محمد الحسين كاشف الغطاء

اطلب ترجمته ورسمه ونخبة من نثره في قسم المنثور من هذا الكتاب.

وقفة عند تدمر١

عِبرٌ لو وراءهن اعتبارُ
وادِّكار لو ينفع الإدِّكارُ
أيَّ آي يتلو لنا غابر الدهـ
ـر ولكن على العقول غبار
كل يوم يتلو علينا عظاتٍ
قدمت في حدوثها الأعصار
كم على هذه البسيطة من
حر صنع فيه العقول تحار
دمرته الأيام حتى على تد
مر يأتي الفنا ويقضي الدمار
وهي تلك العصماء طال لعين الشَّـ
ـمس عن نيل شأوها الأقصار
دمرت تدمر عجائب كل الـ
ـكون حتى في الكون منها انبهار
للنبيين معجزات وإعجا
ز سليمان هذه الآثار
لأبيه لان الحديد ولانت
لعلاه الصخور والأحجار
وقفت طوع أمره كنسورٍ
وقفت حيث ما لهنَّ مطار
وسوار تُناطح الفلك الأعـ
ـلى وتعلو منها له أسوار
لو بشم الجبال قد وزنوها
رجَّحت كفةً وخفَّ العيار
بنقوش كأنما هندسيٌّ
خطها في يمينه الفرجار
تتلقاك في صفا الصخر منها
صور قد تمثلت أو صوار
وطيور قد سُرِّي الريش منها
باعتدالٍ وعوِّج المنقار
ناشرات قوادمًا وخوافي
طايرات تضمها الأوكار
هكذا تعظم العقول وتعلو النَّـ
ـفس قدرًا ويشرف المقدار
هكذا تبلغ النفوس مناها
في المعالي وتنفذ الأفكار
قيل قد كان للأجنة ما بيـ
ـن يديه إطاعة وابتدار
قُلت كلا فأين للجن لولا
قُدرة الله ذلك الإقتدار
«لو سعت بقعة لتعظيم أخرى
لسعت نحو تدمر الأمصار»
لا يظن الجهول ذلك لهوًا
من سُليمان أو علا وافتخار
حاشا لله بل لتعتبر النا
سُ وحسب المهذب الإعتبار

•••

عمرك الله تبقى العمارا
ت طويلًا وتذهب الأعمار
بقيت هذه العمارات لكن
أين تلك الأعمار والعمار
سل سُليمان أين بلقيس أو سلـ
ـها وبعضٌ من السكوت حوار
أفمن بعد تدمر يخدع السحـ
ـر فتُبنى قصوره والديار
خلِّ دار الفنا ودعها لتُبنى
لك في غير هذه الدارِ دار
هي من بعض منذري الله فينا
لو يُفيد الإعذار والإنذار
ناطقات صوامت وسواري
قائمات وغُيَّبٌ حُضَّار
لو أفقنا من سكرة الأمل الكا
ذب أو خف سكرنا والخمار
ما بنينا في الأرض دارًا ولا دا
ر علينا إلا الفلا والقفار
حِكم في عظاتها بالغات
صامتات وكلها تذكار
تلك إحدى فوائد السير في الأر
ض فمُت أو يعش لك التسيار
أخطأ الباحثون في الأنجم الزهـ
ـر فقالوا لبعضهن قرار
لا تَخَلْ في السماء ثابت نجم
كل نجمٍ في فلكه سيار
إنما الثابتات في كريات الـ
ـجو هذي الصخور والأحجار
لا ولكن لهن سير خفي
عرفته الرموز والأسرار
لو علمنا عن أي باهر علم
للألباء تسفر الأسفار
لاتخذنا الأوطان كالقبر والأحـ
ـياء لا ينبغي لها الأقبار
سافروا تغنموا وما الغنم إلا الـ
ـعلم لا درهم ولا دينار
وكفاك الذكر الحكيم فكم فيـ
ـه على الأمر بالسرى إصرار

