الكلمات

الجرائد

لا أرى الصحف في مصر إلا ناديًا من أندية القمار، ولا هؤلاء الكتاب إلا جماعةً من اللاعبين قد وضعوا رءوس المصريين على مائدة اللعب، كما توضع الأكر على طاولة «البليار» ثم داروا حولها يلعبون بها ويتدافعونها، فيكسبها في الصباح «زيد» ويخسرها في المساء «عمرو» وربما لا يأتي آخر الليل حتى يدور النحس دورته عليهم جميعًا، فيخسرها الكل ويكسبها صاحب النادي.

عبد الحميد

حضرت منذ أشهرٍ قلائل تمثيل روايةٍ في مسرح عربيٍّ اختتمها جوق التمثيل بنشيدٍ للسلطان عبد الحميد يصفه فيه ناظمه بالعدل والرحمة، والرفق والإحسان، ويدعو له بسلامة عرشه، وطول بقائه. فما سمع الناس اسمه حتى هتفوا له هتافًا يصم المسامع، وصفقوا له تصفيقًا كاد يضم أضلاع «المرسح» بعضها إلى بعض. وحضرت ليلة أمس منظرًا من مناظر الصور المتحركة، فرأيتهم يمثلون ذلك السلطان بعينه رجلًا ظالمًا سفاحًا، ضعيف الهمة، ساقط النفس، زَمِن المروءة، جبانًا مستطارًا. ورأيتهم قد عمدوا إلى صورته فجعلوها مواطئ أقدامهم، ومضارب سيوفهم، فما رأى الناس هذا المنظر حتى راق في أعينهم، وابتهجوا لمرآه ابتهاجًا ملأ فضاء صدورهم، فتمشَّى في أعصاب أدمغتهم، حتى وصل إلى أعصاب أيديهم، فصفقوا له تصفيقًا شديدًا بتلك الأكف التي رأيتهم يصفقون بها في مسرح التمثيل.

أنا لا أعلم إن كان عبد الحميد ظالمًا أو عادلًا، كريمًا أو لئيمًا، شريفًا أو وضيعًا، وإنما أعلم أنني سأموت قبل أن أقف على حقيقةٍ تاريخيةٍ في أمره ما دام الناس عامتهم وخاصتهم، كتابهم وشعراؤهم، علماؤهم وجهلاؤهم، هم الناس الذين يقول فيهم القائل:

والناس من يلقَ خيرًا قائلون له
ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل

الشهرة

لا يمكن أن تكون الشهرة بحال من الأحوال ميزانًا للفضل في مصر، خصوصًا في عالم الأدب، ولن يجري الفضل والذكر في ميدانٍ واحدٍ إلا إذا سلم السباق من كيد العابث وخدعة الأريب، وأنى لنا ذلك، وفي شعراء مصر من يغتصب الشهرة اغتصابًا ويلصقها بنفسه إلصاقًا، وينزع إليها بوسائل لو عرفها الناس لأنزلوه منزلته، وألبسوه حلته، بينما ترى الآخر قد قنع من أدبه بلذة نفسه، وإمتاع وجدانه، فلا يترنم بقصائده في المنتديات والمجامع، ولا يبتاع من الصحف الأسماء والألقاب، ولا يستخدم الكتاب لإطرائه والإشادة بذكره، ولا يتمم ما يجده في النقص في أدبه بالغض من أدب غيره. فترى للأول في هذا البلد الساذج دويًّا كدوي الرعد، وترى الآخر مطرحًا مجفوًّا لا يؤبه له، والدر في الصدف أغلى قيمة وأرفع قدرًا من جميع ما على وجه الأرض من ألواح البلور، وإن كان ملء العيون حسنًا وبهاءً، ورونقًا وماء.

