الفصل التاسع

تموز الخَضِر

كانت عشتار، كما أشرنا في مواضع أخرى سابقة، أول قوة إلهية توجه إليها الإنسان بالعبادة، وكانت تماثيلها أول صورة مقدسة نحتها. وقد استمرت عبادة القوة الإلهية في شكلها الأنثوي خلال العصر النيوليتي، الذي شهد منذ مطلعه ازدهارًا لصور الأم الكبرى، مترافقًا مع ظهور المستوطنات الزراعية الأولى. إلا أنه خلال الألف السابع ق.م. تبدأ التماثيل الذكرية المقدسة بالظهور على نطاق ضيق جدًّا، وبشكل مترافق مع التماثيل الأنثوية التي بقيت سائدة. وبذلك يبدأ التمهيد تدريجيًّا لظهور الثنائي الإلهي: الأم الكبرى وابنها، الذي سيأخذ أولى صوره الواضحة مع مطلع الألف السادس ق.م. في ثقافة شتال حيوك جنوب الأناضول. ففي شتال حيوك التي أخذت أبعادها كشبه مدينة مع مطلع الألف السادس قبل الميلاد، تبدأ ملحمة الإله الذكر في تاريخ المعتقد الديني الإنساني. فرغم بقاء الأم الكبرى المركز الأساسي لديانة هذه المستوطنة، فإن بعض صورها تبدأ بإظهار الإله الذكر إلى جانبها. وهذا الإله الذكر هو ابن الأم الكبرى وزوجها في آنٍ معًا.١ تمثله المنحوتات الجدارية على هيئة ثور يولد من رحم الأم الكبرى، كما هو الحال في الشكل رقم (٣-١٢) من فصل عشتار القمر الذي يمثل الأم الكبرى في شكل تبسيطي تلد الإله الثور. وفي الشكل رقم (٧-٣) من فصل عشتار السوداء الذي يمثل بنفس الأسلوب التبسيطي، الأم الكبرى المزدوجة في نفس الوضع، وفي الشكل رقم (٩-١) الموضح أدناه، حيث يبلغ الأسلوب التبسيطي مداه الأقصى، وتتحول الإلهة المزدوجة إلى عمل فني أشبه بأعمال النحت الحديث. أمَّا في الشكل رقم (٩-٢) فإن الإلهة تعود إلى شكلها المألوف الذي عهدناه في تماثيلها التقليدية التي تبالغ في التوكيد على مناطق الخصوبة وإظهارها. فنراها جالسة على عرش تحمله الحيوانات، وهي تضع مولودها الذي يبرز رأسه بين ساقيها لحظة الميلاد. وقد يظهر الإله الذكر في بعض منحوتات شتال حيوك في هيئة الرجل الناضج، ولكن دون أن يعطي انطباعًا برهبة الألوهة؛ مما يدل على أن الفنان قد أراد التوكيد على الدور الثانوي للإله الذكر وتبعيته للإلهة الأم.
fig84
شكل ٩-١: الأم المزدوجة وابنها الثور – شتال حيوك.
fig85
شكل ٩-٢: الأم الكبرى تضع طفلها – شتال حيوك.
هذه العائلة المقدسة لديانة شتال حيوك، لا تتألف من أربعة آلهة، كما يبدو للناظر لأول وهلة؛ إذ يعتقد أنه أمام أم وابنة، وأب وابن، بل تتألف في الواقع من إلهين وأربعة تجليات؛ فهناك الأم الكبرى في وجهيها، وهي الأم التي ستظهر فيما بعد في حضارة كريت تحت اسم «السيدتين»، وفي اليونان تحت اسم ديمتر/بيرسفوني، وهناك الابن الذي يلعب في الوقت نفسه دور الزوج المخصب.٢ ولقد بحثنا بالتفصيل دلالة ازدواج الإلهة الأم في فصول سابقة، أما ازدواج الإله الابن، وقيامه بدور الوليد الإلهي والزوج المخصب، فيجد تفسيره في معتقد الإلهة الواحدة للعصر الحجري. فوفق هذا المعتقد، لا يمكن أن يظهر إلى جانب الأم الكبرى إله آخر، إلا إذا كان ناشئًا عنها مولودًا من رحمها. وعندما وصل التطور داخل المجتمع النيوليتي والديانة النيوليتية حدًّا كان لا بدَّ معه من ظهور إله مذكر، لم يكن هذا الإله إلا ابنًا للأم الكبرى، أنجبته لتخصب به نفسها. وقد بقيت هذه العلاقة قائمة بين الأم الابن في الديانات العشتارية اللاحقة، رغم ما أصابها من تطور وتغير. ولعل هذه الفكرة ستغدو للقارئ أقل تجريدًا، إذا نحن دعمناها بمزيد من الأمثلة المأخوذة من الأعمال التشكيلية. ففي الشكل رقم (٩-٣) وهو تمثال للأم الكبرى وابنها من مستوطنة هيجيلار بجنوب الأناضول، التي تنتمي للثقافة السورية النيوليتية الشمالية، نجد الأم الكبرى في وضعية الجلوس، وقد احتضنت إلى صدرها ابنها، الوليد الإلهي الصغير. أما في الشكل رقم (٩-٤) وهو تمثال من نفس الموقع، فنجد الأم والابن في وضع المجامعة الجنسية الواضحة. وفي كلا الدورين اللذين يلعبهما الإله الابن، في هذين العملين التشكيليين المعبرين، يبدو الإله الذكر طفلًا أبديًّا للأم الكبرى، ودوره الجنسي كحبيب مُخْصِب للإلهة، لا يعطيه ميزة عليها بل على العكس من ذلك؛ لأن سيطرة المرأة في العملية الجنسية تبدو واضحة تمامًا، ويظهر العمل الفني اسيتعابها للعاشق الذي يلعب حتى في الفعل الجنسي دور الابن التابع المعتمد على أمه اعتمادًا مطلقًا.
fig86
شكل ٩-٣: الإله الذكر في دور الابن – جنوب الأناضول، الألف السادس ق.م.
fig87
شكل ٩-٤: الإله الذكر في دور الحبيب – جنوب الأناضول، الألف السادس ق.م.
لم يكن انشطار عشتار إلى ذكر وأنثى بالفكرة الجديدة تمامًا على المعتقد الديني النيوليتي، فعشتار في طورها الأوروبوري البدئي كدارة مغلقة مكتملة، كانت تحتوي في صميمها على بذرة السالب والموجب، اللذين نشأ عن حركتهما الكون المتولد عن الأم الكبرى. وفي تجليها الثاني كأم للطبيعة المادية بشتى مظاهرها، بقيت عشتار تحمل في جوهرها بذرة الذكورة والأنوثة؛ لأن كمال الألوهة في جمع الضدين. فكانت الإلهة الواحدة أنثى كونية، وكانت في الوقت نفسه تنطوي في داخلها على بذرة الذكورة التي انفصلت فيما بعد، وأعطت الإله الابن الذي لم يكن في الواقع إلا القوة الإخصابية الذاتية للأم الكبرى معكوسة نحو الخارج. لذلك نجد إنسان الثقافة النيوليتية في الشرق القديم، يرسم إلهته الأم أحيانًا في هيئة مؤنثة ومذكرة في آنٍ معًا. ففي الشكل رقم (٩-٥) نجد تمثالًا من موقع «تيب سراب» في سفوح زاغروس، شرقي بلاد الرافدين، يمثل الأم الكبرى في وضعية الجلوس وقد استعاضت عن ساقيها بقضيب ذكري كامل. أما الشكل رقم (٩-٦) فنجد تمثالًا للأم الكبرى من موقع تل الرماد بسوريا، يمثلها في هيئة ثنائية الجنس.
fig88
شكل ٩-٥: الأم الكبرى المخنثة – زاغروس، الألف السادس ق.م.
fig89
شكل ٩-٦: الأم الكبرى المخنثة – سوريا، تل الرماد، الألف السادس ق.م.
هذه العلاقة بين الأم العذراء التي ولدت ابنها دون نكاح، ثم تزوجته لتستعيد إلى ذاتها قوتها الإخصابية التي غدت مشخصة في الخارج، هي التي تفسر إشارة النصوص الأسطورية والطقسية فيما بعد إلى الإله الابن؛ ابن الأم الكبرى أحيانًا، وزوجها أو حبيبها أحيانًا أخرى. ورغم أن كل الآلهة الذكور في الثقافة الذكرية قد نشئوا عن الإله الابن، ثم اتخذوا لأنفسهم شخصيات مستقلة، وارتفعوا نحو السماء ناكرين أصلهم الأرضي، إلا أن هذا الإله قد بقي ابنًا لعشتار، محافظًا على وضعه القديم كظلٍّ للأم الكبرى، مكمل لها، حامل جزءًا من صفاتها وصلاحياتها. فهو «دوموزي» في سومر، و«تموز» في بابل، و«أدونيس» في سوريا، و«أوزوريس» في مصر، و«آتيس» في فرجيا وروما، و«ديونيسيوس» عند الإغريق. وكل هؤلاء يلعبون دورهم المزدوج كأبناء وأزواج. ففي نصوص بلاد الرافدين على سبيل المثال، نقرأ على لسان إنانا عددًا من المزامير الموجهة لدوموزي الحبيب. تقول له في إحداها: «الحبيب التقى بي، فقضى مني وطرًا وقضيت. وجاء بي إلى بيته فأضجعني على سرير العسل وقام بفعل الحب خمسين مرة …»٣ في نصوصٍ أخرى يشار إلى تموز على أنه الزوج، كما هو الحال في نص هبوط عشتار إلى العالم الأسفل، حيث نقرأ في آخر النص على لسان إريشكيجال: «أما زوجها الشاب، فخذوه واغسلوه بماء طهور وضمخوه بالعطور الطيبة …» وفي ملحمة جلجامش كذلك، حيث نقرأ في خطاب جلجامش لعشتار: «على تموز زوجك الشاب قضيت بالبكاء عامًا إثر عام …» أمَّا في بكائيات عشتار على تموز القتيل فيظهر تموز على أنه الإله الابن، حيث تصرخ عشتار ومعها الندابات: «ويلي يا دامو … ويلي عليك يا بني …»٤ وفي نص سومري عن إنانا النائحة على دموزي نقرأ:
ناحت إنانا على عريسها الفتى:
لقد مضى زوجي الحبيب،
لقد مضى ابني الحبيب.٥

ولقد بقي في علاقة السيد المسيح بأمه العذراء أثر من هذا التقليد القديم، بعد أن ارتقت العلاقة المزدوجة إلى مستويات روحانية سامية. نقرأ للقديس مار فرام السرياني في إحدى أناشيد الميلاد على لسان السيدة العذراء:

كيف أدعوك أيها الغريب عنا والذي صار منا؟
هل أدعوك ابنًا؟ هل أدعوك أخًا؟ هل أدعوك خطيبًا؟
هل أدعوك ربًّا؟
أنا أختٌ من بيت داود،
وأنا أمٌّ من أجل الحبل بك،
وأنا خطيبة من أجل قدسك.٦
وفي بعض صلوات الطقس البيزنطي نقرأ: «أيتها السيدة عروس الله. العذراء النقية الطاهرة التي لا عيب فيها ولا فساد ولا دنس. يا من بولادتها العجيبة وحَّدت الإله-الكلمة، والبشر.»٧ وفي بعض المدائح المريمية نقرأ: «السلام عليك أيتها العذراء عروس الله يا منعشة آدم ومميتة الجحيم. السلام عليك يا منزهة من كل عيب، يا بلاطًا للملك الأوحد. يا عرشًا ناريًّا للقدير …»٨
منذ الألف السادس قبل الميلاد، يبدأ هذا الزوج الإلهي بالانتشار في البؤرة الحضارية الأولى، ثم يجتازها تدريجيًّا في جميع الاتجاهات حتى يصل شواطئ العالم الجديد بعد عدة آلاف من السنين. إن موضوع العذراء والطفل، الذي يعالجه الشكل رقم (٤-٣) من فصل عشتار الخضراء، والذي يمثل عشتار البابلية في وضعية الجلوس وفي حضنها الوليد الإلهي، هو استمرار لموضوع العذراء والطفل، رغم ثلاثة الآلاف عام الفاصلة بينهما. ولسوف يتكرر هذا الموضوع في جميع ثقافات الشرق القديم وبحر إيجة وقبرص. وتكاد بعض الأعمال التشكيلية التي تعالجه، تكون نسخة طبق الأصل من بعضها، رغم الفاصل الزمني والتباعد المكاني، كما هو الحال في الشكلين رقم (٩-٧) ورقم (٩-٨) الذي يبدو أحدهما وكأنه نسخة معدلة عن الآخر رغم الفارق الزمني الذي يصل إلى ألفين من السنين.
fig90
شكل ٩-٧: العذراء الكونية وابنها – نقش معدني، كريت ١٥٠٠ق.م.
fig91
شكل ٩-٨: الرعاة يقدسون المسيح ليلة الميلاد، إيطاليا ٦٠٠ بعد الميلاد.
يبدو الإله الابن في ثقافة كريت وبحر إيجة، أكثر أقرانه قربًا للإله الابن في المستوطنات النيوليتية. ويرجع ذلك، كما أشرنا مرارًا، إلى احتفاظ الثقافة الكريتية بطابعها الأمومي القديم، وإلى انهيارها المفاجئ على يد الفاتحين القادمين من البر اليوناني، قبل اكتمال الانقلاب الديني الذكري فيها. فمنذ بداية هذه الثقافة وحتى تدميرها لم تُعبد سوى الأم الكبرى وابنها، الذي يبدو في الأعمال التشكيلية، أحيانًا كطفل صغير، وأحيانًا أخرى كشاب يافع.٩ وكما هو الأمر على البر الأسيوي المقابل، فإن الثور كان منذ البدء رمزًا لهذا الإله الابن، ولعب دورًا كبيرًا في الديانة الكريتية وطقوسها، التي لا نعرف عنها الكثير بسبب وصولها إلينا محورة من خلال الأساطير الإغريقية.١٠ ولعل في أسطورة الميناتور الكريتي ساكن قصر التيه، التي ليست إلا ذكرى باهتة لطقوس عبادة الثور في كريت، مثالًا على هذا التحوير. على أن الأمر الأكيد حول ديانة كريت، هو استمرار الإله الذكر ابنًا للأم الكبرى الواحدة لتلك الديانة، وعدم تحويله إلى شخصية إلهية مستقلة تبتدئ معها التقاليد الدينية الذكرية بالترسخ، كما حدث في الثقافات الأخرى، التي أتاح لها الوقت تحقيق انقلاباتها الكاملة. وإذا كان لهذا الإله الكريتي أن يحقق استقلاله الذكري وبناء شخصيته البطريركية، فإن ذلك سوف يحدث على البر اليوناني الذي ارتحل إليه جموع الفاتحين من أشباه البرابرة، الذين عادوا به إلى موطنهم عقب تدمير الحضارة الكريتية العظيمة، أواسط الألف الثاني ق.م.
إن دراسة متأنية لأساطير الأصول الإغريقية، من شأنها أن تكشف لنا عن كيفية نشوء آلهة الأوليمب الذكور، عن الإله الابن للمجتمع الأمومي السابق. ففي البدء،١١ ظهرت الإلهة الأم، الأرض جايا، من العماء الأول، وأنجبت ابنها الأول أورانوس الذي جعلته ندًّا لها، فكان السماء التي تغطيها من كل جوانبها. ثم إن جايا اقترنت بابنها وأنجبت الجيل الأول من الآلهة. ولكن أورانوس كان يخشى تزايد قوة أولاده في المستقبل وتهديدهم لسلطته، فكان كلما ولد له ابن سجنه في أعماق الأرض، دون أن تجدي معه توسلات جايا ودموعها من أجل أولادها. وبمرور الوقت وتزايد عدد الأولاد المسجونين، قررت وضع حد لطغيان أورانوس، فرسمت خطة بالتعاون مع ابنها الجريء «كرونوس» للتمرد على الأب. زودت جايا ابنها بمنجل حاد من صنعها وجعلته يكمن قرب مخدعها، وعندما جاء أورانوس ساحبًا وراءه ستار الليل لينام في مخدع زوجته، قام إليه ابنه فخصاه بالمنجل ورمى بأعضائه التناسلية إلى البحر، ورفع نفسه سيدًا للكون. ولكن الحكاية ذاتها تتكرر في الجيل التالي من الآلهة. فكرونوس يتزوج من الإلهة «رحيا» (وهي شكل آخر من أشكال الأرض جايا) وتأخذ زوجته بالإنجاب. ولكنه كان يبتلع أولاده حال ولادتهم مدفوعًا بنفس الخوف الذي لاحق والده من قبله. ويستمر الحال على ذلك، إلى أن تلد رحيا ابنها الأخير «زيوس» فتهرب به إلى كريت حيث تخبئه هناك، بعد أن تدفع إلى زوجها بحجر ملفوف في قماط فيبتلعه على أنه الوليد الجديد. وعندما يكبر زيوس، يرجع إلى أبيه فيجره عن عرش السماوات دافعًا به إلى ما وراء المحيطات ويعتلي عرشه.

إن بعض جوانب قصة الانقلاب الديني الذكري تكمن خلف الشكل المزخرف لهذه الأسطورة الإغريقية. فأورانوس إله السماء الأعلى الذي أنجبته الإلهة الأم ثم تزوجته، لم يكن في أصله إلا تموز ديانة المجتمع الأمومي الأسبق، ابن الأم وحبيبها المُخصِب. ثم جاءت جماعة الذكور المنتصرة فرفعته أبًا مستبدًّا، وحلت سلطة الأب وسيطرته محل حنو الأم، وغابت صورة الأم التي تحضن طفلها لتظهر صورة الأب الذي يسجن أولاده أو يبتلعهم. ولم يكن الصراع بين الابن وأبيه في كل جيل، سوى انعكاس للصراع بين العناصر الأمومية والعناصر الذكرية في ثقافة لم تصل بعد مرحلة الاستقرار. ولكن الصراع كان يميل دومًا لمصلحة الاتجاه الذكري؛ لأن الإله الابن الذي تحاول الأم إنقاذه، يتحول بدوره إلى طاغية يكرر دور أبيه. ومن الجدير بالذكر أن زيوس الإغريقي الذي يمثل الجيل الثالث من الآلهة، وأمه رحيا، هما بالذات الأم الكريتية رحيا وابنها زيوس، اللذان تركزت حولهما ديانة كريت وبحر إيجة، التي لم تندحر أمام المد الديني البطريركي، إلا بعد اجتثاثها من أرضها وحملها إلى بلاد الإغريق.

وكما ارتفع آلهة الإغريق الذكور، فسكنوا السماء مبتعدين عن أمهم الأرض، كذلك فعل من قبلهم آلهة السماوات العلى في الشرق الأدنى القديم منذ مطلع عصور الكتابة. ففي سومر، نجد الإله «آن» والإله «إنليل»، وفي بابل نجد «آنو» و«مردوخ»، وفي آشور نجد «آشور»، وفي سوريا نجد «إيل»، وفي مصر نجد «رع». إلا أن طغيان الديانات البطريركية لم يقضِ على ديانة الأم العذراء ووليدها الإلهي التي بقيت تستقطب العاطفة الشعبية الدينية، وبقي الناس يقدمون الولاء لآلهة السلطة، ويكنون الحب لعشتار وابنها. وعندما انتصرت المسيحية أخيرًا وقامت فوق بحر من العبادات المتناحرة، حققت التسوية النهائية بين الإله الأب سيد السماء، والإله الابن ربيب الأرض. فهبط الإله الأب من عليائه، وصار جنينًا في رحم العذراء الأرضية، ثم ولد وعاش بين الناس، ومات ثم بُعث راجعًا إلى سمائه.

ما هي الملامح العامة لهذا الإله الابن؟ وكيف نشأت وتطورت صلاحياته واختصاصاته؟ إن الوثائق الفنية لعصور ما قبل الكتابة، لتقدم الدليل الواضح على أن هذا الإله لم يكن موضع عبادة بمعزل عن أمه. لقد عاش حياته كلها ظلًّا للأم الكبرى، يمارس قسمًا من صلاحياتها واختصاصاتها التي انفردت بها قبله، ولكن تحت رعايتها وبمعونتها. فهو وجهها الآخر، وشقها الذكري الذي كان كامنًا فيها منذ الأزل، ثم انفصل عنها شكلًا ولكنه بقي جزءًا منها فعلًا. وإذا كانت الأم الكبرى قبل ظهور الابن تحمل في بعض صورها التركيب الأنثوي والذكري معًا، فإن ابنها بدوره سوف يحمل ذات التركيبين، ويعيش حياته «ابن أمه»، الفتى الرقيق الحميل ذا الملامح الأنثوية والجسد الطري الغض. فعشتار وتموز هما في الحقيقة أقنومان لا إلهان مستقلان؛ اثنان في واحد، وواحد في اثنين.

