الفصل الرابع

(١) برُبْدِنْجَاج

لَعَلَّ القارِئَ قَدِ اشْتاقَ إلى تَعَرُّفِ هذه الْمَمْلكةِ وَأَوْصافِها، كما عَرَفَ — من قبلُ — أَوْصافَ إِمْبَرَاطُورِيَّة «ليلِيبُوت». ولَيسَ في قُدْرَتِي أن أَصِفَ هذه الْمَملكَةَ الفَسِيحةَ الأَرْجاءَ، المُتَرَامِيَةَ الأطْرافِ، وَصْفًا مُسْهِبًا، فَلأَجْتَزِئُ بِوَصْفِها وَصْفًا عاجِلًا، على قَدْرِ ما أَعرِفُه منها، ولا أَكْتُمُ القارِئَ أَنني أحْبَبْتُ هذه البلادَ، وفُتِنْتُ بها أَشَدَّ الْفِتْنَةِ.

تَقَعُ هذه الْمَمْلَكَةُ في رُقْعَةٍ فَسِيحَةٍ منَ الكُرَةِ الْأَرْضيَّةِ، طُولُها ثلاثةُ آلافِ ميلٍ، وعَرْضُها ألفانِ وخَمْسُمِائَةِ مِيلٍ. ولسْتُ أَشُكُّ في أَنَّ عُلَماءَ الجُغرافِيَةِ واهِمُونَ إذْ يُقِرِّرُونَ — جازِمِينَ — أنَّ لَيْسَ بين «الْيابانِ» و«كَلِفُورْنيا» إلَّا بَحْرٌ. ولقد طالما دار بِخَلَدِي أنَّ في تلك الأَنْحاءِ قارَّةً كبيرةً. ولو تُرِكَ الْأمْرُ إِلَيَّ لأَوْصَيْتُ بِتَصْوِيبِ الْمُصَوَّراتِ الْجُغرافِيَّة، وتلافي هذا النَّقصِ فيها، وضَمِّ هذه البِلادِ الفَسيحَةِ إلى الأقْسامِ الشَّمالِيَّةِ الغَرْبيةِ في «أمْريكا». وإنِّي مُسْتَعِدٌّ لِمُعَاوَنَتِهِم في ذلك — إذا شاءُوا — والإفْضاءِ إليهم بِما أَعْلَمُه عن هذه الْبِلادِ.

(٢) وَصْفُ «برُبْدِنْجَاجَ»

وليستْ هذه المَمْلكَةُ إلَّا شِبْهَ جزيرةٍ كبيرةٍ، تنتهي شمَالًا بسِلسِلَةِ جِبالٍ يبلغُ ارتِفاعُها نَحْوَ ثلاثين ميلًا تقريبًا، ولا سَبِيلَ إلى الدُّنُوِّ منها لكثْرَةَ ما في ذُراها من الْبَرَاكِينِ. وليس في عُلَماء الْجُغرافية عالِمٌ واحدٌ يعرفُ ما وراءَ هذه الجِبالِ الشَّامِخَةِ مِنَ السُّكانِ، وهَلْ هِيَ مَأْهُولَةٌ بأبناءِ آدَمَ أو غَيْرُ مَأْهُولَةٍ؟

وليس في هذه الْمَمْلَكَةِ — عَلَى سَعَتِها — مَرْفَأٌ واحِدٌ تَرْسُو عَلَيْه السُّفنُ، وإنَّكَ لَتَجِدُ — عند مَصابِّ الأَنْهارِ كُلِّها — كثيرًا من الصُّخورِ الْمُرْتَفِعَةِ الوَعِرَةِ، وترى البحرَ في تلك الْجهاتِ كثيرَ الاضْطرابِ، حتى لَيَتَعذَّرُ على أيِّ إِنْسانٍ أو أَيَّةِ سَفينةٍ الاِقْتِرَابُ منها. وقد كان هذا سببًا في عُزْلَةِ هذه البلادِ عن العالَمِ، وانقِطاعِ الْمُعَامَلاتِ التِّجارِيَّةِ بين أهْلِها وبينَ بَقِيَّةِ سُكَّان الدُّنْيَا.

(٣) سَمَكُ «برُبْدِنْجَاجَ»

وفي هذه البلادِ أَنْهارٌ كبيرةٌ غاصَّةٌ بأفْخَرِ أنْواعِ السَّمَكِ، وقَلَّما ترى أحدًا في تلك البِلادِ يَصِيدُ السَّمَكَ من الْمُحِيطِ، لأنَّه لا يَزيدُ — في حَجْمِهِ — عنِ السَّمَكِ الذي نَراه في بلادِنا ونَسْتَخْرِجُه مِنَ الْبِحارِ، وهو — في نَظَرِهم — سَمَكٌ صغيرٌ جدًّا لا يُكافِئُ ما يُبْذَلُ في صَيْدِهِ من عَنَاءٍ.

