تخفى عليك، واعلم يا ولدي أنك بعد ما أبصرت حالة نديم بعينك، سيكون الله شهيدًا بيني وبينك، فإن عهدي بالموت أجله قريب، ويضحك عدو ويبكي حبيب. فإن شئت أن تكون مثله، فافعل يا عزيز فعله، وإن شئت أن تكون عظيم الجناب، موقَّرًا عند الأعداء والأحباب، فاجعل تقوى الله نصب عينيك، وهو سبحانه وتعالى خليفتى عليك.

(ثم يخرج صديق وعزيز وتنزل الستارة على منزل صديق وترجع الحال لمنزل نديم، ثم يدخل نديم.)

نديم (لنفسه) : انقطعت آمالنا يا رب إلا منك، وخاب رجاؤنا يا حق إلا فيك.
يا رب عفوًا ضاق بي رحب الفضا
والطف بنا فيما يجيء به القضا
واصفح عن الجاني ووفِّقني لما
يرضيك في الآتي ويكفي ما مضى
وارحم نفوسًا أسلمت لك أو فجُد
بوفاتها إن كان فيه لك الرضا

(ثم تدخل ليلى وعزيزة.)

ليلى (لنديم) : ولدي، ماذا أصابك يا نديم؟ آه ما هذا البلاء العظيم؟ أخبرنا بما حصل، وما الذي بك الأمير فعل.
نديم (لليلى) : اندبيني يا أماه، نوحي عليَّ يا أختاه. خانتنا الأيام والأحباب، وتقطَّعت دوننا جميع الأسباب.
أماه صارت بالأسى أيامنا
سودًا تسيء وكان ليلي أبيضًا
أماه عادانا الصدِّيق ولم يكن
يا رب غيرك راحمًا ومعوِّضًا
عزيزة (لنديم) :
أخبرنا يا نديم بما جرى
ويكفينا من دمع العين ما جرى
نديم (لعزيزة) : طردني يا أختي الأمير، وشدَّد عليَّ النكير، وضاعت منه الشفقة والنخوة، وعاملني بكل جفوة وقسوة، وجفا الخليل الخليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
عزيزة (لنديم) : وهل كان عزيز هناك؟
نديم (لعزيزة) : نعم، وكان في غاية الارتباك.
عزيزة (لنديم) : آه! ما هذا الهلاك!
ليلى (لعزيزة) : ألم يكن في الوجود إله؟!
عزيزة (لليلى) : نعم … هو الله … هو الله.
ليلى (لعزيزة) : ألم يكن عالمًا بالضمائر؟!
عزيزة (لليلى) : نعم ويعلم ما تخفي السرائر.
ليلى (لعزيزة) : أليس هو الفعَّال بمراده؟!
نديم (لليلى) : نعم وهو القاهر فوق عباده.
ليلى (لعزيزة) : فلماذا لا نبتهل إليه، ونخلص في الاتكال عليه؟!

(ثم يجثون على الركب وينشدون هذه الأدوار):

رَبِّ إن الزمان أضنانا
بوفاة الأمير
فأغثنا فأنت مولانا
ولديك النصير

•••

ربِّ إن الصديق عادانا
وتجافى نديم
فأنلنا بالفضل إحسانا
أنت أنت الرحيم

•••

ربِّ هبنا للخير إرشادا
وأنلنا الرضاء
وأدِم من لدنك إمدادا
يا مجيب الدعاء

(ثم يُطرق الباب مرارًا فيقفون جميعًا منذهلين.)

ليلى (لنديم) : مَن هذا الطارق؟
نديم (لليلى) : لست أدري يا أماه.
عزيزة (لنديم) : اذهب وانظر يا نديم.

(ثم يخرج نديم.)

ليلى (لعزيزة) :
مَن يا تُرى يطرق علينا الباب
رحمتك اللهم يا مفتِّح الأبواب
عزيزة (لليلى) : من أين يأتي لنا الفرج يا أماه؟!
ليلى (لعزيزة) : لا تقنطي يا ابنتي من روح الله.

(ثم يدخل نديم.)

نديم (لليلى) : إن الطارق امرأة عجوز مغربية، يلوح عليها الوقار والأمرية.

(ثم تدخل امرأة عجوز ملثمة الوجه وخلفها خادم يحمل خرجًا ثم تجلس.)

العجوز (لليلى) : أسعد الله أوقاتكم يا أولادي.
ليلى (للعجوز) : وأنت سعدت يا ذات الأيادي.
العجوز (لليلى) : أليس هذا منزل الأمير رشيد؟ أم أخطأ ظني لأن عهدي به بعيد؟
ليلى (للعجوز) : نعم يا سيدتي هو منزل رشيد رحمه الله، وقد انتقل منذ عام إلى جوار الله.
العجوز (لليلى) : وا أسفاه عليك أيها الأمير الماجد! وا حسرتاه عليك يا كهف العافي وذخر القاصد! وهل أنت يا سيدتي زوجته، وهذا ولده وهذه ابنته؟
ليلى (للعجوز) : نعم يا سيدتي نحن كما تقولين، وأنت ماذا الذي تبتغين؟
العجوز (لليلى) : وأين تلك البدور السافرة، والوجوه الناضرة؟ أين بيت الوزارة ومنزل العز والإمارة؟ أين الخيل المسومة والأنعام؟ هل فقدتم كل ذلك في مدة عام؟
ليلى (للعجوز) : لا عجب ولا التباس، وتلك الأيام نداولها بين الناس. فأخبرينا يا سيدتي بالغرض ولا تزيدينا مرضًا على مرض.
العجوز (لليلى) : اعلموا أن اسمي مباركة وبلدي طرابلس الغرب، وكان المرحوم لي من أعظم الأصدقاء والصحب، ولي عادة في كل ثلاثة أعوام، أن أحج بيت الله الحرام، ولست أملك من دنياي غير هذي العشرة آلاف دينار … (وتشير للخرج) وهذين العقدين وثمنهما خمسة آلاف دينار (وتخرجهما من جيبها) ولم يكن لي أهل ولا ولد، ولا وثقت غير أبيكم بأحد.
عزيزة (للعجوز) : رحمة الله عليه وعلى أيامه، ويا ليتنا متنا تحت أقدامه.
العجوز (لليلى) : وكنت كلما قصدت الحج الأكبر، أجعل زيارة أبيكم حجي الأصغر، وأسلمه أموالي على طريق الأمانة، بغير كتابة عليه ولا ضمانة، وعند عودتي أزوره وأسلم عليه، ويسلمني أمانتي التي كانت لديه، ولكوني عزمت على الحج هذه السنة، قصدت زيارته كعادتي المستحسنة، فوجدته اختار دار النعيم، في جوار الرب الكريم.
ليلى (للعجوز) : لا تعجبي يا سيدتي مما جرى، فهذه سنة الله في الورى.
العجوز (لنديم) : وحيث إني لست ممن تغيرهم الحوادث، أو تزعزعهم الكوارث، فإني أسلمك يا ولدي هذه الأمانة بأمان، وليس لي عليكم غير الصداقة ضمان، غير أن النفس ميَّالة للازدياد، وأراك الآن مفتقرًا للاجتهاد. فإذا وجدت تجارة لن تبور ومكاسب عن الحلال لا تجور، فإني أجيزك يا نديم بالإتجار في الحال، بهذا المال الطاهر الحلال.

(ثم إنها تسلمه الخرج والعقدين.)

نديم (لمباركة) : وا فرحتاه! وهل تجيزين ذلك يا أماه؟
مباركة (لنديم) : نعم، واحفظ لي رأس المال مع ثلث الأرباح، وما عدا ذلك فهو لك مباح، ولا تنم عن عملك أيها الهمام، فما أبعد الخير على الرجل النوَّام، والزم تقوى الله فإنها تساعدك. هكذا كان يفعل المرحوم والدك.
نديم (لمباركة) : لو كنا اتبعنا طريقه المستقيم، ما وقعنا في هذا البلاء الأليم.
مباركة (لنديم) : دع ذكرى ما فات، واعمل لما هو آت، وبادر لمبيع العقدين، واستلم من المشتري النقدين، وعجِّل بمشترى ما تجده من الغلة والحب، وسافر بها للعراق؛ لأنها في دأب وجدب، ثم اصطحب بضاعة هناك إلى هنا؛ ليزداد لك بالمكاسب الهنا، واحفظ نفسك يا ولدي من كل شين، فإنه لا يُلدغ المرء من جحر مرتين.
نديم (لمباركة) : جزاك الله يا سيدتي خيرًا، ولا أراك الزمان ضيرًا، وها أنا ذاهب لتنفيذ أمرك بالصيانة، مستمدًّا من الله التوفيق والإعانة.

(ثم يخرج نديم بالمال والجواهر.)

مباركة (لليلى) :
لا تبتئسي يا أميرة بما صار
فما أعجب تقلب الليل والنهار
لا تجزعي واستقبلي بالرضا
طوارئ الليل وبؤس النهار
فالصبر أولى بوقار الفتى
من جزع يهتك ستر الوقار
ويوشك أن يزول الحرج
والصبر يا أختي مفتاح الفرج
عزيزة (لمباركة) : من أين لنا الفرج وقد جفتنا الأخلاء، ورثت رحمةً بنا الأعداء؟!
مباركة (لعزيزة) : هوني عليك يا عزيزة، فأنت ما زلت على محبك عزيزة، ومن كان مثلك بهذا الجمال، والتحلي بصفات الكمال، لا يشينه الفقر، ولا يوحشه القفر.

(ثم إن مباركة تُخرِج من جيبها حُقًّا فيه قرط من الجوهر.)

