الفصل الثالث عشر

العمليات العامة للفكر «تكملة»

التحليل والتركيب – الحدس

الاستنباط والاستقراء صورتان كيفيتان، وغير متميزتَين، للتحليل والتركيب، فهذان الأخيران هما المنهج الحقيقي لعلم الطبيعة الرياضية الحديث.

والتحليل هو الحركة التي يصعد بها الذهن من شروط إلى شروط، حتى يصل إلى العنصر العقلي، الذي هو «سبب» المعطى، وقد ابتدعه الرياضيون (التحليل الباحث Zététique والتحليل البرهاني poristique). ولكن هناك أيضًا تحليلًا طبيعيًّا وكيميائيًّا.

أما التركيب فهو الحركة العكسية، وهدفه إعادة تركيب المعطى عقليًّا بغية البرهنة عليه أو تحقيقه. وهو قابل للتعميم.

فالاستنباط والاستقراء، والتحليل والتركيب، هي العمليات المقالية المتدرجة (discursives) للعقل البشري. ويجب إكمالها بالحدس، وهو معرفة مباشرة تنصب على ما هو فردي. ولكن هل الحدس معرفة عقلية؟ هناك فلسفات للحدس تؤكد أنه خارج عن مجال العقل، ومن قبيلها الميتافيزيقا المسيحية عند باسكال، وفلسفة برجسون. أما نحن فنعتقد بالأحرى، مُسايرين في ذلك النزعة العقلية، أن الحدس هو الصورة العليا للعقل، وأن الإدراك العميق للتفكير العلمي كفيل بأن يهتدي فيه إلى الروح مكتملة، وفي أرفع صورها.

التحليل أفضل صور الاستقراء، وهو المحرك الخفي له

درسنا في الفصل السابق العملية التي نصل بها من الوقائع إلى القوانين. وهناك قوانين «كيفية» خالصة، تنتهي إلى القول بأن للشيء خاصية مميزة، كالقول بأن من خواص الحرارة أن تؤدي إلى تمدُّد الأجسام، وتصهَرُها وأن الأثير يذيب المواد الدهنية، وأن الأفيون مخدر. وقبل أن يضع جاليليو وديكارت أُسس علم الطبيعة الرياضي، ولافوازييه أُسس الكيمياء الرياضية، كان العلم كيفيًّا. وكان قوامه قضايا كيفية أيضًا، وكان الاستقراء الذي ينتهون به إلى القوانين «استقراءً كيفيًّا» ومع ذلك، فالعلم لم يتخلص تمامًا من هذا الطابع. فإلى جانب الطبيعة الرياضية بمعناها الصحيح، يوجد دائمًا علم للطبيعة يُسمَّى «بالتجريبي»، بمعنى خاص لهذه الكلمة؛ لأن قوامه أساسًا تجارب تهدف إلى الكشف عن الخواص، وإثباتها وإظهارها، فالطبيعة التي تدرس لتلاميذ لم يتعمقوا العلوم الرياضية بعد، هي طبيعة «تجريبية»، وعندما يبدءون في التعود على معالجة المعادلات، ولا سيما معادلات التفاضل، بعد دراسة الرياضة في الفصول العالية، يمكنهم الانتقال إلى بحث الطبيعة الحديثة والكيمياء الحديثة بمعناهما الصحيح، وهما العلمان اللذان يحتلُّ الحساب الرياضي فيهما مكانة أهم بكثير من مكانة التجربة. غير أن الطبيعة «التجريبية» ليست فقط صورة من الطبيعة أقرب إلى عقول الناشئين، بل هي أيضًا صورتها الأولى التمهيدية. فلزام على عِلم الطبيعة أن يكون في البدء تجريبيًّا.

ونتيجة ذلك أن هناك نوعَين من استدلال البحث: نوعًا كيفيًّا، تمهيديًّا، هو الاستقراء بمعناه الصحيح، ونوعًا كميًّا، رياضيًّا، يُستخدَم في إضفاء مزيد من الصبغة الرياضية على العلم التجريبي، ويُسمى بالتحليل.

فلنقل إذن إن التحليل بالنسبة إلى الطبيعة الرياضية هو بمثابة الاستقراء بالنسبة إلى الطبيعة التجريبية.

ولنُضِف إلى ذلك أنه إذا كان التحليل عملية مادية، فهو في البدء عملية رياضية، وفي هذه المسألة نجد أن التحليل المادي مُكمل للتحليل الرياضي.

وفضلًا عن ذلك، فالتحليل تُقابِلُه عملية مكملة، هي التركيب الذي يقف إزاء التحليل نفس موقف الاستنباط إزاء الاستقراء.

وأخيرًا، فإذا كان عِلم الطبيعة الرياضي هو أعلى وأكمل صُوَر علم الطبيعة وأقربها إلى العقل، فإن التحليل والتركيب ينبغي أن يكون أقرب صور الاستقراء والاستنباط إلى العقل أيضًا، وهذا ما ستُوضِّحه الدراسة التي سنقوم بها، وكما يحدث دائمًا في المجال العقلي، فالأكمل هو سبب الأقل كمالًا، والأعلى هو سبب الأدنى، فالتحليل هو الروح الخفية للاستنباط، والحق أنَّ للاستقراء أنواعًا يعلو بعضها على بعض تباعًا؛ فالاستقراء الشكلي ليس إلا تلخيصًا والاستقراء التعميمي فيه انتقال من الخاص إلى العام. غير أن هذا التعميم كان يُصبِح مستحيلًا لو لم يكن «ابتداعًا» للقضية العامة، ووثبة حقيقية ننتقِل بها من المحسوس إلى المعقول. وما كان الكشف عن المعقول ليكون ذا أهمية لو لم يكن هو سبب المحسوس أو شرط وجوده. على أن حركة العقل، التي تنتقل نحو سبب الشيء المشار إليه أو شرطه، هي بِعَينها التحليل. وسنرى فيما بعد أن التركيب هو نفس بناء البرهان الرياضي، والاستنباط، كما تُبيِّن لنا من دراسة المنطق الرياضي، يزداد كمالًا باقترابه من البرهان الرياضي، الذي يُعَدُّ صورته المُثلى.

ومن المهم أيضًا أن نلاحظ أن الرياضة قد بدأت بالاستقراء. فبه تمكَّن المسَّاحون المصريون القدماء من إثبات أن المثلث الذي أبعاده ٣، ٤، ٥ هو مثلث قائم الزاوية. وقد حلَّل الرياضيون اليونانيون في مدرسة فيثاغورس هذه الخاصية، «واكتشفوا سببها» وهو أن ٣٢ + ٤٢ = ٥٢، ولما مضوا في التحليل أبعدَ من ذلك، توصلوا إلى مقابل النظرية المسمَّاة بنظرية فيثاغورس، وهو: المثلث الذي يكون مربع أحد أضلاعه مساويًا لمجموع مُربعَي الضلعين الآخرين، هو مثلث قائم الزاوية، ثم توصلوا إلى نظرية فيثاغورس ذاتها: مربع وتر المثلث قائم الزاوية يساوي مجموع مربعي الضلعين الآخرين.
وقد اكتُشفت نظريات كثيرة في الهندسة، أقرب إلينا من هذه، عن طريق الاستقراء. فما يروى عن جاليليو أنه لما أراد معرفة العلاقة بين مساحة القوس الدائري وبين مساحة الدائرة التي اقتطع منها، وهي العلاقة التي تكهَّن بأنها بسيطة وثابتة، قطع السطحَين على لوحٍ تامٍّ متجانس تمامًا ومصنوع من النحاس، ووزَنَهُما. وبعده بفترة وجيزة، سار ديكارت ثم باسكال في طريق التحليل، واكتشفا البرهان بطريقة منظمة، وكذلك الحال في نظريات عميقة في الحساب، فقد ذكر الرياضي فيرما Fermat (١٦٠١–١٦٦٥م) بعض القضايا المتعلقة بأعداد من أنواع خاصة، ولم يأتِ لها ببرهان — ومنها ما لم يهتدِ أحد إلى البرهنة عليه حتى الآن. ولكن منها ما أثبت التحليل العددي، الذي مضى فيه الباحثون بصبرٍ وأناةٍ بقدْر كاف، أنه باطل، وعلى ذلك فإن «فيرما» لم يكن يعرف البرهان عليها؛ بل اكتفى بالاهتداء إليها عن طريق استقراءٍ ثبَت بطلانه.