فكاهة

حدثني بعض الأصدقاء أنه دخل في أيام الحرب الروسية اليابانية حانوت حلاقٍ معروف بالثرثرة أكثر من أفراد طائفته، ليحلق له رأسه، وكان عنده جماعةٌ من زائريه، فأجلسه على كرسي أمام مرآةٍ، وأمسك بالموسى وأنشأ يحلق له رأسه حلقًا غريبًا لا عهد له بمثله من قبل، فكان يحلق بقعة ويترك إلى جانبها أخرى مستطيلةً أو مستديرة، وأخرى مثلثة أو مربعة حتى ريع الرجل وظن أنَّ الحلاق قد أصابه مسٌّ من الجنون، فارتعش بين يديه، وخاف أن يمتد به جنونه إلى ما لا تحمد عقباه، واعتقل لسانه، فما يستطيع أن يسأله عن سر عمله هذا.

فما انتهى الحلاق من أشكاله الهندسية، ورسومه الجغرافية حتى التفت إلى جلسائه وقال لهم كأنه يتمم حديثًا سابقًا بينه وبينهم: «لأجل فض النزاع بيننا ها قد رسمت لكم خريطة الحرب الروسية اليابانية في رأس الزبون، هنا طوكيو، وهنا بور أرثر، وهنا انكسر كروباتكين، وهنا انتصر أوياما، وفي هذا الخط مر الأسطول الروسي، وفي هذه البقعة تلاقى الأسطولان.»

وهنا أخذ يتكلم بحدةٍ وحماسةٍ عن شجاعة اليابانيين وبسالتهم، ثم أردف كلامه بقوله: «وفي هذه البقعة ضرب اليابانيون الروس الضربة القاضية.» وضرب بجمع يده أمَّ رأس الزبون، فقام صارخًا يولول ويهرول مكشوف الرأس يلعن السياسة والسياسيين، والروس واليابانيين، والناس أجمعين!

لا أعلم إن كان المحدث هازلًا أو مجدًا، وإنما أعلم أنه قد أجاد التمثيل.

الأقسام

لا أعرف فرقًا بين حنث الحانث في يمينه، وكذب الكاذب في حديثه، كلاهما ضعيف المنة، وكلاهما ساقط الهمة. وكما لا يستطيع الكاذب أن يكون صادقًا، كذلك لا يستطيع الحانث أن يكون بارًّا، وناقض العهد أن يكون وفيًّا. فخداعٌ من المتكلم أن يزعم أن لأحاديثه من الشأن في مواقف الأقسام ما ليس لها في غير تلك المواقف، وأنه يتحرج في الحنث ما لا يتحرج في الكذب؛ فإن من يستصغر جرم الكذب لا يستكبر من بعده جرمًا.

الدين

أيها الناشئ، إنَّ من الناس قومًا قد ضعفت نفوسهم عن احتمال ثقل الدين، وسلطان أمره ونهيه، فخرجوا عليه ونبذوا طاعته. ثم علموا أنَّ الناس سيأخذون عليهم ضعفهم وعجزهم، فلم يجدوا معذرةً يعتذرون بها إليهم غير دعوى إنكار الدين استثقالًا وتبرمًا، لا تقلدًا وتمذهبًا، وما هم بمنكريه ولا جاحديه. فاعلم أنَّ الله سيبتليك بهم، وأنهم سيزينون لك إنكار ما يزعمون أنهم ينكرونه، وسيخيلون إليك أنك لن تستطيع أن تبلغ ما تريد من هذه المدنية الحاضرة، وأن تنال الحظوة الباسقة في نفوس أصحابها إلا إذا تنكرت لدينك وتسلبت منه، وخفرت ذمته. فاحرص الحرص كله على أن لا يعلق بنفسك عالقٌ من هذه الخيالات الباطلة. واعلم أنك إلى نفسك أحوج منك إلى الناس، وأنَّ الناس لا يغنون عنك من الله شيئًا إن أنت آثرت مرضاتهم على مرضاته، وأنَّ هذه الحياة الحافلة بصنوف الشقاء وأنواع الآلام، والتي لا يفيق المرء فيها من غمرةٍ إلا إلى غمرة، ولا يئل من عثرةٍ إلا إلى عثرة، لا يعين عليها إلا عقيدةٌ راسخةٌ يلوذ بها الحائر كلما عثرت خطواته، وتداركت عثراته، ويستروح من أعطافها رائحة الجنة كلما ضاق ذرعه باحتمال جحيم العذاب.

