الشيخ شيخة

بلاد الله واسعة وكثيرة، وكل بلدة فيها ما يكفيها … كبار وصغار، وصبيان وإناث، أناس وعائلات، ومسلمون وأقباط، وملك واسع تنظمه قوانين وتقضُّ مضاجعه قوانين. وأحيانًا يخرج للقاعدة شاذ، كالحال في بلدنا الذي ينفرد دون بلاد الله بهذا الكائن الحي الذي يحيا فيه، والذي لا يمكن وضعه مع أناس بلدنا وخلقها، ولا يمكن وضعه كذلك مع حيواناتها. وأيضًا ليس هو الحلقة المفقودة بينهما … كائن قائم بذاته لا اسم له، أحيانًا ينادونه بالشيخ محمد وأحيانًا بالشيخة فاطمة، ولكنها أحيان وللسهولة ليس إلَّا. فالحقيقة أنه ظل بلا اسم ولا أب ولا أم، ولا أحد يعرف من أين جاء ولا من الورثة ذلك الجسد المتين البنيان … أما أن له ملامح بشرية فقد كانت له ملامح، كانت له عينان وأذنان وأنف ويمشي على ساقين … ولكن المشكلة أن ملامحه تلك كانت تتخذ أوضاعًا غير بشرية بالمرة، فرقبته مثلًا تميل على أحد كتفيه في وضع أفقي كالنبات حين تدوسه القدم في صغره، فينمو زاحفًا على الأرض يحاذيها، وعيناه دائمًا عين منهما نصف مغلقة، وعين مطبقة. ولم يحدث مرة أن ضيَّق هذه أو وسَّع تلك … وذراعاه تسقطان من كتفيه بطريقة تحس معها أنهما لا علاقة لهما ببقية جسده، كأنهما ذراعَا جلبابٍ مغسول ومعلق ليجف.

وبشعر رأسه القصير الكثيف الخشن كالفرشاة تبدأ مشكلة تسترعي الانتباه … فليس فيه علامات أنوثة، وهو أيضًا يخلو من علامات الرجولة. وجسده ضخم رَبع في سمك الحائط ومتانته، ولكن وجهه لا يحمل أثرًا للحية أو شارب. وكان من الممكن أن يفصل صوته في نوعه ويضمه إلى دنيا النساء أو الرجال، لولا أنه كان لا يتكلم ولا يتحرك إلا إذا أوذي أو تألم. وحينئذٍ يخرج منه فحيح رفيع لا تستطيع أن تعرف إن كان فحيح أنثى أم ذكر، أو حتى فحيح آدمي أصلًا.

وكان نادر المشي، وإذا مشى سار في خطوات ضيقة جدًا، وكأنه مقيد. وهوايته الكبرى أن يقف … يظل واقفًا بجوارك أو أمام دكانك أو في حوش بيتك كالمذنب بلا ذنب، ساعات وساعات دون أن يخطر بباله أن يتحرك. ولا أحد يعرف كيف يأكل أو من أين، فالطعام إذا قُدم إليه رفضه … والبعض يؤكد أنه يقتات بالحشائش من الغيطان، وأن طعامه المفضل هو البرسيم، وأنه إذا شرب يشرب كالمواشي من الترعة. ولكنها أقوال، مجرد أقوال، ولم تبلغ الجرأة بأحد أن يزعم أنها رؤية عين.

