الفصل التاسع

العلوم الإنسانيَّة

العلوم الإنسانيَّة تدرس الإنسان من حيث هو فرد، ومن حيث هو عضوٌ في جماعة في آنٍ معًا. وهي تواجِه صعوباتٍ خاصة، تُلخَّص كلها في التضادِّ ما بين الحتمية وحرية الاختيار، كما ترجع إلى تبايُن هذه العلوم (علم النفس، التاريخ، علم الاجتماع).

الطابع الوضعي للعلوم الإنسانيَّة

(١) العلوم الإنسانيَّة

منذ أن قال سقراط كلمته المشهورة «اعرف نفسك» أصبح التفكير في الإنسان من المهام التي يوجِّه إليها الفيلسوف عنايتَه على الدوام. ولكن، بازدياد شعور العلم باستقلاله وبإمكانياته، نمت فكرة وضع علومٍ إنسانيَّة موازية لعلوم الطبيعة، تشترك معها في الروح على الأقل، إن لم يكن في المنهج. وكثيرًا ما كانت هذه العلوم تُسمَّى بالعلوم الأخلاقيَّة morales حيث يقصد بالأخلاقي، العقلي في مقابل المادي. ولكن التسمية المفضَّلة اليوم هي «العلوم الإنسانيَّة» وذلك حتى يتجنب الباحث الجزم مقدمًا بالتمييز ما بين الفعلي والمادي. كما كان من الممكن أن يُطلَق عليها اسم «الأنثروبولوجيا» (علم الإنسان)، لولا أن هذا اللفظ قد استحوذ عليه مبحث خاص يهتم، قبل كل شيء، بمعالجة مشكلة التركيب المادي للإنسان وبمشكلة الأجناس بوجهٍ خاص، وإن كانت هذه المشكلة الأخيرة لم تُعد من المشكلات التي لها أهميتها في الوقت الحاضر.

•••

والعلوم الإنسانيَّة على كثرتها — التي سنتحدث عنها فيما بعدُ — تنقسم عادةً إلى ثلاثة أقسام كبرى: فعلم النفس يدرس الإنسان من حيث هو فرد، ويبحث في أفعاله وأفكاره وعواطفه، وما يكونه وما يفعله. وفي وسعنا أن نضمَّ إليه علم الحياة البشري، وهو العلم الذي ظهرت فكرته منذ وقتٍ قريب، للدلالة على السلوك الفسيولوجي والمرضي للإنسان ليس مماثلًا من كل وجهٍ لسلوك الأحياء الأخرى. والتاريخ يدرس ماضي البشر، والحوادث التي تتحكم فيه، والمنطق الذي يتكشَّف عنه خلال تطوُّره (إن كان في هذا التطور منطق). ووجهة نظر التاريخ مختلفة عنها في علم النفس، فالتاريخ في بحثه للفرد لا يهدف إلى معرفته من حيث هو فرد؛ بل يرمي إلى فهمه بالنسبة إلى موقفٍ تاريخي معين، وفهم هذا الموقف ذاته من خلاله. أما علم الاجتماع فيلتزم معالجة الأمور من خلال هذا المنظور الجديد، فهو غالبًا ما يدَع العنصر الفردي جانبًا لكي يدرس العنصر الاجتماعي، أعني أوجه النشاط والأفعال البشرية من حيث أن لها، بطبيعتها، أو في جملتها، طابعًا غير فردي. وبالإضافة إلى هذا كله، سنرى أن كلًّا من هذه العلوم ينقسم إلى فروع جزئية يتطلب كل منها موضوعًا ومنهجًا خاصًّا به.

(٢) السبب في كثرة هذه العلوم

إن كثرة العلوم الإنسانية تقتضي منَّا، منذ الآن، تعليقًا. فَلِمَ هذه الكثرة؟ يرجع ذلك، أولًا، إلى أن من طبيعة كل علم، ولا سيما علوم الطبيعة، أن يتخصَّص ويستقلَّ عن غيره بقدْر ما يُحرز من تقدُّم، فمن الممكن أن يُدرَس الموضوع الواحد من زوايا مختلفةٍ كلٍّ على حدة، تفي بمقتضيات وجهات نظر مختلفة، وتعبر في ذاتها عن حاجاتٍ مختلفة أو عن أساليب عملية متباينة: فكما أن الحجر يمكن أن يُدرَس من وجهة النظر الجيولوجية، أو الطبيعة الكيميائية، كذلك يمكن دراسة الإنسان باعتباره كائنًا عضويًّا، أو شخصية أو محركًا للتاريخ، أو فردًا في مجتمع.