ديكارت وضع الخطوط العامة لمنطق التحليل والتركيب

كان ديكارت هو الذي أدرك، في نفس الوقت الذي كشف فيه عن نظرية علم الطبيعة الرياضي، أن هذا العلم الجديد يقتضي منطقًا جديدًا، أو كما يقول «منهجًا» جديدًا. وقد صاغ ديكارت هذا المنهج أولًا في كتابه. «قواعد لإرشاد العقل Regulae ad diréctioném ingenii»، الذي كتبه لنفسه، وُوجِد بعد وفاته ضِمن كتاباته (ولا بد أن تاريخ كتابته كان عام ١٦٢٨م) كما صاغها بعد ذلك بمزيد من الإيجاز في «المقال في المنهج Discours de la méthode»١ الذي نُشر في عام ١٦٣٧م.
والأمر الجدير بالإعجاب في «القواعد» هو أن ديكارت قد أخذ على عاتقه فيها أن يُعالج الرياضة وعلم الطبيعة معًا، ناظرًا إلى علم الطبيعة على أنه امتداد للرياضة أو إحدى حالاتها الخاصة، أو بعبارة أدق، حالةٌ خاصة من حالات «الرياضة الشاملة mathesis universalis» التي أشار إلى فكرتها في القاعدة الرابعة، والتي تبحث بوجهٍ عام في النظام والقياس، ذلك لأنه يرى أن كل علمٍ إنما هو رياضة، بمعنى أن كل علم، كما يقول، هو معرفة يقينية واضحة. ومن جهة أخرى، لأن «الحساب والهندسة هما وحدهما، من بين سائر العلوم المعروفة، اللذان يتخلصان من كل بطلان وشك». (القاعدة الثانية). والفارق الوحيد بين الرياضة بمعناها الصحيح وبين علم الطبيعة، أن المشاكل في الرياضة محددة تحديدًا كاملًا، بينما هي في الطبيعة غير محددة جزئيًّا، أو لنقل بالأحرى إنها تنطوي على قدرٍ من التخمين. وبعبارة أخرى، فليس ثمة فارق أساسي بين حركة العقل الذي يضع به الرياضي معادلةً ويحلها، وبين العملية التي يكشف عالِم الطبيعة بها قانونًا ويُحققه. وقد كرَّس ديكارت للمشكلات «المحددة تحديدًا كاملًا» القواعد من ١٣–٢١، وكان ينتوي أن يوضِّح فيما بعدُ معالم المنهج الذي يُمكِّننا من حل المشكلات غير المحددة جزئيًّا، مثل سبب خواص المغناطيس، بناءً على الظواهر التي اهتدى إليها جلبرت Gilbert، أو سبب خواص الأوتار المتذبذبة، بناءً على أبحاث «مرسن Mersenne» غير أن هذا الجزء من «القواعد» ناقص، وربما لم يجد ديكارت لدَيه من الفراغ ما يمكنه من المُضي إلى هذا الحد من بحثه، بعد ان اضطرته سلطة الكاردينال دي بيرول de Bérulle إلى إكمال مذهبه في الميتافيزيقا وفي الطبيعة وإعادة كتابته.

أمَّا عن كتاب «المقال في المنهج» فسوف نُشير إلى النصوص التي تُعالج موضوع التحليل والتركيب فيه.

التحليل ينتقل من الواقعة، ومن المعطى، إلى أسبابها المُسمَّاة بالعناصر

تدل كلمة التحليل، في أصلها الاشتقاقي على «التفكيك». ولكن يجب أن نميز بين أنواع من التحليل، تبعًا لطبيعة الشيء الذي يُفكَّك، وللنتائج التي نتوصل إليها.

(أ) التحليل المادي: وهو تفكيك كتلة من المادة إلى أجزائها المكوِّنة لها، سواء أكانت هذه الأجزاء متجانسة (كما في التجزئة البسيطة للكتلة) أم غير متجانسة (للتمييز بين هذه الأجزاء في نفس الوقت الذي تفككها فيه، ولكي نكشف عن واحد منها له خواص تُهمُّنا، كما يفعل الصيدلي). والحق أن كلمة «التحليل» بمعناها الصحيح، لا تُستخدَم إلا بالمعنى الثاني.

(ب) التحليل التصوري: وهو تفكيك تصور إلى «صفاته» لتحديد مفهومه والتوصُّل إلى تعريفه. وكثيرًا ما يساعد على القيام بهذا التحليل، تفكيك «اللفظ» على نحوٍ يكشف عن أجزاء المعنى، عن طريق نهاياتها وأصلها، وصورها المتغيرة.

(١) الأحكام التحليلية والأحكام التركيبية

هذا النوع من التحليل هو الذي كان يفكر فيه «كانْت» عندما وصف أحكامًا معينة بأنها «تحليلية».٢ وتلك هي الأحكام التي ينطوي موضوعها على محمولها praedicatum inest subjecto على حد تعبير ليبنتز وفي هذا يقول «كانت».

عندما أقول مثلًا: كل الأجسام ممتدة، فهذا حكم تحليلي، إذن أنني لست في حاجة إلى الخروج عن المفهوم الذي أربطه بكلمة: جسم، للوصول إلى الامتداد المرتبط به؛ بل يكفيني أن أُفككه، أي أن أستحضر عناصر المتباينة التي أتصورها دائمًا فيه، لكي أهتدى دائمًا إلى هذا المحمول. فالأحكام التحليلية في أساسها أحكام تقوم على تحصيل الحاصل. وهي لا تحتاج كما يقول «كانت» إلى أي مبدأ آخر سوى مبدأ الهوية.

وفي مقابل الأحكام التحليلية، يقول «كانت» بالأحكام التركيبية التي عرفها بأنها «تلك التي يكون محمولها خارجًا تمامًا عن موضوعها، مع ارتباطه به». وبعبارة أخرى فهي تلك التي «نتصور فيها ارتباط المحمول بالموضوع دون هوية بينهما. فمثلًا، عندما أقول: كل الأجسام لها وزن يكون المحمول شيئًا مختلفًا تمامًا عما يطرأ على ذهني بصدد مفهوم الجسم وحده بوجه عام.»

والأحكام التركيبية تدخل ضمنها أولًا كل أحكام التجربة: والمثال الذي يضربه «كانت» هو في الواقع، على نحوٍ ما، نص قانون نيوتن. ولكنه أضاف قائلًا٣ «إن الأحكام الرياضية كلها تركيبية.» وبرهن على قضيته هذه بتفسير أبسط قضية حسابية كالقضية ٧ + ٥ = ١٢، بأنها قضية لا نصل إليها عن طريق تحليل التصورات، وإنما عن طريق «تركيب» أو عملية معينة.

وهكذا يبدو أن التحليل عند «كانْت» غيره عند ديكارت، لأن هذا التحليل عند الأخير مُستمَد من الرياضة، بينما الرياضة كلها تركيبية عند «كانت»، وإذن فلا بد أن يكون هناك نوع ثالث من التحليل، إلى جانب التحليل المادي، الذي نستطيع أن نُدرك بوضوح أنه ليس المقصود هنا، وإلى جانب التحليل التصوري (أو تحليل الحاصل، أو التحليل المنطقي) الذي يُشير إليه «كانْت» وهذا النوع الثالث هو:

(ﺟ) التحليل العقلي بمعناه الصحيح: وهو البحث عن أسباب ظاهرة أو قضية. وهو يدور حوله البحث في هذا المقام، لأنه هو لب الاستقراء، وهو يصل إلى العنصر بمعناه الصحيح (stoichéion) الذي هو الفكرة. وكلمة العنصر هنا مرادفة «للمبدأ» وللأساس العقلي، ويمكننا الاهتداء إلى معناه في تعبيرات مثل «عناصر أو أركان الهندسة». ٤
وقد استُخدمت كلمة «التحليل» بهذا المعنى لأول مرة عند علماء الرياضة اليونانيين، كإقليدس مثلًا:
  • (١)

    فإقليدس يطلق هذا الاسم على عملية غريبة، تنحصر في افتراض قضية لم نبرهن عليها، واستخدامها في البرهنة على قضية سبق البرهنة عليها، عن طريق الارتداد، (القضية الخامسة من الباب الثالث عشر لكتاب «العناصر»).

(٢) التحليل الباحث Analyse Zététique

وبناءً على هذا المعنى، أطلق علماء الهندسة اليونانيون اسم التحليل على كل عملية مُرتدة processus régressif في الهندسة، وعلى رأسها العملية التي تبحث عن أساس قضية من القضايا السابقة لها. ويُطلق عليها الشارح «جيمينوس Géminus» اسمًا دقيقًا كل الدقة، هو «اختراع البرهان» فنظرية فيثاغورس مثلًا تنصُّ على أنه في مثلث أ ب ﺟ، القائم الزاوية في ب، تكون أ ج٢ = أ ب ٢ + ب ﺟ ٢ على أن مربع أحد الأطوال هو المتوسط النسبي بين طولَين آخرَين، لأنه إذا كان ط٢ =
٥

فيجب إذن أن نُقيم نِسبًا بين أ ﺟ، أ ب، ب ﺟ ومن ثَم نكتشف في الشكل «مثلثات متشابهة».

(د) كذلك يُعدُّ حل أي مسألة تحليلًا. فلنفرض أننا نريد رسم دائرة تمر بثلاث نقط. عندئذٍ أقول: «لنفرض أن المسألة قد حُلَّت». وهذا التعبير المألوف يعني أن «المسألة ستُحل على شرط أن» أجد مركز الدائرة، (إذ إن هذا يوصلني إلى نصف القطر، ما دامت لدي ثلاث نقط من المحيط). ﻓ «شرط» الوصول إلى نصف القطر هو أن تكون لدي نقطة تبعد عن النقطة المعطاة بمسافة متساوية … إلخ، وهكذا نُدرك كيف يتقدَّم التحليل من شرط إلى شرط.