وكائن كهذا لو وجد في أي مكان آخر؛ لرأى الناس فيه ظاهرة جديرة بالدراسة والأبحاث، أو على الأقل ينشر صورته في الجرائد والقيام معه بتحقيقات … ولكن أهل بلدنا لم يكونوا يرون فيه كائنًا شاذًّا أبدًا، كل ما في الأمر أنه كائن مختلف. وما دام يحيا بينهم لا يؤذي أحدًا ولا يجلب شرًّا لأحد، فلا اعتراض لأحد على حياته، وحرام أن يعترضه أحد، أو يحملق فيه إنسان، أو يسخر من وُقوفه أو اعوجاج رقبتِه ساخر، فهكذا أراد الخالق. وإذا أراد الخالق فلا مناصَ من إرادته … وليس على العبد أن يعترض على نظامه حتى إذا شذ النظام … وكم شذ النظام حتى ليبدو الكون بلا نظام. وكم من مجذوب مهفوف ومشوه ومجنون … والكل يحيا ولا بدَّ أن يحيا الكل، ويضمهم ذلك الموكب الرهيب البطيء السائر بهم نحو النهاية حيث لا نهاية، كل ما في الأمر أن أهل البلد كانوا يعاملون الشيخ شيخة بنوع خاص من الرهبة ليست فيها تلك القدسية الممزوجة بالسخرية التي ينظرون بها إلى المجاذيب والأولياء، وليست فيها تلك الشفقة الممزوجة بالاشمئزاز التي ينظرون بها إلى المشوَّهين والمرضى. ربما رهبة النظر إلى شيء مخالف شاذ، يكشف بشذوذه عن كُنه النظام الهائل الذي يلف الكون والناس، رهبة من النظام أكثر منها رهبة من مخالفة النظام. كان إذا جاء على قوم جالسين تحاشوا النظر إليه، وتعمدوا ألا يجعلوه يحس أنهم شعروا بوجوده. وقد يلقي عليه واحد أو اثنان نظرات عجلى مستطلعة، ولكن العيون لا تلبث أن ترتد، والألسنة لا تلبث أن تستمر فيما كانت فيه من حديث، بصرف النظر عن وقفته غير بعيد عنهم، وثبوته في مكانه ثبوتَ جذع نبت من الأرض فجأة … وإذا جذب وقوفه الذي يطول انتباهَ الأطفال، والتفوا حوله يتأملونه بلا رهبة أو خشية من معصية الاعتراض، نهرَهم الكبار، وتطوع واحد بالجري وراءهم حتى يغيبهم في شقوق البلدة وحواريها … والويل لهم إذا فكَّر أحدهم في معاكسته، أو نغزه بعود قطن ليجعله يصدر ذلك الفحيح الغامض الرفيع.

وسنين طويلة قضاها الشيخ شيخة في بلدنا على هذه الحال، والناس قد أحلُّوه من كل واجبات الإنسان والحيوان والنبات، وتركوا له كل حقوقها. إذا شاء وقف كالنبات وتسمَّر، وإذا شاء فح كالحيوان، وإذا شاء تحرك من تلقاء نفسه كإنسان وإلى أي مكان يريد، لا يزجره أحد، ولا يعترض طريقه أحد. ويدخل أي بيت ويظل قابعًا في أي ركن فيه ما شاء من الوقت، دون أن يُضايِق وجودُه أهلَ البيت أو حتى يحسوا له وجودًا. وكأنه يصبح إذا حل جزءًا من المكان أو الزمان أو الأثير. تتعرى النساء أمامه، وكذلك يفعل الرجال، وتتحدث العائلات عن أخص شئونها في حضرته، وينام الرجل مع زوجته أو غير زوجته، وتُدبَّر أمامه المكائد وتُكتب البلاغات، ويقول الهامس للآخر حين يريد أن يطمئنه كي يفتح له صدره: قول يا أخي قول … ما تخافش … هو فيه إلا أنا وأنت والشيخ شيخة … قول.