واعلمي يا عزيزة أني ورثت هذا القرط عن أجدادي، ولا يوجد مثله في بلادكم وبلادي. يكاد سناه يأخذ بالأبصار، وثمنه علينا ألف دينار، وأني ليس لي بنت ولا ولد، فأنت أولى به من كل أحد، وقد وهبتك يا عزيزة إياه، فاقبليه مني على بركة الله.
ليلى (لمباركة) : لك الشكر يا سيدتي على هذا الإحسان، ويا ليت لنا قدرة على مكافأتك الآن.
مباركة (لليلى) : اشكري يا صديقتي الله وحده؛ فهو الذي بالصواب يلهم عبده، وقد آن يا أعزتي أوان الرحيل، وعلى الله سبحانه قصد السبيل، وأرجوكم تبليغ تحياتي والتسليم، إلى ولدي العزيز نديم، وقولا له إني مضيت لشأني، ولا يبحث عني فإنه لا يراني، وذكِّراه بنصيحتي والوصية. متعكم الله بالعيشة الهنية.

(ثم تودعهما وتخرج.)

ليلى (لعزيزة) : ما أظن هذه السيدة الفاضلة، إلا من أولياء الله الواصلة، أو أنها روح أبيك أرسلها الله إلينا، وأفاضت هذه النعم علينا.

(ثم يدخل نديم.)

نديم (لليلى) : أين السيدة مباركة المغربية؟
ليلى (لنديم) : قد سافرت إلى طريقها الحجازية، وأمرتنا بوصية مقتضاها ألا تبحث عليها فإنك لن تراها.
نديم (لليلى) : وماذا تقولين في قدوم هذه السيدة علينا، ومن أي طريق أرسلها الله إلينا؟
ليلى (لنديم) : إذا أخلص العبد لله، خلصه بفضله ونجَّاه، ولا تسل عما كان فلله سر مكنون، وإذا أراد أمرًا إنما يقول له كن فيكون، وقل لي ماذا صنعت بالمال، وبعقدي الجواهر الغال؟
نديم (لليلى) : لما خرجت من هنا ومعي صندوق الجواهر، اعترضني شاب ملثم الوجه الأزهر، وساومني العقدين بعشرين ألف دينار، وراودني في استلام الجوهر وتسليم النضار، فأجبته في الحال لما طلب، وتم لي ثلاثون ألف من الذهب. فسألني ماذا أصنع بالدنانير، ونصح لي أن أشتري بها غلة بغير تأخير وأن أسافر للأقطار العراقية. فتذكرت حينئذٍ وصية المغربية، وارتاحت نفسي لهذا الإتجار، واشترى لي بضاعة بخمسة وعشرين ألف دينار، وأخذ في تسفيرها بالسفن والمراكب، وصار ينصحني كأعز الحبائب، وعلمني كيف أبيع وأشتري، وقال لي إن سعدي في طالع المشترى، وأوعز لي أن أسافر في هذا اليوم؛ حيث تستعد السفن للسير والعوم. فأصلحت شأني وجهزت لوازمي المعينة، ووضعتها متوكلًا على الله في السفينة.
ليلى (لنديم) : كيف تسافر في الأودية والبحار، وتتركنا يا ولدي في تيار الأفكار؟
نديم (لليلى) : يكفينا يا أماه يكفينا، ما صنعت الأيام فينا، فقد ولَّى زمان الجهل وراح، وانجلى ليل الغفلة بنور الصباح، وخذي هذه الثلاثة آلاف دينار، ويبقى معي ألفان لحاجة الأسفار، وأصلحوا من شئونكم بقدر ما تحتاجون، واسلكوا سبيل الاقتصاد فيما تصرفون، ولا يجتمع يا أمي أحد عليكم، حتى أرجع إن شاء الله إليكم.
عزيزة (لنديم) : أناشدك الله يا أخي أن تنتبه لنفسك وأن تعتبر في يومك بما لاقيت في أمسك، ولا تنسنا يا نديم من المكاتيب، والله يسهل لنا كل أمر عصيب.
نديم (لعزيزة) :
إذا لم أعد في العز كل قديم
فما أنا يا أخت العُلا بنديم
وإن لم أعوِّض كل ما راح فاعلمي
بأني أنا وغد وشر زنيم
وإن لم أزد ما فاته لك والدي
فلست بحر طاهر وكريم
وإن لم أنل ما أبتغيه من السنا
فلست بشهم في الرجال عظيم
عليكم سلام الله ما هبت الصبا
وما فاز بالوجدان كل عديم
عزيزة (لنديم) :
سِر وسافر بالسلامة
ناهجًا نهج السداد
واجتهد تلقى الكرامة
في اقتراب وابتعاد
نديم (لليلى) :
بالدعا يا أم جودي
نحو علام الغيوب
فعسى ينجو وجودي
من عنا هذي الخطوب

(ثم يدخل شاب ملثم الوجه.)

الشاب (لنديم) :
سِر ولا تكثر وداعك
قد كفاكم يا نديم
واجعل التقوى متاعك
ذا صراط مستقيم
نديم (للشاب) :
أنت مبتاع الجواهر
أنت لي شاري الغلال
أنت أستاذ المتاجر
أنت لي رب النوال
الجميع :
ربنا هبنا نجاحًا
منك وامنن بالمرام
واجعل العقبى صلاحًا
وأعطنا حسن الختام
(ثم تنزل الستارة ويتم الفصل الثاني.)

الفصل الثالث

(تنكشف الستارة عن وادي صغير وفيه رجل بدوي اسمه صميدة.)

صميدة (لنفسه) :
حظنا في الوجود قطع الطريق
حين نرمي مَن نلتقي في المضيق
نقتل النفس نسلب المال غصبًا
وشراب الدما كشرب الرحيق

(ثم يدخل جبالي.)

جبالي (لصميدة) : سلام عليك.
صميدة (لجبالي) : سلام عليك.
جبالي (لصميدة) : ماذا تصنع هنا يا صميدة؟
صميدة (لجبالي) : أبحث على غنيمة أو صيدة، وأنت لماذا جئت يا جبالي في هذا المكان الخالي؟
جبالي (لصميدة) : إني أتيت إلى هذا الحدب، بأمر كيلاني شيخ العرب، أجوس خلال الدروب؛ لأظفر من الغنائم بالمطلوب، وقد صادفت هنا أعظم غنيمة، بل هي الدرة اليتيمة.
صميدة (لجبالي) : لعلها القافلة الحصينة التي خرجت من المدينة.
جبالي (لصميدة) : نعم، وأنت كيف عرفتها؟ وأين يا صميدة رمقتها؟
صميدة (لجبالي) : آه يا جبالي! إن هذه القافلة هيَّجت بلبالي؛ لأنها محصنة بالسلاح، وبالجنود ليوث الكفاح.
جبالي (لصميدة) : لا يغرنك رجالها، ولا تهيبك أبطالها؛ فإن علة الهواء الأصفر، أخذت منها حظها الأوفر، وباتوا وليس فيهم للدفاع استعداد، وأصبح الشيخ كيلاني لها بالمرصاد، وحيث إنها أناخت الإظعان، بالقرب من هذا المكان، فها أنا ذاهب إليه لأعرض الأمر عليه، واحفظ أنت يا صميدة هذا الممر، حتى نأتيك كلمح بالبصر.

(ثم يخرج جبالي.)

صميدة (لنفسه) : كيف أحفظ لهم هذه الغنيمة، وهم إذا غنموها طردوني كالبهيمة؟! لا، أبدًا بل أعاكسهم حتى يخرجوا منها صفر اليدين، ونرجع كلنا بخفي حنين.

(ثم يخرج صميدة وترتفع ستارة عن المنظر الثاني.)

المنظر الثاني

(تنكشف الستارة عن أودية وفيها هودج الملكة وبعض الحرس وعددهم عشرة، وبهجت بك حاكم الحملة وشجاع قائد الحملة، وتخرج الملكة وبنتها من الهودج.)

الملكة (للحاكم) : يا بهجت بك.
الحاكم (للملكة) : لبيك وسعديك.
الملكة (للحاكم) : ما لكم وقفتم بنا في هذا المكان؟
الحاكم (للملكة) : لنستريح هُنيهة من الزمان، ونملأ القِرب من تلك الآبار؛ حيث أصبحنا على قرب من الديار.
الملكة (للحاكم) : ما لي لا أرى أدلاء الركبان؟
الحاكم (للملكة) : لعلهم ذهبوا في حاجة ويرجعون الآن.
الملكة (للحاكم) : إني أرى أشباحًا من بعيد، يظهر خيالهم في ذلك الصعيد، وهم في مشيتهم بنا يتآمرون، وكأني بهذا الدرب غير مأمون.
الحاكم (للملكة) : أرجو ألا تكون أفكار جلالتك في اشتغال. فعندنا من الجنود ما يقهر الأبطال.

(ثم يظهر قتال خفيف وراء المرسح.)

الملكة (للحاكم) : آه! إني أراهم هجموا على المعسكر، ونازلوا جندنا والعسكر.

(ثم تُسمع حركة حرب وعراك بالسيوف.)

الحاكم (للملكة) : لا تخافي يا ربة المقام المحمود؛ فإن لدينا من الأبطال ما يرهب الأسود.

(ثم يُسمع ضجيج حرب عنيف وراء المرسح.)

الملكة (للحاكم) : أواه! إن الأشقياء تغلبوا على رجالنا، وأخشى من وصولهم إلى رحالنا.

(ثم يدخل شجاع.)

شجاع (للحاكم) : إن الأعداء فتكوا في عساكرنا، وملكوا يا مولاي جميع دساكرنا.
الحاكم (لشجاع) : اركب يا شجاع ذاك الجواد، وامضِ كالبرق إلى حدود البلاد، وأخبر العامل هناك بما صار، وارجع إلينا بجيش جرار، وإياك يا شجاع والتأخير، فأنت بصير بالحال وخبير.
شجاع (للحاكم) : لا تكن يا همام في تبريح، وسأرجع إليكم كهبوب الريح.