غير أنَّ هذه الكثرة من الفروع لا تفي بمقتضيات كثرة وجهاتِ النظر التي يتَّخِذها الإنسان فحسب؛ بل ترتبط أيضًا بطبيعة الإنسان، الذي لا نستطيع أن نَعُدَّه شيئًا كبقية الأشياء، إذ لدَيه القدرة على التذكُّر والتفكير، وهو يُطالب لنفسه بمكانة الكائن الحر الذي يتحكم في نفسه، بدلًا من أن تتحكَّم فيه عناصر خارجة عنه. وليس معنى ذلك أنَّنا لا نستطيع النظر إلى الإنسان على أنه كائن يسيطر على حتمية العالم الخارجي، ولكن هذه الحتميَّة غاية في التعقيد، وتتطلَّب دراسةً مُتعدِّدة النواحي، فالإنسان يبدو كائنًا لا يُفهَم، أو على الأقل كائنًا لا تُستوعَب كل جوانبه. والفعل البشري الواحد يبدو بدلالاتٍ مختلفة؛ فتحول «بوليوكت Polyeucte»١ إلى الدين المسيحي قد يكون مظهرًا من مظاهر مزاج مُتحمس للعبيد، أو عملًا سياسيًّا، أو ناتجًا عن تدخل العناية الإلهية. وقد يبحث العالِم عن تفسير له في التركيب المادي لبولوكيت نفسه، أو في شخصيته، كحبِّه للمغامرة مثلًا، أو في نوع من سوء التصرف بإزاء «بولين»، أو في الظروف التاريخية المتشابكة أو كنتيجة لتربية معينة؛ بل إن ظاهرة اجتماعية مثل الحرب، قد تفسَّر من حيث طبيعة السكان أو الاقتصاد، أو علم النفس، أو الحضارة، وكل هذه التفسيرات مشروعة، وكلها تبرر ظهور علوم مُتباينة لكن ينبغي من جانبٍ آخر أن يكون كل علمٍ من هذه العلوم واعيًا بحدوده، وعلى استعدادٍ للتعاون مع العلوم الأخرى. أما نزوع علمٍ خاص إلى السيطرة والتحكم، كما يتمثل فيما سُمي أحيانًا بالمذهب الاجتماعي أو المذهب النفسي، فتلك ظاهرة ترجِعُ إلى عهد البطولة الذي كان كل علمٍ يسعى فيه إلى استبعاد بقيَّة العلوم، أو يدَّعي القدرة على ضمِّها تحت لوائه، وهذا كله لكي يكفل لنفسه مكانًا بيِّنًا لبقية العلوم.

ولكن، أليس في وسعنا أن نمضيَ إلى أبعدَ من ذلك، أعني أنه إذا كانت هناك تفسيرات مُتعددة للظواهر البشرية، دون أن يكون أحدها صحيحًا بالأسبقية، وإذا لم يكن من الممكن بحث الإنسان في ظلِّ حتميةٍ بسيطة واحدة، فهلا يحقُّ لنا أن نقول إنه ليس هناك علمٌ خاص للإنسان؟

(٣) إمكان قيام العلوم الإنسانيَّة

ذهب البعض إلى حدِّ إنكار إمكان قيام العلوم الإنسانيَّة: فهل يمكن أن يكون الإنسان موضوعًا للعلم، إذا كان في الوقت نفسِه صانع العلم؟ وهل نستطيع أن نُرجِع الإنسان إلى مجرد شيءٍ من الأشياء، دون أن نبخسه حقَّه تمامًا؟ إن المعرفة الصحيحة للإنسان قد تنتمي إلى مجال الأدب أو التفكير الفلسفي، وقد تتبدَّى في الحياة العملية، وفي الأساليب الفنية للتربية أو الأخلاق، وفي الحكمة السياسية. والفلسفة هي التي تنظم هذه المعرفة قبل الفلسفية، دون أن يكون لدى العلم ما يُضيفه إليها.

لا شك في أن هذا النقد ينطوي على شيءٍ جدير بالتوقُّف لدراسته: فمن الحق، أولًا، أن الإنسان لم ينتظر ظهور العلوم الإنسانيَّة رسميًّا لكي يسعى إلى معرفة الإنسان، والأدب بأَسره خير شاهد على ذلك.

ثم إن علم الإنسان، متى تكوَّن، فإنه يبدو مهددًا في موضوعيتِهِ من جانبَين؛ فهو يرتكز من جهةٍ على المعرفة الذاتية والعملية المحضة التي تنطوي عليها العلاقات البشرية، والتي تنمو بنموِّ ما يُسمَّى بالخبرة expérience وإن كانت تتفاوت أيضًا تبعًا لفطنة كل فردٍ. ومن جهةٍ أخرى، فهذا العلم تشيع فيه فكرة معيارية تُستلهَم من أخلاقٍ معينة، ولو ضمنية على الأقل. فالإنسان يوصَف من خلال ما يُنتظر منه، أو ما يُطلَب إليه؛ لأن من شأن الإنسان أننا لا نستطيع تعريفه إلا إذا حكمنا عليه. وإذا حدَّدنا موقفنا منه وطبقنا قيمًا مُعيَّنة في حُكمنا عليه، فمعرفة الإنسان لا يمكن أبدًا أن تُوصَف بالحيدة المطلقة.

وأخيرًا، فمعرفة الإنسان تقتضي وسائل ليست كلها مماثلةً للوسائل التي تستخدِمها علوم الطبيعة. فليس من الممكن إجراء التجارب على الإنسان كما لو كان شيئًا من الأشياء، إذ إن في هذا قضاء على حياته؛ بل إن فيه انتهاكًا لحرمته واغتصابًا لحريته. ويبدو أنه يجب ألا يُمَسَّ أعمق ما في الإنسان، وأبعد دخائله غورًا، إلا بطريقٍ تجهلُها العلوم التجريبية، فضلًا عن أن هذه المجالات إذا ما اقتُحمت، كانت مهددةً إمَّا بأن تختفي عن أعيُننا، وإمَّا بأن تنحطَّ قيمتُها. وتذهب بعض الآراء الحديثة إلى حدِّ القول بأن تطبيق علمٍ خاصٍّ بالأشياء على الإنسان، هو انتهاك روحي مماثل للتعدِّي الجسمي الذي يتمثَّل في الاسترقاق أو الإرهاب.