•••

كل ما في الأمر أنه هناك بين كل بضع سنين وأخرى تنطلق إشاعة، خافتة واهنة لا تكاد تصل إلى الألسنة حتى تذوب فوقها وتتبدد … مرة يقولون: إن ثمة علاقة مريبة تربطه بنعسة العرجة، فهي كثيرًا ما تشاهد، وهي تبحث بعينيها في الليل عنه، وأحيانًا تسأل عنه. وكثيرًا ما رؤيت خارجة من الخرابة القريبة من الجامع، حيث كان يقضي معظم لياليه. وهي لا بد تعاشره … في إشاعة، وفي إشاعة أخرى يقولون: إنه ابنها، وإنه جاء هكذا؛ لأنها حملت به سِفاحًا من أبٍ فاسد الدم من رجال البندر، حيث كانت تذهب نعسة لتبيع الجبنة واللبن وأحمال الحطب في الفجر … ويتردد الناس ألف مرة في تصديق أيهما؛ فنعسة تكاد بطلوع الروح تُحسب على جنس النساء، فهي صلبة العود كالرجال، جافة الأخذ والرد متينة البنيان، تدخل العركة وتعور الرجال، وتخرج سليمة لم يُصِب جلبابها تقطيع. مات عنها زوجها وهي صغيرة فتحزَّمت بحزام الكادحين واشتغلت، وتقلبت في الكثير من الأعمال التي يزاولها النساء، ولكن طبعها كان إلى الرجال أقرب. وهو الذي حال بينها وبين الزواج، وهو الذي جعلها تستقر آخر الأمر في عملها الذي رشَّحَتها له عضلاتها القوية وعظامها العريضة … حمالة أحطاب وتبن وطحين وكل ما لا يستطيع وما لا يليق بالرجال أن يحملوه. وكل عدة شغلها «حواية» صنعتها من أثواب بالية، وخاطتها حتى أصبحت كالكعكة. وإذا وضعتها فوق رأسها تستطيع أن تحمل بها حِمل جمل ولا تكِلُّ. وتمضي بحملها ثابتة الخطوة مختالة ترج الأرض، وتحدف عِيَاقةً بساقها، فيرن خلخالها الذي لم تفرط فيه … ربما ليظل العلامة الوحيدة على أنوثتها، تلك التي تلتهم الأحمال الوعرة والعمل الشاق علاماتِها واحدة وراء الأخرى … وعيبها الوحيد أنها كانت إذا مشت فاضية بغير أحمال لا تعرف كيف تمشي، وتنط كالجرادة، وتتذبذب خطواتها بين هزات الأنثى ودغرية الذكر. ومن هنا سموها بالعرجة، سماها الرجل غيرةً، وسمتها النساء استنكارًا، وسماها الكل ظلمًا. أمَن في مثل خشونتِها يعاشر الشيخ شيخة؟ أو حتى يتصور أحد أنها كانت أمًّا لابنٍ ذات يوم، حتى لو كان الابن هو هذا المخلوق؟

ولكنهم يؤكدون ويقولون إنها بعد ولادته أخفَته في نفس الخرابة التي يأوي إليها في كِبَره، وظلت ترضعه خِفْية وترعاه بعيدًا عن الأنظار، ولم يخرج منها إلا وهو كبير بأسنان!

وفي عام يكثر الحديثُ عن ميوعة النساء وفسادهن، ويبلغ الأمر بالبعض أن يدعي أن بعض الجائعات والقاطنات في أطراف البلدة لا يجِدن ما يشبعهن، فيلجأن إلى الشيخ شيخة وهن ضامنات صمتَه المطبق ولسانه الذي لن ينطلق.

ومرة سرَتْ قصة تقول إن الشيخ شيخة ليس ابنَ رجل كبقية الآدميين ولكنه ابن قرد، وإن إحدى نساء بلدنا اللاتي أعياهن البحث عن الخلَف، لجأت إلى غجرية، فوصفت لها «صوفة» تستعملها. واستعملتها ولحَظِّها السيِّئ كان فيها نطفة قرد، جعلتها تحمل وتلد الشيخ شيخة، وتفزع منه ساعة ولادته، فتعطيه للغجرية، وتعطيها نقودًا ثمنًا لسكوتها ولكفالتها له. وتأخذ الغجرية المولود وتلف به في بلاد الله، ثم تعود به وقد كبر، فتتركه عند حافة البلدة وتمضي.

وفي العام التالي تسري قصة أخرى ضاحكة لتؤكد العكس، ولتهمس أن الشيخ شيخة ما هو إلا ابن عبده البيطار الذي يقص شعر الحمير ويقلم حوافرها ويركب لها «الحدوات» الحديد. والذي يُشاع — والعهدة على الرواة — أنه من عشاق إناثها، وبالذات حمارة الشيخ البليدي المأذون، وأن الشيخ البليدي هو الذي تخلص من المولود؛ مخافة أن تلصق التهمة به، أو على الأقل بابنه الذي كانوا يشيعون أنه مصاب بنفس الداء.