وتُسمى العمليتان ب، ﺟ بالتحليل الباحث.

(٣) التحليل البرهاني Analyse Poristique

(ﻫ) في القرنين السادس عشر والسابع عشر، رأى علماء الهندسة مثل فييت Viète وفيرما Fermat وديكارت، أن التحليل هو السر الأكبر للرياضيين اليونانيين، وهو مصدر قوة الرياضة. وفي «القاعدة الرابعة» يقول ديكارت: «لقد لوحظ أن علماء الهندسة الأقدمين كانوا يستخدمون تحليلًا معينًا، اهتدوا به إلى حل المشكلات، وإن كانوا قد ضنوا بعلمهم هذا على الأجيال التالية.» ولكن السِّر قد كُشف. وكما يقول ديكارت: «ألسنا نستخدم نحن أنفسنا نوعًا من الحساب، المسمَّى بالجبر، ينحصر في أن نُجري على العدد ما كان الأقدمون يُجرونه على الأشكال؟» فالتحليل عند القدماء، أي عند أرشميدس وأبولونيوس٦ مثلًا، كان قاصرًا على الهندسة، والمثال الذي ذكرناه منذ قليل بكشف عن أهم ما فيه، وكان الاهتداء إلى سر أبولونوس وأرشميدس هو الشغل الشاغل للرياضيين منذ عصر النهضة والقرن السابع عشر. والغريب في الأمر أن هؤلاء الرياضيين قد اهتدوا، أثناء محاولتهم تحقيق هذا الهدف، إلى كشوف لم تخطر ببال أرشميدس أو أبولونيوس. فقد وضعوا منهجًا للتحليل (التحليل البرهاني) يمكِّن من المُضي صعودًا وهبوطًا بين القضايا، ولتحقيق ذلك كشفوا عن وسيلة أساسها أنه مادام الشرط الضروري هو في الوقت ذاته الشرط الكافي، فيكفينا أن نهتدي إلى البرهان لكي يتحقق بالفعل، ويكفينا أن نكشف عن عناصر المسألة لتكون قد حُلت. وهذا التحليل البرهاني هو مبدأ الجبر الحديث، حيث يكفي وضع معادلة، ثم حل هذه المعادلة، للبرهان على حل المسألة ذاتها.

(٤) التحليل الديكارتي

عمم «ديكارت» فكرة التحليل، وكان ذلك التعميم هو أهمَّ عناصر المنهج الديكارتي. ولا ينطبق التحليل عند ديكارت على «الجبر عند المحدثين» (على حدِّ تعبيره) فحسب، بل ينطبق أيضًا على العلوم التجريبية والميتافيزيقا.

وهو يعرض رأيه في التحليل بإيجاز شديد في القاعدة الثانية من المقال في المنهج، فيقول إنه «تقسيم كل الصعوبات التي سأبحثها إلى أكبر عددٍ ممكن من الأقسام، على النحو الذي يُمكِّنني من إجادة حلها، والذي تقتضيه إجادة هذا الحل.» والمقصود هنا هو التحليل البرهاني. وفضلًا عن ذلك فقد نبهنا ديكارت، قبل ذلك ببضع صفحات، إلى أنه لما أراد وضع دعائم منهجه، قد ألَّف بين «تحليل الأقدمين وجبر المحدثين».

فلنبادر إذن إلى القول بأن قوام الميتافيزيقا الديكارتية هو في الارتقاء من الإدراك الحسي — عن طريق الشك المنهجي — إلى تأكيد وجود الذات المفكرة (أنا أشك، إذن أنا أفكر، إذن أنا موجود)، ثم تأكيد وجود الله، ثم ما أسماه ديكارت ﺑ «الصدق الإلهي»، أي حقيقة هذا الإلهام الباطني الذي هو العقل، والوصول تبعًا لذلك إلى إدراك قيمة علم الطبيعة الرياضي، وفي هذا تعميم للتحليل البرهاني.

(٥) التحليل التجريبي والتحليل البرهاني

(و) هناك تحليل تجريبي، يُشبه التحليل الرياضي، وهو يبدأ منذ مشاهدة الظاهرة، إذ إن الانتقال من الظاهرة العلمية هو في ذاته تحليل. «فقياس» الظاهرة معناه في الواقع إضفاء صورة رياضية عليها، لكي تدخل فيما بعد ضِمن الصِّيَغ التي تُعبر عن قوانين؛ ومعنى ذلك وضعها في معادلة. كما أن تفسير الملاحظة وتصحيحها معناه التقدُّم بالعملية نفسها، بإدماج الظاهرة كما نُقرُّها ضمن مجموعة المعارف العلمية التي اكتسبت من قبل. مثال ذلك أن تفسير تجربة متعلقة بالكهرباء، هو إدماج نتيجة تلك التجربة ضمن النتائج التي اكتسبت في مجال معرفتنا العملية بالتيار الكهربائي، وتصحيح ملاحظة فلكيَّة هو التوفيق بينها وبين ما تعلَّمْناه في علم الضوء عن طبيعة الضوء وسرعته وانكساره، وجميع هذه العمليات تُعين على وضع الظاهرة في صورة معادلة.

أما الانتقال من الظاهرة إلى القانون، فذلك هو حلُّ المعادلة. والدالة الرياضية التي تُعبر عن القانون هي مجهول المعادلة. وهي تُستخلَص بعملية لا يمكن أن تبلغ من الدقة مبلغ العمليات الجبرية؛ إذ إننا نستخدم في الجبر أفكارًا هي من إنتاج الذهن الخالص، أما في علم الطبيعة، فنحن نخرج — على نحوٍ ما — عن العالَم الذي يجب الكشف عنه، والذي لا ننفُذ إليه إلا عن طريق التخمين.

(ز) والبعض يقول بنوعٍ آخر من التحليل، هو «التحليل الكيميائي»، ولهذا القول ما يُبرِّره. غير أن كلمة التحليل تُستخدَم في الكيمياء بمعنًى أقل دقةً منه في الطبيعة، لأننا عندما «نُحلِّل» جسمًا مركبًا، نؤثر في الأفكار وفي المادة معًا. فمن جهةٍ نحاول الوصول ذهنيًّا إلى «عناصر» الجسم، أي إلى أجزائه التي تُفسِّره، والتي تشتمل خواصُّها على «أساسها» الخواص المتمثلة في الجسم، ولكننا نحاول من جهةٍ أخرى أن نفكك الجسم ماديًّا، أي أن نفصل أجزاءه المادية، التي تختلف فيما بينها اختلافًا كيفيًّا. وفضلًا عن ذلك، فهذه العملية الثانية تتمُّ في معظم الأحيان بطريقةٍ غير مباشرة تمامًا، فنادرًا ما ينجحُ المرء في إجراء هذه العملية، بحيث تنفصل العناصر المكوِّنة انفصالًا ملموسًا، وتكون في صورتها الخالصة. فمثلًا لم يستطع «لافوازييه» فصل الأكسجين في جانب والأزوت في جانب آخر، بل اضطر إلى تثبيت الأوكسجين على زئبق، ولم يستطيع إطلاقه خالصًا، وتحديد خصائصه، إلا بوساطة تجارب مكملة. أما الأزوت، فقد كان عليه أن يعرفه من خلال خواصه، بأن يُخضعه هو الآخر لتجارب أخرى؛ وإذن فأهمُّ ما في هذا النوع من العمل التجريبي هو العملية التي تتابع بها العناصر في عدوها ورواحها. وبالاختصار، فالعنصر لا يُعطى في التجربة، وإنما هو فرض، ومجهول، يُستخلَص بمجهود عقلي هو ذاته تحليل.

(٦) التحليل العملي والفني

(ﺣ) يُطبَّق التحليل عمليًّا في الحالات التي نبحث فيها عن وسائل تُوصِّل إلى غاية، وعندئذٍ تكون الغاية هي النقطة التي نبدأ السير منها لنكشف الوسائل «بالتحليل» وذلك بأن نفترض أن المسألة قد حُلت — كما هي الحال في الرياضيات — ونبحث عن الشروط التي أمكن أن تُحل بها، حتى تصل خطوة إلى شروط يمكن تحقيقها، وهذه هي الطريقة المتبعة عندما يريد المرء أن يُحدِّد مراحل طريق، أو يُحب جدولًا للمواعيد، وهي أيضًا الطريقة التي يستدلُّ بها المهندس حيثُ يهدف إلى صنع رسْمٍ لشيء مصنوع، والطبيب حين يصف أدوية أو نظامًا في الأكل.