(ثم يخرج شجاع وتظهر حركة رجال.)

الحاكم (للجنود) : احملوا يا حراس سلاحكم، وابذلوا في الدفاع أرواحكم، ولا يهولنكم الحتوف، فالجنة تحت ظلال السيوف.

(ثم يدخل كيلاني ومعه خمسة أشقياء.)

الحاكم (لكيلاني) : إليك يا ابن اللئام، فهذا ركب ملكة الأنام، وقد أدينا فريضة الحج ولله المنن، ونحن الآن راجعون إلى الوطن.
كيلاني (للحاكم) : اسكت يا كلب الرجال؛ فقد أسرنا جيشكم وقتلنا الأبطال. فاترك الكِبر والتيه، وسلِّم لنا الهودج ومَن فيه.

(ثم يبرز القائد ويقول):

الحاكم (لكيلاني) :
اخسأ لقيت الذل يا كلب العرب
من فارس يلقيك في هول العطب
وارجع لعقلك أو أذقناك الوصب
كيلاني (للحاكم) :
خذها حلالًا من حسام كم غلب

(ثم يقع الحاكم جريحًا من طعنة كيلاني.)

الحاكم (للجنود) : إني وقعت في النكال، فاحفظوا الهودج يا أبطال.

(ثم تظهر ضجة ويدخل نديم وأتباعه عشرة، فينكمش كيلاني ويقف ساكنًا.)

نديم (لكيلاني) : كفوا القتال واغمدوا السيوف، وإلا لقيتم منا الحتوف.
ما للمطايا بالنساء قعود
هل خانهن الدهر وهو حقود
ما هذه القتلى وما هذا البلا
والقوم قد أخنت عليها البِيد
ما هذه العربان ما هذا الشقا
والركب فيه مجندل وفقيد
أغنيمة صادفتمو في غفلة
من أهلها أم ربُّها مفقود
كيلاني (لنديم) :
من أين جئت فأنت غير مكرم
إن لم تفز حالًا بنفسك تندم
هذي سبايانا وهذا غنمنا
وافى به حظ النصيب الأكرم
وأولئك القتلى قتلناهم على
عمد لكي نحظى بهذا المغنم
لا حاكم أو رادع أو وازع
أو مكسب غير الشقا للمعدم
فارجع لعقلك يا غلام أو اقتبل
منا الحِمام يخوض في بحر الدم
نديم (لكيلاني) :
خلِّ النساء أو اقتبل من ضيغم
سيفًا يشبح الرأس منك إلى الفم
فأنا نديم ابن الرشيد أخو الوفا
وكما علمت شمائلي وتكرمي
ومتى التقى الصفان يومًا تلقني
أغشى الوغى وأعف عند المغنم
فاحذر لنفسك إن سيفي ماؤه
مر مذاقته كطعم العلقم
كيلاني (لصمصام) : تقدم يا صمصام، واقتل هذا الغلام.
صمصام (لنديم) :
يا غرورًا بنفسه في الضراب
أنت ما زلت في غضون الشباب
اترك الانتساب إنك غِر
ليس تجديك رفعة الانتساب
وارتحل غانمًا بنفسك إنَّا
فخرنا بالحراب لا الأحساب
أو فخذها من ساعد لشجاع
سعده قائم مدى الأحقاب

(ثم يطعن نديم وتخيب الطعنة.)

نديم (لصمصام) :
يا رحى الغاب يا سباع الغاب
هيبة من غضنفر هياب
كم جيوش جندلتها والمنايا
كشرت في الوغى عن الأنياب
يا أخس العربان خذ طعنة من
حد سيف تلقيك تحت التراب

(ثم يتضاربان ونديم يقتل صمصام ويقع قتيلًا.)

القائد (لنديم) : لا شُلت يداك يا نديم، واحفظ فديتك هودج الحريم.
كيلاني (لنديم) : سأخرج بنفسي لهذا الكلب، وأريه كيف يكون الطعن والضرب.
نديم (لكيلاني) : ستعلم مَن الكلب ومَن الضرغام، حين أجندلك بهذا الحسام.

(ثم يخرج كيلاني لقتل نديم.)

كيلاني (لنديم) :
سلِّم سلاحك بالسلامة تظفر
مني ومن حد الحسام الأبتر
لا تحسبن من راح قبلي أنه
مثلي فإني ضيغم القوم الجري
خذ يا جبان بحد سيفي ضربة
تلقيك في جوف الثرى للمحشر

(ثم يهجم على نديم ويضربه وتخيب الضربة.)

نديم (لكيلاني) :
إن كنت تبتاع النفائس فاشتري
يا وغد نفسك من حسام غضنفر
واعلم بأني الفارس العاتي الذي
أحمي الحريم ولا أجور على البري
لا أضربنك غير واحدة على
هون فخذها من يدي يا مفتري

(ثم يطعنه نديم فيموت وتحصل معركة خفية جدًّا بين جماعة كيلاني وجماعة نديم.)

(ثم يظهر نشيد من بعيد وتسكن له المعركة المذكورة وهم نحو عشرين نفر حاملي السيوف، ثم يدخل شجاع بعساكر الملك.)

شجاع (للملكة) :
جئنا لكم جئنا لكم
أرواحنا تُهدى لكم
العسكر :
جئنا لكم جئنا لكم
أرواحنا تُهدى لكم
شجاع (للملكة) :
روحي فداء الهودج
حصن الجلال الأبهج
وافاكم الجيش النحي
جئنا لكم جئنا لكم
يا أيها العرب اللئام
جُرتم على القوم الكرام
ولم يكن فيكم زمام
جئنا لكم جئنا لكم

(ثم تقبض العسكر على جميع الموجودين بما فيهم نديم ويوثقونهم وتخرج الملكة وبنتها من الهودج.)

شجاع (للملكة) : الحمد لله على سلامة جلالتك العلية، وسيدتنا نعمى السَّنية.
الملكة (لشجاع) : أشكر الله وأشكرك يا شجاع، وأثني على جيوشنا ليوث الدفاع، ولكن أين أسد الرجال، وفارس الأبطال، الشهم الكريم، الأمير نديم؟
نديم (للملكة) : لبيك يا صاحبة الفضل الجزيل، وهكذا تكون مقابلة الجميل.
الملكة (لشجاع) : أأسرتموه؟! أأوثقتموه؟! وا خجلتاه! فكُّوه وأحضروا به إليَّ، كلا بل أنا أفكه بيدي.

(ثم تتقدم الملكة وتفكه بيدها.)

الملكة (لنديم) :
أخبرنا يا قاهر الرجال
مَن أنت من الأبطال
نديم (للملكة) :
إني يا غانية رجل فقير
ساقتني إليكم المقادير
شجاع (لنديم) : تأدب يا ذا الفطن، وانظر أنت في حضرة مَن، فإنك في حضرة سلطانة الملك الأسمى، وكريمتها الملكة نعمى.
نعمى (لنديم) : قل لنا يا نديم، أنت من أي بيت عظيم؟ فقد أجادتنا شهامتك، وأسرتنا كرامتك.
نديم (لنعمى) :
إني نديم صاحب العزم الجسور
وأبي رشيد عبدكم صدر الصدور
دارت بنا الأيام والدنيا تدور
يوم شرور بعده يوم سرور

•••

وافى بي الحظ العظيم إلى هنا
بعد التجارة والمكاسب والهنا
فوجدتكم ويلاه في أسر العنا
في يد ناس بالشقاء لهم فجور

•••

فدفعت عنكم خصمكم حق الدفاع
من حيث لم أعرفكم بين البقاع
وفتكت في أعدائكم فتك السباع
حتى ظفرت بهم ويا نعم الظفور
نعمى (لنديم) :
أحسنت في هذي الصنيعة يا نديم
وأجرتنا أنت الكريم ابن الكريم
ولك المحبة عندنا ذخر عظيم
والله يعلم كل ما تخفي الصدور
نديم (لنعمى) :
أنا ضيغم الوادي إذا حم القتال
حر بل الحر الشديد على الرجال
لكنني يا نعمى عبد للجمال
والله يعلم كل ما تخفي الصدور
القائد (للملكة) : إني رأيت أدلاء الركب مع المقتولين ووجدت أحدهم حيًّا مع المأسورين.
الملكة (للقائد) : خذوه مع الأسارى للديار، وهناك يلقون جزاء ما صار.
صميدة (للملكة) : إن أدلاءكم هم الذين دلوا الأشقياء إليكم، واتفقوا مع أعدائكم يا سيدتي عليكم.
الملكة (لنديم) : وا أسفاه لولا انقسامنا على بعضنا، ما وصل الدخيل إلى أرضنا، وهذا جزاء مَن لم ينتقِ الخدم، ويتخير الصالح من الحشم، فيقع منهم في مخالب النفاق، ويا ويح مَن كانت غلته من الرفاق، فكن معنا يا نديم في الأسفار، حتى نصل إلى الديار، ونكافئك على جميلك إلينا، ولو أن مكافأتك تكبر علينا.
نعمى (للملكة) : إن مكافأة هذا الإنسان، لا تكبر على والدي السلطان.

(ثم يقول نديم سرًّا.)