أقاويل وقصص وإشاعات هشَّة وخافتة ومتباعدة، ولكنها لا تنقطع. وكأنما يؤكد بها الناس إصرارهم على محاولة تفسير هذا اللغز الحي؛ فلا بد لوجوده بينهم من تفسير وسبب؛ إذ لا بد لكل شيء من سبب، حتى الشيء غير المعقول لا بد لوجوده من سبب معقول، ولكنها إشاعات وحكايات لا تفسر ولا توضح … وبعضها يقال للترويح عن النفس لا غير.

وكان من الممكن أن يظل الشيخ شيخة يحيا في بلدنا يمثل شخصية الحاضر الغائب والراكب الماشي والكائن غير الكائن، لولا أنه ذات ليلة من عامٍ مضى جاء ولد من أولاد العبايدة يجري من ناحية الجامع ويلهث. وما كاد يجد الجمع الذي يسهر عند زقاق الطاحونة، حتى انهار يجلس بينهم ويرتجف ويُغمى عليه.

– ما لك يا ولد جرى إيه؟

قال بتهتهة العبايدة وحشرجتهم: إنتم بالكم إيه!

قالوا: إيه؟

قال: دا أَتَبن الشيخ شيخة بيسمع وبيتكلم زي البربند.

– إزاي يا ولد؟ مش معقول … دا من رابع المستحيل … عرفت إزاي؟

والولد يقسم برحمة أبيه إنه كان فائتًا من ناحية الخرابة، فسمع اثنين يتكلمان بصوت منخفض ما لبث أن ارتفع، فاقترب وإذا به يجد الشيخ شيخة يكلم العرجة، كلام مضبوط مثل كلام الناس، ولم يصدق نفسه، فاقترب أكثر، ولكن نعسة كشَّت فيه، فجرى وجاء يلهث ويرتجف ويروي الحكاية.

•••

وطبعًا لم يصدقه واحد من الجالسين ولا حتى من الذين سرَى لهم الخبر، كلهم أجمعوا على أن كلام الولد تخريف في تخريف، وأنه لا بد قد أرعبته الخرابة فتصوَّر ما تصور. أو من الجائز جدًّا أن المتحدثين كانا من الجان … فهو احتمال أقرب كثيرًا من أن يكون الشيخ شيخة يتحدث أو يتكلم أو يعقل الكلام. وهل من المعقول أن يُخدعوا فيه كل هذه السنين الطوال؟ ثم ما فائدة أن يخدعهم وماذا يستفيد؟ ولأي شيء يعذب نفسه ويقف بالساعات وينام كالحيوانات ويحيا كالديدان؟

ولكن رغم قوة الحجج واستنكار الناس لصحة أي حرف مما قاله الولد، فرغمًا عنهم وبدون قصد راحت نظرتهم إلى الشيخ شيخة كلما رأوه أو تسمَّر قريبًا من أحد مجالسهم … راحت نظرتهم تختلط بتساؤل شاكٍّ بمجرد احتمال، ولو كان احتمالًا غير معقول: ماذا لو كان كلام الولد صحيحًا، وكان الشيخ طول عمره يرى ويسمع ويعقل كل ما دار ويدور أمامه؟