أخذ الإله الابن عن أمه خصائصها القمرية؛ فهو الآن الثور السماوي ابن القبة المعتمة، الذي تظهر قرونه عند الأفق ليلة ميلاد القمر الجديد، ثم يبدأ بالصعود لينهي دورة حياة مقدارها ثمانية وعشرون يومًا، فيموت ويبعث في اليوم الثالث من بين الأموات. ورغم قيام الميثولوجيا الذكرية برفع آلهة مذكرة جديدة للقمر، كالإله «نانا» في سومر والإله «سن» في بابل، فإن الخصائص القمرية القديمة للإله الابن بقيت تدل على نفسها عن طريق الإشارة والرمز. فقرون الثور النيوليتي بقيت تزين رءوس أبناء الأم الكبرى حتى العصور المتأخرة، ونجدها على وجه الخصوص في تماثيل الإله الكنعاني بعل. أما الإله دوموزي أو تموز فتطلق عليه النصوص لقب الثور الوحشي. فها هي «إنانا» تناجيه بهذا الاسم في أحد مزامير العشق: «أطلق سراحي أيها الثور الوحشي لأعود إلى بيتي … ماذا عساني أقول لأمي؟» وعندما يلقنها دوموزي ما عليها أن تقول لأمها يدعوها للبقاء قائلًا: «هذا ما تقولينه لأمك، بينما نمرح في حضن الهوى … تعالي، سأهيئ لك سريرًا رخصًا حيث نقضي أعذب الأوقات.»١٢
وفي مصر القديمة نجد اسم الإله الابن «أوزوريس» إذا أعيد إلى جذوره القديمة فإنه يعني سيد القمر،١٣ وكان من ألقابه «آزر-آه» الذي يعني أوزوريس القمر. ولعلنا واجدون في أسطورة هذا الإله ودورة حياته ما يشير إلى خصائصه القمرية. فهو قد عاش ثمانية وعشرين عامًا فقط، وفي ذلك إشارة إلى دورة القمر الشهرية المؤلفة من ثمانية وعشرين يومًا. وعندما قتله أخوه «سيت» قطع جسده إلى أربع عشرة قطعة، بعثرها في أماكن متفرقة، ثم جاءت زوجته إيزيس فبحثت عن القطع وجمعتها إلى بعضها ونفخت فيها الحياة. وفي ذلك إشارة إلى أجزاء القمر التي يفقدها يومًا فيوم، أثناء هبوطه إلى العالم الأسفل، خلال فترة التناقص المؤلفة من أربعة عشرة يومًا، ثم استعادته لتلك الأجزاء خلال فترة التزايد. وقد كان المصريون يحتفلون في اليوم الأول من الشهر القمري يوم ظهور الهلال، وفي اليوم الخامس عشر منه وهو يوم ابتداء فترة القمر المتناقص. إضافة إلى ذلك، فإن الرمز القمري لأوزوريس يتجسد في ثوره المقدس «آبيس»، الذي يعتبر روح أوزوريس الحية على الأرض، والذي ولد من بقرة أخصبها شعاع القمر. وكان هذا الثور المقدس يعامل خلال حياته على أنه الإله نفسه، وتقدم له فروض العبادة والتقديس بما يليق بوضعه هذا.١٤ فإذا مات حلَّت روحه الخالدة في ثور آخر، وقام الناس في طول البلاد وعرضها بالبحث عنه مسترشدين بعلامات فارقة تميزه. فهو أسود اللون تمامًا لا شِية فيه، على جبهته مثلث أبيض، وعلى خاصرته صورة الهلال. فإذا تم العثور على مثل هذا الثور، تمَّ اقتياده إلى معبده الخاص في مدينة ممفيس.١٥ وفي آخر أشكاله كان أوزوريس، إبان حكم البطالمة في مصر، يدعى «سير ابيس». والاسم مؤلف من مقطعين؛ الأول «سير» أو «زير»، المختصر عن أوزوريس، والثاني: «ابيس» الثور. وتحت هذا الاسم انتشرت عبادته في الإمبراطورية الرومانية.١٦
عبَّرت الأعمال التشكيلية عن الرموز القمرية للإله الابن بطرق شتى، ففي الشكل (٩-٩) نجد أوزوريس القمر في نهاية سلم مؤلف من أربع عشرة درجة، هي درجات صعود القمر وهبوطه، وهي في الوقت نفسه أجزاء أوزوريس التي تُفقد ثم يتم جمعها في كل شهر. وفي الشكل رقم (٩-١٠) نجد أوزوريس يجلس على عرشه داخل قرص القمر البدر وأمامه الإله حورس. وفي أعلى الصورة نرى الهلال في يومه الثاني، وأمامه اثنتا عشرة نجمة تشير إلى المراحل الباقية التي توصل إلى القمر الكامل. وعلى اليسار إيزيس، وفي الأسفل الإله التمساح «سيبيك» يحمل على ظهره مومياء الإله القتيل. أمَّا الفن الإغريقي؛ فقد رسم الإله ديونيسيوس في كثيرٍ من الأحوال في هيئة ثور كامل، كما هو الحال في الشكل رقم (٩-١١) حيث نرى الثور ديونيسيوس والنعم الثلاث ترقص بين قرنيه، وفوقه تصطف سبعة نجوم تشير إلى الرقم القمري المقدس.
fig92
شكل ٩-٩: درجات القمر الأربع عشرة، أو أجزاء أوزوريس المفقود.
fig93
شكل ٩-١٠: أوزوريس القمر – نحت بارز.
وقد واصل الإله الثور رحلته غربًا من الشرق الأدنى القديم، إلى أن حطَّ الرحال عند حوافِّ العالم القديم وشواطئه، حيث حافظ على اسمه السامي «ثو». ففي الثقافة الإسكندنافية القديمة، كان الإله «ثور» ابنًا للأم-الأرض، وربًّا للرعد والعاصفة والأمطار ونظام الطبيعة، نراه في الأساطير والرسوم متمنطقًا بمطرقة هائلة يحطم بها جليد الشتاء، ليطلق الربيع من أعماق الأرض في كل عام، ويركب عربة تجرها التيوس الجامحة التي ينحرها كلما جاع ليتغذى بلحومها، ثم ما يلبث أن يعيدها إلى الحياة من جديدٍ. من مآثره التصدي للمردة التي كانت تهدد نظام الكون، وصراعه مع أفعى البحر الهائلة «مجدادا». وكان يوم الخميس لدى الإسكندنافيين القدماء، يومًا مقدسًا للإله «ثور»، فيه تعقد الزيجات، وقد بقي اسم ذلك الإله يطلق على يوم الخميس في نص اللغات الأوروبية، كما هو الحال في اللغة الإنكليزية، التي تطلق على يوم الخميس اسم Thursday المحور عن Thur’s day أي: يوم الثور. ويقابل الإله ثور لدى الجرمان، الإله «دونار» الذي يتمتع بنفس الوظائف والخصائص، وأطلق اسمه على يوم الخميس المعروف باسم «دونر-ستيج».١٧
fig94
شكل ٩-١١: ديونيسيوس الثور – رسم إغريقي.
إضافة إلى خصائصه القمرية التي استمدها من أمه، فإن الإله الابن قد بدأ تدريجيًّا منذ ظهوره، بمشاركتها أيضًا خصائصها كربة للإنبات ودورة الزراعة. ورغم أننا لا نعرف الكثير عن الأسطورة النيوليتية المتعلقة بالإله الابن، فإن بمقدورنا أن نتلمس خطوطها العريضة؛ اعتمادًا على الأساطير المدونة لعصور الكتابة الأولى؛ ذلك أن النصوص التي سارع الإنسان إلى تدوينها عقب اكتشاف الكتابة الأولى، لم تكن إلا استمرارًا لتقاليد شفهية موغلة في القدم، حافظتْ على عناصرها الأساسية، رغم ما اقتضته مراحل التطور المتعاقبة من تعديلٍ في الشكل والصياغة. فتموز، الثور القمري، قد غدا مثل عشتار الخضراء إلهًا للنبات ودورة الزراعة؛ فهو تموز الخَضِر (الأخضر)، رب الإنبات والدورة الزراعية، الإله الحي الميت، والميت الحي، الذي يهبط إلى باطن الأرض في الخريف، ويبعث من عالم الظلمات مع قدوم الربيع، ساحبًا وراءه خيرات الأعماق وبركات الرحم المظلم الذي خرج منه. ولكن مهمته هذه لا تنجز بقواه الذاتية بل لا بد من معونة عشتار له. فعشتار التي كانت تهبط درجات العالم الأسفل وحيدة وتصعد وحيدة، هي الآن من يدفع بتموز إلى العالم الأسفل لابتداء دورة الزراعة، وهي من يستعيده إلى الحياة لإكمال هذه الدورة. إن الدور الذي يلعبه هذان الإلهان في أساطير الخصب منذ أن أنجبت عشتار ابنها، هو دور واحد متكامل؛ لأنهما في الأصل وفي المستويات السرانية للأسطورة ليسا إلا وجهين لقدرة إلهية واحدة. فإلى جانب الأعمال التشكيلية التي أظهرت لنا انبعاث عشتار من باطن الأرض وحيدة في الربيع (الشكل رقم ٤-٢ والشكل رقم ٤-٧، فصل عشتار الخضراء)، تظهر لنا أعمال تشكيلية أخرى أن الإله الابن هو الذي ينبعث من باطن الأرض في الربيع ومعه أولى سيقان الزرع الخضراء. ففي الشكل رقم (٩-١٢) أدناه، وهو رسم إغريقي على الخزف، نجد إله الخصب يخرج من الأرض عبر تلة مرتفعة، ترفرف إلى جانبه ربة الانتصار المجنحة «فيكتوريا» رمز انتصاره على الموت، ومن جانب التلة تنمو أول نبتة مورقة. وفي رسوم أخرى، نجد رأس الأم والابن معًا يطلان من باطن الأرض ويصعدان جنبًا إلى جنبٍ.
fig95
شكل ٩-١٢: بعث الإله الابن – رسم إغريقي على الخزف.
هذا الدور المتكامل للأم والابن، قد عبرت عنه الأسطورة بأكثر من شكلٍ وطريقة. فالأم ديمتر في الأسطورة الإغريقية، هي التي اكتشفت زراعة القمح ولكن ربيبها الشاب تريبتليموس، هو الذي قام بنشره في شتى أنحاء العالم بتوجيهها ومساعدتها؛ فقد عمدت ديمتر إلى تجهيز عربة تجرها التنانين المجنحة، وأسلمت تريبتليموس أول حزم القمح، ولقنته كيفية زراعتها وحصادها وصنع الخبز منها، ثم طلبت منه أن يطير في الاتجاهات الأربعة لنشر فنون الزراعة وتحضير البشر.١٨
ومثل تريبتليموس في نشر خيرات الأم الكبرى في جميع أنحاء العالم، إله الخصب المصري أوزوريس. فهذا الإله هو الذي نقل المصريين، كما تقول الأسطورة، من مستوى الوحوش البرية إلى مستوى البشر، وذلك عن طريق تعليمهم زراعة القمح وأكل الخبز. بعد أن بنى أوزوريس المدن في مصر وسن الشرائع والقوانين ووضع أسس العبادات المنظمة، تركها في مهمة مشابهة لمهمة رسول ديمتر، لكي ينشر الحضارة في كل مكان على الأرض.١٩ إن مثل هذه الأساطير لتحفظ لنا بشكل صاف ذكرى القفزة الحضارية الكبرى التي حققها الإنسان باكتشافه القمح وأكله الخبز، فلقد كان الرغيف برزخ العبور من مرحلة الهمجية إلى مرحة الحضارة. وفي ملحمة جلجامش، كان أول عمل قامت به المرأة التي قادت بيد إنكيدو من حياة البرية إلى حياة المدنية، أن جعلته يتذوق الخبز الذي غدا بعد أكله بشرًا سويًّا: «وضعوا أمامه خبزًا فارتبك. فإنكيدو لا يعرف شيئًا عن أكل الخبز وشرب الشراب القوي، ففتحت المحظية فمها قائلة لإنكيدو: كل الخبز يا إنكيدو، عماد الحياة هو. وخذ الشراب القوي فهو عادة أهل البلاد …»٢٠ لذلك كان الإله الابن في أسطورته النيوليتية إلهًا للقمح بشكل خاص، بل كان القمح جسده، وكان هو للقمح روحه. فقبل أن ترتفع الآلهة إلى السماء لتتحكم في مظاهر الطبيعة عن بُعدٍ، كانت جزءًا لا يتجزأ من مظاهر الطبيعة، وكل ما في الطبيعة كان إلهيًّا مقدسًا، ودنيويًّا ماديًّا، في آنٍ معًا.

إن أول صرخة تضرُّع أطلقها الإنسان للقوى الإلهية لم تكن صرخة عابد يطلب خلاص الروح، بل صرخة جائع يطلب حفظ الحياة في الجسد. وكان حقل القمح الأول هو المسرح البدائي الطبيعي، الذي جرت عليه أسطورة الإله الميت الحي، الحي الميت، الذي دخل في إسار الدورة الزراعية السنوية مقدمًا للبشر خلاصًا من الجوع.

القمح القتيل

تقدم لنا إحدى أساطير الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، مدخلًا لرسم الملامح العامة لأسطورة الإله الابن النيوليتية. فهذه الأسطورة وأمثالها من أساطير الثقافات البدائية الحديثة قد حفظت لنا الكثير من العناصر الأصلية لأساطير العصور الزراعية الأولى؛ تقول الأسطورة: «إنه في سالف الأيام كان الهنود الحمر يعيشون على صيد الحيوانات البرية والاغتذاء بلحومها، دون أن يعرفوا الزراعة وأكل الخبز. ثم جاء وقت تناقصت فيه حيوانات الصيد وعز الحصول عليها، الأمر الذي دفع بالناس إلى حافة المجاعة. وكان لسيد إحدى القبائل ابن شاب في ريعان الصبا، دائم التفكير في «الروح الكبرى» التي تتحكم في مجرى حياة البشر وتدير حركة الكون، وفي حكمتها الخافية عن إدراك الناس، وكان يعمل ذهنه ليل نهار في البحث عن حلٍّ ينقذ به شعبه من الهلاك. وما لبث الفتى طويلًا حتى بلغ السن الذي ينذر فيه فتيان القبيلة للروح الكبرى صومًا مقداره سبعة أيام، فينتجعون مكانًا قصيًّا يقضون الوقت في العبادة والتأمل. فآلى الفتى على نفسه أن تكون فترة صومه مناسبة لتوطيد صلته بالروح الكبرى، ولمزيد من التفكير في طريقة لتلافي الكارثة المحدقة. كان يخرج كل يوم من معتكفه عند أطراف القرية، فيجوس البراري والغابات متأملًا مختلف أنواع الأعشاب والأشجار، متفكرًا في سر نموها وتجددها. وفي اليوم الثالث لصومه وتجواله هبط عليه من السماء شابٌّ غض الإهاب، وسيم الطلعة، يرتدي عدة أثواب طباقًا، متدرجة ألوانها بين الأصفر الفاتح في الخارج، والأخضر الغامق في الداخل، ويضع على رأسه قبعة على شكل حزمة من الريش. وقف أمامه وأعلمه عن هويته قائلًا بأنه رسول من عند «الروح الكبرى» بعثت به لغوث البشر، وتعليمهم أساليب جديدة في تحصيل القوت، تغنيهم عن حياة الصيد ولحوم الحيوانات، وإنه مكلف بإطلاعه على السر الكبير بعد فترة تحضيرية محددة، ثم طلب منه أن يتقدم لمصارعته في منافسة ثنائية، وذلك كمقدمة للاختبار الذي سوف يستمر بضعة أيام. تحامل الفتى الذي أنهكه الصيام على نفسه، ودخل في صراع مع الرسول استمر ساعات طويلة دون أن يتغلب أحدهما على الآخر، ثم توقف الرسول معلنًا انتهاء فاصل اليوم، وغادر صاحبه على أن يأتيه في اليوم التالي. وهكذا تكرر لقاء الاثنين وصراعهما حتى اليوم السابع من أيام صيام الفتى، عندما جاءه الرسول قائلًا: إن صراع اليوم هو الأخير، وإنه سوف يموت في نهايته، وأن على الفتى أن ينظف قطعة صغيرة من الأرض، فينتزع منها الجذور والأشواك، ثم يحفر فيها حفرة يدفنه فيها ويردم التراب الناعم ويدعه في سلام. ثم يتردد عليه بعد ذلك مرة في كل شهر، فيزيح من فوق تربته الأعشاب ويمزجها بتربة جديدة، وذلك إلى عدة شهور يعود بعدها إلى الحياة، ويعرف الفتى السر الذي أرادت الروح الكبرى نقله إلى البشر. وهكذا انتهى الصراع فعلًا بموت الرسول، فقام الفتى بتنفيذ تعليماته حرفيًّا، فدفنه بالطريقة التي أوصى بها، وراح يزوره في كل شهر ويعتني بتربة قبره، وذلك حتى أواخر الصيف؛ حيث أخذت تزيح التراب من باطن الأرض نبتة صغيرة، تطاولت شيئًا فشيئًا حتى صلُب عودها، وحملت أكواز الذرة الذهبية التي يشبه كل واحد منها ذلك الرسول السماوي القتيل، لابس الأثواب المتعددة التي تتدرج في ألوانها من الأصفر إلى الأخضر، والقبعة ذات الأرياش الطويلة.٢١

لا تختلف هذه الأسطورة في هيكلها العام وبواعثها ومراميها عن أسطورة الإله الابن في العصور النيوليتية. فاكتشاف الزراعة بالنسبة لإنسان العصر الحجري، لم يكن نتيجة فعل بشري، بل نتيجة عون سماوي. وسنبلة القمح الأولى التي زرعها، لم تكن إلا جسد الإله الابن القتيل الذي أرسلت به الأم الكبرى إلى العالم الأسفل، من أجل ابتداء دورة الزراعة والحفاظ على استمرارها؛ فهو الإله الحي؛ الميت الحي الذي يهبط إلى باطن الأرض في الخريف، ثم يعود ساحبًا وراءه خضرة الربيع، مكملًا دورة حياته السنوية التي تركزت حولها حياة المستوطنات الأولى ودياناتها وطقوسها. هذه الأسطورة بشكلها البدائي البسيط المختلط بالطقس، هي الأساس الذي بنيت عليه فيما بعد أساطير إله الخصب الميت ابن الأم الكبرى، بشتى أشكالها وتنوعاتها، بعد انتقال عشتار وابنها من حقول قمح المستوطنات الزراعية الأولى، إلى المدن الكبيرة التي بدأت بالتوطد مع بدايات عصور الكتابة. إلا أن زارع القمح قد بقي وفيًّا لطقوسه وممارساته القديمة بعيدًا عن سفسطة كهان المعابد، وتعقيد الحياة الدينية، وجنوح أساطيرها نحو الكلمة المنمقة والرمز المثقل. فحتى وقت متأخر من تاريخ الحضارات في الشرق القديم، كان زارعو القمح يمارسون طقوسًا شبيهة بطقوس المزارع النيوليتي، عندما كان يندب في الصيف روح القمح القتيل الذي قضى تحت مناجل الحصادين، ثم يحتفل بعودته إلى الحياة في الربيع. فإذا كان النواح على تموز في معابد المدن الكبرى قد اتخذ أشكالًا ومضامين دينية مختلفة، فإنه في حقل القمح قد حافظ على أصله القديم كنواح على سنابل القمح الجافة، جسد الإله، الذي يقدم نفسه طائعًا للموت.

تروي المصادر الإغريقية أن المسافرين اليونان عبر الحقول السورية إبان الحصاد، كانوا يسمعون صرخات تفجُّع عالية، يطلقها الحصَّادون وهم يرددون، وفق إيقاعٍ، كلمة آيلينوس … وفي تفسير معنى كلمة آيلينوس، تذهب تلك المصادر إلى القول بأن آيلينوس كان فتى غضًّا رباه أحد الرعاة، ولكنه ما لبث أن مات ميتة قاسية؛ إذ انقضَّت عليه كلابه ومزقته إربًا؛ فالمزارعون يندبونه منذ ذلك الحين. إلا أن تحليل الكلمة اعتمادًا على اللغات السامية يشير إلى أنها مؤلفة من مقطعين هما آي — لانو، وتعني «وا أسفًا علينا»٢٢ أو الويل لنا. وتشبه إلى حد بعيد صرخة الفجيعة التي تطلقها الندابات في سوريا اليوم وهي «ولي علينا». إن الرواية الإغريقية ليست إلا محاولة لتفسير طقس الندب في حقل الحصاد. وليست أسطورة الفتى آيلينوس إلا زخرفة، على الطريقة الإغريقية، لأسطورة إله القمح القتيل الذي يلقى مصرعه تحت وقع المناجل، وتبريرًا لطقوس التفجع التي كان الحصادون السوريون يمارسونها، بنفس الطريقة التي مارسها من قبل حصادو العصر النيوليتي، والذين ما زلنا إلى اليوم نستعمل صرختهم ذاتها. إن صرخة «ولي علينا … ولي …» التي يسمعها المار من قرب منزل حلت به مصيبة في أي حي شعبي في سوريا، هي من أكثر الصرخات في كل اللغات تعبيرًا عن حس الفجيعة الصادر من الأعماق. وكلما ارتفعت بها حناجر الندابات، في نغمها المأساوي الممدود، تلتقي أصداؤها عند آخر مدى للصوت، بأصداء أخرى زاحفة من أعماق التاريخ فوق كل مواسم القمح: آيلينو … آيلنيو … آي.
وفي مصر كما يروي المؤرخ الإغريقي هيرودوتس، كانت صرخة التَّفجُّع ذات الإيقاع المأساوي الحزين التي كان الحصادون يرددونها إبان الحصاد، من أقدم الألحان التي يمكن للمصريين تذكُّرها، ولربما كانت أول أغنية غنوها. وفي مقابل كلمة آيلينوس التي كانت تُسمع في سوريا وفي قبرص أيضًا، كان الحصادون المصريون يرددون كلمة «مانيروس» التي فسرها المؤرخ بقوله: إن مانيروس كان أول ملوك مصر، وهو الذي اكتشف الزراعة وعلمها للمصريين، ولكنه مات وهو في ريعان الصبا؛ فالناس يتذكرونه وينوحون عليه في كل موسم حصاد. إلا أن كلمة «مانيروس» إذا حُلِّلت إلى مقاطعها المكونة في اللغة الهيروغليفية وهي: «ما-ني-هرا» فإنها تعني: عُدْ إلى بيتك.٢٣ والحصادون إنما يندبون الإله نفسه الابن القتيل، روح القمح، الذي تحول فيما بعد إلى أوزوريس أو تموز أو آتيس، الإله اليافع الذي مات في زهوة الشباب، ويطلبون منه أن يعود إلى بيته ويصحو من موته في الربيع.
وفي فرجيا بآسيا الصغرى، الموطن التقليدي للأم الكبرى سيبيل وابنها آتيس، كانت صرخة الحصادين المشابهة لمثيلاتها في سوريا وقبرص هي «ليتريسيس»، وهنا تكرر الروايات اليونانية قصة الميتة القاسية للفتى اليافع أو الملك الشاب. فليتريسيس كان ابن الملك ميداس، ملك فرجيا، وقد لقي مصرعه على يد هرقل الذي قطع رأسه بالمنجل ورمى بجثته إلى النهر. وتفصيل الأسطورة: أن ابن الملك كان شابًّا ذا قوة هائلة وبأس عظيم، وكان حصادًا ماهرًا لا يجاريه في سرعة الحصاد أحد. فإذا مر بحقله أحد الغرباء أدخله فقدم له الطعام والشراب، ثم خرج به وأجبره على الدخول معه في منافسة لحصد القمح، فكان إذا سبقه، وهذا ما كان يحدث على الدوام، قام إليه فأدرجه داخل حزمة من سيقان القمح وقطع رأسه بمنجل الحصاد، ثم بسط جسده في الحقل مدة، يلقي به بعدها إلى مياه النهر. وقد قضى ليتريسيس على عددٍ كبير من الرجال بهذه الطريقة، إلى أن مرَّ بحقله هرقل، ودخل معه في منافسة هزمه فيها، وقتله بنفس الطريقة التي كان يقتل بها ضحاياه.٢٤

سنتوقف قليلًا عند هذه الأسطورة الأخيرة؛ لأننا سوف نبني عليها هيكلًا متماسكًا من التفسيرات، يلقي ضوءًا على طقوس القمح القتيل، ومفهوم القربان البشري في ديانات الخصب القديمة. ففي أسطورة ليتريسيس عناصر جديدة لم نصادفها فيما سبق من شبيهاتها. فإذا كان تفسيرنا السابق عن الشاب القتيل في ريعان الصبا صحيحًا، فإن ما نضيف إليه هنا، هو أن الرواية اليونانية قد فهمت الأسطورة والطقس في فرجيا بشكل معكوس؛ ذلك أنَّ ليتريسيس لم يكن هو الذي مات ميتة ضحاياه السابقين؛ بل إن الضحايا في حقل القمح هم من كان يموت ميتة الإله الابن، روح القمح الذي قضى تحت مناجل الحصادين. والأسطورة تحتوي على أثر من طقس موغل في القدم، كانت بموجبه القرابين البشرية تقدم في حقل القمح، وتقتل بنفس الطريقة التي مات بها الإله الابن؛ فروح القمح التي رأيناها في فصل عشتار الخضراء، تتحرك في حقل القمح أمام الحصادين، إلى أن تلقى مصرعها في حزمة القمح الأخيرة التي حلت فيها، هي التي تقتل طقسيًّا في شخص القربان البشري الذي يلف داخل حزمة القمح، ويقطع رأسه بالمنجل، ثم يبسط في الحقل لإخصابه، وأخيرًا يرمى إلى الماء للإيحاء بمواسم ممطرة قادمة. إن إعادة بناء هذا الطقس القديم انطلاقًا من أسطورة ليتريسيس لا تبدو مجرد افتراض تخيلي، إذا نحن قدمنا للقارئ بعض العادات الشعبية والألعاب الفلكلورية التي كانت موجودة لدى الحصادين في أوروبا إلى عهد قريب جدًّا. فطقوس القمح القتيل الموغلة في القدم، قد أخذت تتلاشى بمرور الزمن لتحل محلها ممارسات رمزية تشير إلى أصولها السابقة، ثم تلاشت هذه بدورها لتغدو فلكلورًا شعبيًّا يتخذ طابع اللعب والمرح، وترويحًا عن النفس خلال موسم الحصاد المضني. إن مسابقات الحصاد في أسطورة ليتريسيس والقبض على الغريب وقتله ورميه في الماء، كلها عناصر سوف تظهر في الفلكلور الشعبي بشكلٍ ملفت للنظر. وسنعمد فيما يأتي إلى إغناء الأمثلة التي أوردناها في فصل عشتار الخضراء حول هذا الموضوع.

في فرنسا، وإلى عهد قريب، كان الحصادون يأخذون حزمة القمح الأخيرة، فيجعلونها على شكل امرأة يرقصون حولها وينادون باسم «سيريس» (التي هي ديمتر). فإذا انتهوا قتلوا الدمية بأن أضرموا النار فيها، وراحوا يدعون إلى الأم-القمح أن تعطيهم غلالًا وفيرة. وفي مناطق أخرى من الريف الأوروبي كان الحصادون يأخذون حزمة القمح الأخيرة فيجعلونها على شكل كتلة كبيرة يضعون في داخلها حجرًا يجعلها أكثر ثقلًا، وذلك إيحاء بمواسم وفيرة للعام المقبل، وكانوا يدعون هذه الكتلة بالأم الكبرى. فإذا انتهوا من رقصهم ومرحهم مع انتهاء الحصاد، أضرموا النار في الكتلة. وقد يربط حاصد الحزمة الأخيرة إلى تلك الحزمة، ويشار إليه على أنه روح القمح. وفي ذلك تمثيل نباتي وإنساني مزدوج لروح القمح التي تمَّ الإمساك بها في ملجئها الأخير، وهنا يعامل الحصادون زميلهم الموثق إلى الحزمة معاملة قاسية قد تصل إلى حد الإيذاء أحيانًا. وقد ترمى الحزمة إلى الماء لاستجلاب المطر أو تحرق ويذر رمادها فوق الحقول لإخصابها. وفي ممارسات أخرى يتم القبض على روح القمح بعيدًا عن الحقل في مكان الدرس، حيث التجأت بعد هربها من عصف المناجل واختبأت في مكان تجميع الحصاد. وهناك تقتل تحت ضربات الدرَّاسين. وهنا يؤخذ صاحب الضربة الأخيرة في عملية الدرس، فيربط إلى آخر حزم القش ويطوف به زملاؤه في طرقات المدينة وسط تهكم الناس وضحكاتهم.٢٥
من أجل ذلك كان الحصادون يتسابقون في الحقل ومكان الدرس، وكل واحد يحاول ألا يأتي آخر الحصادين أو الدَّاسين؛ لأن روح القمح إذ ذاك سوف تحل فيه، وعندها يلقى من زملائه معاملة تختلف باختلاف الأمكنة وتنوع العادات؛ فقد يطاف به في عربة مكشوفة تطوف طرقات القرية، وقد يربط إلى حزمة القمح ليعاني اللكز والوخز، وقد يرش بالماء، أو يرمى به إلى مياه النهر، أو يلقى كل هذه الصنوف مجتمعة. ففي بعض المناطق كان حاصد الحزمة الأخيرة يُدرج بداخلها فلا يبدو منه رأس أو قدم، ثم يُحمل على الظهور فيُطاف به بين تهليل رفاقه وصراخهم، وقد يُحمل الأخير في الحصاد، في آخر عربة راجعة إلى القرية على أنغام الموسيقى، وهنا يقوم رفاقه بدحرجته على الأرض حول مخزن الحبوب، ويقوم آخرون خلال ذلك برشه بالماء. وقد تخضع المرأة التي تضم الحزمة الأخيرة من حزم القمح، إلى معاملة لا تختلف عن معاملة الرجال المتخلفين في حصاد الحزمة، حيث تلقى صنوفًا من اللكز والوخز، ثم تربط إلى الحزمة وتُدعى بدمية القمح.٢٦
ومن الممارسات ما هو أقرب إلى تمثيل قتل روح القمح التي تحل في حزمة القمح الأخيرة أو فيمن يحصدها؛ ففي بعض مناطق ألمانيا كانت حزمة القمح الأخيرة تربط وتترك قائمة في الحقل، ثم يتقدم إليها حصاد شاب فيشحذ منجله ويصرعها بضربة قوية فتتهاوى وتتبعثر. وفي مناطق أخرى، يصنع الحصادون دمية من عيدان القمح، ويأخذونها معهم إلى مكان الدرس، حيث توضع تحت آخر كومة قمح معدة للدرس وهي الكومة التي تتلقى ضربة الدرَّاس الأخيرة، الذي يعتبره زملاؤه قاتل روح القمح. وقد تُجمع زوجة صاحب الأرض إلى الحزمة الأخيرة في مكان الدرس، وتجري عملية درسها ثم توضع في المذراة، ويجري تمثيل عملية تذريتها باعتبارها ممثلة لروح القمح.٢٧ هذا وقد يجري تمثيل القبض على روح القمح باعتبارها حالَّة في غريب عابر يمر قرب حقل القمح، أو في زائر أو في سيد الأرض نفسه لدى دخوله حقل الحصاد لأول مرة. ومثل هذه الممارسات كانت شائعة في جميع أنحاء ألمانيا، وفي بعض مناطق النروج وفرنسا. فكان الغريب يقاد إلى حقل الحصاد أو إلى مكان الدرس، حيث تربط إليه عيدان القمح ويُشد وثاقه حتى يوافق على دفع فدية نقدية. وفي هذه الأثناء يقوم الآسرون بشحذ مناجلهم والتلويح بها في وجهه كمن يستعد لقطع عنقه. وقد يردد الحصادون حول الضحية أهازيج تتصل بالطقس القديم عندما كان الغريب يُضحى به فعلًا في حقل القمح؛ من ذلك قولهم: «الرجال جاهزون والمناجل مسنونة. القمح طويل وقصير، والسيد يجب أن يُحصد رأسه.»٢٨