الحقيقة

قال لي بعض الناس: «إنَّ قومًا يغرقون في مدحك فهلَّا زجرتهم؟» فقلت له: «إنَّ آخرين قد أغرقوا في ذمي فلم أصنع شيئًا فدع الأكاذيب يقرع بعضها بعضًا، فربما استطارت من تلك المعركة شرارة تضيء للناس مكان جوهرة الحقيقة المذالة تحت الأقدام فيلتقطونها.»

الانتقاد

بين نقد المؤلفات هنا ونقدها هناك فرقان: أحدهما يتعلق بالناقد، والآخر يتعلق بأثر النقد في الأذهان، أما الأول؛ فهو أنَّ الناقد هنالك ينتقد الكتاب من حيث ذاته، فلو لم يكن للكتاب صاحبٌ لانتقده، وهنا ينتقده باعتبار شخص مؤلفه؛ أي إنه لا ينتقد الكتاب، بل صاحب الكتاب في كتابه. وأما الثاني وهو أثر طبيعي للأول؛ فهو أن للانتقاد هناك أثرًا ظاهرًا في الكتاب من حيث رواجه وكساده، وشهرته وخموله، فكما يقول المنتقد يقول الناس بقوله، وهنا يمر الانتقاد بالأذهان مرًّا، فلا يبقى من آثاره فيها إلا أثرٌ واحد، وهو أنَّ الكتاب جليل القدر، سني القيمة، ولولا ذلك ما احتفل بأمره محتفلٌ؛ لذلك رأيت كثيرًا من عقلاء الأدباء لا يرضون عن أنفسهم في هذا البلد إلا إذا انتقد الناقدون مؤلفاتهم. بل رأيت من يتوسل إلى أحد الناقدين أن ينتقد مؤلفه. بل رأيت من يبلغ به الأمر أن ينتقد كتابه بنفسه بتوقيعٍ منحولٍ. أولئك الذين يعرفون قيمة المنتقدين عندنا، وأثر انتقاداتهم في نفوسنا. أما الذين يغضبهم الانتقاد ويحرج صدورهم، فهم الذين لا يعرفون من هذا ولا ذاك شيئًا.

الحزم

إنَّ الدرهم الذي تمنحه لمن لا يستحقه، يخرج من يدك فلا تجده في اليوم الذي ترى فيه أمامك من يستحقه، وإن الدينار الذي تعطيه الشارب ليشتري به كأسًا يقتل بها نفسه، لا يتيسر لك أن تعطيه الفقير العائل ليشتري به رغيفًا يسد به جَوْعَةَ ولده.

الألم

إنَّ في كثير من الآلام التي نعالجها لذائذ ومسراتٍ يدركها من عرف أنَّ الإنسان بطبيعته غافلٌ عما يهدده من مصائب هذه الحياة وأرزائها، وأن الآلام الضعيفة التي تناله من العثرات الصغيرة، نذرٌ تأتيه من عالم الغيب لتحذره من الآلام الشديدة التي تناله من السقطات الكبيرة.

الغفران

ليس الحقد واحتمال الضغينة غريزةً من الغرائز اللازمة للإنسان، فإن الرجل قد يصفح عن سيئات الأطفال؛ لأنهم لا يملكون الخيار لأنفسهم، ويذكر لأصحاب السيئات من الموتى حسناتهم؛ لأن الزمن الذي ذهب بهم ذهب بخيرهم وشرهم، فلمَ لا نغتفر ذنوب أولئك الذين ما أذنبوا إلا بعد حربٍ مستعرةٍ قامت بين عقولهم وقلوبهم، ثم سقطوا على أثرها صرعى لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا.

الدعوى

إن أردت أن تكون في الأمة الجاهلة كلَّ شيءٍ فادَّعِ لنفسك كلَّ شيءٍ، تنلْ بقولك في الزمن القصير ما لا ينال غيرك بفعله في الزمن الطويل، فإن الكاذب لا يزال يكذب حتى يصدقه الناس، ثم لا يزال يكذب حتى يصدق نفسه!