وكأنَّما خَصَّتِ الطَّبيعةُ سُكَّانَ هذه الْبلادِ بكلِّ ما يُنَاسِبُ ضَخَامَتَهُم؛ فقد وَهَبَهُمُ اللهُ — سُبْحانَهُ — أَرْضًا فسيحَةَ الأَرْجاءِ، وأشجارًا سامِقَةَ العُلُوِّ بالِغَةَ الارتفاعِ، وحَيَوَاناتٍ غايَةً في ضَخَامَةِ الْأجْسامِ، فكان كلُّ شَيْءٍ في هذه البلادِ يُناسِبُ — في ضَخَامَتِه وكِبَرِ حَجْمِهِ — سُكَّانَها.

وقد رأيتُ — ذاتَ يومٍ — حُوتًا عظيمًا قَدِ اصْطادَهُ أحدُ الصَّيَّادينَ، فلم يستطعْ عِمْلاقٌ — من أهْلِ هذه البلادِ — أن يَحْمِلَه على كَتِفَيْهِ لِضَخَامَتِهِ إلا بِجُهْدٍ شَديدٍ، وقد رَأَيْتُ كثيرًا من هذه الحِيتانِ على مَائِدَةِ الْمَلِك.

وفي هذه الْمَمْلَكةِ إحْدَى وخَمْسُونَ مدينةً، ومِائةُ ضاحِيَةٍ تكتَنِفُها الأَسْوارُ، وعددٌ لا يُحْصَى مِنَ الْقُرَى الصَّغيرةِ والْمَحَلَّاتِ، وكلُّها آهِلَةٌ بالسُّكَانِ.

(٤) قَصَبَةُ «برُبْدِنْجَاج»

وليس في قُدْرَتِي أنْ أَصِفَ بلادَ هذه الْمَمْلَكةِ كلَّها، فَلْيَقْنَعِ الْقارئُ منِّي بوصفِ الْعَاصِمَةِ الَّتي أَقَمْتُ فيها رَدَحًا مِنَ الزَّمَنِ.

يَخْتَرِقُ هذه الْمدينةَ نهرٌ كبيرٌ فيَقْسِمُها قِسْمَيْنِ مُتساوِيَيْنِ تقريبًا، وبها ثَمانون أَلْفَ مَنْزِلٍ، ولا يَقِلُّ عَدَدُ سكَّانِها عن سِتِّمائةِ ألفِ نَسَمَةٍ. وَهِيَ أَطْوَلُ من «إِنْجِلْتِرَا» بنحْوِ أربعةٍ وخمسين ألفَ مَرَّةٍ، وعَرْضُها أَفْسَحُ من عَرْضِ «إِنْجِلْتِرَا» بنحوِ خمسةٍ وأربعين ألفَ مَرَّةٍ، وقد عرَفتُ ذلك مِنَ المُصَوَّرَةِ الْمَلَكِيَّةِ لهذه البلادِ، وطولُها مِائةُ قدمٍ، وقد وَضَعها الْعُلَماءُ إجابةً لِرَغَباتِ الْمَلِكِ.

وقد بُسِطَتْ على الأَرْضِ لِأَدْرُسَها.

أما قَصْرُ الْمَلِكِ فهو على شيءٍ قليلٍ مِنَ النِّظَامِ، يتألَّفُ منْ عِدَّةِ أَبْنِيَةٍ مُتَقارِبَةٍ، وفيه نَحْوُ سَبْعةِ آلافِ قَبْوٍ، ويَبلغُ ارْتِفَاعُ أكبرِ الْحُجَرِ فيهِ مِائَتَيْنِ وأرْبَعينَ قدمًا.

(٥) في شَوَارِعِ «برُبْدِنْجَاج»

وقد أَعَدُّوا لِي عَرَبَةً لأَتَنَزَّهَ — مع الْحاضنَةِ — في شوارعِ الْمَدينةِ وميادينِها، وأزورَ فَنادِقَها وحدائِقَها، وكانتْ هذه العربةُ أشبهَ بِحُجْرَةٍ كبيرةٍ مُرَبَّعةِ الشَّكْلِ.