إن هذه العادات التي كانت شائعة لدى حصادي العصر الحديث عند أواخر القرن التاسع عشر، لتُظهر مشابهة ملفتة للنظر من أسطورة ليتريسيس. فهناك مباريات الحصاد، وربط الخاسر في المنافسة إلى حزمة القمح أو إدراجه فيها، ورشه بالماء أو رميه إلى النهر، والقبض على الغريب المار بقرب الحقل وتمثيل عملية قتله. كل ذلك يشير إلى أمرين، الأول: إن ممارسات الحصادين الحديثة هي استمرار لممارسات مزارعي العصر النيوليتي، بعيدًا عن خط التطور المديني. والثاني: أن أسطورة ليتريسيس هي تفسير على الطريقة الإغريقية، لطقس كان قائمًا في ذلك الوقت في حقول الحصاد في الشرق الأدنى القديم. ورغم أن تقديم الأضاحي البشرية، كان قد توقف منذ زمن بعيد عندما وضع الإغريق روايتهم، فإن ما كان يجري في الحقل فعلًا هو طقس يقدم دراما تمثل مقتل الإله الابن، روح القمح الذي حلت روحه في حاصد الحزمة الأخيرة، أو في غريب عابر. وهذه الدراما كانت في الأزمنة الأسبق، فعلًا حقيقيًّا لا تمثيليًّا؛ إذ كان الحصادون يقدمون قربانًا بشريًّا حقيقيًّا، يموت من خلاله الإله الابن، على المستوى العياني، موتًا يجسد موته على المستوى الماورائي غير المنظور، فالإله الابن في المعتقد والطقس السابق لعصور الكتابة، كان يموت على ثلاثة مستويات متطابقة، يُظهر بعضها بعضًا. المستوى الأول: غيبي؛ حيث يتم موت الإله في المجال المقدس غير المنظور. المستوى الثاني: طبيعي؛ حيث يمثل القمح جسد الإله القتيل، وحيث ترفرف روحه في حزمة القمح الأخيرة. المستوى الثالث: إنساني؛ حيث يموت الإله من خلال جسد بشري من لحم ودم حلت فيه الروح المقدسة المستعدة للهبوط إلى العالم الأسفل، وحيث يتم تمثيل ما يجري على المستويين الأوليين بشكلٍ واقعي يستقطب كل الشحنات الانفعالية، من حزن على الإله ورأفة بجسده الذي بذله لخلاص الجميع، وأمل في عودته التي يتوقف عليها معاش البشر. وأخيرًا تنتهي التراجيديا التموزية بنزول السكينة على قلوب العباد، فجسد القربان البشري الذي مثل موت الإله سيتحول إلى أوكسير ينعش الأرض، ودمه سيصير أمطارًا تروي التراب. أمَّا الإله الميت فسوف يعود إلى بيته كما عودهم دائمًا «ماني-هرا»، وسوف يبعث من مرقده حقًّا وصدقًا. لذلك كان إله الخصب الميت «زيبي» في حضارة الآزتيك بأمريكا الوسطى، ما زال ينشد عند اقتحام الأوروبيين للعالم الجديد:

ربما سأموت، أتلاشى وأغيب،
أنا عود القمح الطري،
ولكن قلبي جوهرة خضراء،
لذا سأعود أخضر، كما كنت،
ولسوف يولد البطل مرة أخرى.٢٩

وقبل ذلك في بلاد الرافدين كانت الأنشودة البابلية تنادي تموز، الذي سيمضي مختارًا إلى عالم الظلمات من أجل ظهور سنابل القمح مرة أخرى:

انهضْ أيها البطل وامضِ إلى عالم الظلمات،
ها هو يغيب، ها هو يغيب في حضن الأرض،
سيغمر عالم الأموات بالخيرات العميمة،
امضِ إلى الأرض البعيدة خلف مدى الأبصار.٣٠
فرغم أن الأساطير المدونة لعصر الكتابة تظهر أحيانًا، أن الإله الابن قد هبط إلى العالم الأسفل مرغمًا، كما هو حال بيرسفوني التي اختطفها هاديس، ودوموزي الذي اختطفته عفاريت العالم الأسفل، إلا أن جوهر الاختيار يكمن عند المستويات السرانية للأسطورة، ويُعبر عن نفسه في النصوص الطقسية التي لم يمسها كبير تحوير، كالنص الذي أوردته أعلاه. وها هو السيد المسيح، آخر إله ابن في سلسلة الآلهة المتناسلة من الابن-القمح، للعصر النيوليتي، يقدم في ميتته أنبل مثال عن الموت الاختياري من أجل خلاص البشر، ذلك الخلاص الذي بدأ خلاصًا ماديًّا من الجوع، وانتهى خلاصًا روحيًّا ودخولًا في الأبدية. ورغم ألوف السنين الفاصلة بين القمح القتيل ابن الأم العذراء للعصر النيوليتي، وابن الأم العذراء لعالم اليوم، فإن الملايين من البشر حول المسكونة يرددون كل يوم مقاطع من الإنجيل تعيد ذكرى الصلوات النيوليتية الأولى. نقرأ في إنجيل يوحنا: «أنا هو خبز الحياة، من يُقبل إليَّ لا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا …» «أنا هو خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المن في البرية وماتوا. هذا هو الخبز النازل من السماء؛ لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت. أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم.»٣١ إن رغيف القمح النيوليتي ما زال قائمًا على مائدة البشرية الروحية.

لم يكن القربان البشري إذًا، في بداية عهده، تقربًا من الآلهة وطلبًا لرضائها ومعونتها، بل كان تمثيلًا لموت الإله نفسه. والقربان ما إن يختار ويخص لغاية التضحية، حتى يفقد صفته البشرية وتحل به الروح المقدسة المستعدة للموت. وهو إذ يتعذب ويموت، لا يلاقي مصيرا فرديًّا بائسًا، بل إنه يشارك الروح الإلهية موتها وعذاباتها. ورغم تعقد الطقوس الزراعية فيما بعد، وابتعادها عن حقل القمح، فإن طقس القربان البشري، حيثما استمر في ديانات الخصب، لم يبتعد عن جوهره القديم. ولعل تحليل عدد من الأمثلة المأخوذة من ثقافات متباينة مكانيًّا وزمانيًّا، سوف يلقي ضوءًا على هذه الفكرة.

في العالم الجديد، بقيت طقوس الخصب تقدم القربان البشري في المكسيك إلى ما بعد الفتح الإسباني بقليل. وتروي المصادر الإسبانية أن الآزتيك كانوا يحتفلون بعيد الخصب السنوي المكرس لآلهة الذرة في شهر أيلول (سبتمبر) من كل عام. وكانوا في ذلك العيد يختارون فتاة صغيرة في غاية الجمال يلبسونها زي إلهة الذرة، ويزرعون في شعرها باقة من الريش الملون، تشبيهًا بحزمة الليف التي تنبث في رأس كوز الذرة (قارن مع أسطورة رسول الروح الكبرى التي أوردتها في مطلع هذا الفصل)، ويحيطون عنقها بعقد أكواز الذرة، ويضعون على رأسها تاجًا. بعد ذلك يضعونها على محفة مملوءة بحبات الذرة والبذور من كل الأنواع، ومزركشة حواشيها بأكواز الذرة وأوراقها، ثم يحملونها في موكب حافل إلى المعبد. هناك تنزل الفتاة، فيأتي النبلاء والنبيلات في صف واحد، وقد حمل كل واحد وعاء فيه دم مفصود من جسمه، فيسكبون ما في الوعاء تحت قدميها. ثم يردد الجميع وراء كبير الكهنة أدعية وصلوات وهم يبكون وينوحون ويندبون. فإذا انتهوا بسطوا جسد الفتاة على كومة من حبات الذرة والبذور الأخرى، وتقدم كبير الكهنة فقطع رأسها، وقام برش دمها على التمثال القائم لإلهة الذرة وعلى الحبوب والبذور. بعد ذلك يتم سلخ الجثة، ويعطى جلدها إلى أحد الكهنة الذي يحاول إدخال نفسه فيه قدر المستطاع، ثم يأتونه بملابس الفتاة وكامل زينتها فيضعها عليه ويأخذونه فيسيرون به خارج المعبد في موكب صاخب على أنغام الطبول.٣٢ وهكذا يبدو الطقس بكامله تمثيلًا لموت وبعث إلهة الذرة التي تموت من خلال الفتاة، وتبعث من خلال الكاهن الذي يلبس جلد الفتاة ويضع على نفسه زينتها من باقة الريش وعقد الأكواز وما إليها. ورغم أن طابع الدراما يغلب على الطقس، غير أن المشاركين فيه كانوا إذا بلغ الاحتفال أوجه واجتث رأس الفتاة، يرون في موتها فعلًا موتًا لربة الخصب، وفي تمثيل بعثها أملًا في عودة حبيبات الذرة إلى الحياة كرة أخرى. إن الفرق بين هذا الطقس وأشباهه لدى الثقافات الأخرى وبين الطقس النيوليتي الأصيل، يكمن في أن الطقس النيوليتي كان خلوًّا من عنصر الدراما، وأن القائمين عليه كانوا يرون في إزهاق روح القربان البشري إزهاقًا لروح الإله الذي تهاوى جسده تحت المناجل.
وتقدم لنا القارة الهندية كثيرًا من الأمثلة على القربان البشري المقدس؛ ففي مناطق البنغال، وحتى وقت متأخر من القرن التاسع عشر، كان القربان البشري يقدم كل عام في عيد إلهة الأرض، فكانت الضحايا تُشترى، من كلا الجنسين، من العائلات الفقيرة في سن صغيرة وتهيأ لهذا المصير. وعندما كان الشاري يستلم الضحية من أهلها كان يقول لهم: لقد قدمتم ابنكم للموت لكي يعيش العالم. ثم يؤخذ الطفل فيعتنى به عدة سنوات عناية كبيرة ويعتبر كائنًا مقدسًا. فإذا دنت الساعة، اقتيد القربان إلى غابة عذراء، لم تنل من أشجارها فأس من قبل، وهناك يربط إلى عمود خشبي ويضمخ بالعطور ويكسى بأفخر الحلل، وذلك على مرأى من الحشود المجتمعة التي تتدافع للتبرك بجسده المقدس. ثم يأتي الكاهن الأكبر فيجرح الضحية بفأسٍ دون أن يقتلها، ويتقدم وراءه ممثلو المناطق، فينهالون عليها بسكاكينهم يقتطعون من جسدها قطعًا، يحملونها معهم إلى قراهم حيث يقسمونها بالتساوي بين العائلات، لتدفن في الحقل أو تعلق في الهواء فوق مجرى الماء الذي يسقي الحقل، أما ما تبقى فيحرق ويذر رماده في الحقول.٣٣ لقد تحول جسد القربان، من جسد بشري عادي إلى جسد مقدس تنطلق منه قوى إخصابية إلهية، وهذا التحول لم يتم لأن الجسد البشري قد قُدم لمرضاة الإلهة؛ بل لأن الإلهة نفسها في الطقس الأصلي هي التي حلت فيه وماتت من خلاله.
وفي أمريكا الشمالية، كانت بعض قبائل الهنود الحمر تقوم بتقديم قربان بشري من أحد الأسرى في العيد المخصص لكوكب الزهرة، فكان الأسير المنتخب يغذى بأفضل طعام مدة لا بأس بها، فإذا حل الوقت جاءوا به فألبسوه خير لباس وشدوا وثاقه إلى صليب خشبي، ثم قتلوه رميًا بالسهام. بعد ذلك يتقدم الكاهن فيشق صدر الضحية وينتزع منها القلب ويلتهمه، ثم يقطع جسدها وهو ما زال دافئًا إلى قطع صغيرة، توزع في سلال صغيرة على الأسر التي تأخذها لإخصاب حقولها، وهناك يقوم رب الأسرة بعصر قطع اللحم الطرية فوق حفنة من القمح لإخصابها قبل دفنها في التراب. ولدى هنود المكسيك، يتم قتل الضحية بين حجري الطاحونة في عيد الحصاد، وتدفن أشلاؤها في الحقل. ولدى بعض قبائل أفريقيا يجري استعمال أدوات زراعية أخرى كالمعازق والمجارف.٣٤ إن قيام الكاهن بالتهام قلب الضحية بعد قتلها، ليس بأية حال بقية من طقس سابق يتعلق بأكل لحوم البشر؛ لأن مثل هذه الطقوس لم تعرف قط عند الهنود الحمر، ولكنه طقس يهدف إلى التوحد بالإله عن طريق أكل الجزء النابض من جسده، الذي يمثله الآن جسد القربان. ولسوف نرى مثل هذا الطقس شائعًا بأشكاله المتنوعة لدى كثير من الثقافات. أما قتل الضحية بين حجري الطاحونة، أو باستخدام الأدوات الزراعية؛ ففيه إشارة واضحة إلى أن القتيل ليس إلا ممثلًا لروح القمح القتيل، التي حلت في الجسد البشري وماتت من خلاله.

إن بربرية هذه الطقوس، بمفهومنا العصري، يجب ألا تحجب عن أعيننا ما وراءها من رمز عميق. فالقربان البشري يمثل نقطة اللقاء بين الإنساني والإلهي، حيث يموت الإله في جسد بشري، ويموت الإنسان ميتة الإله. هذا الرمز قد يبدو أقل تعقيدًا وبعدًا عن المألوف، إذا تلمسناه في تعبيره الأبهى، من خلال سيرة السيد المسيح؛ الإله الابن الذي استعار جسد الإنسان، ومات في شكل الإنسان من أجل خلاص العالم، مجسدًا سعي الإنسان للالتقاء بالإلهي عبر تاريخ الحياة الروحية للبشر.

والآن كيف تطور معتقد هذا الابن، القمح القتيل، وكيف تحولت وتناسخت أسطورته الأولى خلال الأزمنة وعبر الأمكنة. هذا ما سنتعرض له بالتفصيل فيما يأتي من هذا الفصل.

عشتار وتموز

لم تحرر الألوهة نفسها من إسار الطبيعة دفعة واحدة، بل لقد حققت ذلك إثر عملية طويلة وبطيئة، استطاعت بعدها أن تنتقل من روح محركة للطبيعة من داخلها، متحدة معها، إلى قوة منفصلة عنها متعالية عليها متحكمة بها عن بعد، وذلك بتأثير القيم الذكرية التي بدأت تفرض نفسها تدريجيًّا داخل الثقافة. ففي شكلها الأقدم كانت عشتار روحًا للنبات، تقضي جزءًا من السنة في باطن الأرض، وجزأها الآخر في نسغ الحياة النباتية، إلهة مزدوجة تمثل العالمين، وتنتقل بينهما دون أن تفقد بانتقالها إلى واحد تأثيرها على الآخر. وعندما أخذت بالخروج من مملكة الطبيعة والتحول تدريجيًّا إلى سيدة لها، بدأت صورتها المزدوجة بالانقسام وظهرت بدلًا عنها صورة الأم والابنة، حيث تابعت الأم مسيرتها نحو الأعلى لتأخذ مكانها أخيرًا بين آلهة السماء، وتركت ابنتها حبيسة الحياة الطبيعة ودورة الإنبات السنوية. إلا أن هذا الانقسام لم يتم تكريسه نهائيًّا، وبقيت الأم ديمتر والابنة بيرسفوني في المستويات السرانية للأسطورة اثنتين في واحدة وواحدة في اثنتين. أما في الميثولوجيا التي لم يقيض لها أن تتابع خط تطورها الأمومي؛ فقد تحول شق عشتار الآخر إلى ابن أسلمته إلى دورة الطبيعة وتابعت مسيرتها مع آلهة الذكور نحو الأعلى، إلا أنها هنا أيضًا قد بقيت متحدة معه عند المستويات السرانية للأسطورة، وبقي تموز شقها الآخر، وجانبها الذكري الكامن معكوسًا نحو الخارج.

عند هذه النقطة من البحث أعتقد بأننا قد حللنا لغزًا كبيرًا من ألغاز الأساطير وديانات الخصب، وذلك بتوضيح العلاقة بين الإلهين الرئيسيين في دراما الخصب الكوني، هذين الإلهين اللذين بقيت خصائصهما ووظائفهما مختلطة، حتى في أذهان أصحاب الطريقة الأكاديمية في دراسة الأسطورة ممن يشيرون إليهما، وبكثير من الحرية، على أنهما إله وإلهة الخصب. إن إلهة الخصب وسيدة الطبيعة هي عشتار، وعشتار وحدها. أما تموز فإنه روح النبات التي تموت وتحيا في دورة مستمرة باقية، بمعونة روح الخصوبة الكونية التي يتوقف عليها إنعاش الابن القتيل واستعادته من العالم الأسفل.

إن أول نص مكتوب خطه الإنسان عن الأم الكبرى وابنها القتيل، هو نص الأسطورة السومرية المعروف بهبوط إنانا إلى العالم الأسفل. من هنا يمكننا اعتبار هذا النص تدوينًا للأسطورة النيوليتية في شكلها الأخير الذي اتخذته عند أعتاب عصور الكتابة. ومن هنا أيضًا يمكننا اعتبار العناصر الأساسية لهذه الأسطورة بمثابة النمط الذي ستنهج عليه الأساطير الموازية لبقية الثقافات. فالأم الكبرى ترسل بابنها (أو حبيبها) إلى العالم الأسفل، ثم تقضي الأيام في ندبه وبكاء روحه الغائبة. وعندما لا يجدي البكاء فتيلًا، تتهيأ للشروع في رحلة طويلة للبحث عنه، وتخاطر بالنزول إلى العالم الأسفل لاستعادته وتحريره من قبضة سيدة الموت، فتفلح في مهمتها وتستعيده إلى الحياة من جديدٍ. إلا أن عهده بالحياة في العالم الأرضي لا يدوم طويلًا، ويهبط إلى العالم الأسفل من جديد مبتدئًا دورة أخرى. هذه العناصر الأساسية المستمدة من نص الأسطورة، ومن الطقوس المرتبطة بها. ومجمل الإشارات إلى موضوعها في نصوص أخرى، ستظهر فيما بعد في أساطير متباعدة زمانيًّا ومكانيًّا؛ بعضها سيظهر بشكل واضح، وبعضها الآخر بشكل رمز وإشارة، فمسئولية إنانا المباشرة عن هبوط دوموزي إلى العالم الأسفل، قد لا تظهر في الأساطير الأخرى إلا تحت ستار كثيف من الرموز، مما سيجري الحديث عنه في حينه.

لدى تقديمنا مقاطع من أسطورة هبوط إنانا إلى العالم الأسفل في فصل سابق، توقفنا عند خروج الإلهة منتصرة على الموت وصعودها درجات العالم الأسفل. أما القسم الثاني من الأسطورة، فيصف طواف إنانا في البلاد بحثًا عمن ينوب منابها في العالم الأسفل، وهو الشرط الذي وضعته إريشكيجال ربة الظلمات، لإطلاق سراحها وإعتاقها من الموت. فإذا كان الشرط في الماضي ينص على عودة الإلهة ذاتها بعد قضائها جزءًا من السنة على سطح الأرض، وهو ما رأيناه في أسطورة ديمتر وبيرسفوني التي تنتسب مع أسطورة إنانا ودوموزي إلى أصل واحد، فإن الشرط الآن هو عودة البديل، الذي سوف يلعب من الآن فصاعدًا دور روح النبات. ولضمان تنفيذ الشرط، ترسل إريشكيجال مع إنانا المتحررة، عفاريت لا تعرف الشفقة لجر البديل إلى عالم الظلام:

الذين تقدموها،
الذين تقدموا إنانا،
مخلوقات لا تعرف الطعام ولا تعرف الشراب،
ولا تأكل خبز التقدمات،
ولا تشرب من خمر القرابين.
تخطف الزوجة من حضن زوجها،
وتنتزع الطفل من صدر أمه الرءوم.
هكذا صعدت إنانا من العالم الأسفل.

يسير الموكب في طريقه إلى مدينة إنانا، وكانت العفاريت كلما التقت بواحد من حاشية الإلهة، عرضت عليها خطفه فداءً لها، فكانت تجد لكل منهم صنيعًا يشفع له، إلى أن وصلوا إلى مدينة كولاب مقر دوموزي:

في كولاب، وضع دوموزي عليه حلة فاخرة، واعتلى عرشه،
فانقضَّت عليه العفاريت وجرته من ساقيه.
انقضت عليه العفاريت كما تفعل مع الرجل العليل.
فانقطع الراعي (دوموزي) عن نفخ نايه.
ثم ركزت إنانا عليه أنظارها، ركزت أنظار الموت.
ونطقت ضده بالكلمة، نطقت بالكلمة التي تعذب الروح.
وصرخت في وجهه صرخة الاتهام:
أما هذا … فخذوه.
وبذلك أسلمت إنانا الطاهرة دوموزي إلى أيديهم.٣٥
لقد حيَّر موقف إنانا في هذه الأسطورة المفسرين والدارسين، فلماذا وقع اختيار الإلهة على زوجها وحبيبها الذي قضت معه أحلى أوقات الحب وأنشدته أعذب مزامير الهوى؟ … إن التفسير ليغدو سهلًا إذا رجعنا إلى أسطورة وطقس الأم الكبرى وابنها القمح القتيل؛ فالإله الابن لم يولد إلا ليسلم إلى الموت من أجل حياة البشر. وقد بقي هذا شأنه حتى آخر تجلياته وأعظمها. نقرأ في إنجيل يوحنا: «إذا كان قيافًا رئيسًا للكهنة في تلك السنة. تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط، بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد.»٣٦

وفي أسطورة مخصصة لوصف عذابات وموت الإله الابن، نجد دوموزي يهرب من عفاريت العالم الأسفل مختبئًا بين الأعشاب الطويلة والقصيرة، هروبًا يذكِّرنا بهروب روح القمح واختبائها بين السنابل، وها هو يتحدث إلى أخته قائلًا:

أي صفيتي، سأختبئ بين الأعشاب،
فلا تخبري أحدًا بمكمني.
سأختبئ بين الأعشاب القصيرة،
سأختبئ بين الأعشاب الطويلة،
سأختبئ بين القنوات والترع،
فلا تخبري أحدًا بمكمني.

ولكن العفاريت تأتي إلى بيت أخته وتبدأ استجوابها عن مكانه، فيخشى دوموزي أن يصيب أخته شر على يد العفاريت، فيعود من تلقاء ذاته ويسلم نفسه إليهم، حيث ينقضون عليه ويوثقونه من يديه وقدميه، ويوسعونه ضربًا بالعصي والسياط ويهيئونه للرحيل معهم. وهنا يتجه بالدعاء إلى أوتو إله الشمس، طالبًا معونته، فيستجيب له ويحول يديه ورجليه إلى قوائم غزال فيفر هاربًا مرة أخرى:

أي أوتو، أنت أخو زوجتي وأنا زوج أختك،
أنا الذي يحمل الطعام إلى معبد إنانا.
في مدينة إيريك قد أتممت زواجي.
فأنا من قبَّل الشفاه الطاهرة،
وعانق الجسد المقدس جسد إنانا،
فحول يدي إلى يدي غزال،
وحول قدمي إلى قدمي غزال،
حتى لا تطالني أيدي عفاريت الجالا.

ولكن العفاريت تلقي عليه القبض مختبئًا في بيت إحدى الإلهات، وهناك تعاود ضرب وتعذيب الإله المنكود مجددًا. ولكنه يهرب بمساعدة أوتو إلى حظيرة أخته وهناك كانت نهايته:

دخل الحظيرة العفريت الأول،
وضرب خدود دوموزي بمسمار طويل نفاذ.
وتبعه إلى الحظيرة العفريت الثاني،
فراح يضرب وجه دوموزي بعصا الراعي.
ثم دخل إلى الحظيرة العفريت الثالث،
وأزال ما في الممخضة ورماها خاوية.
وتبعه إلى الحظيرة العفريت الرابع،
فرمى الكوكب المقدس عن مشجب تعليقه.
ثم دخل إلى لحظيرة العفريت الخامس،
فحطم الممخضة الخاوية من اللبن،
وكسر الكوب، فدوموزي لم يعد من الأحياء،
وحظيرته قد راحت نهبًا للرياح.٣٧

هذه العذابات والآلام، وهذه الميتة القاسية التي ماتها دوموزي، هي التي كان الحصادون وصولًا إلى العصر الحديث، يمثلونها في حقول القمح، مع فارق أساسي وهو أن دراما الحصادين ليست مستمدة من أسطورة دوموزي أو أية أسطورة اتخذت شكلها في المدينة وبين جدران المعابد، بل هي مستمدة من الطقس الأول والأسطورة الأولى التي قامت عليها أسطورة دوموزي ذاتها.

إضافة إلى أسطورة هبوط إنانا، تتعدد الإشارات في النصوص الأخرى إلى مسئولية إنانا، أو عشتار، عن إرسال دوموزي أو تموز إلى العالم الأسفل. ففي ملحمة جلجامش، عندما يقف البطل الشمسي بكل عنجهيته الذكرية متحديًا عشتار، يذكِّرها بمسئوليتها عن مصير تموز:

أي حبيب أخلصت له الحب إلى الأبد،
وأي راع أفلح في إرضائك على مر الأزمان؟
على تموز، زوجك الشاب،
قضيت بالبكاء عامًا إثر عام.

