مِنْ عَهْدِ الصِّبَا

ذكريات

لقد صدق الذين قالوا: أدركته حرفة الأدب فهي محنة ليس مثلها محنة. يعيش صاحبها في إقلال وكأنه صاحب حور وقصور. ليس في الأمر تشويق ولا ترغيب، ولكنه الطبع يسوق صاحبه بعصاه إلى حيث يرغب، وإلى حيث لا يرغب، وهو في كلتا الحالتين راض.

علموني فتعلمت، وساقوني فانسقت، ولكن اختلفت نية الجمل والجمَّال، وقد بدت طلائع ذلك في مبزغ الشباب. ها نحن في مدرسة مار يوحنا مارون، المدرسة معدة لتهيئ للقطيع رعاة، وقد كنت أنا من المرشحين لتلك المهمة، ولكني كسرت العصا قبل أن أهش بها على الغنم.

ها نحن في درس اللغة العربية، وها هو أستاذنا الخوري إلياس زيادة يعلمنا قرض الشعر، وها هو رئيس المدرسة الصالح المونسنيور بطرس أرسانيوس يقرع الباب غاضبًا. سمع سيادته أستاذنا يملي علينا هذين البيتين لنشطرهما:

وَلَمْ أَنْسَ المَلِيحَةَ حِينَ رَاحَتْ
إِلَى قَاضِي الْمَحَبَّةِ تَشْتَكِينِي
فَقُلْتُ لَهَا ارْحَمِي ضَعْفِي فَقَالَتْ:
وَهَلْ فِي الْحُبِّ يَا أُمِّي ارْحَمِينِي؟

فصاح به، وهو يفتح الباب: يا خوري إلياس، أيش بك اليوم؟!

فابتسم المعلم ابتسامته الزعفرانية، وارتجفت لحية المونسنيور أرسانيوس فخلنا كل شعرة ترقص وحدها. وانتهت المعركة الصامتة، ففهمنا أن مثل هذا الشعر لا يليق بالثوب الأسود، فرغبت فيه، أي في ذاك الشعر لا في الثوب.

ورحنا تقرزم حتى استحالت الغابة القائمة على كتف مار يوحنا مارون إلى شعر، ففي عيد رأس السنة حفلة تهنئة للرئيس بالعام الجديد لا تسمع فيها غير الشعر، وفي عيد مار بطرس حفلة شعر له أيضًا. ناهيك بأن لكل أستاذ عيدًا، ولا بد من القيام بالواجب نحو حضرته شعرًا. فالعيد بلا شعر كالسفرة بلا جبن وزيتون. وهكذا دواليك حتى صرنا ننام ونقوم ونلعب في جو من الشعر، وها هو أحدنا يقول على المائدة:

خَلَطْنَا برغلًا مع بِنْتِ لوبٍ
نُصوِّلُهَا بشَوْكاتِ الحَدِيدِ

يعني ببنت لوب الفاصوليا حبيبة قلب التلاميذ ومعشوقتهم الأزلية

وها هو رفيق لي يهنئ معلمًا له بقصيدة كلها من هذا الطراز المعلم:

مُتَغَزِّلًا فِي مَدْحِ أنطونَ التقي
في مدحِ أنطونَ التقي مُتَغَزِّلا

ما لنا ولهذا، فلنعد إلى مارون. عنَّ لي أن أشطر قصيدة كان يرويها أكثر أبناء صفي، ومن أشهر أبياتها:

شبكتُ عشري على رأسي وقلتُ له
يا راهبَ الديرِ، هلْ مرَّتْ بِكَ الإِبلُ؟
… … … … …
ورَاهِبُ الديرِ بالنَّاقُوسِ مُشْتَغِل
يَا حَسْرَتِي في وقُوفِي عندَ بَابِكُمُ
تقولُ سُكَّانُهُ مَنْ أَنْتَ يَا رَجُلُ؟

فشطرت تلك القصيدة، ثم ذيلتها ببضعة أبيات فصارت قصة سميتها «قتيل الغرام».

وأطلعت معلمي — الخوري إلياس — عليها فأعجب بها، فمضيت في تنقيحها حتى صارت شعرًا، كما كنت أفهم الشعر في ذلك الزمان، وطغاني الشيطان فبعثت بها إلى جريدة الروضة فنشرتها. وذاع خبرها فاتصل بسيادة المونسنيور فدعاني إلى زيارته، خيل إليَّ أولًا أنه معجب بها وأن الأمر ينتهي عند لوم وتوبيخ، فإذا به يصفع خدي الأيمن فحوَّلت له الأيسر، ووقفت أمامه مكتوف اليدين مظهرًا أقصى الطاعة، فصاح بي: قتيل الغرام. كيف تموت الناس من الغرام يا مارون، يا حسرتي، ضاع تعب خالنا خوري حنا عبود.