الدين والوطن

من لا خير له في دينه لا خير له في وطنه؛ لأنه إن كان بنقضه عهد الوطنية غادرًا فاجرًا، فهو بنقضه عهد الله وميثاقه أغدر وأفجر، وإن الفضيلة للإنسان أفضل الأوطان، فمن لم يحرص عليها فأَحْر به ألا يحرص على وطن السقوف والجدران.

الحلم

إذا توردك متوردٌ بكلمة سوءٍ فلا تبتئس بها، فإنك في موقفك هذا بين اثنتين، إما أن يكون الرجل صادقًا فيما يقول أو كاذبًا، فإن كانت الأولى فاحمد الله تعالى على أنْ قيض لك من أرشدك إلى عيبك، وكشف لك عن خبيئة نفسك، وإن كانت الأخرى فَارْبَأ بنفسك أن تكون من الجاهلين الذين يتوهمون أن في استطاعة الأكاذيب أن تبقى طويلًا على ظهر الأرض.

الأدب

لا تكافئ السفيهَ على سفهه بمثله، فإنك إن فعلت قضيت له على نفسك، وأصبحت شريكه في الخلة التي تزعم أنك تنقمها عليه، فإن كنت لا بدَّ منتقمًا، فليكن مثلك مثل الأحنف بن قيس، إذ جاءه رجل قد جعل له بعض الناس جُعْلا على أن يغضبه، فما زال يسبه ويشتمه ويلح في ذلك إلحاحًا محرجًا، والأحنف ساكتٌ لا يقول شيئًا حتى ضاق بالرجل أمره، فانقلب إلى قومه باكيًا نادبًا يأكل أصبعه أكلًا ويقول: «والله ما سكت عني إلا لهواني عليه!»

الأخلاق

مثل المتعلم غير المتأدب كمثل شجرةٍ عاريةٍ لا تورق ولا تثمر، قد انتصبت للناس في ملتقى الطرق تعترض الرائح وتصدُّ سبيل الغادي، فلا الناس بظلها يستظلون، ولا هم من شرها ناجون.

الاعتدال

بين الجبن والتهور منزلةٌ هي الشجاعة والإقدام، وبين البخل والإسراف منزلة هي الكرم، وبين العفو والانتقام منزلة هي العقوبة، وبين العجز والجهل منزلة هي الحكمة، فليكن من أفضل ما تأخذ به نفسك التريث والتثبت عند النظر في الفرق بين مشتبه الفضائل والرذائل، واعلم أنك لا تزال كريمًا حتى تنفق مالك في غير موضعه فإذا أنت مسرفٌ، وأنك لا تزال حليمًا حتى تغضب للباطل فإذا أنت جهولٌ، وأنك لا تزال جبانًا حتى تقاتل عن عِرضك وشرفك فإذا أنت شجاعٌ. وأن كل الناس يعرفون الفضائل والرذائل ويفهمون معانيها، أما إدراك الفروق بين مشتبهاتها ونظائرها فتلك رتبة العقلاء الأذكياء.

البر

ربما كان لك من أبويك، أو من ذوي رحمك ممن تولَّوا شأنك في مفتتح عمرك من لم تساعده شئون دهره، أو عصور نشأته على أن ينال حظًّا من العلم والمعرفة مثل ما نلت، فإيَّاك أن يدعوك ذلك إلى تسفيهه أو تجبيهه، أو السخرية به، أو الإدلال عليه! فإنك إنْ فعلت خَسِرْت من الأدب أضعاف ما كسبت من العلم. على أنه ربما كان لكبيرك هذا — الذي عققته وظلمته وكفرت بفضل نعمته عليك — من العلم بتجارب الحياة ومقاتلها، وموارد الأمور ومصادرها ما يبهر علمك الذي تعتد به، وتدل بمكانك منه عليه، وهنالك تكون قد خسرت فوق خسران أدبك، ما كان خليقًا بك أن تتلقاه بين يديه من علوم التجارب، التي ليست علوم الدراسة بالإضافة إليها إلا كالنقطة من البحر، والمدرة من القفر.