وإنِّي لأَذْكُرُ أنَّ العَربةَ قد وقفَتْ بِنا — ذاتَ يَوْمٍ — عند دُكانِ أحدِ التُّجَّارِ، فانْتَهزَ المُسْتَجْدُون هذه الفرصةَ، وأقبلوا إلى بابِ الْعربةِ يَتَكَفَّفُونَ؛ فرأيتُ أمامي جَمْهَرَةً من المرْضَى والْعَجَزَةِ، وذَوِي الْعاهاتِ، وهم مُشَوَّهُو الخِلْقَةِ، وعلى أجْسادِهم كُوماتٌ مِنَ الْقاذُوراتِ، وقد تَقَيَّحَتْ جُروحُهم، وسرَتْ فيها جَراثِيمُ الأمْراضِ الفَتَّاكَةِ، وما أَنْسَ لا أَنْسَ — ما حَيِيتُ — تلك المناظِرَ الْمُزْعِجَةَ المُفْزِعَةَ الَّتي رأيتُها في ذلك اليوم. ولِلْقارئِ أن يَتَخَيَّلَ شُعوري — حينئذٍ — وأنْ يحكُمَ بنفْسِه على الأَثَرِ السَّيِّئِ الذي تَركَتْهُ في نفسي رُؤْيةُ هؤُلاءِ الْمُشَوَّهِينَ، ولَعَلَّهُ يُعْفِينِي مِنَ الإِفَاضَةِ في أوْصَافِهِمُ البَشِعَةِ.

(٦) الْحُسْنُ والْقُبْحُ

ولقد مَرَّتْ بِخاطري — في أثناءِ إِقامتي في هذه الْبلاد — خَواطِرُ فلسَفيةٌ أُفضِي بها إلى الْقارِئِ، لعلَّ فيها شيئًا من الْفائدةِ، ودَرْسًا نافعًا لمن يُرِيدُون أن يَتَعَرَّفُوا حقائِقَ الْأشياءِ، وَيَتَغَلْغلُوا في لُبابها وصَميمِها، دونَ أَن تَخْدَعَهُمْ ظَواهِرُها الْخَلَّابَةُ، فقد أتاحَتْ لِيَ الْفُرْصَةُ أَن أَرَى كثيرًا من رِجالِ هذه الْمدينةِ ونِسائِها، ولاحَظْتُ أن أَجسامَ أكثرِ مَنْ رأيتُ غيرُ مُتَّسِقَةٍ ولا مُتناسِبة. وقد عرَفْتُ سِرَّ هذا التَّنافُرِ؛ فإنَّ الْعُيوبَ إذا صَغُرَتْ قلَّمَا يَراها الْإِنسانُ إلَّا إذا كان واسِعَ الْخِبْرةِ، دقيقَ الْمُلاحظةِ، فإِن كُبِّرَتْ هذه الْعيوبُ وضُوعِفَتْ أَدْرَكَها الْإِنسانُ بِأدْنَى نَظَرٍ، وأَيْسَرِ مُلاحَظةٍ؛ فَهذا الْوجهُ الْحَسَنُ — الَّذي أَعْجَبَكَ جمالُه، وَفَتَنَتْكَ رَوْعَتُه، والذي انْتَظَمَتْ أجْزاؤُه، وتَنَاسَبَتْ فيهِ الْعَينَانِ والأَنْفُ والْفَمُ والذَّقْنُ والْوَجْنَتانِ والْجَبِينُ — يَرُوعُك مَنظَرُه، فتصِفُهُ بشتَّى أَوصافِ الْحُسْنِ والْجمالِ، فإذا نظرْتَ إليه وَراءَ مِجْهَرٍ، ظهر لك كلُّ ما فيه من عُيوبٍ وتَشْويهٍ لا تراهُ الْعَيْنُ الْمُجَرَّدَةُ. وثَمَّةَ يَنْقَلِبُ إعْجابُكَ به وافْتِتانُك، تَقَزُّزًا واسْتِبْشاعًا؛ إذْ ترى بَشَرَةَ ذلك الوجهِ الغَضَّةَ الرقيقةَ خَشِنةً جامدةً، كثيرةَ التَّجاعيدِ، واسعةَ الثُّقوبِ، ليس فيها ما كنتَ تَراهُ من جمالٍ وطَراوَةٍ، وهذا هو سِرُّ ما رأيتُه في هؤلاء الْعمالقةِ من تَنافُرٍ وتَشْويهٍ، ولقد صدق الْفيْلَسُوفُ الْقديمُ حين قال: «ليس في الدُّنيا مَخْلوقٌ دَمِيمٌ، فإِنَّ كلَّ ما أَخْرَجَتْه يدُ ذلك الصَّانِعِ الْعظيم الَّذي أَبْدَعَ الْكَوْنَ، وخَلَقَ الإِنسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، إنَّما هو جَمِيلٌ!»