وأخذ القصيدة بيد ترتجف وقرأ:

وظبيةٍ مِنْ صِبَائِي قَدْ شَغِفْتُ بِهَا
ترْنُو إِلَيَّ وسترُ القُرْبِ يَنْسَدِلُ

أيش هي هذي الظبية يا مارون، ومن هي يا ابني؟

ثم قرأ:

رفعتُ صَوْتًا جَهِيرًا قربَ صَوْمَعَةٍ
يا راهبَ الديرِ هَلْ مَرَّتْ بِكَ الْإِبِلُ

فقال: نعم، الراهب ناطور عشاق. ثم قرأ: وراهب الدير بالناقوس مشتغل. فقال: لا، شغل الراهب مثل شغلك يا كلب.

ولما بلغ هذا البيت:

يَا حَسْرَتِي فِي وُقُوفِي عِنْدَ بَابِكُمُ
تَقُولُ سُكَّانُهُ مَنْ أَنْتَ يَا رَجُلُ

استولى على أمد الغضب وصرخ بي: انقبر من وجهي، الله يخيبك، لا تقف ببابي.

فخرجت متعثرًا بأذيال الخجل، وشكرت الله على الانصراف، ولكنه استدعاني ليقول لي: لولا كرامة جدك في قبره، كنت طردتك الآن. قصاصك: ركوع جمعة على المائدة، أكلك خبز وزيتون، وصوم شهر، كتابة خمسة آلاف سطر من ديوان المطران — جرمانوس فرحات — لا، بدل الكتابة تنظم قصيدة في مدح مريم العضرا. نحن على أبواب شهر آيار. هيِّئها، وإذا ما كانت قصيدة أحسن من هذه ألف مرة تعرف ماذا يصير.

ولما رأيت أنه لان قلت له: ولكن ما زائدة بعد كان، فأجابني: وأنت زائد في هذه المدرسة، وبعد أيام دعاني وسألني إن كنت أتممت القصاص، فأومأت برأسي أن نعم.

– والقصيدة نظمتها؟ فأجبت: نعم. ولما قرأت له عنوانها: «باقة أزهار لملكة أيار»، ابتهج جدًّا. ومضيت في تلاوة القصيدة فأعجبه وصف الربيع والمناظرة بين الزهور: الورد، والنرجس، والبنفسج، والزنبق، والشقيق. وابتسم لي حين رأى انني وفقت بين الزهور كلها وجمعتها في أضمامة واحدة وسرت بها إلى الهيكل كثعلب لافونتين.

ثُمَّ قَدَّمْتُهَا لأطهرِ أُم
قدْ تَسَامى مقامُهَا في النِّسَاء

فمدَّ لي يده لأقبلها، وقال في تلك الأثناء: الله يبارك عليك. الماضي مضى، حسن حالك.

وكتب هو إلى صاحب جريدة الروضة فنشرها في الصفحة والحقل حيث نشر «قتيل الغرام». وهكذا ذقت أول لوعات الغرام قبل أن أعرفه.

وكان عام ١٩٠٣–١٩٠٤ آخر أعوامي المدرسية في مدرسة مار يوحنا مارون، فجئت مدرسة الحكمة، فإذا خبر القصيدتين قد سبقني إليها، فنظمت قصيدة عنوانها «هللويا» كادت أن تقضي علي.

ثم نظمت قصيدة «المرائي» وأرسلتها إلى مجلة المشرق، فرفض الأب شيخو نشرها. ثم كان عام ١٩٠٦ فودعت المدرسة وداعًا أخيرًا، ونظمت قصيدة ودعت فيها «طبقتي» ومما قلت فيها:

ولا تَقُولِي: عجيبٌ ما تغزَّلَ بِي
من قبلهِ شاعرٌ أَوْ باتَ مفتونا
فَإِنَّ غَيْرِي بسلمى عنكِ مُنْشَغِلٌ
وما لسلمى نصيبٌ عندَ مارونا

فعفَّت هذه على قصيدة «هللويا» وفارقت المدرسة بالتي هي أحسن، كما أوصى الشاعر.

