حِنَّاءُ … الجسد

شرحت له: أنه منذ أن أعلنتُ عن رقم تليفوني الجوَّال في الصحافة لم يصمت من الرنين ساعة واحدة، وكنت لا أرفض إلا الطلبات التي يسكن أصحابها بعيدًا عن وسط المدينة وليست لديهم عربة تأخذني إلى حيث يسكنون أو الذين لا يقبلون بالسِّعر الذي أضعة مقابل الخدمات، وأنا لا أبالغ في الأسعار، فغيري يجهِّز العروس بمبلغ لا يقل عن خمسمائة جنيه، وحِنَّة المناسبات لا يقبلون فيها أقل من خمسين جنيهًا، أنا أطلب ثلاثمائة جنيه فقط للعروس وثلاثين جنيهًا لحنة المناسبات وثلاثين أخرى فقط لدلك الجسد بالحلوى؛ لذا كان الطلب علي عاليًا، بالرغم من أن (شَكَّار نَفسه إبليس) إلا أنه لا توجد امرأة تفوقني خبرة وإجادة وسرعة وإتقانًا في تجهيز العروس، وليست هنالك من تستطيع أن ترسم أجمل مما أرسم، أخذتْ شهرتي ومكانتي في عالم التجميل والنسوانيات تزيد وتتسع يوميًّا، قال مقاطعًا شروحاتي: أعرف أعرف.

قلت له: عشان كِده ما سألتك كيف جبت تليفوني وما خفت منك، وركبت معاك العربية مطمئنة.

قال محاولًا تجريمي: ولكن أنا اللي اتصلت بيكِ ما زوجتي!

قلت له: نسوان كثيرات يتَّصلن بي عن طريق رُجَالهم، والمسألة عندي عادي.

وطلبت منه أن يطلق سراحي.

قال لي: ولكنك ما استجبتِ لي.

– استجبت؟

قال لي بوضوح ووقاحة وهو يبحلق في صدري: أنا عايزك أنتِ في نفسك.

قلت له في مراوغة مكشوفة: ما فاهمة؟

كنا في بيت في وسط المدينة، بيت كبير، ويبدو أنه لأثرياء، عَبْرَ حديقةٍ صغيرة دخلنا بهوًا متسعًا تفوح من جنوبه رائحة عطر الصندل، به عدد من كراسي الجلوس الفارهة وكنبةٌ واحدة يتعدى طولها ثلاثة الأمتار، تتدلَّى من سُقُوفِه النجفات زاهيات كالجواهر، كانت تترامى التحف هنا وهنالك، على الأرض الموكيت الناعم الحلو، تهبُّ نسمات المكيفات الراقيات المنعشات من كل الأصعدة، كنت أتوقع أن تظهر امرأةٌ جميلةٌ سمينةٌ ذات شعر طويل مسدل على كتفيها تتبختل في غنج، أن تنطلق صيحة طفل سعيد من ركنٍ ما، أن تغمرنا ابتسامةُ أمٍّ ثرية طيبة، طلب مني أن أجلس على الكنبة، جلس قربي، وفاجأني قائلًا: مَا فِي هِنا مَرَا، أسكن أنا وحدي!

تجادلنا كثيرًا، وعندما ألحَّ عليَّ سألته: النساء كثيرات واللي يقبلن عرضك أكثر، ليه أنا بالذات؟

قال في برود: شُفْتك مرَّة وأعجبت بيك.

قلت له: ولكن أنا ما شُفْتك ولا أُعجبت بيك، وأنت ما من النوع اللي يعجبني.

قال لي منفعلًا: ما هو النوع اليَعْجِبك؟

– أنا أعرفه.

قال وهو يبتسم في مَكرٍ: لو شُفْتِيه حَيَعجبك!

في الحق كان رجلًا وسيمًا، يبدو في بداية الأربعين من عمره، له بشرة قمحية ناعمة وشفتان غليظتان حمراوان، يعلوهما شاربٌ حُلق باهتمام خاص، تفوح منه رائحة طيب جميلة، شفتاه كانتا الأكثر إثارة، ولكنه قصير سمين وأنا لا أفضل الرجل السمين، ولكن ليست هي المشكلة، المشكلة أنه اختطفني ولم آتِ معه برغبتي، وربما إذا لم نلتقِ بهذه الطريقة الغريبة لكان الأمر مختلفًا؛ لأنه ليس بهذا الرجل ما يجعله بغيضًا، بالعكس كثيرات مِنَّا نحن النساء يفضلن الرجل الثري، قلت له: من الأحسن تَخَليني أمشي.

قال في إصرار وهو يحرِّك يديه في الهواء بقلق: لو مَا نُمْتِ معاي ما حسيبك تمشي.

لم يكن الموقف بالنسبة لي مرعبًا ولم أخف، بل لحدٍّ ما كنت لا أخشاه كثيرًا، بالرغم من أنني أعرف أن مثل هؤلاء الرجال قد يرتكبون جرائم القتل إذا لم تلبَّ رغباتهم، وقد يصبحون عنيفين وخطرين، وأعرف زميلة لي في العمل كادت أن تفقد حياتها، وأنا لم أكُ عذراء ولو أنني لم أمارس الجنس كثيرًا ولا مع رجال عدة، الرجل الوحيد الذي مارست معه كان هو الشخص الذي أحببته ذات يوم ووهبته نفسي، لم نتزوج، افترقنا قبل أيام، ولستُ ندمانة على شيء، قالت لي نفسي الأخرى: أطيعيه، ولحظتها نهضت من على الكنبة وحاولت الانصراف، مسكني من يدي، كان قويًّا، حدَّق في عيني بقسوة ممتزجة بضعف ورغبة قاتلة، ضمني إلى صدره، لم أقاوم، كانت ملابسي تتساقط من على جسدي مثل أوراق شجرة في ريح صيفية، وجدتني وإياه عاريين في غرفة نوم شاسعة، على سرير ناعم ربما قُدَّ لحافه من ريش النعام، كان مثل قطٍّ شبق يأتي أنثاه، وكنت مثل قطته التي تستسلم في كبرياء، الأمر لم يكن مؤلمًا، لقد أحسست بمتعة الشيء يغوص في لحمي، ودفء جسده العملاق، ورقة أنفاسه في عنقي وأذني، كان رجلًا يعرف كيف يجعل امرأة تفقد وعيها في الفراش، يعرف كيف يجعل جسدها يطير كفراشات في الفضاء، لا أدري كم مرة بلغت ذروة النشوة ولا كم مرة أصبت برعشة عميقة لذيذة تمنيتها أن تدوم للأبد، قضينا زمنًا طويلًا نتقلب في السرير كقطين نزقين، عندما رن جرس تليفوني كانت أمي في الطرف الآخر تسأل لماذا تأخرت، الساعة الآن الثانية عشرة منتصف الليل، قلت لها وأنا أبحلق في عينيه أنني سوف أبيتُ في بيتِ العُرس، هنالك نساء كثر ينتظرن دورهن في الحنَّاء.

في طريقنا إلى بيتنا عند العاشرة صباحًا طلبتُ منه أن ينزلني في تقاطع شارعين، ذكرني بالموعد الذي اتفقنا على أن نلتقي فيه، نزلتُ ومضى، كانت في الركن الشرقي من الشارع نقطة بوليس، وفي الطرف المقابل لها أي الغربي محل الكوافير الذي أعمل عنده أحيانًا في المواسم والأعياد، أسرعت الخُطى نحو الركن الشرقي.

الخرطوم
٧ / ٧ / ٢٠٠٨

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