(٧) فِي الزَّوْرَقِ الصَّغِيرِ

وكانتِ الْملكةُ — كما قلتُ — تأنَسُ إلى حديثي، وتطلبُ منه الْمَزِيدَ، وتَتَوَخَّى تَسْلِيَتِي وإبْهاجِي كُلَّما وجدَتْنِي مُفَكِّرًا مَهْمُومًا. وكنتُ كثيرًا ما أَقُصُّ عَلَيْها أَنْباءَ أَسفاري ورِحْلاتي في الْبحارِ، فسألتْني ذاتَ يومٍ:

«أَفي قُدرتِك أَنْ تستقِلَّ زوْرقًا، وأنْ تَجْدِفَ، فَلا يُصيبَك ضَرَرٌ؟ أَوَلَا تَرى في مِثْلِ هذا التَّمْرِينِ سَلْوَى لهمومِك وأحزانِك، وخَلاصًا من شُجُونِك وأفْكارِك، وتَقْوِيةً لجِسْمِك، وتَوْفيرًا لِصِحَّتِك؟»

فقلتُ لها: «إنني جدُّ خَبِيرٍ بالْمِلاحَةِ؛ فقد كانت مِهْنَتِي الَّتي تَخَصَّصْتُ لها أَنْ أكونَ طَبِيبًا للسُّفنِ، وقد كان ذلك يَضْطَرُّنِي — في كثيرٍ مِنَ الْأحايِينِ — أن أعملَ مع المَلَّاحينَ. ولكنني لا أستطيعُ أَنْ أَسْتَقِلَّ زَوْرَقًا في هذه البلادِ؛ فإن أَصْغَرَ زَوْرَقٍ عِنْدَكم كأكبرِ سفينةٍ حَرْبِيَّةٍ عندَنَا! على أنني إذا ظَفِرتُ بزوْرقٍ صغيرٍ يُناسِبُ حَجْمِي، فلَيْسَ في قُدْرَتي أَنْ أَجْدِفَ مُدَّةً طويلةً في عُبابِ أَنْهارِكُمُ الْواسعةِ؛ فإِنَّ قُوايَ مَحْدودةٌ، مناسبةٌ ضَآلَةَ جِسمي.»

فقالت لي جلالتُها: «أستطيعُ أن آمُرَ النَّجَّارَ — إذا شِئْتَ — أَنْ يَصْنَعَ لك زورقًا صغيرًا يناسِبُ حَجْمَك، كمَا أستطيعُ أنْ أُهَيِّئَ لك مكانًا صالِحًا لِتَسْيِيرِ هذا الزَّوْرقِ الصَّغيرِ.»

فشكرتُ لها هذه الْعنايةَ الَّتي اخْتَصَّتْنِي بها، ولم يَمْضِ على ذلك سِتَّةُ أَيام حتى أَتمَّ النَّجَّارُ صُنْعَ سفينةٍ صغيرة كاملة المُعَدَّاتِ، تَحْملُ ثَمَانيةً منْ أمْثالِي، فلمَّا أَتَمَّها أَمَرَتْهُ الْمَلِكةُ بعملِ حَوْضٍ مِنَ الْخَشبِ طولُه ثَلاثُمِائَةِ قدم، وعَرْضُه خمسونَ قدمًا، وعُمْقُهُ ثَمانِي أقدام، وأن يَطْلِيَهُ بالْقارِ — بعدَ الِانتهاء من صُنْعِه — حتى لا يَتَسَرَّبَ إليه الماءُ، ثم يَضَعُ ذلك الْحَوْضَ في بَهْوٍ خارِجِيٍّ من أبْهاءِ الْقصرِ، وقد أَوْصَتْه بعملِ بالُوعَةٍ في قاعِ الْحَوْضِ لِتَصْرِيفِ الْماءِ وتَجْديدِهِ، في الفَيْنَةِ بعدَ الْفينَةِ، فلما أَتمَّ صُنْعَ الْحَوْضِ مَلَأَهُ اثْنانِ من الْخَدَمِ فِي نِصْفِ ساعةٍ.

وقد وقفتِ الْمَلِكةُ ووصيفَاتُها يَرْقُبْنَ رُكُوبِي، وأُعْجِبْنَ بِمهارَتِي وخِبْرَتِي إِعْجابًا شديدًا.

وكنتُ أنْشُرُ الشِّرَاعَ أَحْيانًا، وأَقُودُ الزَّوْرَقَ حتى يقتربَ منهنَّ، فيُعْمِلْنَ المراوِحَ، فيكفي هَواؤُها لِدَفْعِ الشِّرَاعِ وتَسْييرِ الزَّورقِ، فإذا تَعِبْنَ منْ ذلك جاءَ الْخدمُ فنَفَخُوا بأفْواهِهِمْ، فينْطَلِقُ الزَّوْرَقُ في الْحوضِ. وكنتُ أُظهِرُ أَمامَهُنَّ — في كثيرٍ منَ الْأَيَّامِ — مَهارَتي في تسييرِ الزَّورقِ من الْجانِبِ الْأَيْمَنِ إلى الْأيسرِ — كما يَحْلُو لِي — وكُنَّ يَعْجَبْنَ مِنْ ذلك أَشدَّ الْعَجَبِ.

