بين يدَي الكتاب

موضوعات هذا الكتاب هي بحُكم الضرورة انتقائية، فعالم ألف ليلة وليلة رحيب رحابة لياليها الألف والواحدة، وكل موضوعٍ عنها يُمكن أن يستغرق كتابًا بحالِه، ويمكن أن يتفرَّع إلى عددٍ من الموضوعات الأخرى، كما تتفرَّع قصصها الإطارية إلى قصص داخلية على نحوٍ مستمر.

وقد تركز جهدي في تلك الأبحاث في عملية تجميع وتوفيق بين أبحاثٍ وكتب عديدة تناولت هذا الموضوع العريض. كما قمتُ بعرض آراء الباحثين الذين كتبوا فيه في مختلف اللغات، واضعًا كل رأيٍ في مكانه الخاص به حسب الموضوعات التي قسَّمتُ إليها الكتاب، ولذلك فإن عملي في الكتاب أقرب إلى التصنيف والترجمة والترتيب، أكثر منه تأليفًا، عدا بعض الآراء التي تختصُّ بموضوعاتٍ مُحددة مثل علم النفس في حكايات ألف ليلة وليلة، والقصة البوليسية والخيال العلمي، وغيرها. وقد اعتمدتُ اعتمادًا أساسيًّا على خمسة كتب أساسية هي:

  • (1)
    PETER L. CARACCIOLO (EDITOR): THE ARABIAN NIGHTS IN THE ENGLISH LITERATURE, ST. MARTIN’S PRESS, NEW YORK, 1988.
  • (2)
    ALICE E. LASATYER: SPAIN TO ENGLAND UNIVERSITY PRESS OF MISSISSIPPI, 1974.
  • (3)
    E. L. RANELAGH: THE PAST WE SHARE, QUARTET BOOKS, 1979.
  • (4)
    ROBERT IRWIN, THE ARABIAN NIGHTS, A COMPANION, PENGUIN BOOKS, 1994.
  • (5)
    MIA I. GERHARDT: THE ART OF STORY-TELLING, A LITERARY STUDY OF THE THOUSAND AND ONE NIGHTS, LEIDEN, E. J. BRILL, 1963.

وقد عرضت أهم ما جاء في تلك الكتب مع الشرح والتعليق والموازنة، وكلي أملٌ أن تجري ترجمة هذه الكتب إلى اللغة العربية في القريب العاجل، حتى تكون متاحةً بكامل ما فيها أمام القارئ العربي، كيما يُدرك حجم الأثر الهائل الذي تركه ذلك الكتاب العربي في أعلام الأدب العالمي في كل زمان ومكان.

ويضاف إلى هذه الكتب الأساسية، عشرات من المراجع الأخرى التي رجعتُ إليها لتقطير بعض ما جاء فيها في مقالات وأفكار هذا الكتاب، كيما أُقدمها في صورةٍ سهلة مختصرة إلى القارئ العربي. وقد قرأت تلك المراجع في لُغاتها الأساسية التي أعرفها — العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية — أما الألمانية فقد اضطررتُ إلى قراءة كُتبها مترجمةً إلى إحدى تلك اللغات التي أقرأ بها، وقد تنبَّهت إلى أهمية اللغة الألمانية في دراسات الأدب واللغة المُقارنَين، إذ أسهم الباحثون الألمان بنصيبٍ وافر في الدراسات المشرقية والعربية على نحوٍ يجعل معرفة تلك اللغة ضرورة هامة.

ومن الأهمية بمكانٍ التأكيد على أن الهدف الأساسي من هذه الأبحاث ليس هو تبيان ما اقتبسه الأوروبيون من حكايات ألف ليلة وليلة وغيرها من القَصَص العربي، بقدر ما هو ربط الموضوعات بعضها بالبعض الآخر، وإقامة موازنات ومُقابلات بين تلك الأعمال الأوروبية ومثيلاتها في الكتاب العربي الشهير، كذلك فقد اتخذتُ من تلك الموازنات نقطة انطلاقٍ للحديث عن مؤلَّفات وكتب أوروبية تدخل في نطاق موضوع البحث، بهدف إعطاء القارئ العربي فكرةً أوسع وأشمل عن حدود الموضوع، وكيفية تناوله من جوانب مختلفة.