•••

خَلِّ عني يا خِلُّ ذكرك للأو
طان أين الأوطان والأوطار
وطني ما أصير بعدُ إليه
وإليه المأوى وفيه القرار
لا الذي قد خرجت منه وكلي
فيه جهل وخسة وخسار
لوثت جوهري الشريف به الأقـ
ـذار منه وزادت الأكدار
بعض هذا وحب ذاك من الإيـ
ـمان ما يظنه الأغمار
فتخير له من البرِّ زادًا
لك ما دمت أنت والإختيار
فسيأتي عليك يوم عصيب
ليس فيهِ عن العثار اعتذار

عزمات العرب

يا عزمات العرب البواسلِ
هبِّي لحل هذه المشاكلِ
قومي فلا موضعَ للقعود أو
يسكن غلي هذه المراجل
أنتِ رعيتِ الملك في شبابهِ
حتى احتملتِه على الكواهل
فكيف لم تحتمليه كاهلًا
مهدد الحوزة بالغوائل
هذي الذئاب اعترضت لغابكم
تعرض البغاث للأجادل
ما الملك إلا صارم وأنتمُ
من صدره بموضع الحمائل
أين الحميات التي تسعَّرت
منكم بتلك الأعصُر الأوائل
دكدكتمُ أمسِ عروش قيصر
وطاق كسرى وصروح بابل
فيا بقايا يعربٍ حسبكمُ
من رقدة الجهل أو التجاهل
عودوا لأصل عنصر العرب الذي
كنتم به من أشرف السلائل
أنتم فروع دوحة واحدة
فكيف قطَّعتم عرى التواصل
ما فرقتْ أديانكم بينكمُ
لكنها سياسة من خاتل
ألا مساعير يثورون لها
بسلة البيض وهز الذابل
ترقص عند الحرب مهما سجعت
من الحديد سجعة العنادل
على الإخاء العربي اجتمعوا
فيا لها أُخوة لعاقل
إنْ كان لا بُدَّ من الموت فمت
بالفرِّ تحت عُثيِّر القساطل
تموت كي تحيا وتحيا أمَّةٌ
أودت بها سخيمة التواكل
تطامنت للذُّل بعد عزة
هُزَّت رواسي الأرض بالزلازل
واليوم عادت فضلة من بعدما
كانت لها سابقة الفواضل
يا دارهم أين بَنُوكِ والأُلى
بَنَوك بالعلوم والفضائل
وقفتُ في آثار آبائي الأُلى
أسأل الدمع كنهرٍ سائل
أسألها عن باهر المجد الذي
قطوفه دانية العثاكل
أسألها عن قاهر العز الذي
أغنى عن الحصون والمعاقل
فكيف أضحى خاملًا من بعد ما
زهى كزهر الروض في الخمائل
أضاءت الشرق مصابيح له
واستشرق الغرب من الفتائل

•••

دونكها هدية من واقف
بين رجاء آيسٍ وآمل
تزف من مصر إلى نيورك
من نجفيٍّ بهواك حافل
من خالص الإخاء لا مداهن
وصادق الولاءِ لا مصاقل
نفثة صدرٍ يستطير شررًا
تطاير النار من الجنادل

ألا هذه مصر؟

هواي إلى مصرٍ ألا هذه مصرُ
أعود الرجا ذاوٍ وعود الهوى نضرُ
تمطَّى عليَّ البَرُّ والبحر دونها
فما عاق عزمي البَرُّ عنها ولا البحر
وقلت لها يا نفس عزمك والسرى
وصبرك والجلى وسعيك والعمر
أجشمها أخطار كل مهولة
تماوت فيها الموت وانذعر الذعر
أقول اصبري إن رمت نصرًا فإنَّما
هو الصبر معقود بوفرته النصر
وإن أظلمت سود الخطوب مكامني
فبعد ظلام الليل ينبثق الفجر
فخضت أجاج البحر والبحر كالح
وجُبت فجاج البر والبر مغبر
وقد سار فيَّ ابن البخار كأنه
خيال ولكني بأحشائه سر
قمين بطيِّ الأرض حتى كأنه
بجو السما يهوي على أجم صقر
يسابق سير البرق والفكر جاهد
فيسبقه فوتًا وقد أجهد الفكر
إلى أن أنالتني ابنة النيل باعه
ومدت لترحيب أصابعه الحمر
وقد غرني في الليل حسن ابتسامها
ويا رُبَّ ليث للفريسة يفترُّ
وأعجبني في وطئها لين الثرى
ورُبَّ رماد كامن تحته جمر