ما إن يطرق التساؤل الرءُوس حتى تنتفض رافضة مستبشعة؛ فمصيبة كبرى بل فاجعة الفواجع لو صح القول … هذه السنين التي قضاها يُعامَل معاملة الكائن المكاني الذي لا يَرى ولا يَسمع ولا يعقل، جعلته يرى من كل قاطن في القرية أحوالًا وأسرارًا لم تطَّلع عليها عين بشر. كل إنسان في البلدة يحيا كالسفينة، جزء منه فوق الماء ظاهر للعيان، وجزء تحت الماء لا يراه أحد. وحتى لو شاهد أقوياء الأبصار ما قرب منه إلى السطح، فمن المحال أن يروا الأجزاء الخافية العميقة التي لا يمكن أن تصلها يدٌ أو عين أو أذن … لا تصلها إلا إذا أخرجها صاحبها، فهو وحده العليم بها … وإذا كان الإنسان كائنًا له أسرار، ومن خواصِّه كإنسان أن يخفي في نفسه أجزاء ويُحكم إخفاءها؛ فكذلك من خواصه الأزلية أنه يخفيها رغمًا عن نفسه وتحت مقاومته، ويضطر بين كل حين وحين للإذعان فيخرجها ويظهرها ويتفحصها، ربما بعد فوات سنين، ولكن لا بد أن يخرجها لنفسه مثلًا إذا كتبها، أو لأقرب الناس إليه أو أحيانًا أبعدهم منه … ولكن لا بد أن يتوسم فيه القدرة على حفظ سره … والشيخ شيخة كان يمثل هذا الدور في أحيان لبعض الناس. وفي أغلب الأحيان رأى ما لم يرَه أحد، وسمع ما لم يسمعه أحد بحكم أنه لم يكن أحدًا. كان كالحيوان المستأنَس … كقطط البيوت مثلًا وكلابها. وما أمنَع ما رأت قطط البيوت وكلابها! وآه لو تكلمت قطط البيوت وكلابها! ربما لما استطاع أحد العيش؛ فهو لكي يعيش كفرد يضطر لإِحاطة نفسه بجلباب وملابس تحفظ جسده وأسراره، ولكي يعيش كفرد في مجموعة يضطر لإِحاطة بعض نفسه بأسوار … ويُسمي هذا البعض أسراره، ففيها كيانه وفيها مفاتيحه ونواياه الداخلية التي تفرقه عن الآخرين وتحفظ استقلاله … والعائلة المكونة من أفراد تضطر لإِحاطة نفسها ببيت ذي جدران بالغة السمك، فيكون لها هي الأخرى كيانها وذاتها واستقلالها … والبلدة تضطر هي الأخرى لإِحاطة نفسها بسور مفترض وحدود وجنسية، وكلمة «بلدي» و«بلدياتي» لتحفظ كيانها من الضياع والذوبان.

كارثة كبرى لو صح الخبر، أو حتى لو كانت هناك شبهة في صحته، فقد لا يعد هذا هدمًا لكل الجدران الداخلية التي تحيطهم وتقسمهم، ولكنه على الأقل فرجة صُنعت في كل جدار، فرجة من الممكن أن ينتقل منها للغير كل ما يحويه الداخل، فيقوم حينئذٍ يوم الفوضى الذي هو أفظع وأبشع من يوم القيامة.

بدءُوا يرمقون الشيخ شيخة إذن بنظرات مرعوبة حيرَى، تطوف حوله وحمى الشك تُعشِيها، والشيخ شيخة على ما هو عليه … رقبته مثنية وجلبابه الأزرق ممزَّق متَّسخ، إذا وقف ظل واقفًا، وإذا جلس لا يتحرك، وعينه على ربع إغماضها لم تتغير، والأخرى على إغلاقها، وملامحه مثلما رأوها دائمًا صلبة متجمدة لا تنفك، وواضح جدًّا أنها ما انفكت طول عمرها. حتى والشك يدفعهم للدوار حوله واستيقافه ومخاطبته، وتوجيه الأسئلة إليه لا تصدر عنه حركة، ولا بارقة انفعال لمحها أحد تطفو على سطح هذه الكتلة المدكوكة من اللحم والعظم والشحم.

وكان أن بدأت الزوابع التي هاجت للخبر تهدأ وتئُوب إلى رضًا واقتناع، والرعب الذي اكتسح كلًّا منهم حين أدرك أنه من الممكن جدًّا أن تكون فرجة صغيرة قد صُنعت في حائطه، وامتدت منها عين واعية، وعرفت كل ما بداخله. هذا الرعب بدأ يتحول إلى اطمئنان وما صاحبه من شك يتجمَّد على هيئة يقين.