نديم (لنفسه) : أواه! وا حر قلباه! أنقذتكم من أسر المنون، وأسرتني نعمى بسحر العيون.
سبتنا عيون الغيد قسرًا وطالما
فتكنا بآساد الدحال الرواعب
نقاتل أبطال الوغى فنبيدهم
ويقتلنا في السلم لحظ الكواعب
نعمى (لنفسها) : ماذا أرى؟! ماذا أشعر؟! خلصتنا يا نديم من أسر اللئام، وأسرتني بالحب والغرام.
الملكة (لنعمى) : ما هذه الحال يا نعمى، وكيف ذُهلت عن مقامك الأسمى؟!
نعمى (للملكة) : وا عذباه! ارحميني يا أماه، أو اتركيني في هذه البقاع، تأكلني الهوام والسباع، خير لي من، من.
الملكة (لنعمى) : من أي شيء؟
نعمى (للملكة) : من هذا المرض.
الملكة (لنعمى) : قد عرفت يا نعمى الغرض، وسنتلافى هذا الداء، بما ينفعه من الدواء، وإياكِ والهم والطيش، فينغصان عليك لذة العيش، وكِّلي الأمر للمقدور، إن ذلك من عزم الأمور.
القائد (للملكة) : قد استعد الركب للرحيل، على مقتضى أمرك الجليل.
الملكة (للقائد) : سيروا على بركة الله، وله الحمد والشكر على ما أولاه.
نديم (للجيش) : أيها الركاب سيروا للوطن، إننا فزنا ولله المنن.
جاءنا النصر من الله العظيم
وله الحمد على الفضل العميم
ولك الشكر علينا يا كريم
أيها الركبان سيروا للوطن

•••

ربنا هبنا رشادًا في الزمان
واكفنا شرَّ العِدا في كل آن
وأسبل الستر علينا بالأمان
إننا فزنا ولله المنن

الفصل الرابع

(تنكشف الستارة عن سراي السلطان وجالس معه فيها إمام الدولة ووزير الداخلية ووزير العلوم وأربعة حجاب.)

الملك (للوزراء) :
العدل للملك تشييد وعمران
والظلم كم تتداعى منه أركان
والمرء إعجابه بالرأي منقصة
منه عليه والاستبداد خسران
والناس شوراهم بالنفع عائدة
لأنها لصواب الرأي معوان
وقامت الخلفاء الراشدون بها
بالحزم والعزم فاعتزوا وما هانوا
حتى أتت أمم والجهل قائدهم
قد استبدوا فباد العز والشان
آهًا من الظلم كم أفنى الشعوب وكم
أباد ملكًا له مجد وسلطان
رحمانك الله وفقنا لصالحنا
وما يكون به للحقد تبيان
اعلموا أن كل أمة تمتعت بالعدالة، وتبرأت من الظلم والضلالة، كانت هي الراقية لأوج السعادة، الفايزة بالحسنى وزيادة، وهذا يتوقف على تعلم العلوم، من منطوق ومفهوم وبث روح الشريعة المُرضية، وتحكيم الألفة بين الراعي والرعية؛ ليتعاونا حينئذٍ على الإصلاح، وما يكون فيه للأوطان النجاح. أليس الأمر كذلك يا حضرة الإمام؟
الإمام (للملك) : نعم يا سلطان الأنام. إن أعظم باعث على العمران، وتقدم الأمم والأوطان، هو التمسك بالأحكام الدينية، والمحافظة على اللغة الوطنية، ولكني أرى هذين الأمرين، قد اندثر أثرهما والعين، لا سيما أن لغتنا العربية، قد استبدلت باللغات الأعجمية، وهذا أمر استلفت إليه نظر حضرة وزير العلوم ليرضى عنه الله والسلطان والعموم.
الوزير (للإمام) : إن تدريس العلم باللغات الأجنبية، لا ضرر فيه على لغتنا الوطنية؛ لأن لها أوقات مخصوصة في التعليم، يقوم بها كل جهبذ عليم، وقد ورد عن الصادق الأمين، اطلبوا العلم ولو بالصين، وفي هذا إباحة لكل طالب، أن يتعلم بلغة الأجانب، وعلى هذا فلا اعتراض علينا الآن، والرأي الأعلى لمولانا السلطان.
الإمام (للوزير) : نحن لم نقل إن التعليم باللغات الأجنبية، حرام عندنا في الأصول الدينية، ولكنا نجزم بلزوم التعلم بلغة البلاد؛ لما في ذلك من المنفعة والسداد، وأن القوم طالما أخذوا منا كما أخذنا منهم، ونقلوا عنا كما نقلنا عنهم، ولكنهم ترجموه إلى لسانهم، ودرسوه بمنطقهم وبيانهم.
الوزير (للإمام) :
نحن بهذا عالمون
وبالأصلح عاملون
الإمام (للوزير) : كلا بل أنتم تدرسون علم كل أمة بلغاتها، وتقلدون أخلاقها على علاتها، تقليد الأبكم الأعمى. فتعرفون الاسم وتجهلون المسمى، حتى نسينا عوائدنا ولم نحسن تقليد سوانا، وأصبحنا بين أولئك البلابل بومًا وغربانًا.
الوزير (للإمام) :
وما هو الضرر من التقليد
والاقتباس من الشيء المفيد
الإمام (للوزير) : ولماذا نقتصر في التقاليد على ما يضر جمعنا، ونترك من محاسنهم ما هو لازم لنفعنا، وهذه مدارسهم مزدانة بالمعابد، وفيها للتلامذة درجات لكل عابد. فهل في مدارسنا شيء من هذه الرسوم، يا حضرة وزير العلوم؟
الوزير (للإمام) :
إن المعابد والعبادات
من خصائص ديوان الديانات
الإمام (للوزير) : لا تقطع حديثي حتى أتمم بيانه، وقل لي هل عندنا ديوان مختص بالديانة؟ وأناشدك الله هل عندنا مدارس كافية للبنات يتلقين فيها علوم الآداب والصناعات؟ ألم تأخذك الغيرة على بناتنا الأقارب، حين نبعث بهن اضطرارًا إلى مدارس الأجانب؟ وهل ينكر علينا يا حضرة الوزير أحد، أنه بقدر تربية المرأة يكون حفظ المنزل والولد، وهل يوجد محل لهذه المغارس، غير المكاتب والمدارس؟ فهذه فروع أصلها مولانا السلطان، وبقدر اعتداله يعتدل الزمان.
الملك (للوزراء) : وإني أرى وزارة العدلية القاضية بين الخصوم، مفتقرة أيضًا لوزارة العلوم؛ لأن القاضي إن لم يكن عالمًا بالحق في الدعوى فإنه يخبط في أحكامه خبط عشواء، ويظلم معتقدًا أنه حكم بالعدل وهذا كله نتيجة الجهل.
الإمام (للملك) :
فالعلم كما قلنا أساس المُلك
وهو المنجى من الضلالة والهلك
الملك (للوزراء) : واعلموا أن السلطان للرعية بمنزلة الرأس للجسد، والوزارة أعضاؤه الرئيسة فهم نعم السند، ونواب الأمة أوردة دمائها، وأوعية الحياة ومجاري مائها. فإذا أُصلحت الرأس قامت بوظائفها الأعضاء، وإذا اختل عضو منها وقع الرأس في العناء، والنفس الناطقة هي عناية الله. نسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه.

(ثم يدخل حاجب.)

الحاجب (للملك) : على الباب رسول من قبل عامل الحدود.
الملك (للحاجب) : ليأتي.

(ثم يخرج الحاجب.)

الملك (للإمام) : لم يصل إلينا يا حضرة الإمام، أنكم زرتم مدرسة طول هذا العام، مع أن زيارتكم لها يبعثها على الاجتهاد، وتهتدي بهديكم إلى سبيل الرشاد.
الشيخ (للملك) : إني لا أستطيع أن أرى المكاتب مقفلة الأبواب، في وجوه أكثر الطلاب، أو أسمع لفظة «بونجور» في جميع النواح بدل قولنا أسعد الله الصباح، أو أصغي لكلمة «جود نيت» بدل جملة بالخير أمسيت، أو أشاهد كتبًا بلغة الأعجام، هازئة بأئمتنا وأسلافنا الكرام، إلى غير ذلك مما يحملني على السدم، مهما أنا عليه من الشيخوخة والهرم.

(ثم يدخل الرسول.)

الملك (للرسول) : ما وراؤك يا نجاب؟
الرسول (للملك) : هو يا مولاي في هذا الكتاب.

(ثم يأخذ الملك ويقرؤه منزعجًا.)

الملك (للوزراء) : ما هذا الرزء العظيم؟! ما هذا الخطب الجسيم؟! كيف تجاسرت الأشقياء على قتل رجالنا وسبي النساء؟! ألم يخافوا سطوتي؟! ألم يخشوا نقمتي؟! فلا بد من دمارهم وتخريب ديارهم. عليَّ يا وضاح بقواد جيشنا المنتصر، بأقرب من لمح البصر.

(ثم يخرج التشريفاتي.)

بارحي القوس بغتة يا سهامي
واترك الغمد عَنوة يا حسامي
ودعي اللين قسوة يا رماحي
وخذي السحب مركبًا يا خيامي
واسبقي الريح يا جيادي عرايا
لا بسرج يعوقنا ولجام
وذري الآن جسمنا يا دروعي
قد وهبنا أجسامنا للصدام
واتركيني يا رحمتي لانتقامي
وترحَّل عن مهجتي يا سلامي
وهبوا اليوم عمركم يا رجالي
مع عمري إلى فناء الحِمام
وهلموا بنا لنكشف عارًا
من أناس ذوي فساد لئام
أخذوا أهلنا سبايا وخانوا
كل عهد ولم يراعوا ذمامي
أسروا زوجتي وبنتي نعمى
بعد قتل الرجال في الآكام
وكأني بها تنادي أغثنا
ساءنا الأسر يا مليك الأنام
هاك لبيك للخلاص أتينا
قد خلصتم فابشروا بالمرام
ستلاقي أعداؤكم نقمة الله
انتصارًا لكم بكل محامي
ونروي سيوفنا من دماهم
ثم نأتي بكم مع الاحترام
آه وا حسرتا على خيبة الملك
إذا لم نعد بفوز الكرام

(ثم تدخل القواد ينشدون):

القواد (للملك) :
أمرك السامي مطاع
يا وحيدًا في العباد
كلنا قرم شجاع
غالب القوم الشداد
الملك (للقواد) : وصل إلينا خبر منكود، من عاملنا في الحدود، وهو أنه بينما كانت الملكة وبنتها نعمى، عائدين من حج البيت الأسمى، إذ داهمتهم العرب الأشقياء، وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وقد ذهب إليهم ذلك العامل لينجدهم بجيشنا الباسل، ولكنه رغب إلينا في طلب الإمداد؛ ولذلك استحضرتكم يا حضرات القواد، وأعلنتكم وا أسفاه بهذا الخبر؛ ليكون جيشنا الخاص على أهبة السفر؛ لكي نفرج أولًا عن الأسارى الأمجاد، ثم نطهر تلك الأماكن من أهل الفساد.
القواد (للملك) :
نحن ضمان الخلاص
غالبوا القوم اللئام
ذاك أمر لا مناص
عنه يا راعي الذمام

(ثم تخرج القواد.)