في هذا النص إشارة إلى إرسال عشتار لزوجها إلى العالم الأسفل، كما أن فيه إشارة إلى الطقوس المعروفة عن بكاء عباد عشتار على تموز القتيل في كل عام، وهو البكاء الذي تشارك فيه عشتار نفسها، أو بالأحرى، الذي تبدأه عشتار نفسها وتشاركها فيه جموع الندابين. نقرأ في بكائية سومرية لإنانا:

لقد بكت السيدة بمرارة على زوجها،
لقد ناحت إنانا بمرارة على زوجها:
قضى زوجي بين سيقان النبات الأمامية،
قضى بين سيقان النبات الخلفية،
ذهب يبحث عن طعام فتحول إلى طعام،٣٨
وذهب يبحث عن ماء فأُسلم إلى الماء.٣٩

غير أن البكاء وحده لا يعيد الإله الميت، ولا بد من قيام الإلهة نفسها بتخليصه من ربقة الموت، وذلك بالهبوط إلى العالم الأسفل واستعادته من إريشكيجال. هذا الهبوط تحدثنا عنه الأسطورة البابلية، التي تكرر أحداث أسطورة إنانا في معظم تفاصيلها، مع الفارق الأساسي وهو أن عشتار لا تحقق بنفسها انتصارًا على الموت لكي ترسل تموز بديلًا عنها، بل إنها تحقق لنفسها ولتموز، الذي هبطت من أجله، بعثًا جديدًا. نقرأ في ختام الأسطورة:

ثم التفتت (إريشكيجال) إلى وزيرها نمتار:
امضِ يا نمتار واقرع باب الإيجالينا،
زين العتبة بحجر الإيريتو.
استدع الأنوناكي، ودعهم يجلسون على عروشهم الذهبية،
ثم انضح عشتار بماء الحياة وخذها بعيدًا،
أما تموز زوجها الشاب،
فخذوه واغسلوه بماء طهور وضمخوه بالعطور الطيبة،
ألبسوه عباءة ودعوه يعزف نايه اللازوردي،
ولتُحط به كاهنات عشتار يهدئن من خواطره.٤٠

وبصعود روح النبات من العالم الأسفل، تتفجر الخضرة من أعماق الأرض، وتنبث المزروعات من كل لون وصنف، وتزهر أغصان الشجر اليابس، ويكتمل عيد الربيع في يومه الثالث، حيث يتحول بكاء العباد وعويلهم فرحًا. لقد اطمأنوا الآن إلى الموسم الطيب وما عليهم سوى انتظار موسم الحصاد ليرسلوا بتموز مرة أخرى إلى أعماق الجحيم.

يشكل عيد الربيع السنوي البابلي، اختصارًا لعيدين قديمين تمَّ دمجهما في عيد واحد؛ هما عيد الحصاد الذي كان يتم في شهر يوليو، وهو الشهر الذي ما زال المشرق العربي يطلق عليه اسم تموز، حيث كانت تقام طقوس ندب تموز القتيل روح القمح، وعيد الربيع الذي كان يتم مع الانقلاب الربيعي، حيث كانت تقام طقوس الاحتفالات بعودة روح القمح القتيل إلى الحياة. ثم جرى تأخير الاحتفال الربيعي ليستقر حول الخامس والعشرين من نيسان (إبريل) ملخصًا الاحتفالين معًا في عيد مدته ثلاثة أيام؛ حيث يتم في اليوم الأول بكاء تموز الميت وتمثيل عذاباته وآلامه، بشكل يدفع جمهرة المحتفلين إلى هستريا جماعية، يتخللها إلى جانب النحيب والعويل، لطم الخدود وتمزيق الثياب وما إلى ذلك. وفي اليوم الثالث، عندما يعلن الكهنة قيام السيد من بين الأموات، ينقلب المأتم إلى عرس، وتبدأ احتفالات العيد الحقيقية، التي يتخللها السُّكْر والمجون والرقص والموسيقى والممارسات الجنسية. إن مدة العيد المؤلف من ثلاثة أيام، لا تعكس فترة موت تموز واحتجازه في العالم الأسفل، فطقوس العيد ليست سوى دراما يستعيد فيها المحتفلون قصة عشتار وتموز، وهي بقية من طقس قمري قديم كان يتم في كل شهر، لمساعدة القمر على الظهور ثانية عند أفق المشرق، ثم صار يتم في كل عام لمساعدة روح النبات على قهر الموت. أما موعد العيد السنوي، حوالي الخامس والعشرين من نيسان؛ فقد بقي موعدًا تجمعت حوله معظم أعياد أبناء الأم الكبرى، وصولًا إلى عيد الفصح المجيد، ذكرى موت السيد المسيح وقيامه من بين الأموات.

وقد استمرت طقوس البكاء على تموز إلى وقت متأخر في الشرق الأدنى. ونجد ذكرًا لها في التوراة، باعتبارها من الطقوس التي كان يمارسها اليهود في هيكل الرب، تقليدًا لجيرانهم السوريين: «وقال ادخل وانظر الرجاسات الشريرة التي هم عاملوها هنا. فدخلتُ ونظرت، وإذا كل شكل دبابات وحيوان نجس وكل أصنام بيت إسرائيل مرسومة على الحائط على دائرة، وواقف قدامها سبعون رجلًا من شيوخ بني إسرائيل، وكل واحد مجمرته في يده … وجاء بي إلى مدخل بيت الرب الذي في جهة الشمال، وإذا هناك نسوة جالسات يبكين على تموز.»٤١ وفي مدينة حران بسوريا، وهي المدينة التي حافظت على تقاليدها السابقة إلى ما بعد الفتح الإسلامي بفترة طويلة، كانت طقوس تموز ما زالت حية إلى القرن العاشر الميلادي، فبعض المصادر الإسلامية تذكر أن بعض الفرق الدينية في حران، كانت في شهر تموز تقيم عيد «البغاث»، وهو عيد النساء الندابات اللواتي كنَّ يبكين الإله «تاعوز». وتمضي تلك المصادر في تفسير معنى الطقس فتقول: إن تاعوز كان شابًّا يافعًا قتله سيده ثم طحن جسده بين حجري الطاحون وذرا أجزاءه في الهواء، ولذلك كانت النساء خلال العيد لا تأكل قمحًا مطحونًا، بل يقتصرن على الأطعمة النباتية.٤٢ وهكذا نجد المصادر التاريخية تقع في الخطأ نفسه، وتروي بعد ما ينوف عن الألف عام، القصة التبريرية نفسها عن الفتى الشاب الذي يموت ميتة قاسية في عز شبابه. إن تاعوز هنا ليس سوى تموز القمح القتيل، وليس امتناع النساء عن أكل القمح المطحون سوى امتناع عن أكل جسد الإله في عيده السنوي.

عستارت وأدونيس

لقد تزوج الإله الابن الأم الكبرى في وجهيها الأبيض والأسود، فعاش في أحضان عشتار جزءًا من السنة، وفي كنف إريشكيجال جزء السنة الآخر. وإذا كانت أسطورة عشتار وتموز لا تظهر هذه الفكرة بشكلها الصريح؛ إذ يبدو تموز في العالم الأسفل رهينًا لإريشكيجال ينتظر فك أسره، فإن عنصر زواج تموز من الإلهتين وتنافسهما من أجله يبدو واضحًا في أسطورة عستارت وأدونيس الكنعانية.

إذا استثنينا الأساطير الأوغاريتية التي وصلت إلينا محفورة على ألواحها الطينة في حالة سليمة نسبيًّا، فإن معرفتنا المباشرة بأساطير الكنعانيين قليلة جدًّا. فجل ما نعرفه عنها منقول عن المصادر الإغريقية أو على لسان مؤلفين سوريين هلنستيين من الفترات المتأخرة؛ لذلك يجب أن نكون منتبهين للعناصر الإغريقية التي تبدو واضحة في بعض الأساطير، ومنها أسطورة عستارت وأدونيس. خصوصًا وأن الإلهة عستارت الفينيقية هي التي غدت أفروديت الإغريقية، بعد أن أخذ اليونان عبادتها عن طريق جزيرة قبرص التي أنشأ السوريون أول حواضرها، وأسسوا فيها عبادة عستارت، التي كان معبدها في مدينة «بافوس» يعتبر من المعابد المشهورة في العالم القديم، عندما كانت هذه المدينة مرتبطة مباشرة بملك بيبلوس الكنعانية.

تقول الرواية الإغريقية للأسطورة: إن أم الإله أدونيس قد حولت نفسها إلى شجرة عندما حملت به، ثم ولدته وهي في هذه الحال، فأتى طفلًا ذا جمال لا حدَّ له، فأحبته الإلهة أفروديت وهو طفل صغير فأخذته إليها. وفيما هي تستعد لغياب طويل، وضعت أدونيس في صندوق أحكمت إغلاقه خوفًا على الصغير، ثم أودعت الصندوق لدى بيرسفوني إلهة العالم الأسفل، وغادرتها معتقدة أن بيرسفوني سوف تحافظ على الصندوق دون أن يدفعها فضولها إلى فتحه ومعرفة ما بداخله. وعندما عادت أفروديت من غيبتها، وجدت أن بيرسفوني قد فتحت الصندوق وبهرها جمال الطفل فقررت الاحتفاظ به لنفسها. هنا ينشأ نزاع بين الإلهتين حول الاستئثار بأدونيس الصغير، ينتهي بأن تحتكما إلى كبير الآلهة الذي يحكم بأن تتقاسم الإلهتان أدونيس، وذلك بأن يقضي نصف السنة في العالم الأسفل بصحبة بيرسفوني، ونصف السنة الآخر بصحبة أفروديت.٤٣ وفي رواية أخرى لأسطورة أدونيس، نجده شابًّا يافعًا مولعًا بالصيد والقنص، تقع في حبه أفروديت وتقضي وقتها في قلق عليه من مخاطر هوايته تلك، محاولة دفعه للإقلاع عنها. إلى أن جاء يوم صرعه فيه خنزير بري في جبل لبنان، قرب منبع النهر الذي سمي فيما بعد باسمه، ففاض دمه ملونًا مياه النهر بالأحمر القاني، وانبثقت من قطرات دمه المتساقطة على التراب أزهار شقائق النعمان الحمراء. وفي كل عام يأتي أدونيس إلى المكان نفسه في الربيع ليلقى الميتة نفسها وتفيض دماؤه فتصبغ المياه نفسها المتدفقة من بين الصخور الجبلية.٤٤ هذا وما زالت بقايا معبد عستارت العظيم الذي أقيم عند نبع أدونيس، الذي هو نهر إبراهيم اليوم، قائمة قرب قرية أفقا اللبنانية. وما زال هناك نصب صخري يصور مصرع أدونيس، حيث نرى الإله الشاب وبيده حربة منتظرًا انقضاض الوحش، وعلى مقربة تبدو عستارت جالسة في وضع الحزن والحداد. والمشهد كله لا يصف لنا لحظة صراع بقدر ما يصف لحظة استسلام للموت. فحربة أدونيس ليست في وضع الاستعداد والتأهب، وإنما مسترخية في وضع الراحة، أمَّا عستارت فلا تبدو في وضع من يحاول الدفاع أو المساعدة، ولا حتى في هيئة القلقة على الحدث الجلل الذي يوشك أن يقع، وإنما في وضع المستسلمة للمصير المقدر.

رغم الشكل المزخرف لهذه الأسطورة، في روايتيها، فإنها تطرح تشابهًا واضحًا مع أسطورة عشتار وتموز البابلية، وتشف في الوقت نفسه عن العناصر الأساسية للأسطورة النيوليتية الأولى. (١) فالشجرة التي ولد منها الإله هي عستارت نفسها، أو عشتاروت كما يدعوها كتاب التوراة؛ إذ إن الكنعانيين كانوا يرمزون لها بجذع شجرة يضعونه في محرابها. وقد أشار التوراة في أماكن متعددة من أسفاره إلى هذه الجذوع الممثلة للإلهة، باسم السواري جمع سارية. ولربما كان أصل حكاية الميلاد من شجرة، أن الكنعانيين كانوا يمثلون دراما ميلاد أدونيس في المعبد أمام جذع الشجرة-العشتاروت. (٢) يلعب أدونيس في هذه الأسطورة دور الابن ودور العشيق أمام الإلهتين. فالصغير الذي وضع في الصندوق هو الابن، أما الشاب الجميل الذي تتناوله أحضانهما، فهو الحبيب الذي يتزوج الأم الكبرى في وجهيها الأبيض والأسود. (٣) أفروديت وبيرسفوني، هما عشتار وإريشكيجال. وأدونيس الذي يقضي ستة أشهر في عالم بيرسفوني المظلم، وستة أشهر أخرى في عالم أفروديت، هو تموز الذي يموت في الأسطورة البابلية ستة أشهر ثم يبعث إلى الحياة ستة أشهر أخرى. (٤) إن قيام عشتار بتسليم تموز إلى الموت، يبدو في أسطورة أدونيس وعشتاروت في قيام أفروديت بوضع الطفل في صندوق وإيداعه لدى بيرسفوني. أما هبوط عشتار إلى العالم الأسفل لاستعادة تموز، فيعكسه رجوع أفروديت إلى بيرسفوني طالبة استعادة الصندوق. (٥) كما أن قيام عستارت بتسليم أدونيس إلى الموت يبدو في المستويات السرانية لفهم رواية الخنزير البري. فالخنزير البري كان رمزًا من رموز الإلهة عستارت، وليس قيامه بقتل أدونيس إلا إشارة إلى قيام عستارت بإرسال حبيبها إلى العالم الأسفل. وفي إحدى روايات الميلاد من شجرة، نجد الخنزير البري ينطح بقرنه الشجرة الحبلى فتنشق ويخرج منها الوليد الإلهي، وبذلك يساهم الخنزير في ولادة الإله، ثم يرسله فيما بعد إلى العالم الأسفل. وفي كل ذلك رمز وإشارة إلى أن الأم الكبرى التي وهبت أدونيس الحياة هي التي سلبت منه الحياة. (٦) يظهر عنصر الاستسلام الإرادي للموت في المشهد الذي يقدمه النصب الصخري. فأدونيس يقف مستسلمًا في انتظار مصيره المقرر سلفًا، وعستارت تشرع في حدادها تاركة خنزيرها ينقض على زوجها الشاب. (٧) تطرح هذه الأسطورة تشابهًا واضحًا أيضًا مع أسطورة ديمتر وبيرسفوني. ففي كلا الأسطورتين إله شاب أو إلهة شابة يختطفها الموت، فنزاع بين إله علوي وإله سفلي، ينتهي بتسوية تجعل الإله المخطوف أو الإلهة المخطوفة، يقسمان وقتهما بين العالم العلوي والعالم السفلي.

فإذا أرجعنا كل هذه البنية الأسطورية المعقدة والمثقلة بالرموز إلى عناصرها الأولية البسيطة، لوجدنا أنفسنا مرة أخرى وجهًا لوجه أمام قصة الإله الابن، روح القمح، الذي تحول فيما بعد إلى روح للنبات بشكل عام. تموز الخضر، وتحت قناع أدونيس، يظهر هنا وجه «آيلينوس»، الشاب الغض الذي كان الحصادون السوريون يندبون موته، وهم يهوون بمناجلهم على سيقان القمح الجافة. هذه العلاقة بين أدونيس وآيلينوس لم تكن غائبة تمامًا. فهذه «سافو» الإغريقية، شاعرة جزيرة ليسبوس التي أنشدت بكائيات أدونيس:

أدونيس الرقيق يموت يا «كيثيريا»، فما نحن فاعلات؟
اضربن على صدوركن أيتها الفتيات ومزقن أرديتكن.٤٥
هذه الشاعرة المشهورة، هي التي أنشدت أيضًا بكائيات آيلينوس.٤٦ ويبدو أنها بالفعل كانت تطابق بين الشخصيتين، وتندب شخصًا واحدًا تحت اسمين؛٤٧ ذلك أن روح القمح القديمة الممثلة في إله لا نعرف اسمه، بل نعرف صرخة التفجع عليه، تلك الصرخة التي صارت بتقادم الأزمان اسمًا له، قد خضعت لتطور بطيء وطويل. ومع هذا التطور اكتسب الإله أسماء متعددة وكلها تشير إلى الإله الابن الأخضر. فهو البعل وهو حدد آدون الذي حوله الإغريق إلى أدونيس وهو النعمان.
إن اسم النعمان ما زال قائمًا إلى يومنا هذا في اللغة العربية، وبعض اللغات الأوروبية؛ إذ نراه متضمنًا في اسم تلك الوردة البرية القانية اللون، التي تندفع من باطن الأرض في كل مكان من سهول الشرق القديم مع بشائر الربيع الأولى. يدعوها العرب شقائق النعمان؛ أي جراح النعمان-أدونيس. وتُدعى في اللغة الإنكليزية «أنيمون» (Anemone) المشتقة من النعمان. وفي هذا بقية من المعتقد القديم، بأن هذه الوردة قد نبتت من دم أدونيس القتيل بعد تخضيبه لتربة الأرض، فهي تحمل لون دمه إلى الأبد.٤٨ كما أن لكلمة النعمان ذاتها علاقة بمعاني الخضرة وعالم النبات. ففي القواميس العربية نجد كلمة نَعِمَ، بفتح النون وكسر العين وفتح الميم، بمعنى نَضِرَ واخضوضر.٤٩ ومنها كلمة الناعمة، التي تعني الروضة أو الحديقة.٥٠ وبذلك يكون اسم أو لقب النعمان الذي لقب به أدونيس مقابلًا للقب «الأخضر»، وهو اللقب المميز للإله الابن.
تُظهر شخصية أدونيس، على وجه الخصوص، ذلك الجانب الأنثوي من شخصية الإله الابن؛ فهو الشق الذكري للأم الكبرى، وجزؤها الذي لم يستقل عنها، بل بقي مرآة لصفاتها وخصائصها. فأدونيس هو أفروديت المذكرة، وأفروديت هي أدونيس المؤنث. إن كل النصوص المتعلقة بهذا الإله، وكل الأعمال التشكيلية لتؤكد على هذا الجانب. فهو الإله الجميل الرقيق، الغض الناعم. وفي الرسوم التي تمثله يؤكد الفنانون على ليونة جسد الأنثى ويستبعدون التفاصيل الحادة لجسد الذكر. ولعل بعض تماثيله القديمة التي لم تصلنا والتي نفترض أنها تجمع في تركيب واحد بين أعضاء الذكورة والأنوثة، هي الباعث على ظهور أسطورة تبريرية لاحقة في الميثولوجيا الإغريقية، هي أسطورة الإله «هرمافروديت» ابن أفروديت من الإله هرمس، الذي يجمع في جسده خصائص الجنسين معًا، والذي يتألف اسمه من مقطعين مندمجين الأول «هرم» المأخوذ من هرمس، والثاني: من اسم أمه ذاتها. فالإله هرمس هو إله القضيب، وكان في بعض مراحله يمثل على هيئة قضيب فقط.٥١ أمَّا أفروديت فإن لاسمها جذورًا تعود إلى السومريين، وهو يعني الرحم الخصب: آ-بورو-داتي.٥٢ هكذا فهرمافروديت ليس إلا القضيب-الفرج، وهو الإله الابن ذاته، وليست أسطورته التي سنرويها فيما يأتي إلا صياغة أدبية لأفكار وتصورات قديمة، ألقي أمامها ستار كثيف من الرموز؛ فقد أنجبت أفروديت ابنها من هرمس وعهدت به عقب ولادته مباشرة إلى حوريات جبل إيدا في كريت، اللواتي ربينه في الأحراش الجبلية، فنشأ فتى بريًّا لا يجد متعة إلا في الصيد والقنص ومطاردة الوحوش في الغابات. وفي أحد الأيام أتى بحيرة صافية ونضى عنه ثيابه فاستحم فيها، فرأته حورية البحيرة «سلماسيس» وبهرها جماله الفتان فوقعت في حبه. ولما راودته عن نفسه، انتهرها الشاب الخجول وأعرض عنها محاولًا إبعادها عنه. وهنا صاحت الحورية بصوتٍ عالٍ: «عبثًا تحاول مني فككًا … أيتها الآلهة جمعاء، أدعو إليكم ألا تتركوا شيئًا يفرق بيني وبينه.» وللحال، استُجيبت دعوة الحورية، فالتصق الجسدان ببعضهما إلى الأبد، وامتزجت خصائصهما الذكرية والأنثوية، وتحول هرمافروديت إلى مخلوق ثنائي الجنس.٥٣
إن قصة هرمافورديت هذه، تعيد إلى الأذهان لمحات من حياة وخصائص بعض الآلهة الأبناء؛ فنشأته في جبل إيدا هي نشأة ديونيسيوس وزيوس الكريتي ابن الأم الكبرى للحضارة المينوية اللذين ترعرعا في نفس الجبل المقدس. وولعه بالصيد والقنص هو تكرار لولع أدونيس صياد جبل لبنان. وهو في خنوثته يعادل أتيس وأوزوريس المخصيين. والأعمال التشكيلية التي تمثله تُذكِّرنا ببعض تماثيل ديونيسيوس التي تظهره بأثداء كاملة، وتماثيل ورسوم كل الآلهة الأبناء التي تؤكد على ليونة الجسد ورقته، لا على قوته وصلابته. ولا تشذ عن ذلك تماثيل ورسوم السيد المسيح التي أبدعها عصر النهضة في أوروبا. إن هرمافروديت، في تفسيرنا، هو أدونيس نفسه. ولعل في تمثال أفروديت ذات اللحية الذي كان موضع عبادة وتقديس كبيرين في قبرص٥٤ توكيدًا لتفسيرنا هذا. ففي هذا التمثال يندمج أدونيس وأفروديت في شخصية واحدة، ويتجلى الأقنومان في هيئة واحدة تجمع خصائص الذكورة والأنوثة.

طقوس أدونيس

كانت طقوس أدونيس الرئيسية تقام في عيده السنوي، الذي اختلف توقيته من مكان إلى آخر؛ فبعض المناطق السورية كانت تحتفل به في الصيف، وأخرى في الربيع. أما في مصر واليونان، فكانت احتفالات «الآدوينا»، وهي التسمية الإغريقية لأعياد أدونيس تقام في الصيف. يشير هذان التوقيتان إلى أصل الإله أدونيس كروح للقمح القتيل، وإلى تطوره اللاحق كروح للإنبات بشكل عام؛ ففي فينيقيا كانت النساء تصنع دمى من شمع أو طين مشوي تمثل الإله القتيل، فتضعها عند مداخل البيوت وتتحلق حولها بثياب الحداد، فتبكي وتندب وتضرب صدورها، وتنشد أغاني حزينة على أنغام الناي. كما كانت صور أدونيس تحمل في مواكب جنائزية في شوارع المدن وخلفها رجال يعزفون ونساء تنوح.٥٥ أمَّا في الإسكندرية أيام البطالمة التي وصلتها عبادة أدونيس وعستارت، فكان تمثال الفتى اليافع أدونيس يسجى على محفة ويغطى بوشاح أرجواني، إلى جانبه يوضع تمثال آخر لفينوس-عستارت. ثم تضمخ المحفة بأطيب العطور وتزين بكل أنواع الفواكه وأغصان الأشجار المثمرة، وتعلق عليها سلال صغيرة تُدعى بحدائق أدونيس. وهذه الحدائق تعدها النساء قبل الاحتفال بوقت قصير، حيث يضعن في سلال أو أوعية وأكواب قليلة العمق قليلًا من تراب الأرض، وينثرن فوقها حبوبًا مختلفة كالقمح والشعير والشمرة، ثم يعرضنها لأشعة الشمس ويتعهدنها بالسقاية فتنتش الحبوب وتظهر سيقانها الصغيرة بسرعةٍ كبيرةٍ. بعد ذلك تحمل المحفة ويسير وراءها المحتفلون في مواكب الحداد، حتى إذا انتهى الاحتفال قامت النساء برمي حدائق أدونيس مع دمى صغيرة تمثله إلى ماء البحر.٥٦ وفي بلاد اليونان، تشير بعض الدلائل التاريخية إلى وقوع احتفالات الآدونيا في منتصف الصيف، فعندما أقلع أكبر أسطول حربي يوناني لقتال سيراكوزه في عز الصيف، كانت الآدونيا، كما تنقل الأخبار، في أوجها، وكان الجنود وهم يجتازون الشوارع هبوطًا نحو الميناء يسمعون عويل النساء على أدونيس، ويصادفون صوره معلقة عند كل باب.٥٧

تمثل حدائق أدونيس التي ارتبطت بالآدونيا في كلٍّ من سوريا ومصر، حياة الإله القصيرة وميتته المفاجئة. فالسيقان الخضراء القصيرة التي اندفعت بسرعة من تحت التراب بدون جذور حقيقية، لا تستطيع العيش طويلًا، وما تلبث أن تذوي وتموت. أما تعليق هذه الحدائق على محفة الإله الميت وحملها مع مواكب الدمى والصور التي تمثله؛ فهو نوع من التمثيل المزدوج للإله في شكله النباتي والإنساني. وليس رمي الحدائق والدمى إلى مياه البحر أو النهر إلا إيحاء للطبيعة بمواسم طيبة ومطر غزير؛ مما يذكِّرنا بالممارسات الباقية لدى فلاحي العصر الحديث، ممن رأيناهم يربطون ممثل روح القمح إلى آخر حزمة حصاد ويلقونها في الماء. هذا وقد بقيت طقوس حدائق أدونيس، وبعض عناصر احتفالات الآدونيا قائمة إلى يومنا هذا في طقوس المسيحية.

ففي عيد الفصح، الذي يتطابق توقيته السنوي تقريبًا مع توقيت الآدونيا الربيعي في فينيقيا، يتم الاحتفال بموت السيد المسيح في اليوم الأول يوم الجمعة الحزينة، وبعثه في اليوم الثالث يوم أحد الفصح، وتقوم النساء في جزيرة صقلية، وفي مناطق أخرى من إيطاليا قبل عيد الفصح، بإعداد حدائق أدونيس بنفس الطريقة التي اتبعتها نسوة كنعان قبل ألوف السنين. فإذا حلَّ الفصح وانتشت البذور المزروعة، حملن أطباقهن وقد رُبطت سيقان القمح القصيرة إلى بعضها بشرائط حمراء، ومضين إلى الكنيسة حيث توضع قرب صور وتماثيل السيد المسيح. وطيلة يوم الجمعة الحزينة تعرض في الكنيسة صورة شمعية للسيد المسيح، ويتقدم الناس لتقبيلها، بينما تقرع أجراس الكنيسة إيقاعات حزينة حتى حلول المساء. وفي وقت متأخر من الليل، تُحمل صورة المسيح فوق نعش مزين بأغصان الليمون والأزهار من مختلف الأنواع، فيطاف بها في شوارع المدينة في موكب وئيد الخطا على ضوء الشموع الطويلة، وسط نحيب المشيعين وعبق البخور الذي تحرقه النسوة على طرفي الطريق عند أبواب البيوت. فإذا انتهت جنازة المسيح أعيدت الصورة إلى مكانها في الكنيسة، والتزم المشيعون صومًا يستمر طيلة السبت ومعظم ليلة الأحد. فإذا دقت الساعة الثانية عشرة، خرج الأسقف ليعلن الخبر السار: «لقد قام المسيح»، فيرد خلفه الحشد الساهر: «لقد قام حقًّا وصدقًا»، ثم تبدأ المدينة احتفالاتها الفرحة، وتهيم مجموعات الشباب تشعل الحرائق الصغيرة في الشوارع والساحات.٥٨ هذا ويمكن مشاهدة مثل هذا الطقس في كثيرٍ من المناطق الكاثوليكية، وخصوصًا في إسبانيا.