التركيب أو الاستنباط غير القياسي هو الحركة المضادة للتحليل

التركيب هو الاستدلال الذي يتمثل — في أنقى صورة — في البرهان الرياضي. فهو إذن نوع من الاستنباط ولكن ينبغي عندئذٍ القول إنه استنباط غير قياسي؛ أعني ليس له نفس تركيب القياس، أو الاستنباط الصوري أو المنطقي. وإليك الفروق الأساسية بين النوعين:
  • (١)
    فهو كما أوضحنا من قبل تعميمي amplifiante. أي أنه يُعمَّم، أو قادر على التعميم والمناطقة يقولون إنَّ الماصدق والمفهوم (في الألفاظ أو في القضايا) يتناسبان تناسُبًا عكسيًّا. أما في الرياضيات فالأمر على العكس من ذلك، إذ إن التعميم يتحقَّق بازدياد التعقيد.
  • (٢)

    والتركيب لا ينصبُّ على صفات، وإنما على «علاقات». فالقضايا التي يربط بينها التركيب لا تُعبِّر عن تلازُم، أعني عن تعلق صفة بموضوع، وإنما تُنبئ عن علاقات، كعلاقة مساواة أو لا مساواة علاقة ارتباطية.

    ونتيجة ذلك أن التركيب هو تأليف بين علاقات. ففي الاستنباط الصوري أو المنطقي، نضم صفات (تتصف بها فئات) أو فئات (تتمثل فيها صفات معينة)، ومثال ذلك، أن الصفة «إنسان» تتضمن صفة «الفناء» وتُمكِّننا من أن ننسِب إلى الموضوع «سقراط» صفة الفناء، أو فئة الفنانين تنطوي على فئة الإنسان وبالتالي على الموضوع «سقراط». أما في التركيب فنحن نؤلف بين علاقات التشابُهِ والتناسُب، لنصِل إلى تحديد العلاقة بين مربعات الأضلاع مثلًا.

  • (٣)
    التركيب ليس صوريًّا. فهو ليس عملية يمكن فصلها عن محتواها. وفي هذه المسألة يجب ألا نُخدَع باستخدام الحروف، الذي يستعيره المنطق الصوري من الجبر، والذي قد يُوهِم بأن الجبر منطق صوري. فالحروف في المنطق الصوري، تُعبر عن صفاتٍ أو فئات نأبى النظر إليها في ذاتها لأننا لا نهتمُّ إلا بعملية الاستدلال ذاتها، أما في الجبر فالحروف تمثل أعدادًا نأبى النظر إليها في ذاتها، لأننا لا نهتم إلا «بالعمليات الرياضية» لا بالاستدلال. والعمليات هي المادة الحقيقة للاستدلال. فمثلًا (أ + ب)٢ تعني «مربع حاصل جمع».

فالتركيب هو إذن العملية المقابلة للتحليل، وهو يُستخدَم في حالتين: ففي الحالة الأولى يبرهن على مشروعية التحليل إذا كان التحليل للبحث فقط، لا للبرهان، فبعد أن يثبت المرء أن البرهنة على نظرية فيثاغورس تقتضي الارتكاز على النظريات المتعلقة بخواص المثلثات المتشابهة، نبدأ البرهان سائرين بالترتيب العكسي. وكذلك، بعد أن نثبت أن رسم دائرة تمرُّ بثلاث نقط يقتضي مدَّ المنصِّفَاتِ إلى المستقيمات التي تصل بين هذه النقط، نبرهن على أن نقطة تقاطع هذه المنصفات هي ذاتها مركز الدائرة، فالتحليل قد استخلص الشرط الضروري والتركيب يثبت أن هذا «الشرط» هو الكافي.

وإلى هذه الحالة الأولى أيضًا ينتمي التحقيق التجريبي فالقانون يتَّخِذ مبدأ، والتركيب يُستخدم لإعادة بناء الظاهرة التي ينبغي أن نجرب عليها بعد ذلك.

أما في الحالة الثانية، فالتركيب عملية للعرض وللتعميم في الوقت نفسه فالكتب الدراسية في الرياضة، تُعرض بالطريقة التركيبية التي قدَّم إقليدس أول نموذج لها. وهذا العرض يؤدي إلى اقتناع أكيد، يتميَّز به البرهان الرياضي. وفضلًا عن ذلك فالتركيب الرياضي يُمكِّن من تعميم النتائج التي نحصل عليها علميًّا. وذلك هو هدف هذه الكتب الدراسية. ففي كتب الهندسة الأولية مثلًا، يبدأ البحث بتحديد مساحة المربع، ثم مساحة المستطيل ثم المثلث، للوصول إلى نظرية المساحات بوجهٍ عام، والعملية دائمًا واحدة، فالرياضية تبدأ على الدوام بحالة بسيطة، هي حالة فردية، ثم تزداد تعقيدًا بالتدريج حتى تصل إلى أعمِّ الحالات، وفي هذه يقول ديكارت في الجزء الثاني من المقال في المنهج «… أن أمضي في أفكاري بالترتيب، بادئًا بأبسط الأشياء وأيسرها معرفة، لأرتقي منها رويدًا رويدًا، وبخطواتٍ تدريجية إلى معرفة أكثر الأشياء تركيبًا.» والمثال الذي يُورِده ديكارت في كتاب «الهندسة» هو الانتقال من معادلة من الدرجة الأولى إلى معادلة من الدرجة الثانية. فأكتب معادلتَين من الدرجة الأولى س = ٢، س = ٣ أو س − ٢ = صفر، س − ٣ = صفر، ثم اضرب كل طرف في الآخر، فتكون المعادلة الجديدة هي س٢ − ٥س + ٦ = صفر، وهي المعادلة التي ترجع جذورها إلى المعادلتَين الأوليين. فالتحليل هو الانتقال من الدرجة العُليا إلى الدرجة الدنيا، والتركيب هو العملية العكسية.

(١) أرشميدس والرافعة

يقدم إلينا أرشميدس مثلًا رائعًا للتركيب في بحثه «اتزان المسطحات أو مراكز ثقلها». فهدف أرشميدس هو إثبات الخصائص العامة وللوصول إلى هذا الهدف يبدأ بحالة بسيطة؛ فالميزان رافعة يتساوى ذراعاها، ويحملان أوزانًا متساوية.

فلنفترض ميزانًا أ ب يحمل ذراعاه المتساويتان أ ﺟ، ﺟ ب، أوزانًا متساوية موزعة باطراد على طول الذراع بأسرها، ثم أجمع في الذراع ﺟ، وفي نقطة منها د، جزءًا من الثقل الذي تحمله تلك الذراع.

ويظل الجهاز كله مُتزنًا إذا كان مركز ثقل الأوزان المتجمِّعة، أي د في وسط أ ﺟ، الذي يُعبر بوحدات الطول، عن قيمة وحدات الوزن المتجمعة. وعندئذٍ أجمع بقية الأوزان، التي يعادل مجموعها ﻫ ب فإذا حرصت على تركيزها في مركز ثقلها، أعني في و، وهي منتصف ﺟ ب. فإن الذراعَين د ﺟ، ﺟ و يظلَّان مُتزنَين، على أنهما عندئذٍ يحملان أوزانًا تعادل النسبة بينهما النسبة بين ﺟ و، د ﺟ. وبالتركيب تكون هذه النسبة معادلةً لنسبة أ ﻫ إلى ﻫ ب. على أن أ ﻫ = أ ب − ﻫ ب أي ٢ ب ﺟ، − ٢ ب ﻫ أو ٢ (ب ﺟ − ب و) أي ٢ ﺟ و.

و ﻫ ب = أ ب − أو ٢ أ ﺟ − ٢ أو ٢ (أ − أ د) أو ٢ د ﺟ. وهكذا نصِل إلى تساوي النِّسَب الآتية:

وبهذا نكون قد برهنَّا على النظرية العامة في الرافعة من خلال حالةٍ فردية هي الميزان.

وهذا البرهان المشهور هو المثال النموذجي للتركيب. وقد استخدم أنموذجًا لعلم «الاستيتيكا» التقليدية التي تكوَّنت عندما توصل المهندس البلجيكي سيمون ستيفن Simon Stevin (١٥٤٨–١٦٢٠م) إلى رد توازن ثقل على مستوًى مائل إلى توازن واضح بالتماثل، وعندما أكمل ديكارت بحوث أرشميدس وستيفن، فقدم برهانًا عامًّا على توازن الأثقال في الآلات البسيطة، بأن أعلن ببساطة أن «نفس القوة التي تستطيع رفع ثقل وزنه ١٠٠ رطل مثلًا إلى ارتفاع قدمَين، يمكنها أيضًا أن ترفع ثقلًا وزنه ٢٠٠ رطل إلى ارتفاع قدم واحدة، وآخر وزنه ٤٠٠ رطل إلى ارتفاع نصف قدم، وهكذا دواليك.»٧

(٢) الاستنباط والتركيب

التركيب هو الصورة الكاملة للاستنباط والاستنباط القياسي، كما قُلنا، يمكن تفسيرُه تبعًا للماصدق أو تبعًا للمفهوم، غير أن الماصدق هو نتيجة المفهوم وعلامته الخارجية، ذلك لأن اللفظ لا «يصدق» على فئة معينة من الأفراد، تؤلف مجموعة متميزة بخصائص معينة، إلا لأنه يعبر عن «مفهوم» هذه الخصاص. وإذن فتفسير القياس على أساس المفهوم يبدو أقرب إلى الصواب، وهو الذي يعبر عن دلالته الحقيقة خير تعبير. على أن الصفات التي تكوِّن المفهوم هي محاولات لتحديد علاقات؛ فصفة «الإنسان» إذا ما أُجيد فهمها، كانت «طبيعةً» أي مجموعة معينة من «القوانين»، وبالتالي من «العلاقات» فالعلاقة ((rapport)) هي عصب الاستدلال.