•••

فها أنا ملقى في حنايا ربوعها
كأنيَ فيها قد تناسانيَ الدهر
نزيل ولا وجه يروق ولا روى
وضيف ولا ماء يرق ولا خمر
وواسعة لم ينفسح بيَ صدرها
ولم ينشرح لي قط يومًا بها صدر

لامية العرب الجديدة

إلى كم ترامى بي المنى والمنازلُ
وتقذف بي لجَّ المنايا المناهلُ
وما ليَ لا أنفكُّ إلا مقسمًا
مُقيم لبانات وجسميَ راحل
وما لك يا قلبي كأنك طائرٌ
وما لك في الدُّنيا سوى الهم طائل
فلست براءٍ ما حييتُ ابن نجدة
ولا ابن عطاءٍ في زمانك واصل
تعالج أمراس الحياة وإنها
حبالٌ ولكن للمنايا حبائل
أكُلكَ يا عمري هموم وهمة
وكُلكِ يا أيام لهو وباطل
وكلكمُ يا قوم في القول فارس
ولا رجلٌ إِلَّا وفي الفعل راجل
فحتى متى هذا الخمول ورُبَّما
ذوت فرهت بعد الخمول الخمائل
يناضلني دهري ولا حول لي به
وكيف وسهمي أفْوقٌ وهو ناصل
فيا ثعلبي الرمي لحظك رائش
وقدك عسال وعطفك ذابل
إذا شئت إن ترمي فهذي حشاشتي
وإنْ شئت أنْ تصمي فهذي المقاتل
ألا لا تُغالطني فإنيَ عالم
بأنيَ مقتول وأنك قاتل
أعاذلتي إن أبصر المرء قصده
فأهون شيء ما تقول العواذل
تقولين هذا النجم حتامَ غائب
ونير هذا الأفق حتامَ آفل
وهذا النمير العذب خلَّى سبيله
وكانت ضفافًا من جداه الجداول
تعطل جيد كان بالأمس حليه
وأقوت ربوع أمس فيه أواهل
فقلت دعيه إنما العمر رحلة
وهذي الليالي للأنام مراحل
وتلك الأماني سائقات لغاية
وما تلكم الغايات إلا مجاهل
عَلمت ولما عاد علميَ ضائري
«تجاهلت حتى قيل إنيَ جاهل»
أعاذلتي إن كنتُ بالفضل حاليًا
فما ضر أني من حلى المال عاطل
فلا تحسبنِّي ضارعًا عند نكبة
فما تصدع الطودَ الأشم الزلازل
ولا أنَّ عزمي مثل نبريَ واهن
فما السيف إلا متنه لا الحمائل
دعي اللوم إني ما توانيت كاسلًا
ولا رغبت عني العلى والفضائل
لقد قام مني السعي والحظ قاعد
وقد جَدَّ مني العزم والدهر هازل
وقد بلغت نفسي من الجدِّ عذرها
وهيهات أين العذر والذكر خامل
لطفت فلم يشعر زماني بموقفي
كأني بعين الدهر والدهر غافل
وقد قيدت عزمي الهموم بغلها
فقل في ابن غابٍ أثقلته السلاسل
فصبرًا لها يا نفس وهْي كثيرة
ولكن ليالي العمر فيها قلائل
وهذي سطور الشيب خُطت بعارضي
وما هي إلا للرحيل رسائل