كما يمكن مشاهدته بشكل أقل درامية في بعض الكنائس السورية واللبنانية؛ حيث يقتصر موكب جنازة المسيح على باحة الكنيسة. ففي صباح الجمعة الحزينة يتوجه الناس بلباس الحداد إلى الكنيسة، حيث يقام جُنَّاز كامل تتلى خلالها قصة موت المسيح، ويبكي المجتمعون بحرارة وهم يستمعون إلى ترتيلة: «اليوم عُلِّق على شجرة الذي علق الكون على المياه.» ثم يحمل رجال الدين تابوتًا مغطى بالورود والأزهار فيطوفون في موكبٍ صغير حول الكنيسة وفي باحتها.

وفي كلمات أقرب ما تكون إلى كلمات عشتار في ندبها تموز عندما قالت: «ويلي عليك يا بني، ويلي عليك يا دامو …» نجد السيدة مريم في الطقس البيزنطي تندب ابنها المسيح:

ويحي يا ولدي الإلهي. ويلي يا نور العالم،
لماذا غبت عن مقلتي يا نور الله؟
وحدي دون سائر النساء قد ولدتك يا بني من دون ألم،
وأنا الآن أقاسي ما لا يحتمل،
يا ضياء عيني يا ولدي كيف حُجبت في القبر.٥٩
لم تورد الأناجيل الأربعة شيئًا عن مراثي مريم. وانفرد إنجيل يوحنا بالإشارة إلى وجود مريم عند الصليب عندما أسلم المسيح الروح (يوحنا ١٩: ٢٥–٢٧). إلا أن مراثي العذراء قد بدأت تدخل في الطقس المسيحي مع ظهور الكنيسة السورية، ومنها انتقلت إلى الكنيسة اليونانية. ومعظم هذه المراثي تنسج على منوال المراثي الأدونيسية القديمة؛ مما يشير إلى بقاء المراثي الأدونيسية حية في الأذهان، وانبعاثها مجددًا في طقوس الديانة الجديدة.٦٠ نقرأ في الطقس اليوناني:
وا حسرتاه، وا حسرتاه يا أجمل الأبناء،
يا نور عيني، يا ملك كل الأشياء،
وا حسرتاه، وا حسرتاه، كيف أحتمل رؤياك على الصليب،٦١
وفي الطقس البيزنطي نقرأ أيضًا:
هو ذا أجمل المخلوقات قد صار جثة،
من أعطى رونق الطبيعة وجمال الكون.
كيف لي أن أطبق عينيك الحلوتين أيها الكلمة …
يا ربيعي الحلو، يا طفلي الأجمل، أين مضى حسنك؟
أيتها الجبال والوديان، وأنتم أيها الناس ابكوا معي،
كل الأشياء تبكي معي. أنا أم الإله.٦٢

وبعد المسيحية، تسللت مراثي الإله الميت إلى الإسلام في طقوس عاشوراء؛ ذكرى مقتل سيدنا الحسين بن علي. وتبدو طقوس كربلاء لناظرها اليوم مشهدًا لم تغير منه مئات السنين شيئًا. وبينما يقوم المحتفلون بلطم خدودهم وشد شعورهم وضرب أنفسهم بسلاسل الحديد حزنًا على الحسين الشهيد، تلتقي صرخة التفجع التي يطلقونها في عنان السماء «يا فتى يا حسين» بصرخة عشتار النائحة المحفوظة في طبقات الأثير العليا، وصرخة العذراء الثكلى، ونكاد نستمع إلى مرثاة واحدة تمثل وحدة العاطفة الإنسانية عبر تاريخ البشرية.

آيلينوس … مانيروس،
ويلي عليك يا بني … ويلي عليك يا دامو،
ويحي يا ولدي … ويحي يا نور العالم …
كيف تراك مقلتي معلقًا على الصليب،
كل الأشياء تبكي معي …
يا فتى يا حسين.

أخيرًا، بقيت ذكرى أعياد الربيع الأدونيسية — التموزية — الأوزيرية، حية في أعياد ربيعية فولكلورية قائمة إلى يومنا هذا في الشرق الأدنى الحديث؛ وذلك كعيد النيروز، وعيد شم النسيم، وأعياد محلية صغيرة في سوريا، كيوم خميس المشايخ الذي بقي سكان المناطق الوسطى يحتفلون به إلى أوائل الستينات. ولا أزال أذكر شخصيًّا ركضنا الفرح ونحن أطفال وراء موكب المشايخ المهيب، الذي ينطلق في العشرين من نيسان من قرية «بابا عمرو» التي تبعد خمسة كيلومترات عن مدينة حمص غربًا، ثم يخترق المدينة طائفًا شوارعها الرئيسية. كان الموكب يتألف من رجال دين توارثوا مهمة إحياء العيد جيلًا عن جيل. بعضهم يسير في الموكب فارسًا وآخر راجلًا، عليهم عمائم وعباءات لا تُلبس إلا في تلك المناسبة، وبعضهم يضع على وجهه لثامًا. يتقدم كل فارس (سنجق) خاص تتوارثه العائلة ويخرج به الابن في الموكب بعد وفاة أبيه، فوق رءوسهم رايات كبيرة ملونة كُتبت عليها آيات قرآنية، وخيولهم مجللة بالأقمشة ومزينة غررها بالأرياش. وفي مقدمة الموكب يسير الموسيقيون الذين يضربون الطبول والصنوج في إيقاع جليل يسمع من مسافات بعيدة، ولا يمكن لمن سمعه قط أن ينساه … حتى إذا وصلوا إلى نقطة معينة، ألقى الناس بأنفسهم تحت سنابك الخيل التي تدوسهم دون أن يمسهم أذى، وهذه من كرامات بعض المشايخ المباركين في ذلك اليوم، يضاف إليها كرامات أخرى يظهرها بعض المشايخ السيارة؛ إذ يطعنون أنفسهم بالشيش (سيف مسنون الرأس لا حدَّ له) فيدخل البطن نافذًا من الظهر دون أن يمسهم أذى.

وهكذا بقي موكب الربيع يسير متعرجًا في سهول حمص منذ ألوف السنين، إلا أن تابوت الإله قد انزلق من أيدي المشيعين مع وصول الإسلام، وسقط في ثنايا التاريخ.

عناة وبعل

سادت عبادة الإله الابن في كنعان تحت اسم بعل خلال الألف الثاني قبل الميلاد، وتحت اسم حدد (أو هدد) في آرام خلال الألف الأول قبل الميلاد. تحت هذين الاسمين يخطو الإله الابن خطًا أبعد نحو الاستقلال عن الأم الكبرى، وبناء شخصيته الخاصة المستقلة ذات الطابع المسيطر القوي. هنا ترك الإله الابن شخصيته القديمة كروح للإنبات، وأسير لدورة القمح والزراعة، وارتفع فوق الظواهر الطبيعية مقلدًا آلهة الثقافة الذكرية الصاعدة، دون أن يقطع تمامًا حبل السرة الذي يربطه بحركة الطبيعة ودورة الزراعة. إنه الآن سيد لعوامل الخصب الفاعلة. فهو راكب السحاب الذي يرسل الأمطار من أعالي السماء، وسيد البرق والصاعقة. صوته كالرعد المجلجل وسلاحه العاصفة والطوفان. يروض المياه البدئية الأولى كالإله مردوخ البابلي، ويقتل التنين ذا الرءوس السبعة ويصارع الوحوش الخرافية العجيبة. صورة سوف تبلغ شكلها الأكمل في شخصية زيوس كبير آلهة الأوليمب الذي قطع، فيما بعد، كل الجسور التي كانت تصله بأصوله القديمة في كريت كإلهٍ ابن قتيل. وفي علاقته بالأم الكبرى، يلعب بعل-حدد دور الشريك الند المكافئ، لا دور التابع الخاضع، وترجح في شخصيته خصائص الذكورة في مقابل خصائص الأنوثة التي ميزت أدونيس. إلا أن العنصر الأساسي في دراما الإله الميت يبقى هنا ثابتًا، وهو استسلام الإله الابن للموت استسلامًا إراديًّا، وقيام الأم الكبرى، من ثَمَّ بانتشاله من العالم الأسفل وإعادته للحياة.

إن مصدرنا الأساسي عن أساطير الإله بعل هو ألواح مدينة أوغاريت، التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، والتي تقدم لنا أكمل النصوص الأدبية الكنعانية؛ ففي الألواح التي اصطلح على تسميتها بألواح بعل وعناة، نجد الإله بعل وقد بدأ بتوطيد مملكته وبسط سلطانه، على طريقة الآلهة البطريركية التي تثبت جدارتها في مستهل حياتها بالتغلب على قوى إلهية كونية خارقة، تنتمي لعالم الديانات الأمومية الأسبق. فكانت أولى معارك بعل معركته ضد المياه الأولى ممثلة الإله «يم» أو «نهر» الذي صرعه بعل دون صعوبة. وبعده ينتصر على التنين «لوتان» ذي الرءوس السبعة. ثم يجنح إلى الراحة، فيبني بيتًا له يستقر فيه إسوة ببقية آلهة البانثيون الكنعاني، تساعده في ذلك حبيبته الإلهة عناة، التي تستخدم دالتها على كبير الآلهة «إيل» ليسمح ببناء ذلك البيت. غير أن الوضع الجديد لبعل لا يدوم طويلًا؛ لأن إله العالم الأسفل «موت» (بالكنعانية مُت) ينبري له ويتقدم إلى مجمع الآلهة طالبًا تسليمه بعل. وهنا لا يبدأ بعل استعداده لمعركة، كما فعل عندما تصدى له الإله يم، بل نراه ينزل من عليائه مختارًا دونما عراك، ومعه غيومه وأمطاره، وعواصفه وبقية رموز سلطته، ويستسلم طائعًا لإله الموت، الذي يفتح فمه الفاغر لابتلاعه، فشفته الواحدة في الأرض والأخرى تطال السماء ولسانه بين النجوم (على حد تعبير النص). وعندما يهبط بعل إلى جوفه، تجف لغيابه أشجار الزيتون ومنتجات الأرض وثمارها. أما عناة فتهيم على وجهها نادبة حبيبها الغائب في صرخات تردد صداها الجبال والوديان، حتى هدها التعب والإعياء، ثم تمضي إلى الإله موت طالبة منه إعادة بعل إليها، فيردها خائبة متفاخرًا أمامها بما فعل. ولكن عناة لا تيئس وتعود إليه مرارًا وتكرارًا بنفس الطلب لتلقى منه نفس الموقف المتعنت. فتقرر مجابهته واسترداد بعل بالقوة، تدخل معه في معركة فاصلة تنتهي بانتصارها المؤزر؛ إذ تمسك بالإله موت فتقطعه بالسيف وتُذَرِّيه بالمذراة، وتشويه بالنار وتطحنه بالطاحون وتدفنه في الحقل، ثم تسترد إليها بعل، الذي تعود معه الحياة إلى شتى مظاهر الطبيعة، فيورق الشجر وينضج الثمر وتنتعش سويقات القمح. غير أن الإله موت يسترد قوته بعد سبع سنين فينبري مجددًا للإله بعل:

وهكذا من أيام إلى شهور،
ومن شهور إلى سنين …
ولكن في السنة السابعة،
نهض موت معلنًا نفسه لعليان بعل.
رفع صوته وصاح:
أي بعل، بسببك أنت جللني العار.
بسببك أنت ذقت السيف.
بسببك أنت وردت النار.
بسببك أنت عرفت حجر الطاحون.
بسببك أنت دُفنت في الحقول.٦٣
(وتعود القوتان الكونيتان إلى الصراع وتتكرر دورة حياة بعل).

إن ما يميز دورة حياة الإله بعل عن أشباهه من آلهة الطبيعة في ميثولوجيا الشرق القديم والعالم اليوناني، هو أن دورة حياة هذا الإله ليست دورة سنوية، بل دورة تتبع نظامًا خاصًّا يعيش بموجبه سبع سنوات، ثم يموت ليبعث من جديد إلى سبع سنوات أخر. وعليه فإن التفسيرات المتعجلة التي تطابق بين بعل وبقية الآلهة كتموز وأدونيس وغيرهما، فتجعله تجسيدًا لروح النبات التي تموت وتحيا في كل عام، لا تصمد أمام النقد. كما أن التفسيرات الأخرى التي تفسر أسطورة بعل بوجود دورة مناخية في سوريا القديمة، كانت تتسبب في حصول جفاف الأرض وندرة المطر في كل سبع سنوات هي تفسيرات ضعيفة؛ رغم أننا لا نستبعدها تمامًا. والحقيقة في رأينا هي أن تفسير هذه الأسطورة يجب أن ينطلق من فكرة التجديد الدوري للقوة الإلهية، وهي فكرة قائمة في ميثولوجيا وطقوس المنطقة المشرقية ولدى بعض الثقافات البدائية الحديثة، وثقافات أخرى موغلة في القدم.

لم تكن القوة الإلهية، بالنسبة للإنسان القديم، قوة مطلقة لا ينتابها وهن أو قصور، بل كانت في بعض جوانبها، كقوة الإنسان، تطلب سندًا ومددًا دوريًّا لتجدد نفسها كلما آنست ضعفًا، وتبدأ دورة نشيطة أخرى. فأعياد رأس السنة البابلية لم تكن، كما رأينا، سوى طقوس تهدف إلى شحن الطاقة الإلهية التي تسند الكون المنظم، بقوة جديدة في مواجهة قوى العماء الأولى التي تحاول إعادة الكون إلى سكونه القديم. وفي أسطورة إيرا إله الأوبئة الفتاكة (البابلية)، نجد كبير الآلهة يمضي للاستجمام في مكانٍ تجدد ناره المطهرة قواه بعد ضعف ووهن:

إلى بابل، مدينة ملك الآلهة، شد إيرا رحاله،
دخل «الإيزاجيلا» قصر السماوات والأرض، ومَثَلَ أمام مردوخ،
فتح فمه وقال مخاطبًا ملك الآلهة:
أيها الرب، إن الهالة النورانية رمز ألوهتك،
المشعة أبدًا كنجم سماوي،
قد خبا لونها،
وتاج سيادتك قد مال عن رأسك،
اتركْ مكان سكنك وانطلق،
ونحو الدار التي ستظهر نارها عباءتك، شد الرحال.٦٤

غير أن التجديد الحقيقي للقدرة الإلهية لا يتم إلا بالموت الفعلي الحقيقي الكامل الذي يليه البعث، حيث يزيل الموت ما بلي، ويعطي البعض كل جديد. ففي النظم الميثولوجية التي لا وجود فيها لمعتقد الموت السنوي لآلهة الطبيعة، نجد هناك معتقد الموت الدوري، حيث يموت الإله عند استكمال دورة زمنية تقدر بعدد من السنين، يختلف من ثقافة إلى أخرى؛ فآلهة الخصب هي أكثر الآلهة حاجة إلى تجديد قواها؛ لأن أي بادرة ضعف تنتابها، سيكون لها تأثير مباشر على توازن الطبيعة وحياة الكائنات. لذا كان على الإله أن يقدم نفسه للموت وهو في عز الشباب، فيجدد نفسه، ويبعث ثانية قبل أن تنال منه السنون. ولكن كيف يموت الإله، وكيف يتابع البشر دورة حياته ويساعدونه على إتمامها؟

في معتقد موت الإله السنوي، رأينا أن الروح الإلهية تحل مؤقتًا في جسد القربان البشري وتموت من خلاله، أما في معتقد الموت الدوري، فإن الروح الإلهية تتجسد في كائن بشري حي مدة أطول من الزمن، وتحافظ على نشاطها وحيويتها ما دام هذا الكائن البشري متمتعًا بالحياة النشطة الشابة. وغالبًا ما يكون هذا الكائن شخصية ملكية مقدسة تعتبر ظلًّا حيًّا للقوة الإلهية الخفية، وممثلة له على الأرض. فإذا وصل منحى حياة الشاب أوجه، كان على ممثل الإله أن يموت قبل أن تضعف قواه ويتخاذل؛ لأن في ضعفه تخاذلًا للقوة الإلهية التي تعبر عن نفسها من خلاله. وبموت ممثل الإله، يموت الإله أيضًا، ليبعث من جديد في الخلف الفتي للملك المقتول، ويبدأ معه دورة حياة جديدة. ونستطيع العثور على مثل هذا الاعتقاد والطقس، لدى الكثير من الثقافات التي تعتبر الملك تجسيدًا لألوهة الخصب ومركزًا لنظام الطبيعة، يتوقف عليه هطول المطر وخصب الأرض وتكاثر الحيوان وتتابع الفصول.

فإلى عهد قريب، كان من عادة قبائل الشايلوك، التي تسكن ضفاف النيل الأزرق في أفريقيا، أن يقتلوا ملوكهم بعد فترة زمنية مقدارها سبع سنين من توليهم الحكم. وقد تختصر هذه الفترة، ويقتل الملك قبل أوانه، إذا أجدبت الأرض وساءت المواسم. وخلال حياته القصيرة، كان ملك الشايلوك يخضع في كل مناحي حياته إلى نظام حديدي مفروض من قبل الكهنة، مليء بمختلف أنواع القيود والتحريمات (التابو). فشخص الملك مقدس لا يمكن إلا للنبلاء رؤيته، والدخول عليه محرم حتى على أولاده. فإذا خرج في موكب رسمي، أحاط به سادة القوم من كل جهة وأخلي السبيل أمامه من المارة، وهرع الناس إلى بيوتهم فأغلقوا أبوابها ونوافذها حتى يبتعد الركب الملكي. وعندما يحل الموعد المحدد لموت الملك، كان الكاهن الكبير يدعو جميع النبلاء إلى احتفال سري، يتم خلالها قتل الملك ودفنه، وكانوا يدفنون إلى جانبه فتاة عذراء وهي حية. ويجب أن يتم هذا الطقس في إحدى الليالي المظلمة الواقعة بين غياب القمر القديم وظهور القمر الجديد، خلال فترة الجفاف السابقة لموسم الأمطار، وقبل أن تزرع البذور في الحقول. وبعد مرور عام كامل يتم تعيين الملك الجديد الشاب.٦٥ وفي مناطق أخرى من أفريقيا نعثر على معتقدات وطقوس مشابهة؛ ففي موزمبيق وأنغولا وروديسيا، كان الملك يعتبر تجسيدًا للإله الأكبر، وكان يدعى بالقمر وزوجته تُدعى بكوكب الزهرة. وكان الاثنان يقتلان في نهاية فترة محددة من حكم الملك على يد الكهنة، ويدفنان في قبرٍ واحد على أحد المرتفعات.٦٦
وتقص حكاية شعبية من جنوب السودان عن عادة قتل الملوك التي كانت سائدة في تلك المناطق فتقول: إن مملكة كوردفان كانت من أغنى الممالك الأفريقية، وكان ملكها من أغنى ملوك الأرض؛ إلا أنه كان أتعس الملوك؛ لأن مدة حكمة وحياته كانت محددة بفترة زمنية، تتحكم فيها دورة فلكية لا يعرف أسرارها سوى الكهنة، الذي كانوا يتابعون تحركات النجوم في السماء لمعرفة الوقت الذي يتوجب فيه قتل الملك. فإذا حلَّ موعد الموت أجبر الكهنة الملك على الموت، ومعه عدد من أفراد عائلته وبعض المقربين ممن اختارهم شخصيًّا لهذه المهمة عند صعوده إلى الحكم في بداية الدورة الفلكية. وقد سارت الأمور على هذا المنوال أجيالًا طوالًا، إلى أن اعتلى العرش فتى في ريعان الصبا اسمه «أقف»، وتمَّ اختيار مرافقيه في رحلة الموت وعلى رأسهم مملوك اسمه «فارليماس»، وأخت الملك الشابة واسمها «سالي» التي تمَّ تعيينها في منصب كاهنة النار المقدسة التي تبقى مشتعلة ما دام الملك حيًّا، حتى إذا جاء أجله الموعود، أطفئت النار وقتلت كاهنتها وأشعلت نار جديدة ترعاها كاهنة أخرى. وكان المملوك فارليماس معروفًا برواية الحكايا الساحرة، فآنس إليه الملك وقرَّبه، وأخذ يستمع إلى حكاياه في كل يوم، ومعه المقربون من أفراد حاشيته. فكان إذا ابتدأ فارليماس حكايته الجديدة، كان الملك وضيوفه يغفلون عن طعامهم وشرابهم، ويغفل الخدم عن خدمتهم، ويبقى الجميع مشدودين إلى فم فارليماس حتى آخر الليل وظهور تباشير الصباح، كأن في كلماته سحرًا، أو أن فيها مخدرًا قويًّا. إلى أن جاء يوم انتابت فيه الملك صحوة، فأحس أن كل يوم يمر إنما يُقرِّبه من أجله، فأخذ يفكر في طريقة يتفادى بها ما يعتقده الجميع قدرًا محتومًا. وكان مثله في ذلك فارليماس وسالي اللذين وقعا في حب بعضهما، وتاقا إلى اعتصار العمر حتى أيام الشيخوخة الأخيرة. وأخيرًا اهتدت سالي إلى طريقة تصرف بها نظر الكهنة عن مراقبة النجوم ومتابعة الدورة الفلكية؛ إذ استطاعت إقناع كبير الكهنة ومعه بعض أتباعه، بالحضور إلى بلاط الملك للاستماع إلى حكايا فارليماس. فأتوا بعد أن أذن لهم الملك، يدفعهم الفضول في الليلة الأولى، وبدافع الشوق في الليلة الثانية، ثم تعودوا إتيان حلقة فارليماس في كل ليلة، يشدهم إليها نداء سحري لا يستطيعون عنه صدًّا. وفي إحدى الليالي، وبعد أن انتهت حكاية فارليماس، اكتشف الكهنة أن أحدًا منهم لم يبقَ لمراقبة النجوم، وتأكدوا من أنهم قد فقدوا أثر الدورة الفلكية التي كادت تقارب نهايتها؛ فثارت ثائرتهم وقرروا قتل فارليماس، إلا أن الملك التمس له ليلة أخيرة يقص فيها آخر حكاياته، فكان له ما أراد. في تلك الليلة، هب الناس من كل حدب وصوب، إلى ساحة كبيرة نُصب فيها عرش الملك وكرسي لفارليماس، الذي ابتدأ حكايته على مسمع من الناس جميعًا. وعندما جاء الصباح وانتهت الحكاية، تنبه الناس من خدرهم فوجدوا أن الكهنة جميعًا قد ماتوا، فعاش الملك حتى بلغ الشيخوخة، وأبطلت من بعده عادة قتل الملوك.٦٧
وفي جنوب الهند في مقاطعة ملابر، كان على الملك أن يضحي بنفسه في نهاية دورة زمنية فلكية مقدارها اثنا عشر عامًا، وهي الفترة اللازمة لدوران كوكب جوبيتر حول الشمس، وعودته مرة ثانية إلى برج السرطان. فإذا حل الموعد المضروب، جاء الكهنة الذين أمضوا وقتهم في مراقبة الأفلاك، إلى الملك وأبلغوه بانتهاء أجله، ثم نصبوا له منصة خشبية يعتليها أمام حشد كبير من الناس، حيث يبدأ طقس القربان. هنا يعطي الملك سكينًا مسنونة قاطعة، ويبدأ بتقطيع أجزاء جسده مبتدئًا بالأنف فالأذنين فالشفتين، ثم ينتقل إلى يديه وساقيه، وكلما قطع عضوًا رماه إلى خارج المنصة أمام الجمهور، حتى إذا خارت قواه وقارب الانهيار عمد إلى قطع حنجرته.٦٨
ومن الممارسات والطقوس الحديثة نعود القهقرى إلى ممارسات وطقوس الحضارات القديمة. فالمصادر الرومانية الموغلة في القدم تروي أن ريمولوس أول ملوك روما قد قُتل على يد أعيان المدينة، وأن أجزاء جسده قد دفنت في أماكن متفرقة من الأرض. كما تنقل الروايات اليونانية: أن بعض ملوك طيبة وتراقيا قد قتلوا ومزقوا إربًا إربًا، ودفنت أجزاؤهم في الأرض بسبب تجديفهم على الإله ديونيسيوس. ويغلب الظن أن هذه الروايات ليست إلا بقية من طقس قديم كان الملك بموجبه يُقتل باعتباره ممثلًا للإله ديونيسيوس نفسه، الذي مات ميتة مشابهة عندما مزقه التيتان إربًا.٦٩ وفي الثقافة الإسكندنافية القديمة كانت فترة حكم الملك تستمر تسعة أعوام يتوجب قتله بعدها. ويحكى أن أحد ملوك السويد قد عكف، قبل حلول أجله، على الصلاة وتقديم القرابين للآلهة لتجنبه المصير المحتوم، فسمحت له الآلهة بالعيش، إن استطاع فداء نفسه بأحد أبنائه كل تسعة أعوام. وقد ضحى ذلك الملك بتسعة من أبنائه، وعاش حتى بلغ الشيخوخة. وعندما كان يستعد للتضحية بابنه العاشر قام عليه الناس وقتلوه.٧٠
وهناك من الدلائل والإشارات ما يدفع للاعتقاد، بأن بعض ملوك اليونان في التاريخ السحيق، كانوا يقتلون في دورة مقدارها ثماني سنوات؛ ففي الفترات التاريخية، كان القضاة الخمسة الذي يشكلون المجلس الأعلى المسيطر على الملك، يختارون في كل ثماني سنوات، ليلة صافية السماء مظلمة لا قمر ينيرها، فيجلسون لمراقبة النجوم في صمت إلى طلوع الصباح، فإذا لاح لهم شهاب مارق، كان في ذلك إشارة لهم بأن الملك قد اقترف إثمًا بحق الآلهة. عند ذلك يأمر المجلس بلزوم الملك بيته وكف يده عن الحكم، حتى تفصل في أمره نبوءة عرافة معبد دلفي، فإما أن يُعاد إلى منصبه، أو يُرفع إلى العرش ملك جديد. وفي جزيرة كريت، كان على الملك، بعد مرور ثماني سنوات من حكمه، أن يلجأ إلى أحد الكهوف في جبل إيدا المقدس (حيث ولد ابن العذراء زيوس)، فيخلد إلى الراحة والتأمل، ويتلقى توجيهات الإله التي تعينه على مواجهة أعباء الحكم في السنوات الثماني القادمة، ويستمد منه قوة تجدد نشاطه الروحي والجسدي. هذه الدورة الزمنية المؤلفة من ثماني سنوات التي حددت في كلٍّ من كريت واليونان توقيت تجديد الروح الإلهية-الملكية، بالقتل أو بالوسائل البديلة التي حلت محله، ربما كانت دورة فلكية مرتبطة بحركة الشمس والقمر في مداريهما. ففي كل ثماني سنوات يصادف وقوع ليلة البدر الكامل في أطول أيام السنة أو أقصرها، وقد رأى الأقدمون في هذا التوافق نوعًا من الانسجام بين النظامين الفلكيين الرئيسيين، اللذين يحددان نوعين في التقويم الزمني، هما التقويم الشمسي والتقويم القمري. بعد أن يلتقي النظامان والتقويمان، تبدأ في السماء دورة أخرى، وسباق جديد بين الجرمين الكبيرين … لذا وفي هذه الليلة بالذات يتوجب تجديد القوة الإلهية الملكية.٧١
وفي أحد الأعياد البابلية الذي يطلع عليه البابليون اسم «السقاية»، نجد أثرًا باقيًا من عادة موغلة في القدم، تتعلق بقتل الملوك؛ ففي هذا العيد المليء بالمرح وغرائب العادات، يتبادل السادة والعبيد أدوارهم، فيقوم السادة على خدمة عبيدهم، ويلعب العبيد دور السادة. وفي اليوم الأول للعيد يؤتى بأحد السجناء المحكومين بالإعدام، فيكسى بملابس الملك ويوضع على العرش ويسمح له بإصدار الأوامر. كما يترك على سجيته فيأكل ويشرب ويمتع نفسه بكل وسيلة ممكنة، حتى إنه ينام مع سرايا الملك ومحظياته، وذلك إلى اليوم الخامس، وهو آخر أيام العيد. عند ذلك تنزع عنه الثياب الملكية ثم يقتل. إن استمتاع الملك البديل بكل حقوق الملك الأصلي بما فيها النوم مع نسائه، وجلوسه على عرشه ولبسه ثيابه وإصداره الأوامر المطاعة، هي محاولة لإسباغ الشخصية الملكية عليه ليكون بديلًا حقيقيًّا عن الملك في طقس القربان المقدس. ولا شك أن هذه العادة التي تحولت في الفترات الأخيرة إلى لهو ولعب، قد كانت في يوم من الأيام طقسًا جديًّا، يموت بموجبه أحد الأفراد بديلًا عن الملك، الذي كان هو نفسه موضع القربان في فترات أبعد.٧٢