•••

وكاد يصبح لما حدث نفس المصير الذي كانت تلقاه الشائعات لولا حادث آخر وقع. وهذه المرة لم يردِّده خائف أو ولد، ولكن رجالًا كبارًا شهدوه بأعينهم، وسمعوه بآذانهم، وكانوا يقسمون على ما يقولون … ففي ظليلة السعدني التي تحتل بطن الجسر، ويُصنع للوافدين عليها القهوة والشاي ويرص المعسل. كان الحديث يدور يوم السوق عن الحادثة التي رواها ابن العبايدة، وكان الشيخ شيخة واقفًا في الشمس فوق الجسر لا يتزَحزح من مكانه، وعرق كثير يكسوه، حين جاءت بالطبع سيرة نعسة العرجة، وانبرى أكثر من واحد يغمزها ويلمزها، ويروي الهواجس على أنها وقائع وأخبار، حتى دفعت المزايدة الدائرة أحدَهم لأن يقسم أنها راودته ذات يوم عن نفسه. وهنا فوجئ الجميع بصرخة، أو على الأصح شيء كالصرخة، فلم تكن صرخة تلك التي سمعوها، ولا استغاثة، ولا عويلًا، وإنما انفجار كالهدير أو كالجمل حين يضرب بالقلة، ثم آهة. ثم الأهم من هذا كله كلمة سمعها البعض «أعوذ بالله»، وبعض آخر «منك لله». وأقسم هؤلاء وهؤلاء، ولكن الشيء المؤكد أنهم جميعًا سمعوا كلامًا بشريًّا يتصاعد قربهم، وحين تلفَّتوا، رأوا الشيخ شيخة يترك مكانه تحت الشمس ويتحرك بأسرع مما اعتاد، ولا يلبث أن يختفي في حقل الأذرة القريب ولا يظهر.

ورغم كل ما دار، وكل ما أجمع عليه الحاضرون واتفقوا، فبعد يوم أو يومين كانت تلح على بعضهم كفُرادى، وتضيِّق الخناق وتستحلفه، فيقول: الحقيقة ما اقدرش أحلف … الله أعلم … إنما إن ما كانش هو حيكون مين؟ الجسر؟

وياما أُقسمت أيمان، ورُميت طلاقات، وهاجت البلدة بالجدل! وقسم كبير يؤكد أنهم خُدعوا في الشيخ شيخة أكبر خديعة، وأنه ظل سنين يمثل عليهم دور الأصم الأبكم؛ ليعرف أحوالهم وأسرارهم ويسرق مخبآتهم، وقسم كبير آخر أهوَن عنده أن يصدق أن الجسر قد نطَق وتكلم من أن يصدق أن الشيخ شيخة هو الذي فعل … ولكن هذا الجدل والخلاف كان يجري على أسطح الألسنة فقط، ففي أعماق الكل كان خوف حاد قد بدأ يتراكم. وكلما راجع أحدهم نفسه ليتذكر ما قاله في حضرة الشيخ شيخة وما فعله، ووجد أن ما قاله كثير وما فعله أكثر، انقلب خوفه إلى هوَس ورعب، وازداد قلبًا للبلدة رأسًا على عقب، باحثًا عنه محاولًا أن يراه؛ إذ ربما تعيد رؤيته، مجرد رؤيته الطمأنينة إلى نفسه، ويصبح كل ما قيل ويُقال كذبًا في كذب وكابوسًا رهيبًا مزعجًا غمر البلدة ومن فيها.

غير أن الشيخ شيخة رغم كثرة الباحثين عنه لم يعثُر له أحد على أثَر؛ مما كان له أسوأ الوقع … إذ تُراه أين ذهب؟ وإلى مَن يحكي الآن ويعدِّد؟

ولكن اختفاءه على أية حال لم يطُلْ، فبعد أيام قليلة وجدوه عائدًا من البندر. وأغرب شيء أن نعسة كانت تسحبه من يده! وما كاد الخبر ينتشر حتى كانت البلدة كلها بكِبارها وصغارها، وبالأخص نساؤها اللاتي كنَّ يبدون هالعات يرتَجفن من الغضب والذعر، ويكوِّنَّ بقعة كبيرة سوداء في الدائرة الآدمية المحكمة التي ضُربت حول نعسة والشيخ شيخة. ومضت أعينها تمتد إليهما وتتفحصهما بحدة وشراهة … ولم يكن شيء قد تغير في الشيخ شيخة … شواله الأزرق على حاله، وشعره على قصره. كل ما في الأمر أن رقبته المثنية كانت قد بدأت تعتدل. والأمر المحيِّر كانت هذه الضحكات التي تصدُر عنه كلما سأله أحدهم سؤالًا، أو وجَّه إليه كلمة. ضحكة غريبة تبدو كما لو كان يتكلمها ولا يضحكها.