•••

أذات اللمى المعسول ريقك منهل
ووجديَ لا تطفيه تلك المناهل
ردي دمع عيني فالرَّبيع مصوح
ورودي كلامي فالسنون مواحل
ولا تعجلي عَمَّا يجيء به غد
فهذي الليالي ماخضات حوامل
وخُيل لي في مصر لمحة بارق
فقلتُ عسى للغيث تلك المخائل
وما أنا فيها واغل بمذلة
ولكن يأس النفس للنفس قاتل
وكم مُحيت فيها حقوق كريمة
وكم هُضمت فيها كرام أماثل
ودورك فيها يا أبا الطيب ارتمى
إلي وحق في الكرام التماثل
فأفلتُّ منها ناكصًا وعزائمي
عواذر لي والتجربات عواذل
أقول لها لو يُصبح الأيكُ عَالِمًا
من الشجو ما تملي عليه البلابل
أمصر ربوع العيش منك زواهرٌ
ولكنْ ربوع الفضل فيك مواحل
تناهيت في طول التمدُّن فاقصري
فعند التناهي يقصر المتطاول
أيا مصر لا واديك بالنجح نافح
لراجٍ ولا ناديك بالبشر حافل
لئن ضقت عني فالبلاد فسيحة
وحسبك عارًا أنني عنك راحل

شعري وشعوري، وعواطفي ولطايفي (على رسم له)

بني آدمٍ إنا جميعًا بنو أبٍ
لحفظ التآخي بيننا وبنو أمِّ
رأيتكم شتى الحزازات بينكم
وما بينكم غير التضارب بالوهم
فلا حجبٌ فيكم تمد على حجى
ولا حزمٌ منكم تشد على حزم

•••

وقد عطفتني باللطايف نحوكم
عواطف جنسٍ لم تزل علة الضم
فأهديتكم بالود نصحيَ قائلًا
عليكم سلامي دايبا ولك سلمي
وألفت بين اسمي ورسميَ راجيًا
حياتهما إن بات تحت الثرى جسمي
عساني إذا أبلى أنال بذكركم
حياةً وحسبي من حياتيَ ذِكر اسمي
أروم بقاء اسمي ورسميَ بينكم
ولا نافعي إسمي الغداة ولا رسمي
خذوا ظاهرًا من صورتي فضميرها
تصور من روح التحنن والرحم
يود لوَ انَّ الأرض تصبح جنة
تفيئكم ظلَّ السلامة والسلم
وأنتُم كأملاك السماء مَحَبَّة
تذود شياطين العداوات بالرجم

•••

بني آدمٍ رحماكمُ في قبيلكم
فقد جزتمُ برْيَ العظام إلى الهشم
حنانًا على هذي النفوس فإنَّها
سَمَاوِيَّة من رشح ذيالك اليم

•••

وما أكثر الداعي بنا لهداية
وما للهُدى مِنَّا سوى الهد والهدم
تصدع في أهوائنا جمع شملنا
ونسعى وكلٌّ نحو غايته يرمي
أيا صدع هذا الجمع هل من تلايم
ويا شعث هذا الشعب هل لك من لم
هلمَّ نَعِشْ بالسلم عصرًا فإننا
قضينا عصورًا بالتضارب واللدم

•••

تخارسْ إذا الآذان صُمَّت عن الدعا
فأضيع شيءٍ دعوة الصم والبكم
يقولون للإصلاح نسعى ورُبَّما
طلبت الشفا فازددت سقمًا على سقم
إذا كانت الأفعالُ نثرًا نظامها
فلا خير في نثر المقالات والنظم
وكل فتًى يبغي العُلى غير أننا
كمقتنص صيدًا يروم ولا يرمي
أبثك يا ابن الأرض في الليل لوعتي
فأنت أخي فيما إخالك وابنُ امِّي
سعدتَ هنا لما بعدت مسافة
كأنك من شأن الأنام على علم
تباعدت عن هذي الشرور فليت من
نسيمك عيشي أو بتربته جذمي
وإني وما في السعد والنَّحس فكرتي
ولكن كأن النحس كان بها نجمي
يرحب صدري بالهموم لأنني
أرى هِمَمِي تخبو فيوقدها همي
وما عزمتي نارًا بزعمي وإنما
حرارة أنفاسي الزعيم على زعمي

