شعراء الفرح والترح

١

معروف الرصافي، بشارة الخوري

إن شعر الفرح والترح كالرثاء والمديح والتهنئة؛ ميراث أجيال بعيدة وتركة دهور مات عنهما جدودنا الشعراء الدَّوارون، كالقرادين اليوم، وكنا بارِّين بهذه الثروة المباركة فأنميناها، إنْ مدحْنَا رجلًا أنشدناه شعرًا، وإن قلنا لرجل: خلف الله عليك. نظمناها شعرًا، وإن جلسنا إلى مائدة دار الشعر في أشداقنا مع اللقمة، وإن شربنا هزجنا وتغنينا نظمًا، فكأنما الشاعر عنانا بقوله:

ولا تشرب بلا نغم فإني
رأيت الخيل تشرب بالصفير

لقد كان لكل أمة شعراء دوَّارون، ولكن الأدب عندهم نبذ منذ أجيال هذه الأغراض، أما عندنا فكثير من الشعراء ينتظرون تلك الساعة التي لا يعرفها أحد، كما انتظر أحد الكهنة موت واحد ليقبض «المعلوم» ويدفع للسكَّاف ثمن المداس … أما «شعراء الظل» فينتظرون الموت لا لشيء، فهم يعطوننا الشعر مجانًا كما أخذوه من الآلهة، وسيان عندهم ساعة الفرح وساعة الحزن، فهم يلبسون لكل ساعة لبوسها؛ إما نعيمها وإما بؤسها. إذا سألتهم دمعة برشموا وجوههم، وذرفوها كأنهم فُجِعوا حقًا بأخ أو بابن عم، وإنْ تطلب ابتسامةً تأخذها منهم عريضةً ملء الفم فائضة عليه، فشعارهم افرحوا مع الفرحين وابكوا مع الباكين، كما علم مار بولص إخوته المؤمنين بالمسيح مصلوبًا.

هذه أسباب انحطاط الشعر عندنا، فالذين قالوه في كل عصر أكثر من النمل، ولكنهم بادوا مثله، وذهب ذِكْرهم مع الدويِّ لتفاهة أغراضهم وابتذالها، قالوه كما يقوله أكثرنا اليوم، غب الطلب، فكأنما الشاعر هو الحاكي، شُدَّ جنزيرَه، وضعِ الإبرة والأسطوانة، وركب البوق، تسمع الصوت الذي تشتهي …

قال زهير قصائد شتى في المديح ما حفظ منها الناس — على صدقها — إلا ما مس حياتهم فقط، وقال الأخطل والفرزدق وجرير وأبو تمام والبحتري والمتنبي وغيرهم شعرًا في المديح والرثاء نسيه الناس، لم يعلق بأذهانهم منه غير شذرات فنية صبغها الشاعر بدم قلبه، فكانت قطعة أرجوانية لم يأخذ الدهر شيئًا من لونها، أما نحن فما زلنا نقلِّد أولئك الشعراء متمسكين بأذنابهم، سائرين خلفهم كالعميان، أنمت في نفوسنا هذه العاطفة ظروف وأحوال أماتت عزة النفس، ثم كان للمدرسة اليد الطولى في إحيائها حقبًا من الزمن، فقد كنَّا في المدرسة نعدُّ الأيام والجمع منتظرين عيد معلمنا لنهنئه بالشعر، ونُظهِر براعتنا للمعلمين والتلاميذ، فيجلس على كرسي متقنفشًا، ويتبارى الصف في مدحه وتقريظه. وقد يكون الأستاذ فرنجيًّا ونُسمِعه شعرًا عربيًّا، فيبتسم متهللًا كالأطرش في الزفة عند ذكر اسمه الكريم، وقد يُسمِعونه شعرًا سريانيًّا أيضًا كما فعل أحد أصحابنا بأحد «الإخوة» في مدرسة، قال له قصيدة سريانية أي عربية الألفاظ سريانية اللهجة، فاستغلب الضحك على الناس عند سماعها، ولكن حبل الكذب قصير فما جازت الأضحوكة أيامًا حتى حس بها «الفرير ميشال»، وكان قصاص التلميذ الخفيف الروح ركوعًا في المائدة وأكل الخبز المقرمش أسابيع.