وإذن فالاستنباط القياسي هو مجموعة من العلاقات، أي هو تركيب، والشيء الذي ينقصه حتى يبلغ كمال التركيب الرياضي هو تكوين فكرة واضحة عن هذه العلاقات.

ولم يفُت ديكارت أن يستلهم القياس المدرسي في بناء منهجه. وكل ما في الأمر أنه عاب عليه كونه عملية للعرض لا تفترض حتى مجرد المعرفة الحقَّة للأشياء التي يتحدث عنها المرء، لهذا كان يفضل التركيب على القياس.

ولكنه كان يؤثر على التركيب، التحليل الذي أسميناه (على حدِّ تعبير فيت Viètè) بالتحليل البرهاني Poristique وهو كما يقول ديكارت، يدل على الطريق الذي ابتدع به الشيء منهجيًّا؛ أي على نشأته العقلية. ولقد كان كتابه «التأملات» الذي عرض فيه ميتافيزيقاه، كتابًا تحليليًّا كما قُلنا على أنه قد عرض التأملات عرضًا تركيبيًّا أيضًا، في الإجابات على الاعتراضات الثانية بناءً على طلب نُقَّاد مُعيَّنين وإن يكن هذا العرض أقل قيمة من الأول بكثير، كذلك كان التنظيم التركيبي هو الذي اتبعه اسبينوزا٨ في كتاب الأخلاق.٩ وهو الكتاب الذي عرض فيه مذهبه والذي كان من مؤلفاتِهِ المخلَّقة، فهو يبدأ من الله، وهو الموجود المطلق، والجوهر الذي لا تكون بقية الأشياء سوى تعبيرات عنه، أو كما يقول هو، أحوال له (القسم ١) ثم يأتي بعد ذلك العقل (قسم ٢) ثم الانفعالات (قسم ٣) التي تفسر بها عبودية الإنسان (قسم ٤)، وأخيرًا يعرض الكتاب وسائل تحرير الإنسان ونتيجته (قسم ٥). ولكن مما يريح المرء أن يهتدي من آنٍ لآخر إلى «تعليقات» أن ملحوظات تقطع التنظيم التركيبي، وتوضح ما أراد المؤلف أن يفعله والهدف الذي اتجه إليه.

الحدس

وهنا تُواجهنا مشكلة معرفة ما إذا كان التفكير العقلي لا يخرج عن الاستدلال، وما إذا كان هذا التفكير بأكمله مقاليًّا متدرجًا.

أليست هناك وظيفة ذهنية أخرى لها خصائص مضادة لخصائص الاستدلال؟ مثل هذه الوظيفة، لو وُجدت تُسمَّى «بالحدس» وهي تتسم بالصفات الآتية:
  • (١)
    الاستدلال «توسط»؛ فهو يسير بناءً على ما كان أرسطو يُسميه «بالحد الأوسط» والاستدلال يتقدَّم ويبرَّر دائمًا عن طريق روابط مثل «لأن» أو «ما دام». أما الحدس فيكون عندئذٍ «مباشرًا»، أي ينطوي في ذاته على ما يبرره، بحيث «يرى» المرء (في اللاتينية intueri) مباشرة علة الشيء نفسه، ويكفيه أن يرى الشيء ليفهمه ويؤكد وجوده.
  • (٢)

    وإذا كنا قد ذكرنا من قبل أن الاستنباط الرياضي ليس «صوريًّا»، بمعنى أنه لا يمكن فصل العملية التي يتكوَّن بها عن مضمونه، فإن الاستدلال صوري دائمًا، بدرجات متفاوتة، بمعنى أنه ينطوي على عملية آلية، وبالتالي له درجة معينة من «الشمول». أما الحدس فأساسه «النوعية» و«الفردية»، أي أنه ينطبق تمامًا على موضوعه، ويعبر، تبعًا لاختلاف طبيعته، عن اختلاف الأشياء (وهو في هذا أيضًا يُشابِهُ النظرة التي تُضفي على الأشياء صبغة فردية).

  • (٣)

    والاستدلال مقالي متدرج، كما قلنا. فهو محدد الأجزاء، يقبل التفكيك، ويمكن التعبير عنه بالكلام. أما الحدس فلا يمكن التعبير عنه بل لا يمكن ترجمته بالألفاظ إلا على نحوٍ غير مباشر، وبالمجاز أو الرموز، مثله في ذلك مثل الموضوع الخاص بالإبصار، وهو اللون الذي لا يمكن تعريفه أو تفسيره، بالنسبة إلى مَن وُلِد أعمى على سبيل المثال، إلا عن طريق المجاز.

والمشكلة التي تعرض لنا الآن هي أن نعرف إن كان الحدس، بالمعنى الذي عرفناه، هو حقًّا إحدى عمليات التفكير. ولهذا السؤال وجهان: فهل يُوجَد حدس؟ وهل للحدس طبيعة عقلية؟

(١) حقيقة الحدس

السؤال الأول يستدعي جوابًا سريعًا بالإيجاب. فإذا كنا قد استطعنا تحديد خصائص الحدس بمثل هذه الدقة، فهناك احتمالٌ كبير في أن يكون نوعًا من أنواع المعرفة الفعلية. ولا بد أن يكون الاستدلال في حاجة إلى أن تتضافر معه وظيفة مضادة له، تعوض نواحي النقص فيه.

أما السؤال الثاني فهو الشائك حقيقة. وإجابتنا عنه تتوقف على تحديدنا لكُنْه العقل، ولما يعرف بأنه «معقول». فمن أيسر الأمور أن نُعرِّف العقل بأنه الاستدلال، وعندئذٍ يكون الجواب بالنفي ضرورة، والأفضل أن يعرَّف العقل بأنه ملَكَة المعرفة التي تجد في العلم أنقى وأكمل تعبير عنها.

ولنذكر، بوجهٍ خاص من الفلاسفة الذين أجابوا عن السؤال الثاني بالإيجاب، اسبينوزا: ولقد كان اسبينوزا في هذه المسألة مخلصًا لتعاليم ديكارت، فديكارت لم يكن ينظُر إلى الاستدلال (الذي كان يُسمِّيه بالاستنباط، وأحيانًا بالاستقراء) إلا على أنه تنمية أو اكتساب للحدس، وبالعكس كان الحدس عنده تركيزًا للاستدلال.

على أن سبينوزا يميز بين أنواع ثلاثة للمعرفة، وقد ضرب لشرحِها مثلًا، فلنفترض أننا نبحث عن حدٍّ رابع في تناسُب، أعني عن الطرف الأخير في نسبةٍ نعرف حدودها الثلاثة الأولى: أ، ب، ﺟ ونريد العثور على الحد الرابع س،

  • (١)
    فالمعرفة من النوع الأول التي يبدأ اسبينوزا بوصفها، ويُسمِّيها بالظن (مثل أفلاطون) أو بالخيال (مثل ديكارت) تنحصِر في أن نستقرئ بناء على أمثلة سبق أن مرَّت بنا (وتُسمَّى بالتجربة التائهة expériéncé errante وهو تعبير بيكن) أو بترديد قواعد محفوظة عن ظهر قلب، ومنقولة عن المعلمين (وتُسمى بالمعرفة السماعية) وعندئذٍ نُدرك، بعد أن تعلَّمنا (أو اكتشفنا العملية بعد محاولات) أن الحصول على قيمة س يكون عن طريق ضرب ب في ﺟ وقسمة الناتج على أ.
  • (٢)
    أما «المعرفة من النوع الثاني» فيُسميها اسبينوزا ratio أي العقل، أو على الأصح الاستدلال، فنحن نعلم «برهان» النظرية القائلة أنه في التناسب يكون حاصل ضرب الطرفَين مساويًا لحاصل ضرب الوسطَين، وهي القضية التاسعة عشرة من الكتاب السابع لإقليدس وإذن فإن أ س = ب ﺟ إذن س = (ب ﺟ)/أ وتلك هي نفس العملية السابقة ولكننا نعرفها بطريقةٍ مختلفة، أو أننا نعرفها فحسب.
  • (٣)
    وأخيرًا، «المعرفة من النوع الثالث» التي يُسمِّيها اسبينوزا بالمعرفة الحدسية scientia intuitiva وهي معرفة لا يمكن أن تنطبق على المسألة التي اتخذناها مثالًا إلا إذا كانت هذه المسألة تنطوي على أعداد بسيطة.