الملك (للوزراء) :
إذا لم يثق بالله في أمره العبد
فلا ملك يجدي ولا ينفع الجهد
وإن لم يرَ السلطان في وزرائه
أمانًا فلا فوز يلوح ولا مجد
وإن لم يكن للشعب رأي تذود عن
مصالحه نوابه ذهب الرشد
وإن لم يكن بالعدل تقضي قضاته
فويل الرعايا من دمار بهم يعدو
وإن لم يكن سعي الحكومة عائدًا
على قومها بالخير أودى بها الحقد
وإن كانت العمال والغش دأبهم
فما تصنع النصاح أو ينفع الجد
وإن لم يكن للقوم حزم يصدهم
عن الطيش في أعمالهم سخر الضد
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوًّا له ما من صداقته بد
فهذي شئون لم يكن في ربوعها
لها أثر بادٍ إلهي لك الحمد
ولكنني لم أدرِ كيف تجاسرت
على أهلي العربان واحتكم الوغد
فأين شجاع يا تُرى أين بهجة
أما فيهما للركب نصر ولا رد
وهل صغرت في أعين القوم سطوتي
وإلِّا بهم جهل وغرهم البعد
سألحقهم والخيل تنهب أرضهم
وحادي المنايا في خيامهم يحدو
فقوموا مقامي يا رجال وزارتي
إلى أن يحم الموت أو يحسن العود
يصونك يا نعمى الإله وزوجتي
ويحميكما من كل سوء بكم يبدو

(ثم يدخل التشريفاتي.)

تشريفاتي (للملك) : على الباب رسول من قبل الملكة.
الملك (للتشريفاتي) : ويك أحضره عاجلًا.

(يخرج التشريفاتي)

الملك (لنفسه) : ليت شعري بماذا جاء الخبير؟ وهل هو بشير أم نذير؟

(ثم يدخل الرسول واسمه فاضل.)

رسول (للملك) : لك البشرى يا ملك الزمان، لقد نجونا من كيد أهل العدوان، وانتصرنا على الأشقياء اللئام، وإن جلالة الملكة مقبلة على أثري بسلام.
الملك (للرسول) :
الله أكبر طاب الوقت وابتهجا
والنفس من بعد يأس لاقت الفرجا
وكيف كان ذلك يا بشير؟
رسول (للملك) : لما وصلنا إلى الدرب الأخير، أبصرنا رجالًا من بعيد، يلوح عليهم الغدر الشديد، ثم انقضوا علينا كالجراد، وقابلناهم بكل بسالة وجهاد، ولكنهم تغلبوا علينا وما رحمونا، وكادوا أن يغنموا الهودج ويأسرونا، وإذا بصليل سلاح ومعمعة رجال، وأمامهم فارس تهتز من هيبته الجبال، وهجم على الأشقياء بغير تواني، وقتل أبطالهم وشيخهم كيلاني، حتى عجزوا عن تلاقيه، وصدهم عن الهودج ومَن فيه، وبينما هو على هذه النعمة المأثورة، إذ أقبل عامل الحدود بجيوشكم المنصورة، وأسروا جميع الأشقياء، وكشف الله عنا العناء. فاندهشنا يا مولاي من شهامة هذا الصنديد، وسألناه عن نفسه وإذا به نديم ابن الصدر الأعظم رشيد.
الملك (للرسول) :
رشيد عليه رحمة الله إنه
له منن كم أنبأت عن محامده
رسول (للملك) :
فلا تعجبوا مما أتى نجله به
ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده
وبعد أن تم لنا النصر المبين، بعناية هذا الشهم الأمين، أمرني القائد بالمسير إلى الأعتاب العلية، وعرض هذه البشرى على مسامعكم السنية، فصرت أضرب أكباد العيس، وأصرف في سرعة السير النفس والنفيس، حتى وصلت ولله الحمد للديار، وهذا يا مولاي محصل ما صار.
الملك (لفاضل) : وكيف وصل إليهم هذا البطل الأمير؟ وأين هو الآن يا بشير؟
رسول (للملك) : إن سبب وصوله إلينا لا أدريه، وهو الذي لجلالتكم يحكيه، وأما هو فقد أقسم بأعظم الأيمان، ألا يبارح ركب جلالة الملكة حتى يرجع للأوطان.
الملك (للرسول) : لا شُلت يمين هذا الهمام، وسنواليه بالمكافأة والإكرام، وأما أنت يا طيب الأخبار، فقد أحسنَّا إليك بألف دينار، فاصرفها له يا غلام؛ لينقلب إلى أهله بسلام.
رسول (للملك) :
أيد الله سلطانكم
وأفاض على الوجود إحسانكم
الملك (للوزراء) : تفضلوا يا حضرات الوزراء والقواد، وكونوا لمقابلة الملكة على أكمل استعداد، وأعدوا لقدومها معدات الزينة في جميع أنحاء المدينة.

(ثم إن الجميع ينشدون):

أقبل الأنس علينا
وبدا النصر المبين
وافت البشرى إلينا
بقدوم القادمين
دُمت سلطان البرايا
في هناء وسعود
حافظًا أمن الرعايا
راغمًا أنف الحسود
أنت أحييت الوجودا
بصفاء وسلام
زادك الله سعودًا
في ابتداء وختام
(ثم تنزل الستارة ويتم الفصل الرابع.)

الفصل الخامس

(وفيه ثلاثة مناظر)

(تنكشف الستارة عن منزل الأمير نديم جالسًا مع والدته ليلى وأخته عزيزة.)

نديم (لليلى) :
سعد الحظ والهناء تودد
ومضى الهم والصفاء تجدد
رجعت ثروتي بأكثر مما
فاته والدي ويا سعد مَن جد
سافِروا تغنموا وجِدوا تسودوا
هكذا قاله الحكيم وأكد
ثم لاقيت في الطريق شئونًا
ذات بال فيها لنا كل سؤدد
وحباني السلطان أعظم قربى
وطريقي إلى المعالي تمهَّد
فافرحي يا عزيزتي ثم يا أماه
قري عينًا فعودي أحمد
ليلى (لنديم) :
أشكر الله يا نديم وأحمد
عدت لي بالهناء والعود أحمد
هكذا كل مَن سعى بصلاح
زاده الله من لدنه وأسعد
عزيزة (لنديم) : الحمد لله يا أخي على سلامتك، وزادك الله كرامة فوق كرامتك. فأنت رب الشهامة، وعنوان الفضيلة والكرامة، ويجب عليك أن تسترد العقار والضياع، التي لعبتْ بها منك يد الضياع.
نديم (لعزيزة) : اعلمي يا أختي أن كل ما أضعناه، قد أعدناه كما أخبرتكم وزدناه، وأصبحنا من أغنياء هذا الزمان، ومن المقربين لدى جلالة السلطان، ولكن أبى الدهر أن يدوم حظه لأحد، أو يكون صفاؤه غير مشوب بنكد.
كن من زمانك إن صافى على حذر
ولا يغرك إن وافاك مبتسمًا
ما سلَّم الدهر باليمنى على أحد
إلَّا ويسراه تسقيه الردى كظمًا
ليلى (لنديم) : ما هذا الارتباك الحالك؟ هل صادفك ضيم بعد ذلك؟
نديم (لليلى) : خلصتهم وأسرت نفسي، وذُهلت عن معناي وحسي.
أسر الظبي في السلام السباعا
فتحاشوا عنه وهابوا الدفاعا
دمية أدمت الفؤاد بلحظ
للحشا أرسل السهام سراعًا
هي كالروض نضرة وأزهارًا
وهي كالشمس بهجة وارتفاعًا
ليلى (لنديم) : مَن هي تلك الملكة السماوية، التي سحرتك بألحاظها العربية؟
نديم (لليلى) : هي ملكة العباد، ومالكة الروح والفؤاد.
مليكة تسجد الأرواح خاشعة
لأمرها فهي ذات الدولة العظمى
سلطانة بنت سلطان الأنام وإن
رمت الزيادة مني إنها نعمى
مَن لي بها وهي في خدر الجلال وهل
أقضي شهيد الهوى أو أغنم الغنمى
عزيزة (لنفسها) : الآن حصلت على الإسعاد، وكل صدفة خير من معاد. فإن أخي لا يمكنه سلوك هذا الطريق، إلا بواسطة الأمير صديق، وبذلك ترجع المواصلة مع حبيبي عزيز، ويتم الأمل في عهد وجيز.