ولكن هل يقضي هذا على كل علمٍ إنساني؟

(٤) حقيقة العلوم الإنسانيَّة

علينا أولًا أن نقرِّر بوضوح أن معرفة الإنسان قد أحرزت قدرًا من التقدُّم ينبغي أن يُعزى إلى العلم. فعلى حين أنه قد يكون من الضروري، في كل تفكير جديد، أن يُستعاد البحث في المشكلات الميتافيزيقية المتعلقة بالموقف الإنساني والمشاكل الخاصة بالواجبات الأخلاقية مرةً أخرى، فإن معرفتنا بالأصول النفسية للسلوك، بل بشروطه العضوية، قد ازدادت وضوحًا. فمعرفتنا بالطفل قد تقدَّمت منذ رابليه Rabelaie ومونتني، ومعرفتنا بالمجانين قد تقدَّمت منذ الوقت الذي كان المجانين يُحرَقون فيه. كذلك أحرز التاريخ تقدمًا، فنحن نعرف أصول روما خيرًا مما عرفها فرجيل، والحروب الصليبيَّة على نحوٍ أفضل مما عرفها جوانفيل Joiniville٢ لهذا كانت الأساليب الفنية الإنسانيَّة في تقدُّم هي الأخرى، سواء أكان الهدف منها توجيه اختيار أنواع النشاط، كما هي الحال في التوجيه النفسي، أم زيادة إنتاج الفرق العاملة، أم الصحَّة النفسيَّة، أم تنظيم المدن. وسواء أكان تقدُّم هذه الأساليب الفنية يتَّجِه إلى سعادة البشر أم شقائهم (وتلك مسألة أخرى) فإننا لا نستطيع أن نُنكر هذا التقدُّم الذي يترتب على تقدم العلم.

هذا التقدُّم يحدث، قبل كل شيءٍ في ترتيب الوقائع، بحيث تتوالى المجالات البيولوجيَّة والنفسيَّة والاجتماعيَّة تبعًا لهذا الترتيب. فمن المقرَّر أن الانفعالات يصحبها زيادة في إفراز «الأدرينالين»، وأن بعض أمراض الذاكرة تصحبها اضطرابات حركية، وأن التفكير العقلي يزداد تقدمًا في ظروفٍ معينة، وبالمثل يلاحظ أن مجتمعًا خاصًّا تكون له حضارة خاصة، وأن تقدمًا فنيًّا معينًا يرتبط بظروف اجتماعيَّة معينة، وأن نمو المدن يحدُث في ظروف خاصة، ويؤدي إلى نتائج مُعينة بالنسبة إلى تركيب الأُسرة أو العقائد الدينية. وإذن فحتى لو لم تكن معرفتنا الحالية واسعة، فلا شك أنها أوسع من معرفة أسلافنا.

(٥) السببيَّة في العلوم الإنسانيَّة

ومع ذلك، فليس يكفينا أن نكشف عن الظواهر؛ بل يجب أن نُرتبها، ونوضح ضرورتها. وإنا لنعلم أنه ليس هناك ظواهر علميَّة إلا عن طريق القانون، وأن الظاهرة هي في ذاتها قانون. ولكن هل يمكن أن يتوصَّل علم الإنسان إلى قوانين؟ وهل يستطيع الاهتداء إلى تتابعات سببيَّة؟ وهل تنطبق الحتمية على الإنسان؟ الحق أن إمكان قيام العلوم الإنسانية رهنٌ بهذا الشرط، كما هي الحال في سائر العلوم.

والواقع أن من الممكن أن يكون الإنسان موضوعًا لعلم وضعي، لأنه يمكن أن يخضع لملاحظةٍ منهجية، ولأن سلوكه، ولو كان فرديًّا، ينمُّ عن اطرادات منتظمة، وعن «صور إجماليَّة schemes» (على حد تعبير برلو Burloud) تشهد بوجود طبيعة بشرية يمكن تعميمها، ولأن سلوكه ليس فرديًّا فحسب؛ بل هو اجتماعي أيضًا، ومن ثم يمكن تحديده موضوعيًّا على نحوِ ما ينبئنا علم الاجتماع، وأخيرًا لأن الحرية إن كانت مضادة لعبودية الأهواء من الوجهة الأخلاقية وللقدْر المحتوم من الوجهة الميتافيزيقيَّة، فإنها لا تتنافى مُطلقًا مع الحتمية والتي تحاول علوم الإنسان الكشف عنها.

وسنوضح أن هذه العلوم، إذا كانت تضطرنا إلى إدخال أفكارٍ جديدة نظرًا إلى موضوعاتها، فإنها لا تتنافى مع التفسير السببي، وأنها لهذا جديرة بأن تُسمَّى علومًا.

