الفصل الثالث

تطور الصوفية

على كل حال، بدأ التصوف في القرن الثاني، ثم تطور على مدى القرون، فهذا مما لا شك فيه، ويمكننا إدراك هذا التطور إذا نحن قارنّا بين نصوص رويت عن المتصوفة الأولين، وبين نصوص رويت بعدهم، ثم عمن بعدهم وهكذا، وقرأنا ذلك في مثل كتاب «الرسالة القشيرية»، و«تذكرة الألباب»، فنجد أن النصوص في العصور الأولى واضحة جلية، ثم تطوّرت فدخل فيها ما لم يكن وهكذا.

يفسر ذلك المستشرقون باتصال الصوفية بأهل الديانات الأخرى، ونقول: نحن باحتمال أن ذلك نشأ من التطور الطبيعي، كما تطور الزهد الإسلامي الأول الذي كان عند أهل الصُّفَّة إلى زهد مفلسف، كزهد الحسن البصري، وكما تطور الحب من حب بسيط كالذي عند صهيب إلى حب مفلسف كالذي عند رابعة العدوية.

على الجملة، كان إبراهيم بن الأدهم، وداود الطائي، والفضيل بن عياض، وشقيق البلخي، وكلهم توفّوا في القرن الثاني الهجري، يكاد لا ينكر أحد أنهم صوفية إسلاميون، ثم نرى بعد ذلك في القرن الثالث أن التصوف زادت فلسفته، كالأقوال المنسوبة إلى معروف الكرخي المتوفى سنة ٢٠٠ﻫ، ويصفونه بأنه رجل غلب عليه الشوق إلى الله، ويقول تلميذه سري السقطي: «إن محبة الله شيء لا يكتسب بالتعلم، وإنما هي هبة من الله وفضل.» ثم يزيد التصوف عمقًا في مثل أقوال ابن سليمان الداراني المتوفى سنة ٢١٥ﻫ، وذي النون المصري١ المتوفى سنة ٢٤٥ﻫ.

هوامش

(١) انظر ترجمته في الجزء الثاني من ظهر الإسلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