(ثم تلتفت لنديم وتقول):

عزيزة (لنديم) : اعلم يا أخي أن هذا الغرض صعب المنال، ويحتاج للتروي والحكمة في الأفعال، ولا أرى لك نجاة من هذا الضيق، إلا بعناية صاحبنا الأمير صديق.
نديم (لعزيزة) : هل نسيت يا أختي ما صدر لنا عنه، ثم تتوقعين اليوم الخير منه؟! فلا بد لي من الذهاب إليه، وتوجيه اللوم والتنديد عليه.
ليلى (لنديم) : ارجع يا ولدي عن هذه النية، ولا تكن للناس سيء الطوية، وأحسن لمن أساء إليك؛ لترضى الناس يا ولدي عليك، وأنت الآن محتاج لهذا الإنسان؛ لأنه من ذوي الوجاهة عند السلطان، والناس تعلم أنه كان «الخل الوفي» لأبيك، وإذا جاهرت بعدائه تكثر الظنون فيك. فكن معه حتى تنقضي الأوطار، والحكيم مَن دار مع الأدوار.
نديم (لليلى) : لا بد لي من الرواح إلى داره، ومحاكمته أمام الإنسانية على أوزاره.
أقابل بالإحسان مَن كان محسنًا
ومَن رامني بالسوء أرميه بالردى
فوضع الندى في موضع السيف بالعُلا
مضر كوضع السيف في موضع الندى

(ثم يخرج نديم.)

عزيزة (لليلى) : إني أخاف على أخي من التغرير، فيتهور مغرورًا بنفسه على الأمير، مع أن الأمير ذو حظوة عند السلطان، ويمكنه أن يرمي نديمًا في الخسران، وأنت تعلمين أن المقربين من الملوك العظام، يمكنهم التأثير على أفكارهم والأوهام.
ليلى (لعزيزة) : نعم يا عزيزة صدقت، وبالحكمة البالغة نطقت؛ ولذا وجب على كل سلطان عظيم، ألا يغتر بفلسفة كل حكيم، ولا يصغي لكل واشي، من أتباعه والحواشي، وألا يلقي لكل سعاية سمعه، حتى يتحرى بنفسه ما سمعه؛ لأن كل إنسان له غرض، وفي قلبه من حاجاته مرض. فيزينون للسلطان سوء مأربهم ويبعدون عنه من لم يكن على مشاربهم. فتتحول عن الملك القلوب، ويصبح عند أمته غير محبوب. مع أن السلطان قطب دائرة الآمال، وعلى قدر ثباته تدور الأعمال. نسأل الله أن يمنح ملكنا رجالًا صادقين، يؤازرونه على رعاية الأصلح للدنيا والدين، وهيا بنا ننتظر نديمًا في قاعة السلام، ونسأل الله يا عزيزة حسن الختام.

(ثم تخرجان وتنكشف ستارة أخرى عن المنظر الثاني.)

المنظر الثاني

(تنكشف الستارة عن منزل الأمير صديق جالسًا مع ولده عزيز، وأمامهما خادمان والحاج صالح واقف على الباب.)

صديق (لعزيز) :
إن أخلص العبد إلى ربه
وتاب للديان من ذنبه
وجدَّ بالتقوى إلى كسبه
ينجو بعون الله من كربه
لقد سرني يا ولدي ما وصلت إليه حالة نديم؛ حيث ترك ما كان عليه من الجهل القديم، واجتهد وجدَّ، وكدَّ ووجد، وعادت إليه ثروته وزيادة، وبات يتقلب على فراش السعادة، وصار بعمله الآن، من المقبولين لدى جلالة السلطان، ويوشك أن يكون من المقربين حبًّا، أو يكون لعظمته من ذوي القربى.
عزيز (لصديق) : لله در نديم! لقد نجَّى ذاته من الكرب العظيم، فهكذا تكون الشهامة، وحسن الحزم والكرامة.
صديق (لعزيز) : إن مَن يغفل عن نفسه حتى يسقط في الورطة، ثم يعاني العذاب حتى يتخلص من تلك السقطة، فإنه غير حازم عند العقلاء، ولم يكن في عداد المعتدلين الحكماء، وإنما الحازم مَن أبصر أمامه، ووضع في المكان الثابت أقدامه، منحذرًا من السقوط، متحفًا من علة الهبوط. فأوصيك أن تكون من أولئك الحازمين؛ لتنجو من ندامة الساقطين.
عزيز (لصديق) : نفعني الله بنصيحتكم، ولا أحرمني من الاسترشاد بحكمتكم، ويا ليتكم أحسنتم إلى نديم في فقره، وساعدتموه على نكبات الزمان ونكره؛ ليكون لكم عليه الجميل والمنن، وصدق الإخاء في هذا الزمن؛ لأن الغرض من الصديق، أن ينفع صاحبه وقت الضيق، وإلا فالأصحاب كثيرة والخلان في إبان السعد وإقبال الزمان.
صديق (لعزيز) : ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا، ولا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا، ولعلك تذكرت طردي لنديم، ورجوعه يومها منكسر الخاطر الكريم.
عزيز (لصديق) : عفوًا يا والدي العظيم.
صديق (لعزيز) : ولماذا لم تذكر ما قلته حينذاك إليك، إن أعمال والدك لحكمة تخفى عليك؟! وكيف ساغ لك التعريض بما صدر مني كأنك خبير بتصريف الزمان عني؟! وهل أنتم معشر الشبان النجباء، مهما بلغتم من العلم والذكاء، تضارعون الشيوخ في التدريب، بعد ما حنكتهم الأيام بالتجاريب، وطبقوا العلم على العمل، ومارسوا كل حول وحيل؟! لعمري إن هذا هو البهتان، منكم يا أيها الشبان.
عزيز (لنفسه) : ليت شعري ما هذه الحكمة الخافية، بعد ما عامل نديمًا بتلك المعاملة الجافية؟!

(ثم يلتفت صديق للباب ويقول):

صديق (لعزيز) : ها هو صاحبك نديم مقبل علينا، وسيرسل سهام العتاب واللوم إلينا، فقابلوه أيها الخدام والبواب، بغاية التعظيم لعظيم الجناب.

(ثم يدخل نديم والبواب يلثم ذيله.)

نديم (للبواب) : عجايب!

(ثم يقوم صديق ويقابل نديم.)

صديق (لنديم) : أهلًا وسهلًا بولدي الرشيد، الحبيب ابن الحبيب رشيد.
نديم (لصديق) : عجايب!
صديق (لنديم) : تفضل يا أمير بارك الله فيك، وجعلك الخلف الصالح لأبيك. لقد طالت علينا غيبتك، وأوحشتنا يا ولدي طلعتك.
نديم (لصديق) : عجايب!
صديق (لنديم) : ما هذا التعجيب والإعجاب؟! إن هذا يا ولدي لشيء عجاب!
نديم (لصديق) : ليس العجب من تعجبي يا حضرة الأمير، ولكن أتعجب من تجاهلك بأمر أنت به خبير.
صديق (لنديم) : ما هذا الإبهام يا ولدي العزيز، وأنت وحياتك عندي في منزلة ابني عزيز؟!
نديم (لصديق) : عجايب! وهل صرت ولدك اليوم يا مولاي؟! وهل أنا الذي قلت بالأمس اتخذ لك والدًا سواي؟! فما هذا التلون والانقلاب؟ وإن كنت نسيت فاسأل حضرة البواب، يوم أتيت أستغيث بك من ضيم الزمان، وقابلتني بكل جفاء وامتهان، ونقضت الزمام أي نقض، حتى ضربني بوابك وألقاني على الأرض.
صديق (لنديم) : ثم ماذا؟
نديم (لصديق) : يوم طردتني عن رحمتك طرد الأشرار، وصيرتني معك كالمستجير من الرمضاء بالنار، فما بالك الآن تبجلني وتودني، ومن أعز أولادك تعدُّني، على حين أني مستغنٍ عنك، ولا أريد أي وداد منك، فبأي وجه تقابل الإنسانية والكرامة، وبأي لسان تعتذر لوالدي يوم القيامة؟!
صديق (لنديم) : خفِّف عليك من حدتك، وصن لسانك في لهجتك، وقل لي هل هذه الإهانة أصابتك وحدك؟! أم أصابت أيضًا أمك وأختك؟!
نديم (لصديق) : كلا، بل أصابتنا يا أمير جميعًا، ووقع كل منا في هولها صريعًا، وستلاقي يا ابن الكرام، كل تأنيب منا وملام.
صديق (لنديم) : إذًا فليكن عتبك والتأنيب، بحضرة أمك وأختك يا ابن الحبيب، وعن إذنك ابعث مَن يأتي بهما لهذا المجلس السعيد.
نديم (لصديق) : شأنك وما تريد.
صديق (لعزيز) : امضِ يا عزيز لبيت أخيك نديم، وأتِ بهما على التجلة والتعظيم.
عزيز (لصديق) : اللهم روِّق لنا الحال؛ لأبلغ من عزيزة الآمال.

(ثم يخرج عزيز.)

صديق (لنديم) : ما نغَّص عليك العيش، غير جهلك والطيش، وقل لي بالله أين أضعت تلك الأموال، حتى افتقرت للتكفف والسؤال؟ وهلَّا علمت يا ابن رشيد، أن السؤال أثقل من الصخر والحديد؟
كن باقتصادك حازمًا شهمًا فلا
تحتاج يومًا للورى بسؤال
وإذا السؤال مع النوال وزنته
رجح السؤال وخفَّ كل نوال
وماذا أفادتك أصحابك والخلان، بعد ما أخنى عليك يا نديم الزمان؟
نديم (لصديق) : وماذا تفيدنا الآن هذه النصيحة، ويا ليتها صادرة عن نية مليحة؟

(ثم تدخل ليلى وعزيزة ويقبِّلون يده.)