فإذا انتَهيتُ من ذلك، رَفَعتِ الْحاضنةُ زَوْرَقِي بيدِها، وعَلَّقَتْهُ بمِسْمارٍ في حائِطِ الْقَصرِ لِيَجِفَّ.

(٨) على شَفا الْهَلاكِ

وقد وَقَعَ لي — ذاتَ يومٍ — حادِثٌ مُرَوِّعٌ كاد يَقضي على حياتي، فقد وضع أَحدُ الْخدمِ الزَّورَق في الْحوضِ، وما هَمَمْتُ بالذَّهابِ إليه حتى جاءتْ سَيِّدَةٌ فرفعتْنِي بيدِها لتضَعني في السَّفينةِ؛ فانْزَلَقْتُ من بينِ أصابِعها، وكِدْتُ أَهْوِي منْ هذا الاِرْتفاعِ الشَّامِخِ الَّذي لا يَقِلُّ عن أَربَعين قدمًا. ولكنَّ اللهَ كتب لِيَ السَّلامةَ منْ هذا الْهلاكِ الْمُحَقَّقَ، فَعَلِقَتْ ثِيابي — لِحُسْنِ حظي — ﺑ«دَبُّوسٍ» كبيرٍ كان في ثيابِها مُحاذِيًا صدرَها، فلبِثْتُ معَلَّقًا في الهواء، وأسرعَتِ الْحاضنَةُ إليَّ، فأنقذتْنِي مِمَّا أنا فيه.

(٩) ضِفْدِعُ «برُبْدِنْجَاج»

ووقعَتْ لي حادثةٌ أُخرى مُفْزِعَةٌ لا أَنْساها ما حَيِيتُ، فقد أهمل أحدُ الخادِمَيْنِ الْمَنُوطِ بهما مَلْءُ الحَوْضِ، وكان مِنْ عادتِهِما أنْ يُجَدِّدا ماءَه مرَّةً في كل ثلاثة أيام؛ فَقَفَز ضِفْدِعٌ كبيرٌ إلى الْحَوْضِ ولمْ يَرَه أحدٌ منهما، واخْتَفى في الْماءِ حتَّى رأَى زوْرقِي، فقفز على أحدِ جانِبَيْهِ، فَأَمَالَهُ حتَّى كاد يُغْرِقُهُ، فَجَلَستُ في الْجانِبِ الآخَرِ مِنَ الزَّوْرَقِ؛ لأَحُولَ دونَ إغْرَاقِه، وظَلِلْتُ أضْرِبُ ذلك الضُّفْدُعَ بِمِجْدَافي — بِقُوَّةٍ شديدةٍ — حتى قَفَزَ إلى الماءِ ثانيةً. وَقد ترك هذا الْحادثُ في نفسي أَثرًا لا يُمْحَى، ولا أَسْتَطِيعُ أن أَنْسَاهُ طولَ عُمرِي!

(١٠) قِرْدُ «برُبْدِنْجَاج»

وَهَيْهاتَ أنْ أَنْسَى أَشْأَم حادِثٍ وقع لي في هذه الْبلادِ: فقد أغلَقَتْ عليَّ الْحاضِنَةُ بابَ الْحُجْرةِ — ذاتَ يوم — وخَرَجَتْ لبعضِ شَأْنِهَا، وكان اليومُ شديدَ الْحَرِّ، ففتحْتُ نافذةَ عُلْبتِي الْمُطِلَّةَ على بَهْوِ الْقَصْرِ، وإني لَغارقٌ في تفكيري وأحْزاني على مَقْرَبَةٍ من الْمِنْضَدةِ، إذ سَمِعْتُ صَوْتًا غريبًا، وأَحْسَسْتُ شيئًا يدخلُ الْبَهْوَ — من نافِذته الْمفتوحةِ — ثم يقفزُ فيه، فامْتلأ قلبي رُعْبًا، ولكنني تشجَّعتُ قليلًا، ونظرْتُ منْ نافذةِ عُلْبَتِي وأنا جَالِسٌ في مكاني، فرأيتُ حيوانًا يَدْنُو من الْعلبةِ وينظُر إليَّ، وقد بَدَتْ عليه أَماراتُ الْمَرَحِ والدَّهشةِ؛ فانْزَوَيْتُ في أَقْصَى رُكْنٍ في الْحجرةِ، وقد فاتَنِي — لسوءِ حَظِّي — أنْ أَخْتَبئَ تحتَ سَريري، وقد كان ذلك مَيْسُورًا لي — لو فَطَنْتُ إليه — ولكنَّهُ الْقَضاءُ الَّذي لا مَرَدَّ لحُكْمِهِ، ولا حيلةَ للإِنسانِ في دَفْعِهِ.