ولما كانت بعض حكايات ألف ليلة وليلة تزخر بشخصياتٍ عديدة وبأحداثٍ كثيرة بالِغة التعقيد والتداخل، كان لزامًا تناول تلك الحكايات أكثر من مرة، حسب فصول البحث، فهناك حكايات تدخُل في نطاق مواضيع قصة الإطار، والقصة البوليسية، وقصص مكائد النساء، مثلًا؛ ولذلك سيجد القارئ شيئًا من التكرار في الحديث عن تلك القصص؛ إذ إنها تحتوي على عناصر لازمة للنقاش في الفصل الذي يتناوله البحث. وقد بذلتُ جهدي في تقليص هذا التكرار قدر الإمكان، ولكني أحرص هنا على الإشارة إليه، وأنه مقصود في حدِّ ذاته لتأكيد بعض الأفكار الأساسية التي يهدف إليها هذا الكتاب.

وقد نبع اهتمامي بكتاب ألف ليلة وليلة منذ توفري على دراسة الفن الروائي بصفةٍ عامة؛ إذ نحن نجد في الكتاب العربي كل أنواع القصة قديمها وحديثها، في صورةٍ هي بدائية بطبيعة الحال؛ ففيه كل أنواع السرد، وكل أنواع الخيال، وكل أنواع الواقعية. فمن ناحية الأشكال السردية، فبالإضافة إلى ما ذكرناه عن القصة الإطار والقصة داخل القصة، هناك أيضًا السرد المباشر والسرد غير المباشر وتيار الوعي (حكاية النائم اليقظان) ووجهات النظر والمؤلف المُتطفل وامتزاج الأنواع الأدبية وتداخُلات الزمان والمكان، وغيرها. وفي ألف ليلة أيضًا من المواضيع ما جاء بكتابنا عن الرواية البوليسية ورواية الخيال العلمي، بيد أن فيها أيضًا ما يمكن اعتباره إرهاصات رواية الأجيال والرواية التاريخية ورواية الرسائل والقصة السيكولوجية والقصة الإيروسية، وغير ذلك، وقد قُمتُ منذ سنوات بترجمة كتاب «الفن الروائي» لديفيد لودج، وفيه خمسون فصلًا تُعالج الأوجه المختلفة للرواية والقصص، وفي الإمكان تطبيق كل هذه الفصول على حكايات ألف ليلة وليلة، ربما باستثناء الفصل المُعنوَن «التليفون»، برغم إمكانية تطبيقه — بقليلٍ من الخيال — على بعض أشكال الاتصال عن بُعدٍ بين بعض شخصيات ألف ليلة! وهذه الموضوعات مادة خصبة للبحث لكلِّ مَن يهتمُّ بهذا الموضوع من موضوعات الأدب المقارن والأدب الروائي.

وسوف أذكر هنا في سطورٍ موجزة أمثلة ثلاثة تُبين مدى ما كانت ألف ليلة وليلة — وما تزال — تتمتع به في الغرب من أهمية، أولها أنها كانت تُدرج — في العصر الفيكتوري بإنجلترا — ضمن الكتب العشرة الأكثر انتشارًا؛ وثانيها ما ذكره الباحث الرحَّالة البريطاني دوجلاس سلدن بعد رحلته إلى القاهرة في بداية القرن العشرين، من أن ألف ليلة وليلة بترجمة إدوارد لين هي العمل الكلاسيكي الأجنبي الأعظم بعد الكتاب المُقدس؛ والثالث هو اختيار أهم دار لنشر كتب الاقتناء وهي «إيستون برس» الأمريكية ألف ليلة وليلة لإدراجها ضِمن أهم مائة كتاب في العالم قاطبة.

وتبقى كلمة عرفان وامتنان لأصدقاء العمر الذين أمدُّوني بالمشورة والكتب والتشجيع: الأستاذ على كمال زغلول، الدكتور محمد عناني، المستشار أحمد السودة، الأستاذ محمد محمد عتريس، الدكتور ماهر شفيق فريد، فلَهُم كل شكر وتقدير.

ماهر حسن البطوطي
نيويورك، ٢٠٠٥

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