فلنفرض أننا نبحث عن العدد الرابع المتناسب مع الأعداد الثلاثة ١، ٢، ٣. فإذا ما وضعت المسألة على هذا النحو ٢/١ = ٣/س استطعتُ أن أُدرك مباشرة و«بالحدس» دون أن أمر بالاستدلال، أن س = ٦. فالحدس هنا هو المعرفة النوعية، الفردية، بالعلاقة ١ / ٢  وهي تمكن من تكملة الكسر ٣ /٦ بطريق مباشر.

ومن هذا نرى أن الحدس عند اسبينوزا هو الوظيفة العقلية الكبرى، وأن العقل يجد في الحدس أعلى صورة وأكملها.

باسكال يضع الحدس والقلب مقابل العقل والذهن

ولكن من الفلاسفة من يعدُّون الحدس طريقة للمعرفة خارجة عن مجال العقل. وأساس رأيهم هذا هو التمييز الشائع بين «العقل» والقلب. فالقلب نوع من المبدأ الباطن الذي يتميَّز عن العقل أو الذهن، وهو مع ذلك مبدأ للمعرفة. فعندما نقول عن شخص «إن قلبَهُ دليله.» نعني أنه يفهم أشياء معينة أو أشخاصًا مُعيَّنين بطريقةٍ أخرى غير العقل. وفي هذا يقول «فوفنارج Vauvenargues» إن أعظم الأفكار «تأتي من القلب».
وهذا التمييز الشائع يوضح لنا مذهب الفلاسفة الذين يقابلون بين العقل والحدس. وسنضرب لهما مثلًا بباسكال Pascal فكلمته المشهورة: «للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل.»١٠ تجري على كل لسان. وليس معنى هذه الكلمة أن الانسياق وراء العاطفة، عند ذوي الانفعالات العنيفة والمشاعر الحساسة، يُخرس نداء العقل، وإنما تعني أن القلب مصدر لمعتقداتٍ لها براهينها الخاصة، التي تخرج عن نطاق العقل.

ذلك بأن العقل؛ أي الاستدلال، يستخلص استنباطاته وبراهينه من مبادئ معينة. فما مصدر هذه المبادئ؟ يقول باسكال «إنه القلب». فنحن لا نعلم الحقيقة بالعقل وحده، بل بالقلب أيضًا، وبهذا المصدر الأخير نعرف المبادئ الأولى.

فعلى هذه المعارف القلبية والغريزية يجب أن يرتكز العقل، وعليها (يجب أن يبني كل مقالة أو بعبارةٍ أخرى الحلقات التي يتدرج بها تفكيره المقالي) ويضيف باسكال إلى ذلك قوله: «إن القلب يحسُّ أن للمكان أبعادًا ثلاثة، وأن الأعداد لا متناهية.»١١ والقول إن للمكان ثلاثة أبعاد هو من مصادر الهندسة في المكان كما أن الرياضيين يقولون إن الأعداد الصحيحة يمكن تكوينها إلى ما لا نهاية، وكذلك الجذور الصماء، التي تُحسب بالصيغة العشرية، تنطوي على عددٍ لا متناهٍ من الحدود. فالرياضيات إذن تفترض ما يمكن أن يُسمَّى شعورًا باللامُتناهي. وهذا الشعور لا يأتي من العقل. وقد اهتدى باسكال إلى حلِّ مسائل في حساب اللامتناهيات دون إيضاح الأُسس العقلية لهذا الحساب: «فنحن نعلم بوجود اللامتناهي ونجهل طبيعته.»١٢
فأساس المعرفة العلمية إذن وظيفة يجب أن تُنسب إلى القلب. وهذا يصدق، بالأحرى، على المعرفة الميتافيزيقية. لهذا كان باسكال يعتقِد أنه ليس ثمَّةَ ميتافيزيقا سوى الدين، وأن الإيمان وحدَه هو الذي يُوصِّل إليها، بل إننا لا نستطيع أن نبني أبسط أحكام الواقع على العقل. ومن هنا لم يكن الشُّكَّاك البيرونيون (نسبة إلى بيرون Pyrrhon) على خطأ حين شكُّوا في وجود العالم الخارجي. ومع ذلك، فعلى الرغم مما يقولون: «فإننا نعلم أننا لا نحلم.» وهذا اليقين مصدره «القلب والغريزة». فإذا «كنا نعجز عن البرهان، بحيث لا يخلصنا من هذا العجز أي مذهب توكيدي (والمقصود بهذه الكلمة، المذهب العقلي عند ديكارت مثلًا) فإن لدَينا فكرة عن الحقيقة، لا يزعزعها لدَينا أي مذهب شكِّي.»١٣
ومن هنا كانت المعرفة العقلية عاجزة بالأحرى عن أن تكشف لنا «مجال الفضل الإلهي» «فالمسيح والقديس بولس ينتميان إلى مجال الفضل الإلهي، لا إلى مجال العقل، إذ إنهما أرادا بعث الحرارة، لا تلقين التعاليم. كذلك كان القديس أوغسطين؛ وأساس هذا هو الرجوع في كل مسألة ردُّها إلى الغاية النهائية من أجل إيضاحها.»١٤

وكما أن القلب «يثيرنا» نحو الإحساس، فهو يؤدي بنا أيضًا إلى الحب الإلهي: «إن القلب هو الذي يستشعر الله، لا العقل. وحقيقة الإيمان هي تكشُّف الله للقلب لا للعقل.»

والأمر الجدير بالملاحظة أن النزعة العقلية قد تخطَّت العقبة التي تصوَّرها باسكال عقبة كأداء، إذ إنها صبغت اللامُتناهي بصبغة عقلية، وبذلك أدمجت اللامتناهي في العقل. فقد أدت جهود ليبنتز ونيوتن (حوالي ١٦٧٠–١٦٧٥م) إلى إدماج حساب التفاضل والتكامل في المذهب الديكارتي، وإلى القضاء على الطابع اللامعقول الذي كان يُضفى على اللامتناهي في الصغر، حين كان يضرب في عدد لا متناه، فيكون الناتج كمية متناهية. وهذه العملية الممتنعة يحل محلها حساب الحدود المتغيرة في المعادلات، والدالة الأولية. والحد المتغير هو القيمة الحدِّية لنسبةٍ ما، وهي القيمة التي تظلُّ صحيحة في كل صورها المتعاقبة.

مذهب برجسون، فلسفة للحدس

والآن سندرس فلسفةً أخرى للحدس، تكاد تكون معاصرة، وهي فلسفة برجسون (١٨٥٩–١٩٤١م) التي تأبى أن تعزو إلى المذهب العقلي في علم الطبيعة الرياضي القدرة على فهم اتصال الظواهر النفسية والحيوية وتطورها، وتقصر معرفتها على الحدس الخارج عن مجال العقل.

(١) العقل في رأي برجسون

يرى برجسون أن العقل طريقة للمعرفة أساسها التدرج المقالي. وهو يقتطع الواقع إلى أجزاء، تدخل عليها ألفاظ عامة مجردة، يجمعها العقل بإرشاد التجربة. ففي الإدراك الحسي مثلًا يُدرك العقل أشياء. أو على الأصح نماذج لأشياء يهتدي إليها فيما بعد على صورة تكاد تكون مماثلة لها (كالقلم أو الورق) ويمكن استخدامها من جديد لتفسير إدراكات حسية أخرى، وهو يجمعها في مجموعات يُعبر عنها بأحكام مثل: أكتب بالقلم على الورق، ولعملية الاقتطاع والجمع الذهني هذه هدف نفعي وعملي، لأن مَن يُدرك حسيًّا يهدف إلى التعرُّف على الأشياء ليستطيع الإفادة منها.

فالهدف الأساسي للعقل البشري إذن هو المعرفة النفعية. وهو إنما يميز القلم والورق حسيًّا لكي يتمكن من التدوين بالقلم على الورق، وقد بَيَّن برجسون أن الإنسان عاقل homo sapiens بقدر ما يستطيع الإفادة من أشياء بوصفها أدوات له، وأنه عاقل بهذا المعنى ذاته. والأهم من ذلك أنه يستطيع صُنع أدوات: فهو إنسان صانع homo faber وهذا هو بعينه ما يميزه عن الحيوان. وإذا كانت بعض الحيوانات تقترب منه في عقلها فما ذلك إلا لأنها تستطيع أن تميز أدوات، وأن تستخدمها في حالات مُعينة بسيطة.
وإذن، فدور العقل ورسالته هي قبل كل شيء وظيفة الصنع fonction fabrcatrice أي تشكيل الأدوات واستعمالها، ووظيفة التفكير المقالي المتدرج تنتج عن هذه؛ فهي إدراك أشياء ينطوي تركيبها على نوع من التشابه، وقدْرٍ من الدوام، ويمكن استخدامها والانتفاع منها. ففي الدرجة الأولى يأتي صنع الأدوات واستخدامها. وفي الدرجة الثانية تأتي الأفكار المجردة العامة، والتفكير اللغوي، وجمع الكلمات في قضايا وجمل.
والعقل العلمي هو أعلى صور هذه الملكات العملية المتواضعة، إذن ما العلم؟ إنه معرفة قوانين الطبيعة. على أن القانون هو تعاقُب للحوادث يُدركه المرء وسط التيار المعقَّد للظواهر الطبيعية، وهنا نجد فكرة عامة عن التجربة العلمية، مُتشابهة تمامًا لفكرة جون ستيورت مل.١٥ فإدراكنا لقانونٍ ما، هو أن «نستقرئ».