أما نعسة فقد ظلت ساكتةً لفترة، ثم وكأنها ضاقت فجأة، انفجرت تسألهم عن سر تجمعهم وتشتمهم، وتلعن آباءهم جميعًا من أكبرِ كبير لأصغَر صغير، يا غَجَر يا لْمامة عايزين إيه؟ ابني ولَّا مش ابني ما لكم وما لنا؟ … أخرس ولَّا بيتكلم عايزين منه إيه؟ كان عيَّان وداويته يا ناس إيه الجناية في كده؟ وحتى لو ما كانش عيان، لو كان سليم وسمع وشاف … يعني حيكون شاف إيه وسمع إيه؟ ما الحالْ من بعضه … واللي بيقول في حق الناس كلام بطَّال بيتقال عليه كلام بطَّال … واللي بيخبي العيب عن جاره حيلاقي جاره بيخبي عنه نفس العيب … حيكون شاف إيه وسمع إيه؟ … اوعَ كده أنت وهو لَحْسَن وحياة مقصوصي ده اللي حاطُوله منكم، حاطْبق زمارة رقبته، ماني سيباها إلا بطلوع الروح.

•••

استمع الناس لكلام نعسة مذهولين حيارى، لا يعرفون بماذا يردون … يرون حماستها التي انبثقَت فجأة، وأسقطت عنها كل خجَل وحجاب، واستعدت معها لأن تعترف مثلًا أن الشيخ شيخة ابنها، وتذْكُر لو لزم الأمر اسم أبيه، وتصك آذانهم الحمَم الخارجة من فمِها، ولا يملكون إزاء ما تقول تصرفًا أو حلًّا.

وكان لا بد أن ينفضَّ الجمع، ويجيء الغد وبعد الغد … ويبدأ الشيخ شيخة يخرج وحده ويجوب البلدة، ويقف موقفته المشهورة لدى جماعاتها الجالسة أو المنتحية ركنًا. ولكن الحديث كان يكف نوعًا ما لمقدمه. وإذا استؤنف وبدأ متحدِّث ما يتكلَّم، وتطلَّع أثناء كلامه ناحية الشيخ شيخة، وفاجأه الشيخ بالضحكة الجديدة التي عاد بها، ولدت الضحكة في عقل الرجل كل الظنون وتلعثم وأُجبر مرغمًا على السكوت … إذن من يدري؟ ربما يضحك الشيخ شيخة منه؛ لكيلة القمح التي لطشها أمامه من الجرن يوم التخزين، بينما هو جالس الآن يتحدث عن السَّرقة واللصوص. وربما يضحك؛ لعلمه بسر نقطة الدم التي لا تزال عالقة بذيلِ جلبابه، وقد كان يومها واقفًا في نفس المكان. وربما هو يضحك منه؛ لأنه بالأمس فقط كان في مجلس آخر وكان الشيخ شيخة هناك، وكان يتحدث بكلام غير الكلام.

حين جاء الغد وبعد الغد … بدأ الناس يدركون أكثر وأكثر أن المحظور قد وقع، وأن ضحكة الشيخ شيخة هي الكُوة التي فُتحت في كل جدار، وأن محتويات مخازنهم الخفيَّة السرية في خطَر، وأنهم أمام الشيخ شيخة عرايا من كل ما يَسترهم ويحفظ لهم الشخصية والكرامة والكيان … وأنهم أبدًا لا يستطيعون أن يحيَوا في بلدة واحدة معه، مع إنسان يعرف عنهم كل شيء … ويواجههم بضحكته الغريبة البشِعة أنى يكونون!

•••

وكان لا بدَّ أن يصحو الناس مذعورين ذات صباح على صراخ مُدوٍّ، صادر عن قلب يعوي ويتمزق، ويقول: يا بني يا حبيبي.

وتُسرع الأرجل هالِعة إلى مصدر الصوت، فيجدونه ينبعث من الخرابة، ويجدون نعسة صاحبته، ويفاجَئُون بها تقذفهم بوابل من الطوب والأحجار، وتبكي بحُرقة وتلعنهم، وتقول إنه كان طول عمره أصم أبكم، وإن الويل لهم منها. بينما الشيخ شيخة ممدَّد أمامها غارقًا في دمه، ورأسه محطم بحجر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