وقِسْ علينا طلاب المعاهد الشرقية كلها وشعراء كل محيط، فلا بد من تهنئة الأمير بالعيد، وبالرجوع من السفر، ولو كان يوم صيد، ليقال له: على الطائر الميمون، والعود أحمد، وغير هاتين الكلمتين من الرواسم المعلومة، ثم بسلامة قلبه إذا زكم، فنقول له كالمتنبي الذي قال: «إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض.»

ثم لا بد إن زار الضيعة مدير الناحية أو قائم المقام من تكليف طالب نظم قصيدة يقال له فيها: حجارة الضيعة رقصت فرحًا، والشحرور غنَّى، والأغصان صفقت، والعندليب صاح في الأفنان، وعظام الجدود تهلك في المقبرة بزيارة ابن البيت الكبير، وقد يكون الكلب لا يعرف بابه … وإن كان الزائر مطرانًا فالأمر هيِّن، يقال له مثلًا: «مبارك الآتي باسم الرب»، وإن وافق ذلك اسمه فهناك البلاغة والتصفيق الحاد. وإن مات رجل عنده من الوجاهة عشر الخبر، فلا بد من رثائه وإقامة وصيٍّ على البائسين والمساكين بعده. وإذا سيم شاب كاهنًا فلا بد أن يُهنَّأ، وأن يقال له إن الروح القدس حلَّ عليه، ولو كان لصًّا مثل مار شينا، وإذا بُشِّرَ الشعراء بسيامة خورفسقفوس أو أرشمندريت، فمجال المدح والتهنئة واسع، فيقولون له: أنت الصفا وعليك أبني بيعتي، وما تربطه الأرض يكن مربوطًا في السماء، وبالاختصار يسلمونه مفاتيح السماء ويستريحون.

وإذا صار شيخٌ أو إمامٌ قاضيًّا أو مفتيًا، فلا بد من القصائد أيضًا، فتعطى القوس باريها، ويهنئون المؤمنين باستقرار الحق في نصابه. وإذا صار رجل عضو بلدية أو مختارًا في ضيعة فيها أحزاب، فيفيض الشعر أحمر كنهر إبراهيم في الربيع. يهنئ بعضهم بعضًا بالفوز، ويعرضون بالأخصام بالشعر الحامي … وأخيرًا هل يؤاخذني القارئ إذا خبرته أن أحدهم هنَّأ بالشعر صاحبًا لنا شفي من داء البواسير؟

أما عدة هذا الشعر وبردعته فأولها أن تكون القافية موافقة؛ إذا كان اسمه لوقا كانت القافية حريقًا وضيقًا وحندقوقًا … وإذا كان اسمه فنيانوس — مثلًا — حاولوا إدخال اسمه في الشعر وجعلوا القافية ملائمة اسم ضيعته، أو مهنته، أو عائلته، أو مركوبه، وما شاكل ذلك ولا ينصاعون! فإذا كان اسمه غير طيِّع نجروه ليدق ويدخل حيث يريدون، وإذا كانت رتبته التي يهنأ بها لا توافق الوزن الشعري، حذفوا منها شيئًا غير خائفين بأسًا، ولماذا الخوف؟ أَلَا يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره؟ كما فعل أحدهم حين قال منذ أشهر: ومَن غدا كردينالًا … إلخ. فكُسِر الشعر والتبس علينا الكردينال السامي الاحترام بالدواء المُعَدِّ في الصيدليات للمصابين بالنقطة.

إن البند الأول من دستور شعر المناسبات كثرة الأعلام لتعلو الآهات والحسرات في المناحات، والتصفيق الحادُّ في مواقف الفرح.