صديق (لليلى) : أهلًا وسهلًا يا أختي، ويا مرحبًا بك يا بنتي.
نديم (لصديق) : عجايب! هل صارت أمي الآن أختك، وأصبحت عزيزة اليوم بنتك؟! ولماذا لم تكن عندك كذلك، يوم كنا يا أمير في أشد المهالك، يوم أتيتك وتركتهما يتضوران من الجوع، وقد عدمنا لذة العيش والهجوع، يوم كانت ثياب أمي بالية، وأقدام أختي حافية؟!
صديق (لنديم) : كفى يا ولدي كفى.
نديم (لصديق) : اسمع يا عديم الوفا، يوم كنا نتقلب على جمر الفضا، وضاق في وجهنا رحب الفضا، يوم استرحمتك وما رحمت، واستقدمتك للخير وما قدمت، هلَّا كان في قلبك ذرة من الشفقة؟! أما كان في بيتك لقمة للصدقة؟! يا خيبة النفس وضيق الأنفاس، بعد ما ذهب الفضل والوفاء من الناس.
صديق (لنديم) : هوِّن عليك يا نديم.
نديم (لصديق) : اسكت أيها الأمير الحميم، واعلم بأني ما أتيت إليك لأستفيد، وإن إكرامك لنا الآن لا يفيد، وإنما أتيت لأريك ما نحن فيه من العز والرخاء، رغم أنف الحساد وشماتة الأعداء.
يا ناكثي عهدنا تعالوا
إلى الوفا فقد وفا الأمان
يا أيها المعرضون عنا
عودوا فقد عاد لي الزمان
صديق (لنديم) : كيف عاد إليك الزمان يا نديم؟ ومن أين وافاك هذا الحظ العظيم؟
نديم (لصديق) : مِن عند مَن يقول للشيء كن فيكون، وفي السماء رزقكم وما توعدون.
صديق (لنديم) : نعم، ولكن هل أمطرت عليك السماء نضارًا؟ أم أنبتت لك الأرض من اللجين أثمارًا؟ أنبئنا وأبيك بما صار، ومثلك لا يليق به الكذب في الأخبار.
نديم (لصديق) : المال مال أبي وفقدناه، وهو الذي بسره عوضنا إياه.
صديق (لنديم) : هل خرج أبوك من اللحد، وأنقدك يا نديم هذا النقد؟
نديم (لصديق) : كلا، بل هبَّت علينا نفحاته الأبوية، وجاءت لنا صاحبته مباركة المغربية وغمرتنا بخيراتها، وأفاضت علينا من بركاتها.
صديق (لنديم) : هل رأيتها عند أبيك من قبل، يا معدن البساطة والجهل؟ أم كيف سلمتك أموالها بغير ضمان، مع ما رأتك عليه من الفقر والامتهان؟
نديم (لصديق) : قد خرجت يا أمير عن حد الإنسانية.
صديق (لنديم) : تأدَّب يا فاقد الشعور والروية، وهلمي إلينا أيتها المباركة المغربية.

(ثم يصفق جهة الباب وتخرج المغربية بحالتها الأولى.)

مباركة (لنديم) : أسعد الله أوقاتكم يا أولادي.

(فيندهشون)

صديق (لنديم) : ألم تكن هذه مغربيتكم التي عادت على يدها إليكم نعمتكم؟

(ثم يصفق جهة الباب ويقول):

صديق (لحبيب) : اخرج يا حبيب يا ملثم الوجه الأزهر، يا مَن اشتريت من نديم عقدي الجواهر.

(ثم يدخل حبيب ملثمًا، ومعه صندوق الجواهر.)

حبيب (لنديم) : الحمد لله بالسلامة يا نديم.

(فيندهشون زيادة)

(ثم يكشف صديق عن وجه المغربية ويقول):

صديق (لنديم) : ألم تكن هذه والدتي الأميرة سلمى، التي أفاضت عليكم البركة والنعمى؟ أليست هي التي وافتكم مني بالخير الجزيل، حين يئستم وجفا الخليل الخليل، يوم جثوتم على الركب، وتقطع دونكم كل سبب؟

(ثم يكشف اللثام عن وجه حبيب ويقول):

صديق (لنديم) : أليس هذا خالي حبيب الذي اعترضك عند خروجك من الدار، واشترى منك جواهرنا هذه بعشرين ألف دينار، وعلَّمك كيف تبيع وتشتري، وقال لك إن سعدك في طالع المشترى؟

(ثم يقع نديم وليلى وعزيزة على أقدام صديق وينشدون):

أنت رب الفضل يا غيث النوال
أنت غوث الناس صديق المعال
ولك الحكمة في كل الفعال
يا كريمًا ما له فينا مثال

(ثم يقفون بغاية الخشوع.)

صديق (لنديم) : ألم يكن هذا قرط والدتي يا نديم، الذي أهديناه لأختك هدية محب كريم، ولم نستنكف منكم وأنتم في تلك الكربة، وجعلناه تأكيدًا لروابط الخطبة؟

(ثم يلتفت لعزيزة.)

صديق (لعزيزة) : أرأيت يا عزيزة لو دام أخوك على هواه، هل كنا نتركك عندهم سدًى؟ حاشا لله، بل أنت خطيبة ولدي الوحيد، ولا أنسى عهدي مع والدك المرحوم رشيد. فنحن قوم لا يغيرنا الحدثان، مهما تغير وجه الزمان.

(ثم يقعون على أقدامه وينشدون):

أنت للعافي نصير يا أمير
ومن الضيم مجير المستجير
ولك الإجلال والشكر الوفير
هكذا الإفضال يا نعم النصير

(ثم يقفون جميعًا.)

عزيزة (لصديق) :
هكذا هكذا تكون الكرام
رضي الله عنكم والأنام
يا أميرًا به الأماني تجلت
وتحلت بفضله الأيام
أنت روح الوجود تحيا بك النفـ
ـس وتنمو بجودك الأجسام
قمت بالفضل والوفاء علينا
بعد ما سام نفسنا الإعدام
فأعدت الحياة منك إلينا
هكذا هكذا تكون الكرام
صديق (لنديم) : أرأيت حين أتيتني وأنت في تلك الكرب، وأعطيتك وقتها قنطارًا من الذهب، أما كنت تذهب بها للحان، ويكون ربحك منها زيادة الخسران؟ وهكذا يحصل منك التكرار، حتى أصير فقيرًا معك في آخر النهار؛ ولهذا قابلتك بتلك المقابلة، وعاملتك في الظاهر بسوء المعاملة؛ لكي تتهذب نفسك، ويرجع إليك معناك وحسك، وها أنت والحمد لله وُفقت للعمل، ورجعت يا أمير ظافرًا بالأمل؛ ولهذا فكل ما وصل منا إليك، هو هدية مباركة عليك؛ لأنه بعض ما لوالدك من الكرامة، والحمد لله يا ولدي على السلامة.
ليلى (لصديق) :
أبدلت إيحاشنا بإيناس
من بعد ما قد عافنا الأسى
أحييت منا يا إمام الهدى
نفوسنا عن طيب أنفاس
وقمت فينا بالوفا والولا
ولم تكن للعهد بالناس
وذُدتَ عنا كل ضيم بدا
ذودَ كريم الأصل قسطاس
وبعد ما أن أظلمت دارنا
كنت علينا نور نبراس
وبعد ما أخنى الزمان بنا
أنجيتنا فضلًا من الباس
قل لبني الدنيا ألا هكذا
فلتصنع الناس مع الناس
صديق (لعزيز) : هل ظهرت لك يا عزيز حكمة أبيك، لعلها أعجبتك وترضيك؟ وعلى كل حال خلصنا من اللوم، ولا تثريب عليكم اليوم.
عزيز (لصديق) :
عفوًا أميري فأنت الوالد الأكرم
وأنت فيما تشأ الحاكم الأحكم
أتمم فديتك هذا الفضل منك لنا
أيضًا فأنت بما في نفسنا أعلم
نديم (لعزيز) : ماذا تقصد بهذا التعريض يا عزيز، وأنت ستنال غرضك في عهد وجيز؟ وأما أنا فأموت بحسرتي، وما كل حاجة يا أخي مثل حاجتي.
صديق (لنديم) : وأنت يا نديم ماذا تقصد بهذا التعريض، وتحسرك الطويل العريض؟
نديم (لصديق) : أدركني يا والدي الأمير، وساعدني على هذا الأمر الخطير، وأرني طريق السلامة، من قبل أن أموت حسرة وندامة.
صديق (لنديم) : كن مستريح الخاطر يا نديم، فإني عالم بكل حديث وقديم، وأبشرك يا ولدي بنعمة الله العظمى، وهي أنك ستكون قريبًا للملكة نعمى.
نديم (لصديق) : للملكة نعمى! ما هذا الحظ الأسمى!
صديق (لنديم) : هكذا صدرت لنا الإرادة السَّنية، مع كبير الوزراء بصفة رسمية، ومتى تم لك هذا الحظ العزيز، مع اقتران عزيزة بعزيز، نكون جميعًا من بيت السلطان، ويزداد لنا إن شاء الله صفو الزمان.
نديم (لصديق) :
الحمد لله وافى بالهنا الأرب
وزاد باليُمن فينا والمنى الطرب
صديق (لنديم) :
عناية الله تأتي من يشاء بلا
كدٍّ ولكن ما سعى الفتى سبب
عزيزة (لصديق) :
فاسلم ودم أيها الصديق مرتقيًا
أوج العُلا في الملا ما دامت الحِقب

(ثم يدخل صالح وبيده كتاب.)

صالح (لصديق) : جاء حاجب من ديوان التشريفات العلية، ومعه هذا الكتاب لحضرتكم البهية.
(ثم يتناول صديق الكتاب ويتلوه وهو):

إلى حضرة الفاضل الأمير، الشيخ صديق الوزير. بناء على ما صدر به نطق الحضرة الملوكية، أدعوكم للحضور حالًا للسراي السلطانية، ومعكم نجلكم الفخيم، وحضرة الأمير الجليل نديم، مع أمه وأخته الفاخرتين، ومَن يليق وجوده من العائلتين، وليكن حضوركم بصفة رسمية؛ لتغنموا بتعطفات الحضرة السَّنية.