  • (أ)
    الأحكام المعياريَّة والأحكام الواقعيَّة: مما لا شك فيه أنه يجب التسليم أولًا بأن العالِم لا يستطيع الوقوف من موضوع دراسته موقف عدم الاكتراث. فالإنسان يُهمُّ الإنسان، وهو يستثير حكمه، وتحيُّزه، إن جاز هذا التعبير. ومن هنا كانت المعرفة في هذا الصدد تسترشد، على نحوٍ ضمني على الأقل، بتأكيد قيمٍ مُعينة. وكما أن البيولوجيا تميز بين السليم والعليل، وعلم النفس بين السويِّ والمريض، أو بين الإدراك الحسي الصحيح والباطل، أو الذاكرة القويَّة والذاكرة الضعيفة، كذلك يميز علم الاجتماع بين قُوى التقدُّم أو التقهقر، وبين المجتمع المتوازن وغير المتوازن، وبين التركيبات الاجتماعية التي تُعين على نموِّ الشخصية أو تعوق هذا النمو. غير أن هذه الأحكام المعيارية تُضاف إلى البحث العلمي ولا تشوِّهه؛ فهي توجِّههُ وتضعه في خدمة الإنسان. والعلم ينحاز إلى صفِّ الإنسان في نفس الوقت الذي يشرع فيه في معرفته مثلما ينحاز الطبيب إلى صف المريض. ولذلك فإن المعايير التي يقابلها العلم على هذا النحو ليست تحيزات، وإنما هي تُعبر عن الجهد الذي تبذُله الحياة، وربما العقل، كي تبلغ كمالها في الإنسان، والجهد الذي يبذُله الإنسان ليصبح إنسانيًّا.
    وقد يقال، رغم ذلك، إن بعض المعايير التي يرجع إليها التفكير العلمي، وخاصةً في التاريخ وعلم الاجتماع، هي بالفعل تعبير عن آراء العالِم ذاته أكثر مما هي تعبير عن معياريَّة حقيقيَّة. فإن قال المرء مثلًا إن أصلح جماعةٍ اجتماعية هي تلك التي تُنتج أكبر إنتاج أو تتماسك أقوى تماسُك، أو أنَّ خير تعليم هو الأكثر حرية (بينما يرى آخرون أنه الأكثر خضوعًا للسلطة)، أو أن التاريخ يتجه إلى تكوين مجتمع بلا طبقات (بينما يرى آخرون أنه يتجه إلى تكوين مجتمع يزداد تفاوتًا)، فهلَّا تكون هذه الأحكام، سواء أكانت عمليَّة أم أخلاقيَّة، أحكامًا شخصية تُقحَم في مجال تفسير الظواهر؟ الواقع أن هذه الأحكام إذا كانت تعبر عن ذاتية العالِم، فإنها تعبر أيضًا عن الموقف التاريخي والاجتماعي، وعن المعيارية المتعلقة بالجماعة أو المجتمع أو العصر الذي يكون العالِم جزءًا منه، وهذا ما تكشف عنه بالفعل الدراسة السيسولوجية لعلم الاجتماع sociologie de la sociologie أعني علم الاجتماع الخاص بالمعرفة، الذي يتجلَّى فيه تحيُّز العالِم على أنه تعبير عن حقيقة اجتماعية. ولكن من واجب العالِم بطبيعة الحال ألا يركن إلى علم الاجتماع الخاص بالمعرفة في محاولة تفسير هذه التفصيلات؛ بل يجب عليه أن يحاول التخلُّص منها، وألا يخلط بين معيارية المجال البشري الذي يدرسه وبين التفضيلات الخاصة التي يشعر بها نحو صورة معينة للمجتمع أو نحو مستقبلٍ سياسي معين.
  • (ب)
    الغائية والسببيَّة: في هذه الحالة تعبر الأحكام المعيارية التي يصورها العالِم عن قدرته على التقويم في موضوع دراسته. ومعنى ذلك أن علوم الإنسان لا تستبعد الغائية. والحق أن الحياة ذاتها، تتَّجِه في المجال البيولوجي إلى تحقيق فردٍ سليم، أعني فردًا قادرًا على البقاء والتكيُّف مع العالَم وتأكيد سيطرتِهِ عليه. والبيولوجيا تصِف جهد التكيف هذا، وفي الوقت نفسه تستلهِمه وتشارك فيه. كذلك يتَّجه الإنسان، من الناحية النفسية، إلى اختراع الوسائل التي تضمن له سلوكًا يزداد تكيفًا ونجاحًا، وهو السلوك الذي تبدو بعض الرواسب أو ضروب التقهقر حالاتٍ مرضيةً بالنسبة إليه؛ بل إن الظاهرة المرضية ذاتها تُعد صورة ممسوخة أو مشوهة لهذا الجهد. وأخيرًا، فإن الجماعة الاجتماعية تتَّجِه، هي الأخرى، إلى الاستمرار في البقاء وإلى حفظ توازنها، لا عن طريق عمليات للتنظيم الذاتي أو الإصلاح الذاتي، كما هي الحال في الكائن العضوي؛ بل عن طريق وسائل تزداد دقةً على الدوام، كالتربية والإدارة ونظام الشرطة، وهي الوسائل التي تدعو الفرد إلى الاندماج في المجتمع والعمل على حفظ وجوده. وعلى هذا النحو يمكننا أن نتحدَّث عن غائية اجتماعية، وربما عن غائية تاريخية، وذلك إذا سلَّمنا بأن الصيرورة البشرية في مجال المجتمع لا الفرد، ليست نتيجةً للصُّدَف وحدها، أي لحتمية تبلُغ من التشابك والتعقُّد حدًّا لا يمكن معه تمييز عناصرها.

    غير أن الغائية، مفهومةً على هذا النحو، لا تغضُّ من قيمة التفسير السببي؛ بل الأمر على عكس ذلك تمامًا، لأنها إذا شاءت أن تُبرر وجودها، فإنما يكون ذلك عن طريق الحتمية التي توضِّح كيف يتسنَّى للوسائل أن تُنتِج الغاية، أو كيف تؤدي الغاية بدَورها إلى نتائج مُعينة، وبالتالي كيف تتأكَّد معيارية الفرد أو الجماعة وتنمو، أعني كيف يكون الفرد السوي، مثلًا، هو ذلك الذي يتكيَّف مع المجتمع على أفضل وجه، وكيف أن أكثر الجماعات تجانسًا هي أكثرها بقاء، وكيف أن حالةً اجتماعية مُعينة تُوحي بمستقبلٍ معين، وتتَّجِه إلى تحقيقه.