•••

سئمتُ حياتي مذ شهدتُ حقيقتي
وأي حياة تمزج الشهدَ بالسم
ولم أدرِ علمي نافعي أو جهالتي
ألا رُبَّ جهلٍ كان أنفعَ من علم
أرى أُممًا تدعو العلوم لها أبًا
وفي درس علم النفس أكثرها أمي
وما كل علم يجلب السعد للفتى
ويرقى به من وهدة النقص للتمِّ
إليكم بني الأديان منيَ دعوةً
دعوتكمُ فيها إلى الشرف الجمِّ
إلى السلم فيكم والتساهل بينكم
فيا حبذا شرع التساهل والسلم
لقطعتم رحم الإخاء وأصبحت
جماعتكم شتى من الطعن والشتم
وما بينكم كم من حقوق شريفة
وكم تشتكي تلك الحقوق من الهضم
جرحتم شريفات العواطف بينكم
وذاك الكلام المرُّ ينبي عن الكلم
فدونكمُ «شعري» ولستُ بشاعر
ولكن «شعوري» قد تجسَّم في نظمي
نظمتُ لكم أفلاذ قلبي بدعوتي
وأفرغتها عن قالب الحب والحلم
أُريد بكم خيرًا وتنحو لشرها
نفوسٌ على رغم الحقيقة أو رغمي
وكلٌّ سعى نحو الحقيقة جاهدًا
ولكنَّما الغايات كانت إلى الوهم
يقولون إنَّ الدين فرَّق بيننا
فيا لك من حيف ويا لك من ظلم

•••

وما أدعي في دعوتي فضل عصمةٍ
ولا استنزلت لي الشاردات من العصم
ولكن بها أهديت نصحيَ قائلًا
«عليكم سلامي دائبًا ولكم سلمي»

الجمال عذاب

سئمت حياتي بهذا النَّفَقْ
فكم ذا العناء وكم ذا القلقْ
يقلبني موج هذي الصرو
ف فلا للنَّجاة ولا للغرق
أمرعًى وما هو إلا الوبيل
ووردٌ وما هو إلى الرنق
ففيمَ التنافس ما بيننا
وفيمَ تلهُّفنا والحرق
إذا كان آخرنا للفنا
ء ففيمَ الرياء وفيمَ الملَق
وإن يكن المال حظ الزوا
ل فما حنق المرء إلا حمق

•••

أجلك يا نفس أن تقنعي
بهذا الطعام وهذا الطبق
أُعيذُكِ من كون هذا الفسا
د ومن باطل يتزيَّا بحق
تحدَّرتِ من عالم نيِّرٍ
تصبَّب بالقدس ماءً غدق

•••

فكيف هبطت إلى سافِلٍ
وقد كنت شامخ علم سبق
وكنت سراحًا بروض النعيم
فمن ذا رماك بهذا الوهق
ويا طائر القدس أنَّى وقعت
بهذي القيود وهذي الحلَق

•••

وكيف اتحدت بهذا الكثيف
وطَبعُك أرقى سمًا بل أرق
وليس عليَّ أبي قد جَنَى
ولكنَّ نفسي بلومٍ أحق
أتاح البلاء هوى قد طرى
وما هو إلا عناء طرق

•••

أغرَّك زبرج هذا الجمال
ولا تعلمين إذا ما اعتلق
تألق زخرفه مُعجبًا
ولم تدر ما خلف هذا الألق
أبيحك أنيَ عنهُ رغبت
إذا ما عشى نحوه من عشق

•••

وخاطرت حُمرة هذي الخدود
فإنَّ الظلام وراء الشفق
وعفت القوام على أنَّه
لذيذ المُقَبَّل والمُعتنق

•••

فكم حيَّة ليِّنٌ مسُّها
وكم عُمر حيٍّ بها قد زهق
ويا واو صدغيه والثغر منه
بلائيَ منك بعطف النسق

•••

ويا مقلتيه وألحاظه
أخاف سيوفَكِ إذ تمتشق
أسرت فؤادي بتلك الجعود
وقد خافها مدمعي فانطلق

•••

ومحتكم في مزايا الجمال
له كل ما راق منها ورق
حذارك من وجنتيه فقد
تقحمها خاله فاحترق

•••

وكم ضاع أبيض حظ على
سواد الشعور وسود الحدق
فيا لائمي قد كُفيت الملام
ويا مُقلتي قد أمنت الأرق
أُريد جمالًا خلا من أذًى
وأطلبُ عيشًا صفا من رنق