إننا لا نلوم الشعراء وحدهم، بل نلوم أيضًا مَن يُقبلون على هذا الشعر الكذاب ويرغبون فيه، فالشعر عاطفة وفن، وإذا خلا من هذين كان تمثالًا غير ناطق الملامح، فلو حضر شاعر حفلة صلاة «كبيرة»، فهناك مَن يقول له بعد الصعود إلى القلاية: أَسْمِعنا شيئًا في أبينا الخوري وقداسه الحلو، فيصفه من طربوشه إلى «سكربينته»، وقد يقول له — كما قال أحدهم لخوري صار كاهنًا بالغلط، ثم لا أدري كيف صار وكيلًا للمطران:

وستلبس «الإسكيم» بعد هنيهة
وتحمِّر الأزرار والزنارا

فمصيبة الشاعر أنهم يطلبون منه الشعر في كل محضر وكل محفل، والشعر لا يستجيب كلما دُعِي، الشاعر كالطائر يغني متى تحرك للغناء، وعبثًا تكلُّفه الأمر إذا لم يندفع. كان عندي كناري كنت أُصَفِّرُ له ليغني فيكركر قليلًا ثم يقف، وعبثًا كنت أهيجه، أما متى طاب له الغناء فيغني ما شاء، وقد يسكت أيامًا حتى أظنه نسي التغريد، أو أحسبه زكرياء بعد خروجه من الهيكل، ثم يعود فينطق ويفرفر في قفصه، وهكذا الشعراء.

أما الشاعر الذي يغني للبشر متى أرادوا، فأقلُّ عقلًا من الطير.

•••

أمامنا الآن شاعران: واحد عراقي والآخَر لبناني، فاضت قريحتهما حين مَرَّ الوفد العراقي بسوريا وفلسطين ولبنان قاصدًا مصر، أما الشاعر العراقي معروف الرصافي فترك في كل وليمة أثرًا، وفي كل حفلة ذكرى — راضيًا أو مكرهًا لا أدري. أما في بيروت فكانت الكلمة لزعيم شعراء الفرح والترح الأستاذ بشارة الخوري، قال قصيدة سينية من وزن:

أصبح الملك ثابت الأساس
بالبهاليل من بني العباس

وراعى القافية كما يقتضي شعر المناسبات، إنْ لم يكن في أسماء الأشخاص، فعلى الأقل باسم الضيعة، ولا سيما أن هذه القافية تستدعي ما قاله بشارة:

وفد هارون هذه راية «الفضل»
وهذا فخر القريض النواسي

أرأيت كيف يقال شعر المناسبات؟ الوفد وفد هارون، بعد ألف سنة وأكثر — رحمة الله على ترابه — وليغضب دعبل الخزاعي ما شاء؛ فقد أمِنَّا شر لسانه الفالت، والقريض قريض النواسي شاعر بلاطه، والفضل جُعِلت بين هلالين تنبيهًا إلى التورية وغيرها، والحاذق يفهم، ثم جاء:

نفح الطيب طيب دجلة من فوديك
في موكب من الأعراس

هذا لغز، إن هبوب الطيب من نهر دجلة اختراع جديد، قد يكون تحوَّل ذلك النهر إلى «كولونيا» فصار في العراق نهر عطر وينابيع نفط. أما ذكر موكب الأعراس فلا بد منه تتمةً لنفح الطيب وتصديقًا لقول المثل العربي: لا عطر بعد عروس. ناهيك أن القافية سينية، وأية كلمة أحلى من الأعراس يسد بها الشاعر الفراغ؟

كنت أتوقع ظهور جنان لأبي نواسنا في هذا العرس، كما ظهرت لذاك في المأتم تلطم الورد بعناب. ثم قال الشاعر:

غزوة للقلوب قام بها الحب
فكان الآسي نفس المواسي

فجاء ذنب هذا البيت، لتكرار السين، كرأس نوع من السمك اسمه أبو منشار — انظر رسمه في المنجد — ثم قال الناظم:

صفَّق الأرز للمبشر بالوفد
وأهدت تيجانهن الرواسي

أليس من البلية أن يكون الشاعر لبنانيًّا ويقول: صفَّق الأرز للمبشر بالوفد …؟ فكأن بشارة ما رأى الأرز في حياته؛ إن الأرز لا يصفق يا أخي! الأرز شيخ وقور مترصن ويده لا تطاوعه، ولكنه إذ يرحب، يمد يده احتفاءً، فإذا شئتَ أن تسخِّره في قابل فهذا ما يقدر عليه. على الشاعر أن يكون ذا عينين على الأقل! أما «أهدت تيجانهن الرواسي» فقد تكون صخور لبنان صالحة للتيجان ونحن لا ندري، أما إذا كان يعني الزهر فهذا أوانه.