  • (جـ)
    الفهم والتفسير: ومن جهة أخرى، فالإنسان أيضًا وعي، وهو بهذا الاعتبار مُقفل بالنسبة إلى غيره من الناس، وشفَّاف أمامهم في آنٍ واحد. فهو لا يعرف الآخر معرفته للأشياء، وإنما يتعرَّف عليه بوصفِهِ شبيهًا له، بفضل ما لدَيه من قُدرةٍ على الاتصال به، وعلى قراءةِ تعبيرٍ عاطفي على وجهه، والارتياب في قصدٍ مُعين وراء فعلٍ ما، أو أحد الدوافع وراء قرارٍ ما. فللظاهرة الإنسانية دلالةٌ تُدرك مباشرةً على الدوام، حتى لو لم تكن واضحةً أو صالحة للتطبيق. وهذا ما أسماه بعض الكتاب — منهم الفيلسوف مثل «دلتي Dilthey» والمؤرخ مثل «ماكس فيبر» وعالِم النفس مثل ياسبرز — بالفهم compréhension وهم يُقابلون بينه وبين التفسير. ويضرب ياسبرز لذلك مثلًا فيقول: إن المرء يفهم أن الشخص الذي تستبدُّ به الغيرة يسعى إلى الانتقام، ويُفسِّر كون الزُّهَري يؤدي إلى الشلل العام.
    لكن العلم لا يستطيع الوقوف عند حدِّ هذه التفرقة؛ بل عليه أن يجمع بين التفسير والفهم دائمًا، والواقع أن:
    • (١)

      الفهم ذاته قد يُصبح علميًّا يتطلَّب تدخُّل العلم أكثر مما يتنافى معه، فالفهم يتفاوت في مداه، والمحلل النفسي يفهم الغيرة والغضب على نحوٍ أفضل من الشخص غير المثقف. كما أن الخبير يَفهم معنى العمل الفني خيرًا من الهاوي.

    • (٢)

      والفهم لا يتنافى مع التفسير، ويرجع ذلك أولًا إلى أنه قد يتضح في ذاته على هيئة علاقة سببيَّة، كما هي الحال عندما يصف عالِم النفس العمليات النفسية التي تؤدي إلى الغيرة، أو عندما ينسب عالِم الجمال «آثارًا» فنية معينة إلى عِلل معينة. ثم إن المرء يستطيع البحث عن أسباب لما يفهمه، ومثال ذلك: الأسباب الفسيولوجية للغيرة أو الأسباب الاجتماعية للتعبير عنها، أو الأسباب الفردية أو الاجتماعية لخلقِ عملٍ فني ما.

(٦) الحرية والحتمية

وهذا يُثير مشكلةً أخيرة: فإلى أي حدٍّ يمكن أن تنطبق الحتمية على الظاهرة البشرية؟ إن الإنسان مضاد للشيء، لا لأن له وعيًا فحسب؛ بل لأن لدَيه الحرية أيضًا، ولأنه قادر قبل كل شيءٍ على التذكر والاختراع، وظاهرة التذكر تَحدُّ من الحتميَّة؛ فالحتمية لا تكونُ مطلقةً إلا إذا كانت اللحظة الحالية محددة تمامًا عن طريق اللحظة السابقة مباشرةً. غير أنَّ هذا يفترض أن حالة الأشياء في اللحظة السابقة هي وحدَها التي تهم، وأن مجموع الماضي بأسرِهِ ليس له تأثير حقيقي في الحاضر. وبعبارة أخرى، فالحتمية تتنافى مع تأثير الذاكرة. على أنَّ من المحقَّق أن المادة تختلف عن العقل في أن العقل يتذكر. أما المادة فلا ذاكرة لها، ولقد كان ليبنتز على حقٍّ عندما قال إنَّ الجسم عقل مؤقت، أي بلا ذاكرة، corpus est mens momentones sur recordatione carens وقال برجسون مكملًا هذه الفكرة، إن النسيان هجوم مضاد من المادة على العقل «فالحالة المادية تجلب لنا النسيان».٣

فإن كان للماضي الذي يحتفظ به العقل عن طريق الذاكرة تأثير على الحاضر فمعنى ذلك أن اللحظة الماضية مباشرة لم تعُدْ هي وحدَها التي تتحكم في اللحظة الحاضرة، وأن الحتمية الرياضية لا تنطبق في صورتها الخالصة على العلوم الإنسانية.

(أ) الحريَّة والتقدُّم الإنساني:

من أجل هذا يتقدم الإنسان. ولندع جانبًا الحديث عن التقدُّم المعنوي الذي أنكر بعضهم حقيقته، ولنتحدث عن تقدُّم الأنوار (المعارف) porgrés des Lumiéres. فمثل هذا التقدُّم يستحيل إنكاره، وفي هذا يقول باسكال: «إن كل السلسلة البشرية خلال كل القرون المنصرمة يجب أن تُعَدَّ إنسانًا واحدًا ظلَّ باقيًا على الدوام، ويتعلم دون انقطاع.»٤ وإذا كانت معارفه في مجموعها تزداد بلا انقطاعٍ فما ذلك إلا لأن الذاكرة تحفظ ما اكتسبته. وقد يُقال إن تسمية مجموع الوثائق المحفوظة التي تساعد على تعليم الجيل الجديد باسم «الذاكرة» ليس إلا تسميةً مجازية. ولكنا نجد هنا شيئًا أكثر من مجرد المجاز، ويرجع ذلك أولًا إلى أن الوثائق لم تُسجَل ولم تُحفظ من تلقاء ذاتها؛ بل كان من الضروري أن يشعر الإنسان بالحاجة إلى تدوينها وإلى حمايتها من تقلُّبات الزمان، وأن يهتدي إلى الوسائل التي تُعينه على ذلك. ثم إن أولئك الذين كُتب لهم أن ينتفعوا بها يجب أن يكونوا قادرين على قراءتها وتقدير قيمتها وإدماجها في تجربتهم. وبعبارةٍ أخرى، فإذا كان الإنسان قد تمكَّن من أن يكون لنفسه ذاكرة بالمعنى الحقيقي لهذين اللفظين.

من هذه الملاحظات ننتهي إلى أن الحتمية لا تؤثر في الظواهر المعنوية مثلما تؤثر في الظواهر المادية، إذ إن للإنسان قدرة على التذكُّر، وعلى التقدُّم تبعًا لذلك.