بعد هذه الجولة خلال المعتقدات والطقوس المتعلقة بالتجديد الدوري للقوة الإلهية، قديمها وحديثها، نعود إلى ما تقدمنا به من تفسير لدورة حياة الإله بعل، بعد أن توفرت لنا الأرضية اللازمة لدعم هذا التفسير. فإله الخصوبة في المعتقد الكنعاني الأوغاريتي، يجدد قواه عن طريق الموت والبعث من جديد في دورة مقدارها سبع سنوات. أمَّا عن عدد سنوات هذه الدورة فنتقدم بتفسيرين. فإذا كان عدد سنوات الدورة هو فعلًا سبع سنوات، فإن اختياره راجع إلى قدسيته باعتباره رقمًا قمريًّا يدخل في صميم أسرار العبادات القمرية القديمة. ولكن هناك من الأسباب ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن عدد سنوات الدورة البعلية هو ثماني سنوات لا سبع؛ فالإله موت يصحو في السنة السابعة لتحدي بعل؛ ولكن بعل لا يموت إلا في الثامنة بعد انتهاء الصراع. يدعم هذا الاعتقاد نص في ملحمة «دانيال» الأوغاريتية، التي يعود تاريخ تدوينها إلى نفس تاريخ تدوين نصوص بعل وعناة. فهذا هو الملك دانيال يلعن الأرض التي ذبح فوقها ابنه «أقهات»:

فليبتليك بعل بسبع سنين،
ليبتليك راكب الغيوم بثماني سنين،
ليمنع عنك الندى،
لتنحبس عنك الأمطار،
لينقطع دفق الأنهار،
وتحتجب خيرات صوت بعل.٧٣

وفي هذه الحالة، فإن دورة حياة بعل المؤلفة من ثماني سنوات، هي نفسها الدورة اللازمة لوقع ليلة القمر الكامل، في أطول يوم أو أقصر يوم من أيام السنة الشمسية، وتوافق التقويمين القمري والشمسي، وقد رأينا منذ قليل كيف كانت هذه الدورة تتحكم في حياة الملوك من ممثلي الآلهة في كريت واليونان.

إيزيس وأوزوريس

تتجلى الأم المصرية الكبرى، في شكلها الأبهى كسيدة للطبيعة، تحت اسم إيزيس التي تصفها النصوص الميثولوجية والطقسية بالإلهة المتعددة الأسماء. فهي سيدة القمح وأول من اكتشف زراعته. من ألقابها: «خالقة كل نبت أخضر» و«حقل القمح». وقد قرنها الإغريق والرومان بكل من «ديمتر» و«سيريس»، ووصفتها بعض النصوص الإغريقية ﺑ «والدة ثمار الأرض» و«أم حُزم القمح». ولذا نراها في الأعمال التشكيلية الإغريقية والرومانية وقد رفعت بيديها الاثنتين باقتين من سيقان القمح أو زينت رأسها بسنابله. وقد انتشرت عبادتها في العالم الكلاسيكي انتشار النار في الهشيم، منذ فتح الإسكندر الكبير، وملأت تماثيلها المقدسة أصقاع الإمبراطورية الرومانية، وخصوصًا تلك التي تمثلها جالسة وفي حضنها الوليد الإلهي، والتي بقي بعضها يُعبد من قبل المسيحيين على أنه تمثال السيدة مريم وابنها يسوع.٧٤ ومنذ الأزمنة المبكرة، يظهر الإله أوزوريس إلى جانب إيزيس أخًا أو زوجًا أو ابنًا، وشريكًا في خصائص الخصب، وإلهًا أسيرًا لدورة القمح والإنبات.
فبعد أن اكتشفت إيزيس القمح، أعطت باقاته الأولى لأوزوريس الذي قام بتعليم البشر زراعتها.٧٥ وقد ابتدأ أوزوريس مهمته في أرض مصر فأبطل العادات الهمجية القديمة، وعلَّم الناس كيفية صناعة الأدوات الزراعية واستعمالها في استنبات القمح والشعير، وعلَّمهم أكل الخبز وشرب النبيذ والجعة وبناء البيوت. وهو الذي أسس الديانة الأولى وعلَّم البشر عبادة الآلهة، واستخدام الآلات الموسيقية. وبعد أن قام بنشر الحضارة في مصر غادرها إلى آسيا وبقية أنحاء المعمورة، متابعًا مهمته في نشر الحضارة مستميلًا إليه الناس باللين والمحبة والموسيقى، ثم عاد إلى مصر ليحكمها بالعدل، ولكن إلى حين. ففي السنة الثامنة والعشرين من حكمه، قام ضده أخوه الشرير «سيت» الذي نام على حسده وغيرته وضغائنه فترة طويلة، فقتله غيلة ووضع جسده في صندوق خشبي أغلقه بإحكام ورماه في النيل. حملت مياه النيل الصندوق إلى البحر، فطاف على غير هدى حتى استقر عند شواطئ كنعان أمام مدينة بيبلوس، حيث أمسكت به أغصان شجرة الطرفاء النحيلة، التي ما لبثت أن نمت بشكل غير مألوف بعد أن لامسها التابوت المقدس، واحتوته بكامله داخل جذعها. فلما رآها ملك بيبلوس، أعجب بها أشد العجب وأمر بأن تقطع لاستعمالها كعمود يزين قصره ويدعم به سقفه. وما إن نُصبت الشجرة عمودًا حتى أخذت تتضوع طيبًا نفَّاذًا ذاع صيته في كل البلاد، ووصل إلى أسماع إيزيس في مصر، التي كانت في حداد مقيم منذ غياب زوجها. فعرفت ببصيرتها سر الشجرة، وطارت لتوها إلى بيبلوس، حيث تنكرت في هيئة امرأة عادية، ودخلت القصر الملكي كضيفة على الملكة «عستارت»، وصارت مربية لابنها. ثم ما لبثت أن أعلنت عن نفسها وطالبت باستعادة أوزوريس من الشجرة، فكان لها ما أرادت. شقت إيزيس الشجرة وأخرجت الصندوق ففتحته وبكت ما شاء لها البكاء فوق جثة زوجها المسجاة، ثم حملته وطارت به إلى مصر حيث خبأته مؤقتًا في مستنقعات الدلتا؛ خوفًا من أن يعثر عليه أخوه «سيت». ولكن سيت يجد الصندوق فيفتحه ويمزق جسد أوزوريس إلى أربع عشرة قطعة، يوزعها في طول البلاد وعرضها. غير أن هذا لا يفت في عضد إيزيس التي تعود للبحث عن أوزوريس وتذرع الأرض منقبة عن أجزائه المبعثرة، فتعثر عليها قطعة بعد قطعة، ما عدا عضو الذكورة، ثم تجمع فتنفخ فيها الحياة مستعيدة حبيبها من عالم الموتى. ولكن أوزوريس بعد بعثه، لا يفضل قضاء حياته على الأرض، وإنما يهبط إلى العالم الأسفل ليغدو سيدًا له، حاكمًا وقاضيًا في مملكة الموتى، بينما يتابع ابنه من إيزيس «حورس»، مقارعة عمه سيت، ويستمر صراع القوتين: قوة النور والخير، وقوة الظلام والشر.٧٦

وصلت هذه الأسطورة إلينا عن طريق المصادر الإغريقية، وهي النص الوحيد المعتمد نظرًا لعدم وجود نص مصري متكامل يروي قصة إيزيس وأوزوريس. ولا شك أن الإغريق قد استلهموا روايات شفهية كانت سائدة في القرون القليلة السابقة للميلاد، وخصوصًا إبان عصر البطالمة، فجاء النص تعبيرًا عن الأسطورة في شكلها المتأخر، مضافًا إليه تزيين إغريقي واضح. ولكننا رغم ذلك نستطيع أن نكتشف فيها آثارًا تدل على أشكال الأسطورة الأقدم. فالمراحل الأولى للأسطورة القمرية تظهر في تقطيع أوزوريس إلى أربعة عشر جزءًا، ثم إعادة تجميعها ونفخ الحياة فيها. وقد أشرنا إلى ذلك مفصلًا في مكان آخر من هذا الفصل. أما الأسطورة النيوليتية الأولى، فتظهر في قيام الإله بنشر زراعة القمح والحبوب في مصر وبقية أنحاء العالم، ونقل البشر من طور البداءة إلى طور الحضارة. فأوزوريس هنا هو القمح الذي كان لاكتشاف زراعته الأثر الحاسم في بداية التاريخ البشري، وليس موته، وقيام إيزيس بإعادته إلى الحياة، إلا تكرارًا لأسطورة القمح القتيل ودورة حياته السنوية. ونستطيع التأكيد على أن أسطورته كانت نسخة مطابقة لأسطورة تموز وأسطورة أدونيس، قبل أن تحوله الاتجاهات المتأخرة إلى إله للعالم الأسفل. ولربما كان تحوله إلى إله للعالم الأسفل، قد مر بمرحلة انتقالية كان فيها إلهًا لذلك العالم، خلال نصف السنة التي يغيب فيها القمح في باطن الأرض، كما هو حال بيرسفوني التي كانت تقضي نصف السنة ملكة على الموتى، ونصفها الآخر ملكة نورانية في العالم الأعلى. أما توزيع أجزاء أوزوريس الأربعة عشر في أنحاء متفرقة من الأرض، فيذكِّرنا بالأمثلة العديدة التي أوردناها في هذا الفصل، وبعض الفصول السابقة، عن دفن أجزاء جسد القربان البشرية الممثل لإله الخصب القتيل في الأرض لإخصابها. ولربما كان ملوك مصر الأوائل، الذين بقوا حتى آخر أيام الحضارة المصرية يحملون قبسًا من روح الإله الأكبر، وتقدم لهم فروض العبادة كالآلهة، ربما كانوا في الأيام السالفة يُقتلون باعتبارهم ممثلين للإله أوزوريس نفسه، وتوزع أجزاؤهم في الحقول لإخصابها.

هذا وتشف بعض عناصر الأسطورة عن صلتها الوثيقة بأسطورة أدونيس الكنعانية، فأوزوريس يولد ولادة ثانية من الشجرة، كما ولد أدونيس. وهذه الولادة تحصل في مدينة جبيل الفينيقية، المركز الرئيسي لعبادة أدونيس. وكما خبأت عستارت أدونيس في صندوق وضعته في عهدة بيرسفوني، ثم عادت إلى العالم الأسفل تحاول استرجاعه، كذلك هو حال أوزوريس الذي وضع جسده القتيل في صندوق راحت إيزيس تبحث عنه حتى وجدته في قصر ملكة بيبلوس، التي تطلق عليها الأسطورة اسم «عستارت». وهذا التطابق بين اسم الملكة واسم الإلهة ليس من قبيل الصدف، بل هو بقية باقية من أسطورة أدونيس، التي ارتحلت في تاريخ مبكر من شواطئ كنعان إلى شواطئ مصر حيث يبدأ حياته الجديدة في أحضان الأم المصرية الكبرى. ويذكِّرنا الصراع بين أوزوريس الأخضر وسيت، الذي يمثل الجفاف والصحراء التي تحاول التوسع دومًا على حساب الأراضي الخصبة حول ضفاف النيل، بالصراع بين بعل وموت. وبشكل عام نلاحظ أن شخصية أوزوريس تتطابق في ملامحها مع شخصية تموز وأدونيس، وخصوصًا في علاقته بإيزيس، التي تبدو في النصوص المصرية ظلًّا حاميًا للإله الابن، لا حياة له بدونها. نقرأ في نص يعود إلى المملكة المتوسطة:

أخته من قدم الرعاية له وبسط عليه الحماية.
دفعت عنه الأعداء وجنبته مهاوي حظه العاثر.
دحرت خصومه بتمتمات السحر رتلتها شفتاها،
وتحرك بها لسانها المجرب، وفمها الذي لا تنفد كلماته.
إيزيس، صاحبة السلطان وروح العدل، حمت أخاها.
بحثت عنه بلا كلل، ولا أقعدها عناء.
بدموع جارية طافت كل البلاد فما استراحت قبل لقياه.
ظللت جسده بريشها ورفت فوقه بجناحها.
نعم، إيزيس التي شدت أزر أخيها،
ونفخت في جسده المتلاشي العزيمة.
إيزيس التي تلقَّت بذوره في بطنها،
وحملت بوارثه فأرضعته في مأمن.٧٧

طقوس أوزوريس

تختلف مواعيد الدورة الزراعية في مصر عن بقية بلدان الشرق الأدنى اختلافًا بيِّنًا؛ وذلك لندرة الأمطار والاعتماد على فيضان النيل السنوي. يبدأ منسوب مياه النيل بالارتفاع اعتبارًا من شهر حزيران (يونيو)، ليبلغ حده الأعلى نحو نهاية شهر أيلول (سبتمبر) فيغمر الشريط الخصب الممتد حول شواطئ النهر. ولمدة شهر تقريبًا تبقى مياه النهر ثابتة عند منسوبها، ثم تبدأ بالانخفاض ليعود النهر إلى سريره الطبيعي نحو شهر كانون الأول (ديسمبر)، مخلفًا في الأرض التي تركها تربة جديدة خصبة، جرفها معه عبر مساره الطويل. لذلك يختلف موسم دفن الحبوب في التراب وموسم حصاد الحبوب عن بقية المواسم في المنطقة. فزراعة الحبوب تبدأ في نوفمبر (تشرين الثاني) وتنتهي في ديسمبر (كانون الأول)، وذلك تبعًا لجغرافية المنطقة ووضعها من النهر. أمَّا الحصاد فيبدأ في الربيع وينتهي في أيار (مايو). وفي الفترة الفاصلة بين انتهاء الحصاد وبداية ارتفاع النيل تبدو سهول مصر في حالة كئيبة، تهب عليها الرياح الساخنة وتلفحها شمس حزيران الحارقة. ولقد أثر هذا الطابع الخاص للدورة الزراعية في مصر على الطقوس والأعياد الأوزيرية، وعلى مواعيدها السنوية.

يمكن تتبُّع نوعين من الطقوس الأوزيرية في تاريخ مصر القديم؛ النوع الأول: هو الطقوس الشعبية البدائية التي مارسها زارعو القمح منذ القديم، وبقوا على ولائهم لها حتى الفترات المتأخرة. وقد ارتبطت هذه الطقوس بمواعيد الدورة الزراعية النيلية، فبقيت ثابتة عبر آلاف السنين، تقام كل عام في الموعد المحدد نفسه. أما النوع الثاني: فالطقوس الرسمية التي كان الكهنة يقيمونها في المعابد. وهذه الطقوس رغم انبثاقها عن طقوس المزارع القديم؛ فقد انفصلت عن مواعيد الدورة الزراعية؛ نظرًا لابتكار الكهنة تقويمًا لا يتطابق تمامًا مع السنة الشمسية، ولا يجري تعديله دوريًّا لتحقيق مثل هذا التطابق. لذلك راحت مواعيد الطقوس الأوزيرية الرسمية، عبر فترة طويلة من الزمن، تدور عبر الفصول من الصيف إلى الخريف فالشتاء فالربيع، راجعة مرة أخرى إلى الصيف، وذلك حتى جرى تبنِّي التقويم الشمسي الحقيقي، وهو التقويم الإسكندري، عام ٣٠ق.م.٧٨
تتشابه الطقوس الشعبية الأوزيرية في جوهرها وكثير من شكلياتها، مع طقوس المزارعين السوريين التي سلف الحديث عنها؛ ففي أوقات الحصاد كان الحصادون لدى قطعهم حزم القمح الأولى، يندبون الإله القتيل الذي تهاوى تحت مناجلهم المسنونة، ويرفعون أدعية خاصة إلى الإلهة إيزيس (مما يدل على أن النواح في أصله كان نواحًا على إيزيس لا على أوزوريس). وكان نواح الحصادين يتخذ إيقاعًا موسيقيًّا مع ترديد بعض الكلمات، التي ميز الرواة اليونانيون منها كلمة مانيروس، والتي تعني: عدْ إلى بيتك، مما جرى الحديث عنه في مكان آخر من هذا الفصل. وبعد انتهاء الحصاد وابتداء موسم الفيضان، يقام احتفال آخر مكرس لإيزيس؛ فقد رأى المصريون في فيضان النهر دموع الإلهة التي تبكي زوجها الميت، فتنثال دموعها سواقي ترفع مياه النيل. ولما كان ابتداء الفيض يترافق مع ظهور نجم الشعري اليمانية (سيريوس) أكثر النجوم الثابتة لمعانًا في السماء؛ فقد نسب المصريون هذا النجم لإيزيس. وكانوا يرون في ظهوره قبل الفجر، خلال الأيام القليلة السابقة للانقلاب الصيفي، إيزيس نفسها وقد أتت لتبكي أوزوريس الفقيد. أما بعد تراجع الفيضان وبدء موسم البذار، فكان للمزارعين طقوس حداد ثانية على الإله القتيل الذي يوارى الثرى. وقد وصف الكاتب اليوناني «بلوتارخ» هذه الطقوس ودعا قارئه إلى عدم العجب منها؛ لأنها تشابه في جوهرها طقوس الحداد الديمترية.٧٩
أمَّا الطقوس الرسمية فكانت تقام في معابد المدن بعيدًا عن حقل القمح الذي نشأت فيه. وهناك من الدلائل ما يشير إلى أن عيدًا واحدًا لأوزوريس كان يقام مرة في السنة في شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، وأن هذا العيد قد بقي ثابتًا في توقيته منذ تبنِّي التقويم الشمسي الإسكندري. تستمر طقوس الندب على أوزوريس القتيل في عيده السنوي مدة أربعة أيام، تمثل خلالها دراما حياته القصيرة وعذاباته وبعثه، وتتشابه هذه الطقوس مع غيرها من طقوس الإله الابن القتيل، حيث يقود الكهنة جموع الندابين، فيقرعون صدورهم ويلطمون وجوههم وينكئون جراحهم القديمة، ويقومون بالبحث عن أوزوريس الفقيد حتى يجدوه، فيعلنون عودة الإله إلى الحياة وتبدأ الأفراح. وقد تُمثَّل عودة أوزوريس إلى الحياة بطفل صغير يرفعه كاهن يمثل الإله أنوبيس، الذي ساعد إيزيس في البحث والعثور على زوجها. وفي ذلك إشارة خفية إلى كون أوزوريس هو الأخ والزوج والابن في آن معًا. وطيلة أيام الطقوس يُنصب في المكان تمثال خشبي لبقرة متشحة بالسواد يرمز للإلهة إيزيس، وقد يُحمل تمثال البقرة هذا ويُطاف به، لتمثيل طواف إيزيس الطويل في رحلة البحث عن أوزوريس.٨٠ أمَّا أوزوريس فيمثل أحيانًا في هذه الطقوس بعمود معروف في النصوص والأعمال التشكيلية باسم عمود اﻟ «دجد». وكان هذا العمود في هذه المناسبات وغيرها موضع تقديس وعبادة، وينوب مناب تمثال الإله نفسه.٨١ وفي أصله لم يكن اﻟ «دجد» سوى جذع شجرة من فصيلة الأشجار دائمة الخضرة، ثم تحول إلى عمود ذي تاج رباعي،٨٢ وفي ذلك إشارة إلى أوزوريس باعتباره روحًا للشجرة والإنبات بشكل عام. ومما يرويه المؤرخ الإغريقي هيرودوتس عن هذه الاحتفالات التي شاهدها بأم عينه، قيام فريقين من المشاركين في الطقوس بتمثيل الصراع بين أوزوريس وأخيه، عن طريق الاشتباك الفعلي في قتالٍ دامٍ، تُستعمل فيه الهراوات الخشبية سلاحًا، ويسقط في نهايته عدد كبير من الجرحى وربما بعض القتلى أيضًا.٨٣
هذا، وقد عُثر على برديات مصرية قديمة تحتوي على نصوص شبه درامية، وضعت لتوجيه الكهنة ومساعدتهم في الإخراج الدرامي لأسطورة أوزوريس. وقد تم في هذه النصوص تقسيم الأحداث إلى مشاهد منفصلة، وقدمت التعليمات إلى الممثلين كلٍّ حسب دوره في الاعتماد على الحركة والأفعال الرمزية، أكثر من الكلمة المنطوقة.٨٤ وهذا يذكِّرنا بنصوص بعل وعناة الأوغاريتية التي احتوت بين سطورها إشارات موجهة للمثلين.٨٥ مما يؤكد المنشأ الديني للدراما في شكلها المتطور اللاحق، وولادة المسرح من طقوس الخصب القديمة.

سيميلي وديونيسيوس

بعد أدونيس، كان ديونيسيوس ثاني أبناء الأم الكبرى الذين اقتحمت عبادتهم الديانة الإغريقية، وقد جاء هذا الإله، ذو الأصول الشرقية الواضحة، من منطقة تراقيا المتاخمة لآسيا الصغرى من جهة الشمال والمتأثرة بها ثقافيًّا وحضاريًّا، وابتدأ حياته إلهًا ثانويًّا إلى جانب آلهة اليونان القدامى، ولكنه ما لبث أن صعد إلى الأوليمب، وصار أكثر الآلهة شعبية خلال القرون القليلة السابقة للميلاد.

جاء ديونيسيوس إلى اليونان مع أمه «سيميلي» الأم-الأرض التراقية، ولكنه ما لبث أن انفصل عنها تدريجيًّا، وخضعت أسطورته إلى تحويرات الثقافة الذكرية، حتى خلت ديانته تمامًا من عبادة الإله الأم، وبقي الإله الابن يلعب وحده الدور الأساسي في الطقس والأسطورة. بعد سيميلي، جعلت منه الأساطير الإغريقية المتعددة والمختلفة، ابنًا لعدد من أشكال الإلهة الأم؛ فهو ابن لبيرسفوني أو لديمتر أو لسيبيل. وهذا التنوع في الروايات المتعلقة بنسب ديونيسيوس، يشير إلى تراجع دور الأم في الأسطورة الديونيسية، وظهور الابن كممثل وحيد على مسرح الطبيعة. غير أن هذا التراجع في دور الأم لم يؤثر على جوهر الديانة الديونيسية، التي بقيت أمومية في صميمها وغاياتها. ورغم تحوله في شكله الأخير إلى إله للخمر والكرمة والأشجار المثمرة؛ فقد بقي ديونيسيوس يحمل ملامح واضحة قوية من شكله القديم كإله للقمح والحبوب، وشكله الأقدم كإله قمري وثور سماوي.

فقد جاء ديونيسيوس كمولود ذي قرون، وتشير إليه بعض النصوص على أنه «المولود من بقرة» و«ذو القرنين». وكان يظهر لأتباعه في بعض المناسبات في هيئة الثور الكاملة. وقد استلهمت الأعمال التشكيلية هذه الألقاب والصفات، فاستعارت له بعض ملامح الثور وأعضائه، ومثلته في هيئة الثور، فنراه أحيانًا في هيئة فتى ذي قرنين، وأحيانًا يرتدي جلد الثور الذي يتعلق به الرأس والذيل والأطراف، وأحيانًا كطفل له رأس عجل يجلس في حضن امرأة.