ثم جاءنا ببرناس لأن القافية سينية، ولو كانت رائية لحلت محلها عبقر دون شك، وانتهى إلى قوله:

عز بالصيد من ذوائب فهر
وزهته الوفود من عباس

إن هذا شرط أساسي في قصائد المناسبات، وكل سر «الصناعة» هنا؛ فالقصيدة من أولها إلى آخِرها مسخَّرة بل مؤسَّسة على هذه الكلمة «عباس»، ففيها يرى شاعر المناسبات كل الروعة والفن، وإنْ جاءت عابسة بل كاشرة بليدة قلقة تصيح المدد.

ثم قال بشارة عن جبلنا العزيز، وفي هذا دعوة وتشويق إلى الاصطياف، يستحق عليهما بشارة مكافأة أخرى:

هو جينيف يعرب كل ما فيه
مؤاتٍ وكل ما فيه آس

أرأيت ما أحلى جينيف هنا؟ إنها أحلى من «شمس الشمُّوسة»! أرأيت كيف يقول الشعرَ شعراءُ المناسبات، وكيف يلوي زعيمهم الأعلام ليًّا ويطويها طيًّا على هواه؟ لم تخضع له سويسرا فاحتل بلحظة عاصمتها واستولى عليها! ولا غرابة في الالتجاء إلى جينيف، فهي اليوم مرجع جميع الشعوب الضعيفة، وللعراق كرسي فيها، ولنا عن قريب إن شاء الله، فنريح الأمم المظلومة من بلاياها وأوجاعها، وبخاصة «معذبتنا» القديمة الحبشة.

أما تكثير الأعلام فقد وفاه شاعرنا بشارة حقه، فذكر لنا في تسعة أبيات أحد عشر علمًا، وهي: هارون، الفضل، النواسي، دجلة، الأرز، لبنان، برناس، فهر، عباس، جنيف، يعرب. أما كلمة الوفد فردَّدها مرات ليفهم الناس أنه يحكي للوفد.

إن هذه لا تستحق التفات ناقد، ولكننا نريد أن ننزه بشارة — وهو الشاعر إذا لم يطمع — عن هذا النظم البارد، فلعل في النقد بعض الفائدة له فيقلع عن خطته هذه، فلا يقول الشعر للرائح والجائي، ولا يدكدك الأوزان بهذه الألفاظ ويحسبها شعرًا. أما نصيحتي له فهي أن لا يلبي الدعوة إذا لم يُوفَّق إلى قول شعر، فالمعد التي كانت تقبل جرعات كبيرة من هذا الشعر، أصبحت تقيء «المسهل» إذا لم يكن من نوع «الملبس» و«الليموناضة».

٢

وهذا معروف الرصافي شاعر العراق، وأحد أعضاء وفده، كان ينثر الشعر حيث يمر الوفد كأنما هو يبذر ترمسًا وكرسنة، قال أبياتًا كالشعر لا أشك في أنه نظمها مُكرَهًا وأنشدها مرغمًا، وإلا عُدَّ عيًّا أو غير مكترث، فلفق ما لفق حتى استقام الوزن، واصطفت القوافي، وتزاحمت الرواسم، وقال الرصافي شعرًا صفَّق له الحاضرون حين انتهى من إنشاده، وقرظته الصحف لأن قائله معروف، بَيْدَ أنني أحلف لك ألف يمين أن شاعر «أم اليتيم» و«الطبيعة شعر» و«تربية البنات» و«قصة أبي دلامة» الطيبة، كان غير راضٍ عن هذا الشعر الخفيف الذي عرضه في أسواقنا، فكل ما قاله معروف من البضاعة الرائجة، وإن نقدناه فلكي يعدل هؤلاء الشعراء عن قول مثله.