وتَمكَّن ذلك الْحيوانُ — وقد علمتُ بعدَ قليلٍ أنَّهُ قِرْدٌ — مِنْ إدخالِ يَدِهِ مِنْ نافذةِ الْعُلْبَةِ، حيثُ أَمسَكَ بِذَيْلِ ثَوْبي — وهو مصنوعٌ مِنَ الْجُوخِ الْغَليظِ الْمَتينِ — وجذبَني بِقُوَّةٍ إلى الْخَارِج، ثم حَمَلَني في كَفِّه الْيُمْنَى — كما تَحْمِلُ الأُمُّ رضِيعَها لتُرْضِعَهُ — فذكَّرني ذلك بِقِرْدٍ خبيثٍ رأيتُه في بلادي يصنعُ مثلَ هذا مع قِطٍّ صغيرٍ، وما هَمَمْتُ بِمُقاومتِه حتى ضَمَّنِي ضَمَّةً عنيفةً كادت تُزْهِقُ رُوحي؛ فرأيْتُ منِ الحَزَامةِ والكِياسةِ أنْ أُذْعِنَ لِلْقَدَرِ، وأَكُفَّ عنِ الْمُقاومةِ. وكأنَّما تَوَهَّمَني قِردًا صغيرًا، لأنه كان يُداعِبُني ويُرَبِّتُ وَجْهِي بيَدِهِ مُتَرَفقًا مَسْرُورًا.

وأحَسَّ الْقردُ خَفْقَ أقْدامٍ قريبَةٍ، وسمِع صَرِيرَ المِفتاحِ، فكَفَّ عن مُداعبتي فَجْأَةً، وقفز مُسْرِعًا — من النَّافِذَةِ التي جاء منها — إلى الْمِيزابِ، وهو يسيرُ على رِجْلَيْنِ، ويَدٍ واحدةٍ، فقد أمسكَنِي بالْيَدِ الأُخْرَى، وما زال يقفِزُ حتى وَصل إلى سَطْحِ الْبيتِ الْمُجاوِرِ لنا. وسمِعتُ في هذه اللَّحْظةِ صُرَاخًا هائلًا مُنْبَعِثًا من الْحاضنَةِ الَّتي أَفْعَمَ قَلْبَها الفَزَعُ، واسْتولَى عليها اليَأْسُ حتى كاد يُفْقِدُها رُشْدَها. وأَسرع خدمُ الْقَصْرِ يُحاولونَ إِنْقاذي، فلا يَجِدون إلى ذلك سبيلًا. وجاء بعضُهم بالسَّلالِمِ، واجْتمع كثيرٌ مِنَ النَّاسِ ليرَوْا هذا المنظَرَ الْعجيبَ، وقد جلس الْقردُ على ذِرْوَةِ السَّطْحِ، وحملني في إحدَى كَفَّيْه — كما يَحْمِلُ الطِّفلُ دُمْيَتَه — وظَلَّ يُطْعِمُنِي بِكَفِّهِ الأُخْرَى، وَيَزُجُّ بِقِطَعِ اللَّحْمِ — التي سَرَقَها — في فمي زَجًّا، وكلَّما امْتَنَعْتُ عن الأَكل لَطَمَنِي؛ فأَذْعَنْتُ له مُرْغَمًا، وقد أضْحَكَ الْقِرْدُ — بهذا العملِ — كثيرًا من السُّفَهاءِ الَّذين وَقَفُوا يَشْهَدُون ذلك الْمنظرَ، فلم يتَمالكُوا من الضَّحِكِ — ولهمُ الحَقُّ — فقد كان الْمنظَرُ مُسَلِّيًا مُضْحِكًا حَقًّا، إلَّا في نَظرِي أنا وَحْدِي؛ إذْ كنتُ بَطَلَ هذه المَأْساةِ الْمُفْجِعَةِ، وكنتُ عُرْضةً للهلاكِ بينَ لَحْظةٍ وأُخرَى!