أما عن أصوله كإله للقمح، فيحكي عن مولده أن أول سرير وضعته أمه فيه كان مذراة للقمح. وقد غدت هذه المذراة رمزًا من رموزه، وأشارت إليه بعض النصوص على أنه «ذو المذراة»، كما أنه أول من ربط الثيران إلى المحراث ومارس حراثة الأرض بهذه الطريقة. وكان النور يشع من بعض معابده عشية عيده السنوي ليبشر بمواسم حصاد طيبة. ومن إله للقمح، تحول ديونيسيوس إلى إله للإنبات بشكل عام، وإله للشجر المثمر بشكل خاص. فهو الذي اكتشف زراعة الشجر، من ألقابه «ديونيسيوس الشجر» و«ساكن الشجر». من هنا كان الكهنة ينصبون في معابده جذع شجرة ينوب مناب تمثاله، وكذلك زارعو الشجر الذين كانوا ينصبون في مزارعهم جذاعًا مقدسًا مماثلًا، ويشيرون إلى ديونيسيوس بألقاب منها «المزهر» و«منبت الثمر» و«ذو الثمار اليانعة». وكان شجر الصنوبر من أشجار الإله المقدسة، ومنه صنعت بعض تماثيله، التي يظهر في بعضها وقد حمل في يده صولجانًا ينتهي بثمرة الصنوبر. وكذلك الأمر فيما يتعلق بشجرة التين التي ارتبطت وثيقًا بعبادة ديونيسيوس، فكان وجهه في بعض التماثيل يصنع من خشب هذا الشجر. إلا أن شجرته الرئيسية كانت شجرة الكرمة التي ارتبطت بخمرها طقوس هذا الإله وديانته.٨٦ أما عن أسطورة ديونيسيوس فإن الرواية الرئيسية لها تجري على النحو الآتي:
عندما جاءت الإلهة ديمتر من كريت ومعها ابنتها بيرسفوني، قامت بإخفاء ابنتها في كهف أمين قرب أحد الينابيع، وأوكلت بحراستها الثعبانين الهائلين اللذين يجران عادة عربتها. وفي ذلك الكهف مكثت بيرسفوني تنسج وشاحًا صوفيًّا لترسم عليه صورة بديعة للكون (قارن ما ورد في فصل القمر، عن عشتار كناسجة للقدر). ولكن الإله زيوس يتمكن من دخول الكهف في هيئة ثعبان، ويضاجع بيرسفوني التي تحمل وتضع في المغارة ابنها ديونيسيوس، الذي تتعهده بالرعاية في نفس المكان. إلا أن زوجة زيوس الغيور هيرا تحرض التيتان على قتل الإله الصغير، فيأتون في هيئة تنكرية، وقد طلوا وجوههم وأجسامهم بالجبس الأبيض، فينقضون على الطفل الذي أظهر شجاعة وفطنة في التخلص منهم، حيث حول نفسه إلى أسد، فحصان، فأفعى ذات قرون فنمر. وأخيرًا أمسكوا به وهو في هيئة الثور، وقطعوه إلى سبع قطع والتهموه نيئًا، ومن قطرات دمه التي تساقطت على الأرض نبتت أزهار الرمان. إلا أن الإلهة أثينا، التي كانت على مقربة من الحادث، استطاعت إنقاذ قلب الإله وسلمته إلى أبيه زيوس الذي أسرع إلى المكان، فقضى على التيتان ببرقه وصواعقه، وأخذ قلب الصغير فأعطاه إلى جدته «رحيا» التي أعادت ديونيسيوس إلى الحياة. وفي رواية أخرى أن أثينا قد وضعت القلب في قالب من الجبس ثم نفخت فيه الحياة.٨٧ في شكل آخر للأسطورة، نجد ديونيسيوس ابنًا لسيميلي، وهي إلهة الأرض في فرجيا وتراقيا،٨٨ وإلهة للقمر أيضًا. وكانت عابدات القمر في احتفال اﻟ «لينايا» الذي يطلق عليه اسم احتفال النساء المتوحشات، يضحين لها بثور يقطعونه إلى تسع قطع يلتهمنها نيئة،٨٩ ولكن الأسطورة المتأخرة تجعل من سيميلي زوجةً للملك قدموس ملك طيبة، التي يأتيها زيوس في هيئة بشرية ويضاجعها خفية عن زوجها، فتحمل منه بالإله ديونيسيوس، وتستمر علاقتهما إلى أن يبلغ الجنين في بطنها الشهر السادس. عندها تعرف زوجة زيوس الغيور هيرا بالأمر، فتأتي إلى سيميلي في هيئة جارة عجوز وتنصحها بأن تطلب من زيوس أن يظهر أمامها في هيئته الحقيقية، كإله للبرق والصواعق؛ لتتأكد من شخصيته الإلهية. وعندما يأتي زيوس مساء لينام معها، تتمنع سيميلي طالبة منه أن يتبدى أمامها في شكله الإلهي فيرضخ لطلبها، إلا أن صواعقه تحرقها فتهبط لتوها إلى العالم الأسفل، ولكن زيوس يفلح في إنقاذ الجنين من أحشائها بمعونة الإله هرمز، ويقوم بشق ساقه ووضع الجنين فيه ليتم فترة حمله. وفي الشهر التاسع يفتح ساقه، ويستولد منها ديونيسيوس٩٠ الذي يتسلق وهو طفل عرش أبيه ويلعب بصواعقه بيديه الصغيرتين مقلدًا كبير الآلهة.
إلا أن زيوس الذي يعرف أن حقد هيرا لن يقف عند هذا الحد، قد أخذ ابنه الصغير وأسلمه أمانة للملك «آتماس» وزوجته «أنيو»، لينشئاه بعيدًا عن عيون هيرا. فأخذاه وربياه في جناح الحريم وألبساه ثياب البنات، زيادة منهما في التمويه. ولكن هيرا تكتشف الأمر، وتعاقب الملك وزوجته فتضربهما بالجنون. فيعمد زيوس إلى نقل ديونيسيوس إلى عهدة حوريات جبل «نيسا» حيث يكبر ويشتد ساعده، ويكتشف في مخبئه ذاك زراعة الكرمة ويصنع منها الخمر. ورغم وصوله مرحلة الشباب واكتسابه هيئة أنثوية، نتيجة للتربية الخاصة التي خضع لها، فإن هيرا تتعرف فيه على ملامح الابن غير الشرعي لزيوس، فتضربه بالجنون فيهيم على وجهه في البراري دون هدى فترة طويلة. وعندما يصحو يقرر الطواف في جميع أنحاء العالم ومعه معلمه الساتير «سيلنوس»، وحشد كبير من الساتير الآخرين الذين ساروا وراءه في موكب حافل. زار ديونيسيوس مصر وسوريا والهند وبقاعًا أخرى كثيرة، فنشر فيها زراعة الكرمة ووطد فيها الشرائع والقوانين، وبنى المدن الكبيرة، وأسس لعبادته فيها. ثم قفل عائدًا إلى جبل الأوليمب حيث ارتقى سدة الرئاسة إلى يمين أبيه كبير الآلهة. غير أن ديونيسيوس لم ينس أمه سيميلي التي ماتت قبل أن تلده. فقرر الهبوط إلى العالم الأسفل لاسترجاعها إلى الحياة، وهناك استطاع استرضاء بيرسفوني ببعض الهدايا، ففكت إسار سيميلي من الموت، وصعدت مع ابنها إلى السماء وانضمت إلى آلهة الأوليمب.٩١
هذه هي أسطورة ديونيسيوس في خطوطها العامة، وقد لعب فيها الخيال الإغريقي بحرية كبيرة، وتناولتها الاتجاهات الدينية المختلفة كل على هواه. ومع ذلك، فإنها لا تخفي الهيكل الأصلي لأسطورة الإله الابن، شأنها في ذلك شأن بقية أساطيره المتأخرة، على ما نبينه في المقارنات التالية:
  • (١)

    فالقطع السبع التي مزقه إليها التيتان والتهموها، ثم أعيد بعثها في جسد جديد، هي درجات الموت السبع التي هبطتها إنانا السومرية وعشتار البابلية، والقطع الرئيسية التي يفقدها القمر في طريقه للاحتجاب في العالم الأسفل. وهي أيضًا نصف العدد ١٤، الذي قسم إليه جسد أوزوريس من قبل أخيه سيت، والتي أعادت إيزيس جمعها ونفخت فيه الحياة.

  • (٢)

    رغم أن الأسطورة في شكلها الأخير لا تشير صراحة إلى موت وبعث ديونيسيوس باعتباره موتًا وبعثًا سنويًّا، إلا أن هذا الفكرة متضمنة في طقوسه السنوية التي سنتطرق إليها بعد قليل. ولا شك أن إسقاط الأسطورة لعنصر الموت السنوي، قد جاء نتاجًا لتذكير الأسطورة ومحاولة الابتعاد بها عن حلتها الأمومية، ورفع ديونيسيوس من أسير لدورة الطبيعة إلى إله أوليمبي، يجلس عن يمين كبير الأرباب في الأعالي، لا في الأسفل حيث حضن الأرض.

  • (٣)

    لعلنا واجدون في انقضاض التيتان على ديونيسيوس وتمزيقه في هيئة الثور، وهي آخر هيئة تحول إليها، تكرارًا لمشهد مصرع دوموزي في الأسطورة السومرية، حيث تنقض عليه عفاريت العالم الأسفل محاولة جره معها، فيطلب إلى الإله «أوتو» تحويله تارة إلى غزال وتارة إلى حية. نقرأ في نص هبوط إنانا إلى العالم الأسفل:

    فبكى دوموزي حتى ازرقَّ وجهه،
    ورفع يديه إلى السماء نحو أوتو قائلًا:
    حوِّل يدي إلى حية وقدمي إلى حية،
    أنقذني من العفاريت ولا تدعهم يأخذونني.٩٢
    (وفي نص آخر عن موت دوموزي، نجده يدعو أن يتحول إلى غزال):
    فتلقَّى أوتو دموعه قربانًا،
    وكإله رحمة واسعة أراه من رحمته.
    حول يديه إلى يدي غزال،
    فلم تطله عفاريت الجالا،
    ونجى بنفسه إلى شوبيريلا.٩٣

    ولكن العفاريت تنقض في النهاية على دموزي وتمزقه، كما مزق التيتان من بعده ديونيسيوس رغم تحولاته المتعددة إلى أسد فحصان فأفعى.

  • (٤)

    إن رحلة ديونيسيوس الطويلة في أنحاء المسكونة وتعليم أهلها أصول الحضارة وإعطاءهم الشرائع والقوانين وبناء المدن الكبيرة، تكاد تكون نسخة مكررة عن رحلة أوزوريس، مع فارق واحد يتعلق بالنبات الذي حمله كل إله إلى بني البشر. فبينما حمل أوزوريس القمح وعلَّم الناس أكل الخبز، حمل ديونيسيوس الكرمة وعلَّم الناس شرب الخمر. وفي الحقيقة لم يكن النبات الذي حمله ديونيسيوس في شكله القديم إلا القمح، ولم يعلم الناس إلا أكل الخبز؛ لأن الشرائع والقوانين التي مد بها ديونيسيوس البشر، والمدن الكبيرة التي بناها، لتدل على انتشار زراعة القمح، والاستقرار في الأرض وبناء المستوطنات الثابتة، أكثر مما يدل على انتشار زراعة الكرمة وتخمير الشراب المسكر.

  • (٥)

    تبرر الأسطورة، بطريقة مبسطة، التكوين الأنثوي للإله الابن، فتعزوه إلى تربيته في جناح الحريم تربية نسائية، ولبسه لفترة طويلة ملابس النساء اختفاءً عن عيون هيرا، التي كانت تترصده في كل مكان. وبذلك لا يشذ ديونيسيوس عن بقية الآلهة الأبناء في التكوين الأنثوي الذي يميز شكله وشخصيته، بل لعله في ذلك قد بزَّ جميع أقرانه. وتفسير ذلك في رأينا راجع إلى غياب صورة الإلهة الأم من الديانة الديونيسية، واستقطاب الإله الابن كل الميول العاطفية التي كانت تستقطبها عبادة الأنثى. يضاف إلى ذلك، أن الديونيسية كانت بشكل أساسي ديانة للنساء، كما ألمحنا إلى ذلك في فصل سابق، ولا نستطيع أن نستبعد أثرهن على تشكيل الصورة العامة لإله تلك الديانة.

هذا ونستطيع أن نعثر على مساهمتين أساسيتين للميثولوجيا الذكرية، في إضفاء طابع بطريركي على هذه الأسطورة:
  • (١)

    لم تسمح الأسطورة للإلهة الأم بأن تستكمل مهمة ولادة ابنها ديونيسيوس، بل لقد شاركها في ذلك الإله الأب نفسه، فحمل عنها نصف المهمة والأهم؛ إذ قام زيوس الذي تسبب بوفاة سيميلي، بإنقاذ الجنين وزرعه داخل جسمه ليطلقه إلى الحياة كائنًا مكتملًا في ولادة حقيقية. وهذه هي المرة الثانية التي يلد فيها كبير آلهة الأوليمب. فقبلها قام بولادة ابنته أثينا من جبهته بعد أن ابتلع أمها «ميتس» وهي حامل بها. وربما كان في هذه الرواية أثر من حدث تاريخي قديم، عندما اجتاحت القبائل البطريركية المجتمع الأمومي، أو ثارت جماعة الذكور من الداخل، فقضت على عبادة الأم الكبرى وقتلت كاهنتها، بينما أبقت على عبادة الإله الابن وحاولت إدماجه في نظامها الديني الأبوي.

  • (٢)

    في الشكل المتأخر لأسطورة ديونيسيوس، يخضع أحد العناصر الأساسية لأسطورة الإله الابن، إلى أكبر عملية تحوير وعكس للأدوار بين الأم الكبرى وابنها الوليد الإله المحكوم بالهبوط إلى العالم الأسفل. ففي الشكل الأصلي للأسطورة يهبط الابن ميتًا إلى العالم الأسفل، وتقوم الأم باستعادته إلى الحياة. أما في الأسطورة الذكرية، فإن الأم هي التي تهبط ميتة إلى العالم الأسفل، بينما يهرع الابن إلى استعادتها وبعثها من الموت.

طقوس ديونيسيوس

لدينا من الدلائل ما يشير إلى أن طقوس ديونيسيوس الرئيسية كانت تقام في عيده السنوي الذي يصادف وقوعه في فصل الربيع، حيث يجر الإله الصاعد من العالم الأسفل فصل الخضرة والإنبات وراءه. في ذلك العيد كانت دراما الإله الميت تمثل وتنشد بكامل تفاصيلها، مع التأكيد على اللحظات الأخيرة التي عانى فيها ديونيسيوس العذاب والآلام ثم ذاق الموت، حتى إن جوقة الصنوج والفلوت كانت تعبر بألحان تثير كل أشجان النفس، عن حشرجات الإله وهو يسلم أنفاسه الأخيرة. وبعد ذلك كانت الدراما تنتقل إلى نهايتها المعروفة، حيث يتم بعث الإله وعودته إلى عرشه السماوي من جديد. وخلال الطقوس كان المشتركون يأتون بثور يمثل الإله ديونيسيوس نفسه، فيمزقونه حيًّا ويأكلون لحمه نيئًا ويشربون دمه، ثم يهيمون بين الأحراش حاملين معهم سلة يفترض أن بها قلب الإله القتيل. وفي مناطق أخرى كان الطقس يركز على قصة هبوط ديونيسيوس إلى العالم الأسفل لاستعادة أمه سيميلي، ثم عودته ظافرًا من العالم الأسفل. فكانت الدراما تمثل سنويًّا عند شاطئ بحيرة، كان يُعتقد أن الإله قد هبط منها إلى العالم الأسفل، وأنه من ذات البحيرة سوف يبعث من جديد.٩٤ وبذلك يعود الطقس إلى شكله المألوف الذي عهدناه في طقوس بقية الآلهة الأبناء، ويبدو ديونيسيوس على حقيقته كروح للإنبات التي تموت وتحيا في كل عام.
وفي مناطق أخرى كان المحتفلون يأتون بتيس يمزقونه حيًّا ويأكلونه بدل الثور، وذلك انطلاقًا من معتقد آخر يربط ديونيسيوس بالماعز لا بالبقر. فمن ألقاب ديونيسيوس الكثيرة أيضًا «الذي يلبس جلد التيس»، وكان يظهر في بعض المناسبات على هذه الهيئة،٩٥ وهذا ما يجعله أول الساتير، وهم جنس من الآلهة الثانوية التي تصورها الأسطورة والأعمال التشكيلية في هيئة البشر وهيئة الماعز، وكانوا يعيشون في الغاب ويكرسون حياتهم للشرب وللهو والجنس، وشكلوا عصبة تسير وراء الإله ديونيسيوس وتشارك في طقوسه، وقد قدمنا تفصيلات عنهم في مكان آخر من هذا الكتاب. كما جرت العادة في بعض المناطق على تقديم قربان بشري بدل التيس أو الثور في طقوس ديونيسيوس، فكان هذا القربان يُقتل ويُمزق بنفس الطريقة التي كان يتم بها قتل وتمزيق التيس أو الثور. وقد استُبدل طقس القربان الحيواني بهذا الطقس فيما بعد. وهذا ما يعود بنا إلى الممارسات القديمة المتعلقة بقتل الإله ممثلًا في القربان البشري. ولعل في الروايات المتوارثة عن قتل وتمزيق اثنين من ملوك اليونان القدماء، وهما «بنثيوس» و«ليكورغوس» لتجديفهما على الإله ديونيسيوس، إشارة إلى ممارسة قديمة تتعلق بقتل الملوك ممن كانوا يمثلون الإله ديونيسيوس نفسه.٩٦

وبعد، لقد بعثت الديونيسية التقاليد الأمومية في المجتمع الإغريقي بعد نوم طويل، وقام زيوس أخيرًا بتسليم العرش إلى ديونيسيوس، ابن الأم الكبرى وسليل النسب القمري، لا إلى أبولُّو إله الشمس وسليل آلهة الذكور الأعلين. كما مهد انتصار الديونيسية المؤزر الطريق أمام غزو الديانات الأمومية الشرقية، التي بدأت منذ فتوحات الإسكندر بالتغلغل في العالم الكلاسيكي، حيث شاعت عبادة إيزيس، وعبادة «ديا-سيريا» أي الإلهة السورية التي هي عشتار أو عستارت، وعبادة سيبيل الأم الكبرى لآسيا الصغرى. كما عمد بعض الأباطرة ذوو الأصل السوري على جعل الآلهة السورية آلهة رسمية للدولة، مثلما فعل الإمبراطور أليجابالوس (أليجا – بعلوس)، عندما حاول رفع الإله بعل إلهًا أكبر للإمبراطورية. وقد بدا لفترة، أن الشرق الذي أخفق في اجتياح الغرب عسكريًّا منذ الألف الخامس قبل الميلاد، قد صار مهيئًا لاجتياحه روحيًّا وثقافيًّا. وفي هذا الصدد يقول «باخوفن»، وهو أحد رواد دراسة الأسطورة في القرن التاسع عشر الذي تركت آراؤه بصمات واضحة على علم الأسطورة في الغرب:

«لقرون عديدة بدت إيطاليا وكأنها ستبقى أبدًا معتمدة على آسيا، بعد أن تمكنت الديانات الشرقية من كل ركن من أركانها. كما بدا أنها لن تستطيع تجاوز الثقافات الشرقية، التي أقامت عليها روما صرح حضارتها في الأرض الإيطالية، وبزغت من رحمها. إلا أن الرومان قد أخذوا تدريجيًّا يعون بوضوح التناقض فيما بينهم وبين الثقافات الغريبة المحيطة بهم، ويدركون دورهم التاريخي؛ ذلك أن القضاء على العناصر الآسيوية داخل جسم الحضارة الرومانية، كان شرطًا للوجود بالدرجة الأولى، وشرطًا لمجد روما بالدرجة الثانية. من هنا جاء تحرك الروح الرومانية للقضاء على مصادر التهديد في الداخل والخارج. فبعد أن تمَّ القضاء على مراكز الثقافة الشرقية في الأرض الإيطالية، تفرغت روما لحربها الفاصلة مع قوى الشرق، ممثلة في قرطاجة وقائدها هانيبعل. فكان تدمير قرطاجة الفينيقية أهم نقطة تحول في تاريخ الإنسانية؛ لأنه نقل السيطرة على العالم من الشرق إلى الغرب. لقد كان تدمير قرطاجة، بلا شك، خسارة كبرى في المعارف والخبرات الإنسانية، ولكننا غير نادمين على ذلك؛ لأن المبادئ الروحية الغربية قد انتصرت وقضت على التركة الشرقية إلى الأبد.»٩٧

على أن ما غفل عنه باخوفن في تحليله هذا هو أن الرومان في قمة صراعهم مع هانيبعل، عندما كان القائد السوري يقرع الأبواب، لم يستنجدوا إلا بالأم الشرقية الكبرى، حيث بعثوا رسلًا رسميين إلى فرجيا بآسيا الصغرى؛ لجلب حجر الإلهة «سيبيل» الأسود، ونصبه في روما لاستجلاب بركتها.

(١) سيبيل وآتيس

دخلت سيبيل روما تحت اسم «ماجنا-ماتر» أي: الأم الكبرى، وذلك عام ٢٠٤ قبل الميلاد، عندما كانت الجيوش الفينيقية تتقدم نحو روما لحسم المعركة على الأرض الإيطالية. وكان ذلك إثر نبوءة لإحدى العرافات جاء فيها أن نصر روما سيتحقق بوجود الأم الكبرى بينهم. وقد أوفد مجلس الشيوخ رسلًا رسميين إلى فرجيا، فجاءوا بحجر الإلهة سيبيل الأسود، الذي يعتبره الفرجيون عرش الإلهة المقدس، ونصبوه في احتفال رسمي وشعبي كبير فوق قمة البالنتين حيث معبد النصر. وبعد ذلك بأقل من عامين انسحب هانيبعل من إيطاليا، فبنى الرومان لسيبيل معبدًا خاصًّا، وانتشرت عبادتها مع حبيبها آتيس في جميع أنحاء البلاد مع مطلع العصر الإمبراطوري.٩٨ وقد لمس الرومان بركة الأم الكبرى منذ العام الأول لإقامتها بينهم؛ إذ فاضت مواسم ذلك العام بخيرات لم تشهد لها البلاد مثيلًا منذ زمن بعيد. أما القائد القرطاجي المتراجع فقد وقف على الشاطئ الإيطالي، قبل صعوده في آخر سفينة مغادرة، ليلقي نظرة أخيرة على الأرض التي كانت مسرحًا لأحلامه، وهو لا يدري أن روما العظيمة، التي دحرت المد الشرقي العسكري، قد فتحت أبوابها لغزو شرقي من نوع آخر، غزو ديني اكتسبها دون قتال،٩٩ ابتدأ بالأم الكبرى سيبيل وابنها آتيس القتيل، وانتهى بانتصار آخر مؤزر للشرق على الغرب، على يد الأم الكبرى مريم العذراء وابنها يسوع المسيح بعد بضع مئات من السنين.
يبدو آتيس في الأسطورة ابنًا لسيبيل تارة، وحبيبها تارة أخرى. وتحكي رواية مولده أن أمه العذراء قد حملت به بعد أن احتضنت غصنًا من أغصان شجر اللوز أو شجر الرمان. وعندما شبَّ الإله الصغير وصار فتى وسيم الطلعة، لم يستمتع بشبابه طويلًا؛ إذ إن حياته قد انقضت بميتة عنيفة، عندما خصى نفسه تحت شجرة الصنوبر ونزف حتى الموت، ومن دمائه التي سقت التربة نبتت أزهار البنفسج. ويقال إن الإله بعد ذلك تحول إلى شجرة صنوبر، وفي رواية أخرى: يموت آتيس نفس الميتة التي سبقه إليها أدونيس؛ إذ يفترسه الخنزير البري. ولذلك يمتنع عباد آتيس، شأنهم في ذلك شأن عباد أدونيس، عن أكل لحم الخنزير. أما عن طقوس آتيس فكانت تقام في عيده السنوي يوم الثاني والعشرين من آذار. تبدأ الاحتفالات في اليوم الأول بأن يمضي إلى الغابة فريق من المحتفلين، فيقتطع شجرة صنوبر يلفها بالقماش الأبيض كما تلف الجثة، ويزينها بأزهار البنفسج التي انبعثت من جراح الإله القتيل، ثم تعلق إلى وسطها صورة لآتيس الشاب، وتحمل إلى معبد سيبيل حيث تنصب هناك. وفي اليوم الثاني تنطلق الأبواق من معبد الإلهة ومن شتى أنحاء المدينة، تعزف الأنغام الحزينة التي تنعي موت الإله. أما انفجار الحزن في شكله الدرامي العنيف فيتم في اليوم الثالث الذي يدعى بيوم الدم، حيث يبدأ كبير الكهنة بإحداث جرح كبير في ذراعه يندفع منه الدم على شكل نافورة غزيرة، ثم يندفع بقية الكهنة إلى الحلبة في رقص مجنون على أنغام آلات النفخ المختلفة، إلى أن يتوصلوا إلى حالة من الوجد يفقدون معها الإحساس، فيأخذون بتجريح أنفسهم بقطع من الزجاج والخزف أو الموسى، ويغسلون بدمائهم مذبح الإلهة وصورة الإله القتيل. بعد ذلك تبدأ طقوس الخصاء حيث يتقدم الكهنة الجدد لتقديم ذكورتهم على مذبح سيبيل، مما تحدثنا عنه في مكان سابق من هذا الكتاب. وفي مساء هذا اليوم يتحول حزن العباد إلى فرح غامر، فلقد فُتح غطاء القبر وبُعث آتيس من بين الأموات. وفي اليوم الرابع للاحتفال، الذي كان يعتبر موعدًا للانقلاب الربيعي، يُنهي العباد صومهم عن الخبز الذي بدءوه في اليوم الأول؛ اقتداء بسيبيل التي صامت عنه حزنًا على زوجها الغائب. وتشهد المدينة احتفالات وكرنفالات بهيجة يشترك فيها أهل روما من كل الطبقات ويبيحون لأنفسهم كل ممنوع. وينتهي العيد بأن يحمل الكهنة على عربة خاصة تمثالًا للإلهة، مصنوعًا من فضة ورأسه من حجر أسود، فيسيرون به في موكب يتقدمه نبلاء القوم حفاة الأقدام، فيصلون إلى النهر ويغسلون العربة والتمثال بالماء، ثم يعودون بالعربة وقد زينوها بكل نوعٍ من أزهار الربيع.١٠٠
لا تقدم لنا أسطورة آتيس وطقوسه كثيرًا من الأشياء الجديدة على الأرضية التي صارت مألوفة لدينا تمامًا. فالعذراء تحمل بقواها الإخصابية الخاصة دون معونة من ذكر، وليست الإشارة إلى احتضانها غصنًا من شجر الرمان إلا تعبيرًا، باللغة السرية للأسطورة، عن إخصاب الأم نفسها بنفسها باحتضان رمز من رموزها. وكهنة سيبيل الخصيان وطقوس الخصاء في أعيادها، تُذكِّرنا بكهنة عستارت الكنعانية وطقوس الخصاء في معابدها. ومن الملفت للنظر أن نجد ذكرًا لعستارت وكهنتها الخصيان وطقوسها، في كتاب مشهور لكاتب روماني عاش في أواخر القرن الثاني بعد الميلاد، وهي الفترة التي ثبتت فيها المسيحية أقدامها في كلٍّ من سوريا وروما. والكتاب لا يشير إلى الإلهة بالاسم، وإنما يدعوها باسم «الإلهة السورية» ففي كتابه The Golden Ass يقدم الكاتب الروماني Apuleius في فصل «الكهنة الخصيان» الوصف الحي التالي لجماعة من خصيان الإلهة السورية وقد خرجت في موكب طقوسي وراء تمثال الإلهة المحمول:
«كانت ملابسهم متعددة الألوان، وقد صبغوا وجوههم بالأحمر، يضعون على رءوسهم قلنسوات زعفرانية اللون، ويرتدون جلابيب وأحزمة حريرية، ويلبسون في أرجلهم أحذية صفراء. أما الإلهة فقد غطوها بعباءة حريرية خاصة. بدأ عازفو الهورن موسيقاهم العالية، وأخذ الكهان يلوحون بسيوفهم الضخمة وهراواتهم الشوكية، وهم يتقافزون كأن بهم مسًّا وأذرعهم عارية حتى الأكتاف. وبعد أن مررنا بعدة قرى توقف الموكب أمام بيت ريفي كبير، وعاد الكهنة إلى الرقص فكانوا يحركون رءوسهم نحو الأمام بقوة تجعل شعرهم الطويل يغطي وجوههم، ثم يهزونها بحركة دورانية سريعة، تجعل شعرهم الطويل يتطوح في دائرة واسعة حول الرأس. وبين حين وآخر كانوا يعضون أنفسهم بوحشية، فإذا بلغوا الذروة أخذوا بتجريح أذرعهم بسكاكين حادة يحملونها. وكان فيهم واحد فاضت به النشوة، فكان يطلق تنهدات من أعماق صدره وكأنه امتلأ بروح الإلهة، فبدا كمَن به جِنَّة، ثم راح يدلي باعترافاته عن آثام ارتكبها، ويدعو يداه لإيقاع العقاب به. وبعد أن انتهى استلَّ سوطًا وأخذ يجلد به نفسه حتى سال دمه، وهو يتحمل الألم بثبات يثير الدهشة. أما أنا فلم أكن في راحة من أمري، وخطر لي أن هذه الإلهة السورية ربما كانت متعطشة لدمي أيضًا …»١٠١
أما آتيس فلا يختلف في شيء عن التجليات الأخرى للإله الابن؛ فالتاج الهلالي الذي يلبسه على رأسه في بعض تمثيلاته التشكيلية ينبي عن أصوله القمرية،١٠٢ واسمه نفسه إنما يعني «التيس»، وهو ذكر الماعز ذو القرون. وبذلك يلتقي آتيس مع ديونيسيوس الذي كان التيس رمزه الثاني بعد الثور، كما يلتقي الإلهان عند رمز آخر وهو شجرة الرمان. فغصن الرمان الذي حملت بواسطته أم آتيس هو الذي نبت من دماء ديونيسيوس القتيل. أما الصنوبرة التي مات تحتها آتيس والتي كانت صورته تُرفع عليها في احتفاله السنوي، فهي الشجرة المقدسة في الديانة الديونيسية التي صنعت منها تماثيل ديونيسيوس، والتي حافظت على قداستها وصولًا إلى الديانة المسيحية، حيث ما زالت في نصف المعمورة اليوم تنصب شجيراتها الصغيرة في عيد الميلاد. وموته بواسطة الخنزير البري يجعل منه نسخة مستعادة لأدوينس، ودمه الذي نبتت منه أزهار البنفسج هو دم أدونيس الذي نبتت منه شقائق النعمان، ودم ديونيسيوس الذي نبتت منه أزهار الرمان.