صحيفة الحب

خلياني ملازم الخلوات
حول درس الأكوان والكائنات
خلياني أجوبُ قفر الفيافي
وأزور الوحوش في الفلوات
وأُناجي النُّجوم في الليل رام
بشواظ النيران للنيرات
خائضًا في السماء لجي بحر
كم له في المجر من غمرات
حيث تطفو الشموس فيه حبابًا
وتهاوى النفوس كالثاقبات
حيث ساد السكون في الأرض حتى
ما لغير الأرواح من همسات
حيث مرج الأثير يقدح نارًا
ترتمي للضمير في جذوات
حيثُ كفَّ الظلام مدت رواقًا
وشمته النجوم باللمعات
حيث حضن الظلام ضمَّ إليه
كل حيٍّ واستام كل حياة
حيث ثغر السماء يُوحي لثغر الـ
أرض رمز الحياة بالنسمات
خلياني هناك جوهر فكر
أو كروح تطير في نفثاتي
سائلًا واللسان سائل دمعي
شاكيًا والزَّفير بث شكاتي
أين مثوى السلام والحُبِّ في الأر
ض وأين الهنا بغير هنات

•••

ظلمات يا حب أنت وحقًّا
إن ماء الحياة في الظلمات
إن خلف الشهود غامض سر
من وراء الشكوك والشبهات
لو تجلَّى عرفت في الكون نفسي
أو تبدَّى علمت ما كنه ذاتي
هو معنًى والحب أُدْمِج فيه
كاندماج الحروف في الكلمات
هو معنى الجمال والحُسن لفظ
والمُسمَّى والحسن بعض السمات

•••

أنا بعتُ الجمال بالحُبِّ روحي
يوم قال الجمال هاك وهات

حقيقة الجمال

ألكني إليك خفير الهوى
فهل من حديث وهل من خبر
حبيبي رمت بك عني النوى
فأين الثواء وأين المقر
هنيئًا لك النوم أني سهر
ت وأنت سميري وفيك السمر
يناجيك مني روح الخيال
ويحضرك الشوق لي والفكر
وأبغي حديثك لي مع لقاك
فأرعى الثُّريا معًا والقمر
فيا ظبية البان عني إليك
فما ليَ عند الظبا من وطر
صبوت لكل أغر الطباع
أهيمُ به لا بوجه أغر
وليس وزان جميل الخلاق
لديَّ وزان جميل البشر
إذا ما المحاسن يعرضن لي
طلبت حقائقها لا الصور
رأيتُ الجمال بغير الكمال
كعود زها وهو مُرُّ الثمر
وغيداء ما أنا من همها
زرعت محاسنها بالنظر
نحلت فصرت إذا ما بدت
«أُريها السهى وتريني القمر»
فشوقي ولكنه لا لها
ووجدي وما الدل بي والخفر
يروق ليَ الحسن لكنه
بخلق الفتى لا بخلق الغرر
أكاد أطير لحب الكمال
تطور لا لملاح الطرر
ويُعجبني كل سبط الشعور
وإن كان في العين جعد الشعر
ويملك وديَ كل امرئ
يروق ويصفو على من كدر
ومن يأمن الناسُ من شره
أَآمن في ربه أم كفر
حنانًا بني آدمٍ بينكم
ورفقًا فإنَّا جميعًا بشر
وها نحنُ من شجرٍ واحدٍ
فواعجبي لاختلاف الثمر