فإذا ما مَضَينا في التحليل أبعدَ من ذلك، أمكنَنَا أن نهتديَ إلى فكرةٍ أهمَّ بكثير، هي فكرة الحريَّة الميتافيزيقيَّة — وما أدراك ما هي! هذه الكلمة تُطلَق على ما لدى الكائن المفكر من قدرة أن يقبل تصوراته وميوله أو يرفضها، وعلى أن يقول للكون ولذَّاته «نعم» أو «لا». هذه القدرة الهائلة، التي يتساوى فيها الإنسان بالله ذاته، على حدِّ تعبير ديكارت.٥ كانت موضع شكٍّ لدى البعض. ولسنا نود أن ندخل في تفاصيل هذا الخلاف، ومع ذلك فسوف نستبقي منه نتيجة ضئيلة، لم يَثُر حولها إلا خلافٌ قليل، ويمكن أن يثبتها التحليل دون عناء؛ وأعني بها القدرة على التفكير وعلى الخلق.
فإذا كان الإنسان قادرًا على التقدُّم في المجال الفردي والاجتماعي معًا، فما ذلك إلا لأنه يستطيع الخروج على أفعاله الآلية، وعلى نُظُمِه الجامدة، وعلى دوافعه التي قد ينقاد لها في المجالين العملي والنظري معًا، أي أنَّ في استطاعته أن يقول لتلقائيته «لا»، أو كما يقول مفستو فيليس (الشيطان): «إنني الروح التي تُنكِر على الدوام.»٦ وليس معنى ذلك أن الروح تقول لا على الدوام، وإنما هي تستطيع النفي، وفي تلك القدرة تتجلَّى حُريتها.

(ب) الحرية خالقة

والواقع أن حرية الإنسان قادرةٌ على الخَلق. ولقد سبق لنا الكلام عن اختراع القوانين في علم الطبيعة الرياضي، وكان ذلك خَلقًا بالمعنى الصحيح، إذ إن هذه القوانين ليست مُعطاةً في الظواهر بل ينبغي أن يكشفها العقل فيها.

والحال كذلك في كل ما هو إنساني: فمن المؤكد أن الإنسان يخلق عالَمه، وعلومه، وفنونه، وسياسته، ولا شك في أنه لا يخلق كل ذلك دون مادةٍ أو دون مُعطيات. ومن هنا كان هناك نوع من الحتمية الحقيقية، فلنتأمَّل في هذا مثلًا: إن الهندسة علمٌ «أولي apriori» أي أنها تُبتدَع بأَسرها. ولكن مادتها هي طريقة معالجة الأجسام الصلبة، كقِطَع الأحجار مثلًا. هذه الطريقة ذاتها قد نشأت عما قامت به الأداة البدائية من تهذيب وصقل. والأداة بدورها نوعٌ من التجسيد للحركات الغريزية التي تهدف إلى الضرب، والخلع … إلخ. فهناك إذن اتصال بين الغريزة، واستخدام الأداة. والأسلوب العملي الذي ينطوي في ذاته على نوعٍ من العلم، ثم العلم المحض. هذا الاتصال لا ينقطع؛ بل تتخلَّله بين الفينة والفينة حالات إبداع جديدة، وهكذا نرى مكانة الحتمية في هذا التطور؛ فكل مرحلة توحي بالمرحلة المقبلة وتجعلها ممكنة، دون أن تتحكَّم فيها كليَّة.
لهذا تحتفظ الحتمية بمكانها في العلوم الأخلاقية (الإنسانيَّة). إذ إنها تهيئ «الشروط» و«المناسبات» التي يمكن أن تُعَدَّ «أسبابًا» بالمعنى الصحيح. وبعبارةٍ أخرى، إذا كانت الحرية تحدُّ من الحتمية، فإنها لا تنفيها مُطلقًا. وهذا ينطبق على الحتمية المادية، وذلك لأنه من الضروري أن يُوجَد عالَم محدود يمكن التنبُّؤ به، حتى يستطيع المرء أن يُدبِّر الفعل الحي ويُحقِّقه، كما ينطبق على الحتمية النفسية، التي هي ضرورية ليتمكن الشخص من التأثير في ذاته، وبذلك يُبدي حريته. فلو لم يكن الإنسان إلا حرًّا لما تسنَّى له أن يكون حرًّا.٧

ومن جهةٍ أخرى، فإذا كان الفعل الحر هو الفعل العقلي على الحقيقة، فمعنى ذلك أنه يستفيد هو الآخر من التفسير، إذ إنه يبدأ على الأقل بتحديدٍ يُبرِّره، إن لم يبدأ بحتميةٍ تامة. ولا شك في أنه ليس لنا أن نخلط بين الدافع والسبب، عندما يكون مصدر الدافع حكمًا حرًّا، ولكن دراسة الأفعال الحرة هي دراسة يمكن أن يقوم بها علم الإنسان في كل الأحوال، وهي جديرة بأن تحتل مكانها في هذا العلم.

وأخيرًا، فليست كل الأفعال البشرية تستطيع أن تدعي لنفسها صفةَ الحرية. ففي الإنسان استجاباتٌ مُعينة تبدو آلية بمعنى الكلمة، بل إن مظاهر السلوك الشعورية والإرادية ذاتها لها شروط بيولوجية وتاريخية واجتماعية. ولا شك في أن لغة السببية يجب أن تكونَ أقلَّ صرامةً في هذا المجال، إذ يتحدَّث المرء عن شروط وتأثيرات، أو عن أسباب متبادلة، كما هي بين الفرد والجماعة، وبين الكائن العضوي والبيئة. فمن الجائز أن الحتمية هنا ليس لها ذلك المعنى الدقيق الذي تتميَّزُ به في مجال علوم الطبيعة؛ بل هي تتكيَّفُ مع الظواهر الإنسانية، ومع ذلك، تظلُّ تحتفظ في العلم الإنساني بنفس الحاجة إلى التفسير. ومن جهةٍ أخرى فإن علم الاجتماع سيُبين لنا أن الظواهر الإنسانية يمكن فحصها في مظهرها الجماعي لا الفردي، وعندئذٍ تكون ما يمكن أن يعد طبيعة اجتماعية، تقبل الخضوع للحتمية بدورها.