وَهَمَّ بعضُ النَّظَّارةِ بِقَذْفِهِ بالْحِجارةِ، لِيُرْغِمُوهُ على النُّزُولِ مِن سطحِ الْقَصرِ إلى الْأَرْض، ولكنَّهم عَدَلُوا عَنْ ذلك خَشْيَةَ أن يُصِيبَنِي حجرٌ من أحْجَارِهم، فَيُحَطِّمَ رَأْسِيَ تَحْطيمًا. وما ارْتَقَوُا السَّلالِمَ، حتى فزِعَ الْقردُ وفَرَّ هَارِبًا من مكانه، بعدَ أن تَركني أَهْوِي منْ ذلك الْعُلُوِّ الْهائلِ، وقد كنتُ — لا شكَّ — هالكًا، لولا لُطْفُ اللهِ بي وعِنايتُه؛ فقد سَقَطْتُ على أَحدِ مَيازيبِ الْقَصرِ، فأسرعَ غُلامٌ نَشِيطٌ إلى مَكاني، فأنْقَذَنِي من السُّقوطِ. ثم وضعني في جَيْبِه، وعاد — من حيثُ أَتَى — فأسلمَنِي إلى الْحاضنَةِ الصَّغيرةِ، وقد فَرِحَتْ بِسَلامتي مِنَ الْهَلاكِ فَرَحًا لا يُوصَفُ.

•••

ولا أكْتُمُ الْقارِئَ أَنني كنتُ على وَشْكِ الِاخْتِناقِ بتلكَ الأقْذارِ التي كان يَزُجُّ بها الْقردُ في فَمِي، وقد أدركَتِ الْحاضنَةُ حقيقةَ أمرِي، فبذلَتْ كلَّ جُهدِها حتى تَقَايَأتُ؛ فخفَّ ما بِي مِنَ الْأَلَمِ. وكان الضَّعفُ قد بلغَ بي كلَّ مَبْلَغٍ، وكادتْ أضْلاعِي تتكسَّرُ مِنْ ضَمَّةِ ذلك الْقردِ الْخبيثِ، وَبَقِيتُ طَرِيحَ الْفِرَاشِ خمسةَ عشرَ يومًا كاملةً، وكان الْمَلِكُ وحاشِيَتُه يَبْعَثُونَ إليَّ في كلِّ يومٍ بتَحِيَّاتِهم مُسْتَفْسِرينَ عن صِحَّتي. وقد شَرَّفتْني الْملِكةُ بزِياراتٍ عِدَّةً إبَّانَ مَرَضِي. ثمَّ صدر الأمْرُ بإهلاكِ ذلك القردِ، وإبْعادِ جَمِيعِ القِرَدَةِ، وألَّا يُرَخَّصَ لأحدٍ مِنَ الْقاطِنينَ في الشَّوارِعِ الْمُجاوِرَةِ للقصرِ باقْتِناءِ قردٍ في بَيْتِهِ.

(١١) في حَضْرَةِ الْمَلِكِ

وما تَماثَلْتُ مِنَ الْمَرَضِ، ودَخَلْتُ في دَوْرِ النَّقَهِ، حتى ذهبتُ إلى جلالةِ الْمَلِكِ لأشكرَ لهُ تَفَضُّلَه بالسُّؤالِ عنِّي، والْعِنايةِ بأمْري. ولمَّا مَثَلْتُ بينَ يَدَيْهِ حَيَّاني مبتسمًا، وظلَّ يُداعِبُنِي، وقد أَغْرَبَ في الضَّحِكِ حينَ تَصَوَّرَ ذلك الحادثَ المُفْزِعَ الَّذي وَقع لي، وَسألني مُسْتَفْسِرًا:

«خَبِّرني كيف كان وَقْعُ هذا الحادِثِ في نفسِك؟ وأيُّ أثرٍ تَرَكه؟ وماذا أَحْسَسْتَ وأنْتَ بينَ يَدَيِ الْقردِ؟ وهلِ اسْتَطبْتَ ما قدَّمَهُ لك من لَحْمٍ شَهِيٍّ؟ وهلْ زاد الْهواءُ النَّقِيُّ — الذي اسْتَنْشَقْتَه فوقَ سَطْحِ الْقَصرِ — في شَهِيَّتِكَ لِذلك الطَّعامِ الطَّيِّبِ؟ وأيُّ أثرٍ كان يتركُه مِثْلُ هذا الْحادثِ في نَفْسِكَ لو وَقَعَ لك في بلدِك؟»

فقلْتُ لِجَلالتِهِ: «ليس في أُورُبَّة من الْقِرَدَةِ إلا ما نَجْلِبُهُ مِنَ البلادِ الْأخْرَى، على أَنَّ الْقِرَدَةَ — الَّتي نَراها في بلادِنا — غايةٌ في الصِّغَرِ، فلا يَخْشَى أَذاها أَحدٌ.