بعد حرب الطليان والبلقان

سلْ لدى الحرب ألسن النيران
عن صنيع الإنسان بالإنسان
أو سل الأرض ما جرى فسيول الدَّ
م فيها هدَّارة بالبيان
أو سل الشرقَ ما لقيت من الغر
ب وعدِّدْ غرايب العدوان
كم بريئات أنفُس أشبعتها
غصص الموت جاشعات الأماني
كم مصابيح أوجه أطفأتها
واغرات الصدور بالشنآن
كم تذيق النفوس مران حتف
وخزات المراء لا المران
كم ثمار قد أينعت من رءوس
فجنتها بالظلم كف الجاني
سل قذيف المكسيم كم من خراب
سيم خسفًا فيهِ على العمران
كم جريح مُلقى وآخر شلوًا
وصريع مضنًى وآخر عاني
كم رءوس أودى بها حمم القلـ
ـع فسالت غازًا على الجثمان
كل آن تهمي القنابل كالمز
ن عليها من الحميم الآن
كم نساء أضحت أيامَى تعاني
من يتامى فقيدها ما تعاني
تعقد الراحتين بالقلب مهما
نثرت بالدموع عقد جمان
كم ثكول تشجي الحمائم بالنو
ح فتبدي غرائب الألحان
ولكم أم واحد ذات رزء
ما لها عن عويلها من ثاني
أفهذا وضع السلام على الأر
ض وهذا تمدن الإنسان
أيها المسلمون هبوا فليس الـ
ـموتُ إلا حياتكم بهوان
قد دهاكم ويل فماذا التمادي
وأتاكم سيل فما ذا التواني
جاءكم جارف من الغرب تيا
ر يهدُّ البنا وأس المباني

•••

يستغيث الإسلام فيكم فيلقى
عنه منكم تصامم الآذان
صارخًا فيكم فهل من سميع
صرخات الإسلام والقرآن
أفيرْجو الإسلام لقيان سلم
«بعد حرب الطليان والبلقان»
إنَّ بيض الوجوه سود إذا لم
تغدُ حمرًا من النجيع القاني
إنَّ لبس الثياب خزيٌ إذا لم
تجعلوها لكم من الأكفان
إنكم والنِّساء — ما لو تذودوا
عن حماها عدوَّكم — سيان
إنكم — والأوطان فيها الأعادي
تتهادى — عارٌ على الأوطان
إن عز الملوك في حفظها الأمـ
ـلاك لا في العروش والتيجان
حبذا موتنا على مورد العزِّ
وبئست حياتنا بهوان
كشر الشر عن عواطف سوء
ليس تبقى رسمًا من الإحسان
بينات تبين نيات بغي
أنضجتها تقلبات الزمان
أظهر الغرب ما أجنَّ من الغد
ر وأبدى كوامن الأضغان
وأحاطت بالمُسلمين علوج الـ
ـبغي من كل جانبٍ ومكان
يتشكى «المُراكشي» اعتصابًا
وكشكواه يشتكي «العثماني»
وإذا ولولت «طرابلس» في الغر
ب أتاها العويل من «إيران»
غير أنَّ الزمان يبدي صنوفًا
من حروف غريبة الألوان
فانتظر في صحيفة الكون ماذا
سوف يملي عليهم الملوان
إنما الدهر منجنون جنون
ما على حالة به من أمان
ولكل شأن من الأمر والكو
ن يرى كل ساعة في شان
يصرع البغي أهله مُستثيرًا
وعلى نفسه سيجني الجاني
غير أنَّ الإسلام ضلوا عن الحز
م وناموا على غرور الأماني
أنذرتهم وقائع الدَّهر فيهم
ناطقات لهم بكل لسان
فتعامَوْا عن العظات وهاموا
بزخاريف نعمة وليان
استلانوا نعومة الغرب حتى
راعهم منه نهشة الأفعوان
تركوا دينهم لدُنْيا سواهم
رُبَّ ربح يكون من خسران
وإذا القلب كان أعمى عن الرشـ
ـد فماذا تفيده العينان
وإذا ما اليدان لا تدفع الضيـ
ـم فأولى بالقطع تلك اليدان
ليت من لا يكون ذا حرِّ دين
في البرايا يكون ذا وجدان

بين الغرام والسياسة

حاكم جار واستبد
لا يفي بالذي وعدْ
يشرب الماء بالروا
ء ويسقينيَ الثمد
كم سبح لحظ عينه
وفؤادي له سجد
قد أعان العدى عليَّ
ولم يبق لي عدد
فهْو ظبي على العدى
وعلى أهله أسد

•••

رمت جهلًا به الصلا
ح وقد فاتني الرَّشَد
كيف أرجو صلاحه
وصلاحي به فسد
أيُّها الوالد المقدَّ
س رحماك بالولد
أنت غصن الخلاف لم
أجْنِ منه سوى الكمد
قائد غير أنَّه
للرَّدى حينما ورد
أين وجدانَك الشريـ
ـف وما ذا الذي وجد