الرأي العام

ليس إجماع ألفٍ، أو عشرة آلافٍ، أو مائة ألفٍ متأثرين بشعور واحد مستمدين من روح واحدةٍ على رأي من الآراء، دليلًا على صحة ذلك الرأي؛ لأنه قد يكون رأي فردٍ واحد تأثر به الباقون تقليدًا وعدوى، ورأي الواحد مترجحٌ بين الخطأ والصواب.

الزعامة

لا يشترط في قيادة الجموع أن يكون القائد مفرطًا في الذكاء أو العقل أو الدهاء، بل يكفيه من ذلك كله شيءٌ من العلم بأذواق أتباعه وميولهم، وسبل الوصول إلى قلوبهم، لا يزيد على علم التاجر بأذواق زبائنه ورغباتهم.

الاستقلال

لا سبيل للإنسان إلى الخلاص من الاندفاع في تيار الجماعات وضلالها — مهما كان ذكيًّا أو مفكرًا — إلا إذا حبس نفسه عن الانضمام إليها، أو كان له من عزيمة الرأي، وقوة النفس ما يمكنه من تربية نفسه على التجرد حتى يصير طبيعة له، فيحضرها شاهدًا كغائبٍ، ومجتمِعًا كمنفرد.

روح الاجتماع

ليس حب الجماعة لبعض الناس وبغضهم لآخرين دليلًا على رفعة من يحبون وضعة من يبغضون، وليست جرائمهم التي يقترفونها باسم الشعور الذي يشتركون فيه دليلًا على أن من يقتلون يستحق القتل، أو من يشتمون يستحق الشتم، أو من يحتقرون يستحق الاحتقار، بل كثيرًا ما تكون الحقيقة على العكس من ذلك عندما يكون قائد تلك الجماعة من أشرار الناس وأدنيائهم.

الاندفاع

ليس انضمام فردٍ من أذكياء الناس وعقلائهم إلى جماعةٍ من الجماعات دليلًا على فضل تلك الجماعة، أو شرف مقاصدها، أو صحة مبادئها؛ لأنه لا يجتاز عتبة مجتمعها إلا بعد أن يخلع عقله ومواهبه مع ردائه وعصاه خارج بابه.

الشقاء

السبب في شقاء الإنسان أنه دائمًا يزهد في سعادة يومه، ويلهو عنها بما يتطلع إليه من سعادة غده، فإذا جاء غده اعتقد أن أمسه كان خيرًا من يومه. فهو لا ينفك شقيًّا في حاضره وماضيه!

اللفظ والمعنى

لم أرَ فيما رأيت من الآراء في قديم الأدب وحديثه أغرب من رأي الذين يفرقون في أحكامهم بين اللفظ والمعنى، ويصفون كلًّا منهما بصفةٍ تختلف عن صفة الآخر؛ فيقولون: «ما أجمل أسلوب هذه القصيدة لولا أن معانيها رديئة!» أو «ما أبدع معاني هذه القطعة وإن كان أسلوبها قبيحًا!» كأنما يخيل إليهم أن اللفظ وعاءٌ، وأنَّ المعنى سائلٌ من السوائل يملأ ذلك الوعاء، فتارة يكون خمرًا، وتارة يكون خلًّا، ويكون حينًا صافيًا، وأخرى كدرًا، وما علموا أنهما متحدان ممتزجان امتزاج الشمس بشعاعها والخمر بنشوتها، فكما لا يجوز أن نقول: «ما أجمل الشمس وأقبح شعاعها! ولا ما أعذب الخمرة وأمرَّ نشوتها!» كذلك لا يجوز أن نصف اللفظ بالجمال، والمعنى بالقبح أو نعكس ذلك. وليعلم الناشئ المتأدب أنه ليس للفظ كيانٌ مستقلٌ بنفسه، فجماله جمال معناه، وقبحه قبحه، وأنَّ القطع الأدبية التي نصف أسلوبها بالجمال إنما نصف بذلك معانيها وأغراضها، وأنَّ الذين يزعمون من الشعراء أو الكُتَّابِ أنَّ أساليبهم الغامضة الركيكة المضطربة تشتمل على معانٍ شريفةٍ عالية، كاذبون في زعمهم أو واهمون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