اسمع ما قاله الرصافي بحيفا في سفح جبل الكرمل، حيث لا يزال النبي إلياس «حيًّا» يسمع، كما تؤكد لنا التوراة:

قفا صاحبيَّ بهذا البلد
نحيِّ رجال الهدى والرشد

خاطب الرصافي الناس بلغة الجمال، كأنه في صحراء امرئ القيس لا في موطن مار ياس — بلهجة الجدعان — الذي طار منذ آلاف من السنين على مركبة نارية قبل أن يعرف الناس البنزين والمازوت، قال معروف: «قفا صاحبيَّ» وأغلب الظن أن الوفد العراقي عشرات، فلو قال: «قفوا» لهان الخطب، أما شطره الثاني فليس فيه زيادة على قولهم: السلام على المؤمنين، لا شبيه لبيت معروف هذا إلا قول خليل مطران في ذكرى صديقه حافظ إبراهيم: «عظم الله فيك أجر الضاد»، أي عظم الله أجركم!

أما البيتان الثاني والثالث فهما حشو، بل تفسير للبيت الأول، ما زاد فيهما معروف شيئًا على ما اعتاد الناس أن يقولوا، أي إن رجال حيفا أوادم جيدًا — وهم كذلك — ولولا القافية والوزن والطمع بزيادة بيت لما قال:

نحيِّ كرام بيوت لها
بأرض العروبة أعلى عمد

وحيث لا بد من ذكر حيفا، وفقًا لمراسيم شعر المناسبات، ليعرف الناس أن الأبيات في أجاويدها اضطر الشاعر أن يهدر كالحمام مرجعًا:

كرام بحيفا أقيمت لهم
بروج تطاول برج الأسد

كأنني بمعروف نظر إلى البيوت القائمة على ظهر الجبل، كفندق مرسليا وغيره، وما بناه الإنكليز على جبل الكرمل، فخطر على باله برج الأسد. وقد يكون قصد الشاعر أن يورِّي بقوله برج الأسد عن الأسد البريطاني والله أعلم. رحم الله مَن قال: المعنى بقلب الشاعر، فكم نفض بها من مشاكل شعرية! وشاءت القافية في بيت تالٍ أن يقول فقال:

فنخلد في الدهر شكرًا لهم
ونثني عليهم ثناء الأبد

إن معنى الصدر والعجز واحد، أي إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين، وأي حرج على الشاعر فالشكر لا يشبع منه!

ثم شاء الشاعر أن يقول حكمة كمألوف شعراء العرب، ويزود الناس نصيحة فقالها على نسق قول الكهنة عندنا: «يا إخوتي المباركين، الحاضر منكم يخبر الغائب، نهار الثلاثاء عيد مار يوسف بطالة من جميع الأشغال العالمية.» وإليك كلمته:

فيا سادة قد حللنا بهم
وفود العراق فيمَن وفد
أَلَا أبلغوا الشعب أن العلى
له في الحياة إذا ما اتحد

إنها نصيحة تسوى جملًا ومن النوق العصافير … أما قوله: «وفود العراق فيمَن وفد» فأشك في روايته هذه ولا أعلم صحيحها، فمثل هذا لا يقع من معروف، فهو لا يكسر البيت ولو كان يمر على الصراط.

أما في مصر فروت لنا جريدة البلاغ ما يأتي: «وبعد تناول الطعام — في حفلة عزام — أنشد شاعر العراق الكبير الأستاذ معروف الرصافي هذه الأبيات:

المجد والفضل منشوران في علم
على بيوت بناها آل عزام
لما حللنا ضيوفًا في مرابعهم
نلنا بها كل إعزاز وإكرام
فسوف نشكرهم شكرًا نخطُّ به
لمجدهم سِفْر إجلال وإعظام

وقد صفَّق الحاضرون إعجابًا لهذه البديهة المواتية.»