•••

يا مليك الجمال جنـ
ـدك فيهِ بدا البدد
أفماء الحياء في
خدك الأحمر انعقد
أم دم الحياة في
وجنةٍ منك قد جمد
ثغرك اللؤلئي من
عقرب الصدغ في رصد
فندوني على هوا
ك وأولى ليَ الفند
صيرونا طرائقًا
حول أطماعهم قدد

•••

قال صبرًا وما درى
كنز صبري به نفد
لا تخلني مُحاجيًا
أو أُعمِّي على أحد
أنت قصدي بما أقو
ل «وحر وما قصد»

إلى صديق

عدال عَنَا قلبٌ من الشوق مشبوب
وصيِّب أجفان كصوب الشآبيب
ولوعة ناءٍ باعدته نوائب
فحنَّ اشتياقًا للقا حنة النيب
تذكر من أحبابه كل غيرة
إذا طلعت قالت لشمس الضحى غيبي
وكل أخٍ حلو الطَّباع تخاله
يُدير على الجُلَّاس بنت الأكاويب
تباعد فازداد اقترابًا به الهوى
فيا لك من بُعدٍ حباني بتقريب
ونائين أفنوا مُهجتي واصطبارها
وأبقَوْا على العلات همي وتعذيبي
فلو بقيت لي مُهجة لافتديتهم
ولكن عداة البين قالوا لها ذوبي
فدت أوجهًا لم تعرف الأنس بعدها
ولا العيش إلا في عناء وتنكيب
وعين بها ابن المَاء والنَّار قد جرى
وليس سوى وجدي وفيض شآبيبي
تُدفِّعه نيران وجدي فيرتمي
بلجي بحر من دموعيَ مسكوب
وعندي لكم يا عرب نجد علائق
تذود لكم عن مسمعي كل تأنيب
وفي البدويات الأعاريب منكمُ
غراميَ لا في الحاضرات الرعابيب
وكم مدَّعٍ صدقَ الوفاء بحبكم
تكشَّف عن زورٍ من الود مكذوب
فقلتُ له مذ غض منكم محاسنًا
وخص سِوَاكم في نسيب وتشبيب
هل الحُسن إلا للحسان الأعاريب
وهل لسواها منه غير الأكاذيب

ومنها في وصف العرب:

يحنون إما للغواني أو الوغى
لسُمر كعاب أو لسمر أكاعيب
بَواديَ لا يأوون إلا إلى الفلا
فهم بين تعريج عليها وتأويب
فمن لي بقرب مُسعف من خيامهم
وهم بين تقويض لهن وتطنيب
إذا هبت الأرواح منهم تباشرت
بنفحتها الأرواح من أرج الطيب
تعيد بنشر الشيح والعود والكبا
لهم نشر ذيل في ثرى الحي مسحوب
عشقت من الأعراب كل مصونة
برمحين في أعطافها والأنابيب
كريمة أحساب بخيلة نائل
رفيعة أنساب بديعة أسلوب
أصائل لا تنمي لأمٍّ هجينة
ولا لأب غير الفحول المناجيب
إذا اجتُلب الحسن اقتسارًا تظاهرت
بحسنين مجلوب إلى غير مجلوب

نيران الحرب العظمى

خلياها تشب في الأرض نارا
تستحيل الأكوان فيها أوارا
يتوقى الجماد لفح لظاها
ويخوضُ الإنسانُ منها غمارا
خلياها تُبيد قومًا فقومًا
وتدك العمران دارًا فدارا

•••

يا كرات الأفلاك ذي كرة الأر
ض استحالت بالاصطدام شرارا
فخذي يا سماءُ بأسكِ منها
واحذريها إن استطعت حذارا
فالمناطيد تستطير فضاءً
والأساطيل تستشيط بحارا
وقذيف المكسيم يلهب قطرًا
ومكين الرشاش يهمي قطارا
فهناك الأشباح تهوي رمادا
ولطيف الأرواح يعلو بخارا
تصبغ الأرض بالدماء فتبدي
خجلًا وجنة السماءِ احمرارا
١  من الرحلة الموسومة بنهزة المسافر ونزهة المسامر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