(٧) خاتمة

فهناك إذن علوم للإنسان، وهذه العلوم ذاتها تثبت اليوم وجودها عن طريق نموِّها. وهي علومٌ كثيرة، ومناهجها ذاتها متعددة، مثلها مثل المفاهيم التي تطبقها. ولكن ألا يَصدُق هذا أيضًا على علوم الطبيعة، التي أدخلت عليها التفرقة بين مجالات العالَم الأكبر والعالَم الأصغر تعديلاتٍ عميقةً؟ كذلك نستطيع أن نفرِّق في دراسة الإنسان بين مجالين: الفردي والجماعي، كما نفرِّق بين وجهين للظاهرة البشرية: الطبيعة والحريَّة. ومن هنا كانت كثرة وجهات النظر التي تفحص الظواهر الإنسانيَّة تبعًا لها. غير أن علوم الإنسان لو أصرت على أن تتسم بطابع البساطة التامة والاطراد المطلق لقصرت في أداء مهمتها، إذ إنها ستخرج عندئذٍ عن الطابع المميز لموضوعها، وستكون غير جديرةٍ برسالتها.

(٨) العلوم المعياريَّة

ويبقى علينا، قبل البحث في العلوم الإنسانية كلٍّ على حدة، أن نقول بضع كلمات: سُمِّيَ «بالعلوم المعيارية»، أي الأبحاث التي تدور حول بعض القيم، وتقدر الأعمال الإنسانيَّة تبعًا لهذه القِيَم؛ وأهمها المنطق، وعلم الجمال، والأخلاق. هذه الأبحاث تفترض أن الإنسان معياري، ولا يستطيع أن يفهم دون أن يحكم (على الأشياء)، ويحكم على ذاته. ولكن هل من الممكن أن يكون الشيء الذي بدأ منذ برهةٍ موضوعًا للعلوم الإنسانية، وشرَكًا منصوبًا لها في الوقت نفسه، علمًا بدوره؟ وإذا نحن تحدَّثنا عن علمٍ للحق أو الجمال أو الخير، أفلا نكون عندئذٍ قد استخدمنا كلمة العلم بمعنًى سابق على ظهور الروح الوضعية؟ وهل في وسعنا أن نقول إن هذه العلوم تندرِج تحت الفلسفة، إذا صحَّ أن الفلسفة تنطوي على التفكير في القِيَم؟

ينبغي لنا أن نُفرق هنا بين أمورٍ مختلطة، فيبدو لنا أنَّ:
  • (١)

    تعريف القِيَم، وفحصها، وتبريرها، وترتيبها، ينتمي إلى مجال الفلسفة التي يمكنها بطبيعة الحال أن تُفيد هنا من تجربة العلوم الإنسانيَّة، ولكن دون أن تخضع لها.

  • (٢)

    ينتمي تطبيق هذه القِيَم إلى أوجهٍ مختلفة للنشاط يجب أن تُوصَف بأنها فنيَّة عملية، وأوضح مظاهرها هو التعليم بكافة صوره، وهذه الأساليب العملية يجب أن تستند إلى العلوم الإنسانيَّة، حتى تؤدي الغرض المقصود منها على الوجه الصحيح. فالتربية الأخلاقيَّة أو العقلية أو الفنية ترتكز على علم النفس، وكذلك على تاريخ العلم، الذي يعرض بالتفصيل في علمَي الاجتماع والتاريخ.

  • (٣)

    دراسة القِيَم المتفق عليها صراحةً أو ضمنًا في مجتمعٍ مُعين وعصر مُعين، ودراسة تطوُّرها ونتائجها العملية، تنتمي إلى صميم العلوم الإنسانية على نحو ما عرفناها.

وعلى ذلك، فلفظ «علم السياسة» قد يُشير إمَّا إلى دراسة دجماطيقية للمدينة المثلى (كما في «جمهورية» أفلاطون أو «العقد الاجتماعي» عند روسو)، وإمَّا إلى مجموع الأساليب العملية للحكم (كالإدارة وتنظيم السلطة والدعاية … إلخ) وإمَّا إلى دراسة اجتماعية أو تاريخية للنُظُم السياسية، وبحث نفسي للإنسان من حيث هو مواطن.

(٩) الأخلاق والعلم

وهكذا يُمكننا أن نفهم الجدل الذي ثار حول الأخلاق باعتبارها علمًا. فهناك علم للأخلاق، وهو ذلك الفرع من علم الاجتماع الذي أصبح يُسمَّى، منذ عهدِ ليفي بريل، بعلم العادات الاجتماعية.٨ أو علم الاجتماع الأخلاقي sociologie morale ذلك هو العلم الذي يبحث في الأفكار الأخلاقية وقواعد السلوك الأخلاقي كما صِيغت، صراحةً أو ضمنًا، في المجتمعات البشرية، منذ أن كان للبشرية وجودٌ. هذه الأفكار والقواعد لم تعدم أن يكونَ لها تأثيرها في المذاهب الأخلاقية التي وضعها الفلاسفة. صحيح أنها لم تتحكَّم فيها، ولكن كان لها أثرٌ فيها؛ فمثلًا نرى أن تغيُّر صورة الرقِّ ثُم تحريمه أخيرًا كان، قبل ظهوره في مذاهب الفلاسفة، أفكارًا كامنةً أو ضمنية، تنطوي عليها العادات الأخلاقية، ويتحكم فيها التقدُّم التلقائي للأفكار الأخلاقية جزئيًّا؛ بل لقد خضع لما طرأ على الحياة الاقتصادية والصناعية ذاتها من تغييرات؛ فقد فطن الناس إلى أن الرقَّ عادة اجتماعية مُستهجنة عندما حدث تهذيب الأخلاق، وكذلك عندما جعلته الظروف الاقتصادية أقل ضرورةً أو أقل نفعًا، أي عندما حلَّت الآلة محل الرقيق مثلًا؛ وكذا الأمر في فكرة «القانون الطبيعي» أي فكرة وجود شريعة للعدل تمتدُّ حتى تشمل البشرية بأَسرها، وتُنظم بطريقةٍ عقلية العلاقات بين الناسِ أيًّا كانوا، نقول إنَّ هذه الفكرة كانت إلى حدٍّ ما وليدة بعض العوامل التي أثارتها، كالإدارة التشريعية لإمبراطورية كبيرة كالإمبراطورية الرومانية التي ضمَّت شعوبًا عظيمة التبايُن، لها أفكار ونُظم تشريعية مختلفة كل الاختلاف.