وآتيس هو روح القمح التي تموت في الخريف وتحيا مع الربيع. فمن ألقابه «باقة القمح»، وليس صيام عباده عن الخبز خلال أيام العيد إلا صيامًا عن أكل جسد الإله، وهو ما يذكِّرنا بعادة أهل حران في سوريا، الذين كانوا يمتنعون عن كل طعام يمر تحت حجر الطاحون خلال فترة حزنهم على الإله تموز. وهو روح الإنبات بشكل عام، يمثله نحت محفوظ في أحد متاحف روما، وقد أمسك بيديه باقة من القمح وأنواعًا مختلفة من الفاكهة، ووضع على رأسه إكليلًا من ثمار الصنوبر، وزهرة البنفسج. وهو أيضًا روح الشجر والغاب، وليست إشارة الأسطورة إلى أن آتيس قد بعث من موته في شجرة صنوبر إلا توكيدًا على ذلك. كما أن في تعليق صورة آتيس على شجرة الصنوبر وحملها معًا في مواكب الاحتفال، تمثيلًا مزدوجًا للإله في شكله النباتي والإنساني. وربما كانت العادة في الماضي أن تعلق إلى شجرة الصنوبر أضحية بشرية تمثل الإله القتيل، ثم استبدلت صورته بها فيما بعد.

هذا ويذكِّرنا تحول آتيس إلى شجرة وحمله في هيئة بشرية على شجرة، بأوزوريس الذي انفتحت شجرة الطرفاء لتحتويه، وبأدونيس الذي ولد من شجرة. كما تُذكِّرنا شجرة الصنوبر التي تلف بالأكفان البيضاء بأوزوريس الذي يبدو في معظم الأعمال التشكيلية ملفوفًا بالأكفان من رأسه إلى قدميه، لا يظهر منه خارجًا إلا الرأس واليدين.

ولعلنا واجدون في تعليق آتيس على الشجرة استباقًا وتمهيدًا لتعليق السيد المسيح على خشبة الصليب؛ فخشب الصليب ليس خشبًا عاديًّا بالنسبة للأسطورة المسيحية، بل هو مصنوع من شجرة مقدسة هي شجرة المعرفة القائمة في جنة عدن، والتي أكل منها آدم وحواء. من هنا تطابق النصوص الطقسية والترانيم الدينية بين الصليب والشجرة.١٠٣

يوسف الجميل

عندما تُكبت الرموز السارية في ثقافة ما بفعل سلطة روحية أو سياسية طاغية، فإن هذه الرموز لا تخمد ولا تموت؛ بل تحاول التعبير عن نفسها بطرق باطنية سرِّية شتى، فتتبدى في أشكال جديدة هي أبعد ما تكون عن أشكالها الأصلية القديمة، مع محافظتها على طاقتها الإيحائية المتدفقة. ولعل حكاية يوسف بن يعقوب التوراتية، هي خير مثال على ذلك. فبعد قرون طويلة من كفاح كهنة يهوه ضد عبادات الخصب الشائعة لدى العبرانيين وجيرانهم الكنعانيين، نجد أسطورة الإله الميت تتسلل إلى التوراة بشكل رمزي جميل، لا تخفى على البصيرة أصولها.

ففي قصة يوسف، تعود إلى الظهور العناصر الأساسية للأسطورة التموزية،١٠٤ وذلك في تبطين حذق لا ندري معه هل جاء تسلل الرمز نتيجة تضمين واعٍ، أم نتيجة تدفق لا شعوري عبر ذاكرة الثقافة. كان يوسف راعيًا شابًّا، غض الإهاب، حسن الصورة، فائق الجمال، رقيق التكوين، وُلد ليعقوب في شيخوخته من زوجته الثانية راحيل. فكان الأثير إلى قلب أبيه المفضل على إخوته جميعًا. صنع له قميصًا ملونًا وألبسه إيَّاه، وقد أثار تفضيل الأب ليوسف حقد إخوته وغيرتهم. كما زاد من كرههم له حلمٌ قصَّه عليهم يتنبأ له بمستقبل عظيم وبتفوقه على إخوته، فقرروا مجتمعين التخلص منه. وبينما هم يرعون الغنم بعيدًا عن أرضهم رموا أخاهم في بئر مهجورة بعد أن نزعوا عنه قميصه الملون، وعادوا به إلى أبيهم وعليه دم تيس ذبحوه عند البئر، فأوهموه أن وحشًا ضاريًا قد افترس يوسف. ولكن قافلة عابرة في طريقها إلى مصر تنتشل يوسف وتحمله معها؛ حيث تبيعه إلى فوطيفار رئيس شرطة الفرعون. وهناك يلقى حظوة عند سيده الذي الذي يأمن له ويسلمه أمور بيته ورزقه؛ لأن الرب كان يأخذ بيد يوسف في كل أمرٍ من أموره.

لم يكن حقد الإخوة، في الواقع، نابعًا فقط من تفضيل الأب ليوسف، بل لقد لعب ثوب يوسف الملون دورًا هامًّا في زرع النفور في نفوسهم؛ ذلك أن الأثواب الملونة كانت في التقاليد العبرانية وقفًا على النساء من دون الرجال، فكان ثوب يوسف تأسيسًا للقيم الأمومية بين الجماعة البطريركية الذكرية من ناحية، وقبولًا للجانب الأنثوي في شخصية إله الخصب. هذا وتشير مصادر يهودية أخرى إلى أن الثوب الذي لبسه يوسف، لم يكن سوى الثوب الذي لبسته أمه راحيل يوم عرسها. وبذلك يعود بنا زي يوسف النسائي إلى ثياب الإله ديونيسيوس النسائية، التي تحدثنا عنها في مكان آخر من هذا الفصل، وإلى تربيته في جناح الحريم. فيوسف الذي ولد ليعقوب في شيخوخته من زوجته الثانية، كان ابنًا للأم في بيت مليء بأبناء الأب. وإضافة إلى زيه النسائي، فإن ملامح شخصيته العامة ترسم صورة الإله الابن، فتظهر خطوطها متقطعة تحت القناع التوراتي الجامد. ومن ناحية أخرى، ليس هبوط يوسف إلى الجب وصعوده منه، سوى موت رمزي وانبعاث، ويعادل هبوط تموز أو أدونيس إلى العالم الأسفل. ويقدم لنا دم التيس الذي لطخ به قميص يوسف عنصرًا هامًّا. فإذا كان يوسف قد مات في الجب رمزيًّا، فإن التيس الذي هو رمز من رموز إله الخصب، قد ذُبح فعليًّا وفاضت دماؤه على ثياب يوسف.

في بيت فوطيفار، تقع الزوجة في حب يوسف وتعرض عليه وصالها فيُعرض عنها ولاءً لسيده، فتتهمه بإغوائها، ويُلقى به في السجن سنوات طوال. وهناك يشتهر بتفسيراته الصائبة للأحلام، ومنها تفسيره لحلمين رآهما ساقي فرعون وخبَّازه اللذان أذنبا إلى سيدهما فألقى بهما في السجن، فكان تفسيره لحلم الخباز أنه سوف يُقتل بعد ثلاثة أيام، ولحلم الساقي أنه سوف يعود إلى مكانته وعمله بعد ثلاثة أيام. وقد وقع بعد ثلاثة أيام ما أكد صحة تفسير يوسف؛ إذ تم إعدم الخباز، وإطلاق سراح الساقي. وحدث بعد سنتين من ذلك أن الفرعون قد رأى حلمين أقضَّا عليه مضجعه فراح يبحث عن تفسير لهما عند حاشيته والمقربين إليه. وهنا يتذكر الساقي زميل سجنه، يوسف مفسر الأحلام، فيؤتى به على عجل، ويقص عليه الفرعون حلمَيه؛ في الحلم الأول رأى سبع بقرات طالعات من النهر مكتنزات، تتبعهن سبع بقرات هزيلات قميئات، فتأكل البقرات الهزيلات البقرات السمينات. وفي الحلم الثاني يرى سبع سنابل طالعات في ساق واحدة ممتلئة حسنة، وراءها سبع سنابل رقيقة ملفوحة بالريح الشرقية، فتبلع السنابل الرقيقة السنابل الممتلئة. بعد تأمُّل قصير قال يوسف للفرعون: إن الحلمين في الواقع ليسا إلا حلمًا واحدًا. وتفسيره أنه سوف يأتي على مصر سبع سنين خيرة تعم فيها المواسم الطيبة، تتلوها سبع سنين عجاف يعم فيها القحط والجفاف. وهنا يؤمن الفرعون بتفسير يوسف، ويطلقه من السجن ليسلمه مباشرة إدارة موارد الدولة. أخذ يوسف يخزن القمح في سنوات الخصب التي ما لبثت أن توالت سبعًا تباعًا. حتى إذا لاحت بوادر السبع العجاف، أخذ يوزع ما ادخر أيام الوفرة مجنبًا البلاد كارثة كانت محققة. ويبدو أن الجفاف لم يضرب أرض مصر فقط في تلك الأيام، بل امتدت آثاره لتشمل جزءًا كبيرًا من البلاد المجاورة أيضًا. لذلك تُحدثنا بقية القصة عن إرسال يعقوب لأولاده إلى مصر لشراء الحبوب منها، وعن استقرارهم فيما بعد إلى جانب أخيهم في أرض مصر.

إن إلقاء يوسف في غياهب السجن ثم خروجه منه هو موته الرمزي وبعثه. وكما كان خروجه الأول من الجب بركة وخيرًا على فوطيفار، كذلك كان خروجه الثاني من السجن بركة وخيرًا على مصر والبلدان لمجاورة. تمامًا كالإله الابن الذي يشكِّل موته وبعثه شرطًا لاستمرار دورة الطبيعة. ويوسف في تنظيمه لنتاج دورتي الخصب والجدب المؤلفة كل منهما من سبع سنوات، إنما يعيد تمثيل دور الإله بعل الذي تتحكم حياته في إيقاع دورة الخصب المؤلفة من سبع سنوات. كما أن علاقة يوسف بسيدته، زوجة فوطيفار، تحمل إشارة خفية إلى عنصر الخصاء عند الإله الابن، وإلى عنصر الأسطورة المتعلق بإرسال عشتار بحبيبها إلى العالم الأسفل.

مارجورجيوس الأخضر – سيدنا الخضر

تقدم شخصية مارجورجيوس في التراث الشعبي المسيحي، وشخصية الخَضِر (= الأخضر) في التراث الشعبي الإسلامي نموذجًا عن الخيال الشعبي الذي يعطي الرموز القديمة على الدوام شحنة عاطفية تجعلها مستمرة عبر الشروط المتبدلة. فبينما تحاول السلطة الكهنوتية لكل دين تحويل التاريخ الروحي للبشرية إلى قطع منفصلة ينسخ بعضها بعضًا، يقوم الخيال الشعبي بدور خيط المسبحة الذي يجمع الثقافة الإنسانية بعضها إلى بعض في تتابع وتداخل ملون بديع. وهكذا استمر تموز الأخضر حيًّا في الثقافة المسيحية والإسلامية إلى يومنا هذا من خلال مارجورجيوس والخضر.

ففي أوروبا يحتفل الريفيون بيوم القديس مارجورجيوس، الذي يدعونه بالقديس جورج الأخضر، وذلك في الثالث والعشرين من نيسان، وهو نفس التاريخ الذي دارت حوله معظم أعياد الخصب القديمة. ففي العديد من المناطق يؤتى صباح الاحتفال بجذع شجرة، فيزين بأنواع الأزهار والأوراق الخضراء والأكاليل، ثم يُحمل في موكب مرح، وإلى جانبه يمشي شاب غض الإهاب، غطى جسمه كله بأغصان الشجر وأوراقه. حتى إذا وصل الموكب بين غناء ورقص وموسيقى إلى ضفة النهر، حمل المحتفلون الشاب ورموه إلى الماء. وفي مناطق أخرى يُقطع جذع شجرة عشية يوم القديس جورج، فيُزين بالطريقة السابقة نفسها ويُفرش تحته ثوبان. حتى إذا جاء الصباح أتى الناس إليه، فإذا رأوا بعض الأوراق قد تساقطت على الثوبين كان في ذلك بشرى بمواسم طيبة. ثم يأتون بشاب يغطونه من قمة رأسه حتى أسفل قدميه بالأوراق والبراعم، ويأتون بقطعانهم فينثر فوقها قبضات من العشب الطري الجديد لتزداد وتتكاثر. ثم يسير الجميع إلى النهر حيث يُرمى الشاب إلى الماء، أو تُرمى دمية تمثل القديس جورج الأخضر. وفي بعض مناطق روسيا كانت العادة أن يخرج الكاهن مع جمهرة من الناس صبيحة يوم القديس جورج الأخضر إلى الحقول فيباركها ويتلو الدعوات من أجل مواسم طيبة. ثم يتقدم بعض الشبان والشابات ممن تزوجوا حديثًا فيتدحرجون على الأرض ليمدوها بخصبهم. هذا وتكشف الأناشيد والأغاني التي يترنم بها الناس في ذلك اليوم عن جوهر القديس جورج كروح للنبات والإخصاب. تقول إحداها: أتينا ومعنا جورج الأخضر. أتينا. وإلى جانبنا جورج الأخضر. فليهبنا علفًا لمواشينا، فإن لم يفعل ألقينا به إلى الماء.١٠٥

وفي سوريا (بلاد الشام) اليوم، يحتفل الناس بعيد مارجورجيوس خصوصًا في المناطق التي حافظت على طابعها الآرامي القديم كبلدة صيدنايا التي يقام فيها كل عام احتفال مشهور يتقاطر الناس للمشاركة فيه من شتى أنحاء البلاد.

إلى جانب وظائف الخصب التي تُعزى إلى القديس جورج، فإن الخيال الشعبي قد حفظ في هذه الشخصية جوانب أخرى لآلهة الخصب السورية القديمة، لا سيما الإله بعل في شكله المعروف كقاهر للتنين ذي الرءوس السبعة. فالأيقونات الشرقية التي ما تزال تزين جدران البيوت في بلادنا، وجدران المتاحف في أوروبا، تظهر القديس ممتطيًا جواده يخوض صراعًا مميتًا مع التنين متعدد الرءوس. وإلى جانب المشهد تبدو امرأة جميلة تنظر بهدوء واثق نتيجة الصراع، هي في الأصل عناة الأوغاريتية، ولكنها في رمز الأيقونة، الكنيسة التي يقاتل من أجلها القديس.

ومارجورجيوس، هو نفسه «الخضر» في التراث الشعبي الإسلامي. وكل مسلم ومسيحي يطابق بين الشخصيتين دون أن يعرف الأساس الذي تُبنى عليه مثل هذه المطابقة. واسم «الخَضِر» بفتح الخاء وكسر الضاد، يعني الأخضر، وهو نبي حي في كل زمان ومكان، محجوب عن الأبصار إلى يوم القيامة. نراه في القصص الشعبي وروايات الإخباريين جالسًا على طنفسة خضراء على وجه الماء، متشحًا بثوب أخضر، ينبت العشب تحت قدميه أينما حلَّ.

١  James Mellaart, Catal Huyuk, pp. 180–181, 201.
٢  ibid, p. 201.
٣  James Pritchard, The Ancient Near East, p. 203 (free translatlon).
٤  Frazer, The Golden Bough, p. 379.
٥  S. N. Kramer, The Sacred Marriage Rite, p. 128.
٦  الأب الدكتور متري هاجي أثناسيو، الموسوعة المريمية، ص٦٢.
٧  نفس المرجع: ص٤١٣.
٨  نفس المرجع: ص٦٩٨.
٩  F. Guirand, Greek Mythology, p. 10.
١٠  ibid, pp. 10–11.
١١  Robert Graves, Greek Myths, v. l, pp. 31, 37–39.
١٢  James Pritchard, The Ancient Near East. (free translation).
١٣  Robert Briffault, The Mother, pp. 349–350.
١٤  Wallis Budge, Osiris, pp. 12–21.
١٥  J. Viaud, Egyptian Mythology, p. 44.
١٦  Shapiro and Hendricks, A Dictionary of Mythology, p. 173.
١٧  Shapiro and Hendricks, A Dictionary of Mythology, pp. 56, 192.
١٨  F. Guirand, Grek Mythology, pp. 104.
١٩  Viaud, Egyptian Mythology. p. 16.
٢٠  انظر: ترجمتي لملحمة جلجامش، اللوح الثاني.
٢١  Joseph Campbell, Primitive Mythology. pp. 216–220.
٢٢  Margaret Alexiou, The Ritual Laments, p. 57.
٢٣  Margaret Alexiou, The Ritual Laments, p. 57.
٢٤  James Frazer, The Golden Bough, p. 493.
٢٥  James Frazer, The Golden Bough, p. 465–467–470.
٢٦  ibid, pp. 494–496.
٢٧  ibid, p. 497.
٢٨  ibid, pp. 498–499.
٢٩  Erich Neumann, The Great Mother, p. 322.
٣٠  J. L. Henderson, The Wisdom of the sepent.
٣١  إنجيل يوحنا، الإصحاح ٦: ٣٥، ٤٨–٥١.
٣٢  Joseph Campbell. Primitve Mythology, p. 222–223.
٣٣  James Frazer, The Golden Bough, p. 503–506.
٣٤  ibid, pp. 501–502, 506.
٣٥  راجع النص الكامل في مؤلَّفِي: مغامرة العقل الأولى.
٣٦  إنجيل يوحنا، الإصحاح ١٣: ٥١–٥٢.
٣٧  راجع النص الكامل في مؤلَّفِي: مغامرة العقل الأولى.
٣٨  في اللغة السومرية، هناك كلمة واحدة للدلالة على الطعام وعلى النبات في آنٍ معًا، وقد اختار مترجم هذا النص السيد كريمر كلمة النبات، فجاءت ترجمته لهذا السطر على الوجه الآتي: ذهب يبحث عن طعام فتحول إلى نبات (أو فأسلم إلى النبات)، وقال في تعليقه على النص بأنه غامض وغير واضح الدلالة. بينما يبدو واضحًا أشد الوضوح في سياق تفسيرنا العام. فتموز هنا هو روح القمح التي تموت بين سيقان الزرع وقت الحصاد، وتُسلَّم إلى ماء السقي بعد ذلك لتقدم طعامًا في الموسم المقبل.
٣٩  S. N. Kramer, The Sacred Marriage Rite, p. 128.
٤٠  راجع مؤلَّفِي: مغامرة العقل الأولى.
٤١  العهد القديم، سفر حزقيال، الإصحاح ٨: ٩–١٥.
٤٢  James Frazer, The Golden Bough.
٤٣  L. Delaport, phoenician Mythology, p. 81.
٤٤  ibid, pp. 81–82.
٤٥  Margaret Alexiou, The Ritual Lament, p. 55.
٤٦  ibid, p. 57.
٤٧  James Frazer,The Golden Bough, p. 493.
٤٨  James Frazer, The Golden Bough, p. 390.
٤٩  راجع: القاموس المحيط، ص١٨٣، السطر ١٤.
٥٠  راجع: القاموس المحيط، ص١٨٤، السطر ٢٠.
٥١  Jame Harrison, Greek religion, p. 297.
٥٢  John Allegro, The Sacred Mushroom and the Cross.
٥٣  F. Gurand, Greek Mythology, p. 68.
٥٤  ibid, p. 68.
٥٥  L. Delaport, phoenician mythology, p. 82.
٥٦  ibid, p. 82.
٥٧  James Frazer, The Golden Bough, p. 391.
٥٨  James Frazer, The Golden Bough, p. 400.
٥٩  الأب الدكتور متري هاجي أثناسيو، الموسوعة المريمية، ص: ٤٠١–٤٠٢.
٦٠  Margaret Allexiou, The Ritual Laments, p. 68.
٦١  ibid, p. 69.
٦٢  ibid, p. 6.
٦٣  راجع: مؤلَّفِي: مغامرة العقل الأولى.
٦٤  S. N. Kramer, Mythologies of the Ancient World.
٦٥  Joseph Campbell, primitive Mythology, p. 165.
٦٦  ibid, p. 168.
٦٧  ibid, p. 152–160.
٦٨  ibid, p. 166.
٦٩  James Frazer, The Goglden Bough, p. 439.
٧٠  ibid, p. 324.
٧١  ibid, pp. 325–326.
٧٢  ibid, pp. 328.
٧٣  C. H. Gordon, Ugarit, p. 26.
٧٤  James Frazer, The Golden Bough, p. 444–445.
٧٥  James Frazer The Golden Bough, p. 444.
٧٦  J. Viaud, Egyptian Mythology, pp. 16–18.
٧٧  George Nagel, The Mysteries of Osiris, p. 122.
٧٨  James Frazer, The Golden Bough, p. 427–433.
٧٩  ibid, pp. 427–431.
٨٠  ibid, pp. 433–436.
٨١  George Nagel, The Mysteries of Osiris, pp. 126–127.
٨٢  Shapiro and Hendricks, A Dictionary of Mythology, p. 55.
٨٣  George Nagel, The Mysteries of Osiris, p. 126.
٨٤  ibid, pp. 127–128.
٨٥  C. H. Gordon, Ugarit, p. 21.
٨٦  James Frazer, The Golden Bough, p. 449–453.
٨٧  Joseph Cambell, Primitive Mythology, p. 101.
٨٨  Robert Graves, Greek Myths, V. l, pp. 104, 118.
٨٩  Jane Harrison, Greek Religion, pp. 220–221.
٩٠  ibid, p. 56.
٩١  ibid, pp. 104–106.
٩٢  S. N. Kramer, Sumerian Mythology.
٩٣  S. N. Kramer, Mythologies of the Ancient Word.
٩٤  James Frazer, The GoLden Bough. p. 452.
٩٥  ibid, p. 453.
٩٦  ibid, p. 455.
٩٧  J. K. Bachofen, Myth, Religion and Mother Right, pp. 229–232.
٩٨  F. Guirand, Greek Mythology, p. 220.
٩٩  James Frazer, The Golden Bough, p. 404.
١٠٠  James Frazer, The Golden Bough, pp. 404–408.
١٠١  Apuleus, The Golden Ass, pp. 169–170.
١٠٢  M. E. Harding Woman’s Mysteries, p. 141.
١٠٣  Allan Watts, Myth and Ritual in Christianity, pp. 79, 158.
١٠٤  رغم أن تحليلي للعناصر التموزية في رواية يوسف التوراتية يتخذ منحى خاصًّا، إلا أنني مدين بهذه اللفتة إلى: J. Henderson في كتابه: The Wisdom of the Serpent. ويبدو أن هذا بدوره قد سار إثر توماس مان في كتابه: Joseph and His Brothers.
١٠٥  James Frazer, The Golden Bough, pp. 145–146. 159.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