أَمَّا هذا القردُ الَّذي اخْتَطَفَنِي — وهو في مِثْلِ ضَخامةِ الْفِيَلةِ عندنا — فهو مَرْهوبُ الْأَذَى، مَخْشِيُّ الضَّرَرِ. على أَنني أُؤَكدُ لِمَولايَ أَنَّ الْخوفَ قد أَذْهَلَني عنْ مُقَاوَمَتِه، فأنْسانِي أنْ أُجَرِّدَ حُسامي لِمُصَاوَلَتِه ودَفْعِ أذاهُ، ولولا ذلك لضربتُ يَدَهِ بِالْحُسَامِ حِينَ أدْخَلَها في حُجْرَتي؛ إذَنْ لَجَرَحْتُها جُرْحًا بَلِيغًا، يَدْفَعُ عَنِّي أَذِيَّتَهُ، ويُرجِعُهُ منْ حيثُ أَتَى!»

وقد تَمَلَّكَتْنِي الْحَماسةُ والْغُرورُ — حينئذٍ — فوضعْتُ يدِي على مقْبضِ سَيْفي — شَأْنَ الْفارسِ الشُّجَاعِ الْمُخْتالِ — وكانت نَبراتُ صَوْتِي تَدُلُّ على الزّهوِ، وقد تَمَلَّكَنِي شُعورُ الرَّجُلِ النَّبيلِ الْغَيُورِ على شَرَفِهِ!

•••

ورأى الْعمالقةُ أمامَهم حشرةً ضئيلةً تُدَافعُ عن كرامَتِها وشرفِها — مُباهِيَةً مَزْهُوَةً — فلم يَتَمَالكُوا من الضَّحِكِ، ولم يَحُلْ جَلالُ مَجْلِسِ الْمَلِكِ ووَقارُه دونَ أن يسْخَروا من غُروري وخُيَلائِي.

فأدْرَكْتُ خَطَئِي — حينئذٍ — والْتَمَسْتُ لهؤُلاءِ الْعمالقةِ الْعُذْرَ في سُخْرِيَتِهم مِنِّي، وذكرْتُ أنَّ مِنَ الْبَلاهَةِ أنْ أذكُرَ الشّجاعةَ والقُوَّةَ أمامَ قَومٍ في مِثْلِ قُوَّةِ الْمَرَدَةِ وطولِ قاماتِهم، وتَمَثَّلْتُ غُرورَ بعضِ الصَّعَالِيكِ الَّذين طَالَمَا سَخِرْتُ — في بلادِنا — منِ ادِّعائِهم وتَبَجُّحِهم أمامَ سُراةِ الْبِلادِ وحُكَّامِها، وكيفَ كانوا يتظاهرُون بالْمَجْدِ والشَّرفِ، فلا يَلْقَوْنَ إلا الازْدِرَاءَ والتَّحْقِيرَ!

(١٢) بينَ الْحَاضِنَةِ وَ«جَلِفَر»

ولم أَنْسَ هذا الدَّرْسَ — مُنْذُ ذلكَ الْيوم — فأَخذتُ على نَفْسِي أنْ أُجَارِيَهم في عاداتِهم، وأقُصَّ على الْحاشِيَةِ — في كلِّ يومٍ — قِصَّةً مُضْحِكَةً طَرِيفَةً، حتى أصبحْتُ حَبِيبًا إلى كُلِّ نَفْسٍ.

وكانتِ الْحاضنةُ — على حُبِّها إيَّايَ — تَمِيلُ إلى مُداعَبتي، فَتُسِرُّ إلى الْمَلِكةِ بما أقَعُ فيهِ منَ الْغَلَطِ، لِتشْتَرِكا مَعًا في السُّرورِ والِابْتهاجِ، ولِتَضْحَكا منِّي ما شاءَتا أَنْ تضحكا.

فمِنْ ذلكَ ما وقع لي — في أحدِ الأيامِ — إذْ نزلتُ من الْعربةِ ومَشَيْتُ بالقُرْبِ منَ الْحاضِنَةِ، وإنِّي لأَتَنَزَّهُ إذِ اعْترضَني في طريقي رَوَثُ بَقَرَةٍ، فأردتُ أن أُظْهِرَ مَهَارَتِي؛ فقفزتُ — من فَوْرِي — ولكنني سقطتُ لسوءِ حَظِّي، ولم أخرجْ إلا بعدَ عناءٍ شديدٍ، وقد تَلَوَّثَتْ ثِيابي، وحاولتِ الْحاضنةُ والْخَدَمُ تنظيفَها، فلم يستطيعوا ذلك. وأَبَتِ الْحاضنةُ الْحَمْقاءُ إلا أَنْ تُذِيعَ نَبَأَ هذا الْحادثِ في جميعِ أَرْجَاءِ الْقصرِ الْمَلَكِيِّ ….

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