الإمضاء
رئيس ديوان التشريفات العالي

(ثم يطوي الكتاب ويقول):

صديق (لنديم) : قد تأرج روض الهنا، وتبلج صبح المنى، وهيا بنا أيها الأحباب، نستعد للتشرف بذاك الرحاب.

(ثم إنهم ينشدون هذه الأدوار):

صديق يا نعم الحكيم
يا من به لاح الفلاح
هيا إلى المولى العظيم
نلقى بناديه النجاح

•••

هيا لذياك الرحاب
رحاب سلطان الأنام
سلطاننا عالي الجناب
منه لنا حسن الختام

(ثم يخرجون جميعًا وتنكشف الستارة عن المنظر الثالث.)

المنظر الثالث

(تنكشف الستارة عن سراي السلطان جالسًا مع الملكة، وأمامهما بعض الجواري.)

الملك (للملكة) : قد أعجبني أيتها الملكة الفاخرة، ما أعددتيه في القصر من الزينة الباهرة، وإني بعثت في طلب الوزير صديق والأمير نديم؛ إنجاز ما أخبرتك به عن وعدنا الكريم، وهو اقتران نديم بكريمتنا نعمى؛ لتكون مكافأتنا له أكبر نعمى، ونتمم ما كان شرع فيه المرحوم رشيد، وهو زواج عزيزة بعزيز الرشيد، وسيأتون الآن إلى دارنا المنيفة، ويصبحون من أعضاء عائلتنا الشريفة.
الملكة (للملك) : نِعمَ ما فعلت أيها السلطان العظيم، وهكذا تكون المكافأة من المولى الكريم.
الملك (لجوهر) : عليَّ بالملكة نعمى.

(ثم يخرج جوهر.)

الملك (للملكة) : إني أرى من الفروض الصحيحة، تفهم كريمتنا بواجب النصيحة؛ لكيلا تغتر بسمو أصلها، وتتعاظم بغير تبصرة على بعلها.
الملكة (للملك) : كن مستريح البال من هذه الخطرات؛ لأن بنتنا لم تكن من البنات الجاهلات.
الملك (للملكة) : إن حب العلو له في النفس أعظم تأثير، ولا سيما من ذوي الوجاهة والجاه الكبير.

(ثم تدخل نعمى.)

نعمى (للملك) :
دُمت يا والدي مليك البرايا
ولك الفضل في جميع الرعايا
الملك (لنعمى) :
مرحبًا يا كريمتي بك فاصغي
واحفظي ما حييت هذي الوصايا
إنك يا ذات المجد العظيم، ستكونين قرينة للأمير نديم فيجب عليك أن توافقيه على هواه، وتطيعيه في كل ما يرضي الله، ولا يغرك أنك بنت سلطان الأنام، وتتوهمين أنك أسمى منه في المقام، بل تيقني أن زوجك سلطانك، وليس لي عليك معه سلطان، وفي يده زمامك وعنانك. فإياك والجموح والجنوح للخسران، وكوني له أمةً يكن لك عبدًا، وكوني له حسامًا يكن لك غِمدًا، وتبسمي عند رؤيته، ولا تعارضيه في حدته.
الملكة (لنعمى) : واحفظي عليه ناموسه ومنزله، تكوني لديه رفيعة المنزلة، وساعديه على تدبير مصالحه، وكوني له يدًا معينة لصالحه، وشاركيه في سروره، وغمه، وكوني عليه أشفق من أبيه وأمه، تطب لكما بذلك المعاشرة، وتفوزا بالراحة في الدنيا والآخرة.
جوهر (للملك) : إن الأمير صديقًا والأمير نديمًا وعائلتهما يستأذنون.
الملك (لجوهر) : ليحضروا.
الملك (للملكة) :
أظن أنه ما رأت العين
أبهج من ملتقى العروسين

(ثم يدخل صديق وليلى ونديم وعزيز وعزيزة ومباركة وحبيب، ويلثمون ذيل الملك ويقفون ثم يقف الملك والملكة.)

الملك (لنديم) : أشكرك يا نديم على فضلك السابق، وسنمنحك بكل فضل لاحق، وننجز لك وعدنا الأشرف، فإن وعد الملوك لا يُخلف.
نديم (للملك) : أنت يا مولاي بحر الفضائل الذاخر، ولكم جزيل الفضل في الأول والآخر.
الملك (لجوهر) : عليَّ يا جوهر بالملكة نعمى.

(ثم يخرج جوهر.)

الملك (لنديم) : قد أحسنت عليك يا نديم برتبة الوزارة رفيعة العماد، وجعلتك وزيرًا على ديوان الجهاد. فقم بحفظ الوطن في الخارج والداخل، وكن دائم الاستعداد في العاجل والآجل.

(ثم تدخل الملكة نعمى وتقف خلف والدها.)

الملك (لنديم) : وإني أنعمت عليك بأعظم نعمة، وزوجتك ابنتي الوحيدة الملكة نعمى.

(ثم يضع يد نعمى في يد نديم ويقول):

الملك (لنديم) : وهذه يدها فاحفظها يا نديم، فإنها هدية من أب بك رحيم ويوشك أن نجعلك ولي عهد السلطنة، وهذا يا ولدي من الأمور الممكنة، وفقكما الله للأعمال الناجحة، وجعل منكما الذرية الصالحة.
نديم (للملك) :
منحت البرايا منك فضلًا بإحسان
فدانت لك الدنيا بأجمل إذعان
وأوليتني فضلًا تبلج نوره
على البدر إذ صيرتني فوق كيوان
الملك (لصديق) : وأما أنت أيها الصديق، والوزير الرفيق، فأشكرك على رعايتك لنديم، وهداه إلى الصراط المستقيم؛ لأنك حفظت بالصداقة صحبة أبيه، حتى وصل بحكمتك إلى ما أصبح فيه.
صديق (للملك) :
بقيت بقاء الدهر يزهو بك الدهر
ودام لك الإجلال والفوز والنصر
ملكت نفوس الناس بالعدل والندى
ودون محيا فضلك الشمس والبدر
الملك (لعزيز) : وأما أنت أيها العزيز الفخيم، فقد تحسن لدينا زواجك بأخت الوزير نديم، وأحسنَّا إليك بالرتبة الأولى السامية، وبالوسام المرصع من الدرجة العالية، وجعلناك كاتب سر الصدارة؛ لما أنت عليه من الصداقة والجدارة. فسِر على قدم أبيك، بارك الله لنا فيك.
عزيز (للملك) :
إلى بيتك المعمور نسعى ونقصد
لنيل المنى والمنهل العذب يورد
تدوم مدى الأيام يا كعبة الوفا
بكل الصفا ما لاح في الكون فرقد
الجميع :
وليحفظ كل منكم نعمته
ليفيض الله عليكم بركته
وحافظوا على الصداقة والوفاء
ليدوم بينكم صدق الإخاء
(ستارة الختام)

تقاريظ الرواية

قال سعادة العالم الفاضل والأديب الكامل إسماعيل باشا صبري وكيل نظارة الحقانية: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فإني طالعت رواية «صدق الإخاء» تأليف حضرة صديقنا الأديب الفاضل إسماعيل بك عاصم، فلم أتمالك دون أن قلت مرتجلًا:

يا طالب الآداب دونك فاقتطف
من روضها ما تشتهيه نضيرًا
إن رُمت شعرًا هذه أفنانه
يحملن من طيب الكلام زهورًا
أو رُمت نثرًا هذه فقراته
قد مثلت بجمالها المنثورا
حِكمٌ تقر لها النهى ومناظر
إن جال فيها الطرف عاد قريرا
لو كانت الآداب تصبح أمة
لتخيرت «صدق الإخاء»١ أميرا

وقال حضرة الفيلسوف الشهير والعالم الكبير المرحوم حسن باشا حسني الطويراني صاحب جريدة «النيل» ومجلة «الشمس»: باسم الله الودود، والصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود وبعد، فهذا تقريظ بقدر ما جاء، لا بقدر ما وجب لرواية «صدق الإخاء»، تأليف حضرة الكامل العالم، والأديب الناثر الناظم، الكريم ابن الأكارم إسماعيل بك عاصم:

صدر الحوادث فصل تشخيص القدم
فانظر بعين الفكر أشباه الأمم
واعلم بأن الدهر مرسح نائب
عن غائب يحكي ويحكم ما حكم
وهي العوالم في معالم سيرها
عبر تجليها تصاريف القسم
وحقيقة الدنيا مناظر ناظرٍ
في لوحها هذا خيال مرتسم
ورواية الآثار عين حاضر
عن غابر لم يُفتتح إلا اختُتم
فانظر تصاريف العصور بأهلها
واعجب لأسباب الشقاوة والنعم
وأمعن تجد «صدق الإخاء» خلالها
قد قام بين جميعها مثل العلم
وتروَّها واعجب لحسن سياقها
كيف استطاع تصوُّر الدهر القلم
جادت بها فكرٌ تلألأ بدرها
فمحا بأنوار النهى جون الظلم
وافى بها «إسماعيل عاصم» مجدها
حامي معانيها العلية بالهمم
وأقامها مثلًا لكل فضيلة
تهدي العقول إلى المعالي والشيم
سنة ١٣١٢ﻫ/١٨٩٤م
١  وبسبب عبارة «صدق الإخاء» هذه، اختلط الأمر على أحمد الزين، جامع وناشر ديوان إسماعيل صبري في عام ١٩٣٨، فأورد هذه الأبيات ضمن الديوان على أنها تقريظ لمجلة «صدق الإخاء» التي صدر عددها الأول في يولية ١٩٠٨. على الرغم من أنها نُشرت ضمن تقاريظ مسرحية «صدق الإخاء» المطبوعة عام ١٩٠٥. وقد سار على هذا الخلط نجيب توفيق في كتابه «إسماعيل صبري باشا: شيخ الشعراء»، الصادر في سلسلة أعلام العرب، عدد ١٠٩، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٥، ص٢٠٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