ولمَن لا يصفِّق الحاضرون يا تُرَى؟ فأف لهذا التقريظ، بل لهذا التصفيق الذي يغش الشاعر ويصفق الشعر. أقال معروف غير شعر هزيل مبتذل، وإن كان موزونًا مقفَّى؟ لقد صحَّ بنا قول المثل العامي: «كله عند العرب صابون.» أما قوله: «فسوف نشكرهم» … إلخ. فدلَّني على علمه كل العلم بأنه لم يقل شيئًا، لقد كان الأعشى أحكم من معروف حين قال لرسول المحلق: «قُلْ له سيأتيك ثناؤنا.» أَمَا كان أخلق بمعروف أن يطبق «سِفْر الإجلال والإعظام» ولا يفتتحه بهذه الأبيات المزَّة.

وفي حفلة الدكتور عفيفي باشا كانت جمهرة من الباشاوات، وكلهم عظيم، وأساتذة وشعراء منهم خليل، إلا أنه لم يقل شيئًا بهذه المناسبة، والعهد بالخليل غير بخيل. أما معروف فقال أبياتًا لا أشك في أنك حزرت أيها القارئ أن قافيتها ظاء، كما يقتضي شعر الفرح والترح، فاسم صاحب المأدبة حافظ، فالقافية إذن ظاء، كما كانت زايًا في رثاء المرحوم الملك فيصل لأنه أبو غازي. أما أبياته هذه فأسردها لك واحكم أنت بنفسك على شعر المناسبات:

لدى العفيفي حافظ
للمكرمات محافظ

الله يخزي الشيطان، ما استطعت السكوت كما وعدتك، إنه بيت موفَّق جدًّا، فيه الاسمان عفيف وحافظ، وفيه الجناس المطرف، المتوَّج، المذنَّب … سمِّه ما شئتَ. اسمع الآن ما بقي من هذه اليتيمة:

لسانه وهو طلق
للدر في القول لافظ
وطرفه للمعالي
مدى الحياة ملاحظ
له شمائل غر
بها تزول الحفائظ
بها تنال المعالي
بها تطيب المواعظ

كأني بلافظ بن لاحظ صاحب امرئ القيس لم يكن حاضرًا! فهذا النظم كجنين لم يكد يبصر النور حتى صرخ صرخة طارت معها روحه، لا شك أن آثار هذا الشعر البشع ستُمحَى من العقول بعد غسل الأيدي وتنظيفها من وسخ المائدة. نَجِّنَا يا رب من هذا الأدب وهذا الشعر.

ثم مرَّ الوفد ببيروت، فقال بشارة منظومته الهارونية النواسية العباسية البرناسية — كما مرَّ بك — وقال معروف أيضًا أبياتًا نفض طوقه على إثر إنشادها، كما قرأت في الصحف، ولكنه تمَّم الواجب — كبَّر الله واجبه. أما درة بشارة فنشرتها صحف كإخوانها السابقات، وكما ستُنشَر وتُقرظ اللاحقات، وكما سننقدها نحن في محصول الشهر، وهكذا حتى يفنى شعر الفرح والترح أو يستقيم لأشياخه القول فيه.

وبرح الوفد بيروت مارًّا بدمشق في طريقه إلى العراق، فقال معروف قصيدة خيالية في تحية دمشق، فقام يحدِّث الناس برؤيا، ولكنها نيئة فجَّة، كان الرصافي فيها حالمًا ومعبِّرًا، وهذا مطلعها:

عندي حديث عن دمشق فأنصتوا
فلقد رأيت اليوم طيف خيالها

طبعًا أنصت الناس للشاعر الكبير ليقصَّ عليهم ما رأى، والأحلام لذيذة، ولو تأنَّى الشاعر لما جمع بين الطيف والخيال، وفي جعبته ألفاظ كثيرة والنظم يؤاتيه، وهو من شعراء القصص البارعين كالملاط عندنا. أما ماذا قصَّ معروف اليوم وماذا رأى، فإليك ما يقول:

شاهدتها والغل ناهز قرطها
والقيد منعطف على خلخالها

ثم رأى معاوية قبالها، وأبا عبيدة عن يمينها، وخالدًا عن شمالها — إن خالدًا غير محظوظ في دمشق حتى في القصص الخيالية!