واستقراؤنا لا يَعني إلا أن نجرد، أي أن نقتطع بالفكر تعاقبًا مُحددًا من تصورنا المعقد للظواهر؛ فقولنا مثلًا إن الماء يغلي في درجة ١٠٠º تحت ضغط ٧٦سم من الزئبق، معناه أن نعزل بالفكر المجموع الذي يكونه الوعاء الممتلئ ماءً فوق الموقد، ومقياس الحرارة وأنبوبة الضغط الجوي.

وبالمثل يدل «الاستنباط» على التعميم أي أن ننقل بالخيال تجمعًا فكريًّا سبق عزله إلى مجموعٍ جديد. فالبرهنة على نظرية فيثاغورس مثلًا معناها أن نُدرك، في المثلث القائم الزاوية الذي نسقط فيه عمودًا من الزاوية القائمة على الوتر، مثلثات داخلية قائمة الزاوية نعرف على التوِّ أنها مشابهة للمثلث الأصلي والبرهنة على هويةٍ ما، هي أن نُدرك فيها هوياتٍ أخرى سبقت البرهنة عليها.

ومن هذا ينتُج أن الذكاء ليس إلا القدرة على التجريد والتعميم. وأن المعرفة العلمية لا تتجاوز تكوين التصوُّرات. فهو بأسره آلي وفني عملي أو صناعي إن جاز هذا التعبير. وهو يدَعُ جانبًا كل ما هو رفيع، وجريء، وتجديدي ومُنزَّه، أعني أنه يغفل كل ما يتصف به «التفكير» الصحيح من عُمق وإنكار الذات.

ذلك لأن التفكير ليس هو الذكاء، ومهمة الحدس الحقيقية هي أن يملأ الهوة بين التفكير والذكاء. فالحدس هو العنصر الذي يتجاوز العقل في التفكير.

(٢) الحدس والشعور

الحدس، كما يقول برجسون هو «رؤية الروح للروح مباشرة، فالحدس إذن يعني الوعي المباشر أولًا، والرؤية التي لا تكاد تتميز عن الشيء المرئي، والمعرفة التي هي وعي، بل في اندماج.»

وإذن فبينما يظلُّ العقل خارجًا عن التفكير بمعناه الصحيح، ومُتجهًا بأسرِهِ نحو المادة، ومُتكيفًا معها، فإن الحدس هو معرفة للتفكير الصحيح وهو شعور حقيقي أساسي.

وهو يصِل في لمحةٍ واحدة إلى تفكير الآخرين، ويتعاطف معه، ويواصل برجسون وصفه للحدس قائلًا: «ألا يمضي الحدس إلى أبعد من ذلك؟ أليس هو حدسنا لأنفسنا؟ الحقُّ أن الفارق بين وعينا ووعي الآخرين أقلُّ حدةً من الفارق بين جسمنا وأجسام الآخرين، إذ إن المكان هو الذي يُحدِث التقسيمات الحاسمة. وأن التعاطف أو التنافر التلقائيَّين، اللذين تصدق نبوءتهما في الغالب، يَشهدان بإمكان تداخُل الوعي بين مختلف الناس.»

(٣) الحدس والحياة

وفي موضع آخر يقول برجسون: «إن العقل يتَّصِف بأنه عاجز بطبيعته عن فهْم الحياة.»١٦ فنحن نعلم أن الحياة هي «تقدم في السن»، أي أنها ترتبط بالزمان ارتباطًا وثيقًا.١٧ ولقد أطلق برجسون على هذا النوع الخاص من العلاقة بالزمان اسمًا مميزًا، هو «الديمومة durée» ففي حين أن الزمان بمعنى الكلمة لا سلطان له على المادة الغفل التي لا تخلق شيئًا ولا تفقد شيئًا، ولا يتقدَّم بها السن، فإن الديمومة من صفات الحياة، لهذا يتطوَّر الأحياء، أي يتغيرون تغيراتٍ أساسية تبعًا للزمان، وهذا التطور «خالق» بمعنى أنه يُجدِّد ويأتي بجديد، وينتهي إلى صورٍ جديدة في جوهرها. على أن العقل والمعرفة العلمية للحياة، لا يُدرك كنه هذا التطور الخالق، وهو لا يلاحظ منه إلا شروطه المادية ونتائجه، على حين أن الحدس، الذي يُدرك زماننا الوجودي، والتفكير الفعال المجدد، لدَيه استعداد طبيعي لفهْم الحياة. لهذا واصل برجسون كلامه قائلًا: «ولكن هل يقتصر تعاطفنا على الأذهان الواعية وحدها؟ وإذا كان كل كائن حي يولد، وينمو، وإذا كانت الحياة تطورًا، وإذا كانت الديمومة تُعد حقيقة في هذا المجال، أفلا يكون هناك أيضًا حدس بما هو حي، وبالتالي ميتافيزيقا للحياة، تكون امتدادًا لعلمنا بالحياة؟»
ومن هنا كان تقريب برجسون بين الحدس والغريزة. فالغريزة عنده تفكير يجهل ذاته، ولكن يُحاكيه الحدس، بمزيد من الوعي على الأقل. ذلك لأن في الغريزة ما يعادل المعرفة العميقة بالحياة، وبالحياة في مجموعها، ما دام الأحياء — كما تقول النظرية التطورية — ليسوا إلا كائنًا حيًّا واحدًا بمعنًى ما.١٨

(٤) الحدس والروحية

هذه المقارنة بالغريزة لا تهدف بالطبع إلى تمجيد الغريزة؛ بل ترمي إلى بثِّ الثقة في نفوسنا بقوة الحدس، ويستخدم الحدس هذه القوة في غايات روحية، إذ إنه لما كان شعورًا بالتفكير فإنه يُدرك الروح في جوهرها، الذي هو «الخلق». فالعقل «يتمثَّل الجديد عادة على أنه تنظيم لعناصر موجودة من قبل فلا شيء يفنى أو يُخلق في نظره، أما الحدس فيرى، ويعلم أن الروح تستخلِص من ذاتها أكثر مما فيها، وأن هذا الأمر بالذات هو قوام الروحية.»١٩
وإذن فلن يُدهشنا أن نرى أن الحدس هو جوهر الشعور الجمالي والشعور الديني.٢٠ ذلك لأن الانفعال الجمالي إنما هو تعاطف، والشعور الديني هو الشعور بالاتحاد مع المبدأ الخالق للعالم، فهو «متعة في المتعة، وحب لما لا يكون إلا حبًّا.»٢١

وبالاختصار، فبينما يبني العقل الأساليب الفنية العملية والعلم، فإن الحدس هو الملكة المميزة للفن، وللميتافيزيقا، وللأخلاق وللدين.

النزعة العلية والبرجسونية

لن يتسنَّى لنا أن نُعالج في هذا المجال المشكلة الضخمة التي أثارها برجسون، أعني مشكلة العلاقات بين العقل والقلب، إن جاز هذا التعبير. ولن نبحث هنا إلا في التفكير العلمي. والوجه الوحيد الذي يُهمنا في المشكلة هو: هل التفكير العلمي في حاجة إلى نوع من المعرفة الحدسية؟ وإن كان الأمر كذلك فهل هذا النوع أعلى من المعرفة العقلية؟

(١) حقيقة الحدس

لن نجد صعوبةً كبيرة في الإجابة عن السؤال الأول، ويُمكننا أن نُدرك، دون مشقة الدور الذي يؤدِّيه الحدس في العلم.

ومن المفهوم بالطبع أن كلمة الحدس يجب ألا تدل، في هذا الصدد، على الإدراك الحسي والخيال، كما يحدث في أحيانٍ كثيرة، ومن هذا القبيل تفرقة هنري بوانكاريه بين طائفتَين من علماء الرياضة: أولئك الذين هم منطقيون بفطرتهم وأولئك الذين هم «حدسيون»، أي يحتاجون إلى «رؤية» الأشكال، في الواقع أو في الخيال، فليس هذا هو المعنى الذي نقصده.

وهاك الطريقة التي نعتقد أنها تُوصِّل إلى الكشف عن الحدس، وذلك بالتساؤل عما يَعنيه «فهم استدلال»، كالاستدلال الرياضي مثلًا، فيبدو لنا الإدراك العقلي لأي استدلال ينطوي على أربعة أفعال متميزة:
  • (أ)

    تتبُّع خطوات الاستدلال، والتأكُّد دائمًا من أن المرحلة الجديدة تتلو المرحلة السابقة.

  • (ب)

    تأمُّل تركيبه وشكله العام، وتصميمه الأصيل الفريد.