ونظمت ونظمت، وظللت أنظم حتى سنة ١٩٣٤ فكادت تكون قصيدة «الصليب» آخر شعر قلته، لو لم أنظم قصيدة في الاستقلال الذي حننت إليه طول عمري وسيأتيك الخبر. أما الآن فاسمع «هللويا» وهي تعطيك صورة عن غزلي ونسيبي، إن كان لي غزل ونسيب. إن لي شعرًا كثيرًا حجبته عنك لئلا أقضي عليك، فاشكر لي هذا الذوق اللطيف.

هلِلوُيَا

اخْلَعِي فَجْرَ نَاظِرَيْكِ علينا
وهَلُمِّي بِنَا نَسيرُ الهُوَيْنَا
انْظُرِي موكبَ المليكةِ قدْ أَقْبَلَ
تَشْدُو جوقَاتُهُ هلِلُويَا

•••

الْفَضَا هَيْكَلُ الغَرَام المقدَّسْ
فيهِ ظلٌّ متيَّمٌ يَتَنَفَّسْ
إِنَّ «زِيَّاحَ» حبِّنَا سَرْمَدِيٌّ
تَتَغَنَّى طُيُورُهُ هُلِلُويَا

•••

أَنْتِ شَمْسِي فَشَعْشِعِي وَأَنِيرِي
ظُلُمَاتٍ عمياءَ عَاقَتْ مَسِيرِي
انْظُرِي فَالطُّيُورُ تَرْنُو إِلَيْنَا
شَادِيَاتٍ لِوَجْدِنَا هلِلُويَا

•••

رَعْشَةٌ تَعْتَرِيك إِذْ نَتَلَاقَى
رَعْشَة الطفْلِ مِنْ رُقَادٍ أَفَاقَا
فَإِلَى خَيْمَتِي فَفِي تَلَّةِ الخَيْمَةِ
وَحْيٌ تَأْوِيلُهُ هلِلُويَا

•••

إِنَّ عَيْنَيْكِ فِيهِمَا لُجَّتَانِ
بِهِمَا يَغْرَقُ المُحِبُّ العَانِي
فَاعْمدِينِي فِي نَهْرِ أردنِّكِ العذ
بِ فَيَشْدُو رُوحُ الْهَوَى هلِلُويَا

•••

كَمْ ذَهَبْنَا إِلَى الْحُقُولِ سُكَارَى
بِرَحِيقٍ وَمَا خَلَعْنَا عذَارَا
لَيْسَ من قائدٍ لَنَا أو سميرٍ
غيرَ شوقٍ يحدو بنا هلِلُويَا

•••

نَتَمَشَّى فَتَسْتَفِيقُ الزهورُ
مُتْلعات أعناقُهَا والخصورُ
إِنَّ أَحْدَاقَهُنَّ تَرْنُو إِلَيْنَا
وعلى المبسمِ الطَّرِي هلِلُويا

•••

خَبِّرِينِي عَنْ ذَلِكَ البُرْكانِ
لا تَلُوذِي بواهيَ الكتْمَانِ
فعلَيْهِ تدلني القمَّتَانِ
فَأُغَنِّي دُنْيَا الْهَوَى هلِلُويَا

•••

قُمَّتَا الوجدِ هُنَّ تَوْءَمَتَانِ
لَسْتُ أَدْرِي — واللهِ — مَا يَهْمسَانِ
لا أرى إنْ حدَّقْتُ غَيْرَ شفاهٍ
راجفاتٍ يَهْتِفْنَ بِي هلِلُويَا

•••

ذَكِّرِينِي فَهَلْ نَسِيتِ هَوَانَا
يا لَحُبٍّ كَأَنَّهُ مَا كَانَا
رَحِمَ اللهُ بَعْدَنَا مَنْ تَغَنَّى
فِي هَوَاهُ مُرَنِّمًا هلِلُويَا

•••

هلِلُويَا فِي الحبِّ كَانَتْ نَشِيدِي
يَوْمَ كَانَتْ هَيْفَاءُ بَيْتَ قَصِيدِي
فَهَوَاهَا أهاجَ فيَّ طُمُوحًا
أنْطَقَ الْكَوْنَ يَوْمُهُ هلِلُويَا

•••

يا لحبٍّ عِشْنَا بِهِ أَعْوَامَا
كُنْتُ مُسْتَعْذِبًا بِهِ الآلامَا
كُنْتُ كَالْعُودِ فِي اللهيبِ يُغَنِّي
سورَةَ الذكْرِ صَارِخًا هلِلُويَا

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