وسيوفهم بأكفهم مسلولة
والنار تلمع من شفار نصالها

رحم الله عنترة القائل: «هل غادر الشعراء من متردم»، فما تراه يقول اليوم لو سمع معروفًا يسرق شطره، ويعلق في ذنبه هذا الضمير؟!

ثم رأى الحزن لوَّح خدها — دمشق — وإذ لا بد للعربية من خال يتم به حسنها، صاغه لها معروف من سواد لاح له كما تقرأ:

شاهدتها والحزن لوَّح خدها
وحكى سوادًا فوقه من خالها

ولم ير فقط، بل سمع أيضًا أبا يزيد هاتفًا بمقالة دهش المدى بمآلها:

صبوا لظاكم في طريِّ جمالها
أني افتديت جمالها بجلالها

إنَّ صبَّ اللظى في طريِّ الجمال بدعة جديدة، كنفح الطيب من دجلة، أمَّا كيف يبقى الجلال متى أكل اللظى الجمال فهذا ما يعرفه الشاعر الملهم ولا ندركه نحن. ثم رأى أبا يزيد ينتحي أرضًا بلقعًا بالفتاة التي ناهز الغل قرطها، وانعطف القيد على خلخالها، وهناك أخذ يخط بالسيف خيوط مثالها، كما فعل أرخميدوس من قبلُ:

وعلا به ضربًا على أغلالها
وعلى قيود الرجل من تمثالها
حتى لقد نهضت وفك إسارها
وانبتَّ منقطعًا وثيق عقالها

أرأيت «قيود الرجل» و«حتى لقد نهضت» ما أبشعهما! ثم أَلَا تنبئك «وثيق عقالها» أنَّ هَمَّ الشاعرِ سدُّ الفراغ ليستقيم الوزن؟ فبعدما صوَّرها مغلولة مقيَّدة، وقاسى أبو يزيد مع صاحبيه خالد وأبي عبيدة ما قاسوه من ضرب وطعن، كانت النتيجة أن قال لنا الشاعر:

وانبتَّ منقطعًا وثيقُ عقالِها
… … … … …

فالبيت يا أستاذ معروف — وأنت سيد العارفين — لا يكون في الحديد، وهل «منقطعًا» غير حشو؟ ثم كيف يجوز في فنك أن تتحول تلك القيود والأغلال إلى عقال يتجمع على حله ثلاثة رجال من أشهر أبطال التاريخ العربي: أبو يزيد، وأبو عبيدة، وابن الوليد، وسيوفهم بأكفهم مسلولة؟! أَكُلُّ هذا ليحلوا عقالًا؟ لقد ظلمتهم يا سيِّد: إن العجلة من الشيطان، والخلاصة أن قيودها انفكت:

فمشوا ثلاثتهم بها وسيوفهم
شبكن كالإكليل فوق قذالها

وأخيرًا عبر معروف رؤياه هذه بدمشق تفوز باستقلالها، وكفى الله المؤمنين القتال والوفد الجدال، والكتلة النضال …

ويلي ذلك بضعة أبيات وطنية عادية وعظات زهيرية أوسية، وإذ لا بد من ذكر الزعيم العامل فخري البارودي صاحب الدعوة، ختم معروف منظومته هذه بقوله:

إني لأشكر لابن باروديها
هممًا بناء المجد من أفعالها
زعيم كتلتها هنيئًا للعلى
في الدهر أنك من بغاة وصالها

وقد سد الشاعر بالدهر ثلمات كثيرة، فكأنه ملك يديه وطوع بنانه، وهو لو فكَّر قليلًا لسَلِمَ شعره من هذا الحشو الذي لا يبيض وجهه بعد جلال الشيب وتخطي العمر.

أراح الله الأدب العربي من شعر المناسبات، كوليرا الشعر، وطاعون الأدب، أو فَلْيمنَّ علينا ببستور جديد!

٥ / ١٩٣٦

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