  • (جـ)

    إدراك هدفه، والغاية المقصودة منه.

  • (د)

    الوقوف على علاقته بالموضوع، بحيث يُدرك المرء، ولو على نحوٍ غامض، الاستدلالاتِ الأخرى الممكنة التي تتعلق بالموضوع.

على أن العملية الأولى هي وحدها التي تعد مقالية متدرجة بحق، أما الأخريات فهي عمليات حدسية بالمعنى الصحيح. ففي الرياضيات مثلًا، يستطيع أي شخص أن يقوم بالعملية الأولى، ولكن هؤلاء الذين توافر لديهم «الحس الرياضي» و«الذكاء» في الرياضة، هم وحدهم القادرون على القيام ببقية العمليات. والذي لا شك فيه أن «الحس الرياضي» إنما هو حدس لأن من الجلي أنه صورة خاصة من صور الذكاء.

وإذن فلكي يُفهم الاستدلال على حقيقته، يقتضي نوعًا من أنواع الذكاء ليس استدلاليًّا بالمعنى الدقيق، وهذا النوع هو الحدس.

وواضح أن مثل هذا يمكن أن يقال عن وضع الاستدلال أو اختراعه.

ومن الجلي أيضًا أن للحدس من الصور بقدر ما له من الموضوعات؛ فكما أن هناك حسًّا رياضيًّا، كذلك يُوجَد حس بيولوجي، ونفسي وجمالي وميتافيزيقي. وليس في وسعنا أن نُحدد صفات كل صورةٍ من هذه الصور، ولكن للقارئ أن يُحاول ذلك بنفسه.

فالحدس إذن هو في نظرنا الروح التي تُوجِّه الاستدلال تبعًا لموضوعه.

(٢) دفاع عن المذهب العقلي

وهنا تعرض لنا مسألة أكثر تعقيدًا من السابقة، تؤدي بنا إلى اتخاذ موقف مضاد لبرجسون، ندافع فيه عن المذهب العقلي، والمذهب العقلي هو ذلك الذي يدمج في العقل كل الوظائف الذهنية، حتى اللذة والألم، والميول، والإرادة ولكنا لن ننظر هنا إلى هذا المذهب إلا من جهة اتصاله بمشكلة الحس. فهل الحدس وظيفة عقلية؟ سنُجيب عن هذا السؤال بالإيجاب، وفيما يلي ما نراه لذلك من أسباب:
  • (١)

    فقد بينَّا منذ قليل أن الحدس وسيلة للفهم ما دام الاستدلال لا يفهم دونه تمام الفهم.

  • (٢)

    وقد برهنَّا على ذلك دون أن نخرج عن نطاق العلم، وعن نطاق العلم الرياضي بوجهٍ خاص، وهذا دليل آخر على أن للحدس بالفعل طابعًا عقليًّا.

    ولقد كنا نستطيع أيضًا أن نلجأ في البرهنة على ذلك إلى علم الطبيعة، وذلك بأن نمضي على النحو التالي؛ فقد بينَّا من قبل أن الظاهرة العلمية يجب تفسيرها، وأن هذه العملية تُحتِّم الالتجاء إلى العلم الذي تم اكتسابه وتكوينه، فالظاهرة الواحدة التي نُلاحظها تتضمَّن العلم كله، بدرجات متفاوتة، ويترتب على ذلك أن المرء لا يُجري التجربة لكي يُحقق قانونًا بالمعنى الصحيح، وإنما لكي يحقق «العلم بأَسره» فلنفرض أن جواب الطبيعة كان بالنفي، أي أن التجريب قد كذَّب القانون، عندئذٍ يجب تغيير النسق، فأي جزءٍ من النسق هو الذي يجب تغييره؟ إن الطبيعة لا تُحدد لنا هذا الجزء. فهنا يجب أن تتدخَّل خاصة، أعني صورة مُعينة من صور العقل، هي «حدس» يتَّخِذ قراره بحُرية، ودون أي ضغطٍ من جانب الطبيعة ولكن دون تحيُّز أيضًا؛ ففي حالاتٍ معينة، قد يكون القانون المراد تحقيقه هو الذي يجب تعديله، وفي حالات أخرى، قد تُعدَّل النظرية بأَسرِها، بل قد تُوجِب حالات يتحتم فيها إعادة العلم بأسره إلى بوتقة الاختبار، ليحدث انقلاب شامل فيه. وهذا ما حدث حين قرَّر كبرنك وجاليليو أن يُراجعا علم الفلك، بل الميكانيكا بدورِها، مراجعة شاملة.

    ولقد كان علماء الطبيعة القدماء يقولون بضرورة عدم الإكثار من الكائنات entia دون موجبٍ. والمقصود بالكائنات هنا مبادئ التفسير، أي إن التفسير يكون أصلح إذا كان ينطوي على مبادئ «أقل». وتلك «قاعدة حدسية» وليست مبدأً للاستدلال، إذ إن الاستدلال يؤدي وظيفتَه، سواء أكانت المبادئ كثيرةً أم كانت قليلةً.
  • (٣)

    يكتمل الدليل على صحة المذهب العقلي إذا أمكنَنَا أن نُبين أن هناك عمليةً حدسية تتدخَّل في كل صور التفكير المقالي المتدرج. وبالفعل تُوجَد هذه العملية، ويُمكننا تعريفها على حدة؛ فهي عملية تصور العلاقة.

(٣) فهم العلاقة

قلنا إن الاستقراء عملية تمهيدية لا تُزوِّدنا بمعرفة عن الأشياء، وأن الوصول إلى العلم الحقيقي لا يكون إلا بالتحليل. على أن التحليل إنما هو تحديد للعلاقات الخفية المكونة للشيء؛ فهو يفترض استشفافًا وفهمًا لهذه العلاقة، والعلاقة ليست شيئًا؛ بل تَصوُّر لضرورة «تربط» بين الأشياء، ومن ثَم فلها طبيعة الفكر. لهذا كان العقل يدركها ويتخذها موضوعًا خاصًّا له؛ إذ هي من نفس طبيعته. فالتعبير الرياضي لا ينطوي إلا على علاقات والقانون علاقة.

وإذن، فالعقل في التحليل والتركيب هو في أساسه التفكير في العلاقات، ولكن معنى ذلك أنه يفي بشرطَين عزاهما برجسون إلى الحدس، إذ إن:
  • (١)

    الإحساس بالديمومة ليس إلا الشعور بالعلاقة بين الماضي والحاضر، وبالفارق بينهما، وبما قدَّمه الأول إلى الثاني. وإذا كان هذا الإحساس إبداعًا خالقًا، فذلك لأن للعلاقات بطبيعتها — متى أدركناها عن وعي — القدرة على أن تُولِّدَ عن طريق التركُّب علاقات جديدة أعقدَ منها.

  • (٢)

    والشعور بالتفكير هو صورة من صور العقل أرفع من هذه. فإذا كان العقل هو التفكير في العلاقات، فحسبُه أن يكمل ذاته ليُدرك في العلاقة التفكير ذاته، ما دمنا قد قلنا فيما سبق أن العلاقة لها نفس طبيعة التفكير.

    فالحدس إذن صورة للعقل العلمي وقد بلغ مزيدًا من الكمال.

١  Deuxième Partie, p. 64–66 de l’édition scoilaire Gilson (Vrin).
٢  Critique de la raison pure. trad. Archambault t. 1 pp. 42–45.
٣  Critique de la Raison pure.
ترجمة أرشامبو الجزء الأول ص٤٢، ٤٥، انظر أيضًا الجزء الثاني ص٤٦.
٤  وهو اسم كتاب إقليدس المشهور في الهندسة، الذي ظل دعامة علم الهندسة النظرية في صورته التقليدية حتى عصر قريب. (المترجم)
٥  وهذا ما نصل إليه بضرب الوسطَين في الطرفين. (المترجم)
٦  عاش أرشميدس من ٢٨٧ إلى ٢١٢ق.م. وأبولونيوس (من برجا) ما بين ٢٦٠ و٢٠٠ق.م.
٧  Déscartés: Œuvres édition citée t. I, p. 435.
٨  اسبينوزا (١٦٣٢–١٦٧٧م).
٩  نشر هذا الكتاب في عام ١٦٧٧م.
١٠  Pensées, frag 277.
١١  Frag. 282.
١٢  Frag. 233.
١٣  Frag. 295.
١٤  Frag. 278.
١٥  انظر الفصل السابع، قسم ٣.
١٦  L’évolution créatrice, p. 179.
١٧  انظر الفصل الثامن، قسم ٢ من هذا الكتاب.
١٨  L’évolution créatrice, pp. 199–192
١٩  الفقرات التي أوردناها في هذا القسم استخلصت كلها (فيما عدا النصوص التي اقتبست من التطوُّر الخالق) من كتاب التفكير والمتحرك.
La pensée et le mouvant, pp. 35–37 et 38–39.
٢٠  Les deux sources de la morale et de la religion p. 37.
٢١  Ibid, p. 226.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