وفي الأخلاق جزء آخر يرتبط بصميم العلوم الإنسانية، هو علم النفس الأخلاقي، والتربية الأخلاقية، وهما يصِفان الضمير الأخلاقي عندما يصطرع مع مختلف ميول الإنسان، ويرتدُّ إلى الوسائل التي تضمن له الظفر.

ولكن، هل تقتصر الأخلاق على أن تكون علمًا للعادات الأخلاقية أو علمَ نفسٍ أخلاقيًّا؟

هذا السؤال سيُناقَش في الكتاب الخاص بالأخلاق.٩

علم النفس

(١) علم النفس والتحليل الفكري الانعكاسي

يمكن أن يتَّخِذ بحثُ الإنسان في الإنسان وجهتَيْن مختلفتَين ينبغي التمييز بينهما بوضوح، لأن إحداهما علمية بالمعنى الصحيح، بينما تنتمي الثانية إلى الفلسفة. ولنبدأ شرح هذه المسألة بمثالٍ: هو الإدراك الحسي، كإدراكِ السائر الذي ينتبِهُ إلى المرور وعلاماتِهِ خلالَ عبوره الشارع. هذا الإدراك الحسِّي يمكن دراستُهُ بالبحث عن التركيب الفسيولوجي الذي يجعلُهُ ممكنًا، ونوع الأحداث التي قد تُغيِّرُه حتى تؤدي إلى توقفه. ومن الممكن قياس قوة الإبصار عن طريق بحث حالة أعضاء الإبصار والكائن العضوي بأكمله. كذلك يُمكننا أن نفحص كيف يقوم الفرد بردِّ فعلٍ تجاهَ إدراكِهِ الحسي، وكيف يرتبط هذا الإدراك بسلوكه، وكيف أنه يَعبُر الطريق مطمئنًا إلى هذا الإدراك، وكيف تدرَّب على هذا السلوك، وبفضل أي الظروف التاريخية والاجتماعية أمكنة ذلك. وأخيرًا ففي استطاعتنا أن نربط إدراكه الحسي وسلوكه بشخصيته، ونُحدِّد السمات الشخصية التي تتجلَّى في طريقة عبوره للشارع، ونبحث في تاريخه الفردي والاجتماعي عن أصلِ هذه السمات، وهذه الملاحظات قد تُمهِّدُ الطريق لتطبيقاتٍ عملية عن أفضلِ نظامٍ لإشارات المرور التي ينبغي استخدامُها في مفارقِ الطرق، وطريقة تدريب المشاة، والاحتياطاتِ التي ينبغي اتخاذُها بالنسبة إلى مَن لم يتكيَّفوا مع هذه النُّظم. وفي هذه الحالة وفي غيرها يرتبط العلم بأساليبَ عملية تدفعه إلى الأمام، وتدعم نتائجه في آنٍ واحد.

وعلى العكس من ذلك، يمكننا أن نُفكر على نحوٍ مخالفٍ مماثلٍ لذلك الذي ضرب به «ديكارت» مثلًا في تحليله لإدراكنا الحسِّي لقطعة الشمع التي تذوب، فنُبيِّن كيف أن الفهم كامنٌ في الإحساس، وكيف أنه يرتبط بالإرادة، أعني أنَّ كل إدراكٍ حسي هو عملٌ لذاتٍ قادرةٍ على «التفكير». فالتحليل الفكري الانعكاسي يهدف إلى تحديد شروط إمكان المعرفة، ويهدف بصورةٍ أعم إلى تحديد تلك العلاقة الفريدة للإنسان بالعالَم، مما يؤدي بهذا التحليل إلى الخوض في مجال الميتافيزيقا، وربما تناول موضوع الغاية التي يختصُّ بها الإنسان في هذه الحياة، فيؤدي به ذلك إلى الخوض في مجال الأخلاق. ومن الجائز أن يُلهم هذا التحليل علم النفس العلمي، إذ يدفعه إلى أن يحسب حسابًا لما يكشفه، وأن يهتدي إلى الشروط الأولية المعروفة في التجربة ذاتها. ولكن البحث العلمي يستهدفُ غرضًا آخر، هو معرفة الإنسان بوصفِهِ فردًا وكشف قوانين سلوكه، والسعي وراء معرفة الحتمية النفسية، واتخاذ هذه المعرفة الوضعية أساسًا تُبنى عليه أساليبُ عمليةٌ تمكِّن الإنسان من التأثير في الإنسان.

(٢) الدراسات النفسيَّة السابقة لعلم النفس

إن معرفة الإنسان للإنسان هذه كانت موجودةً قبل ظهور علم النفس، ويمكننا الاهتداء إليها قبل ذلك العلم:
  • (١)

    ممثلة في العلاقات بين الأشخاص؛ فالطفل ذاته يستشفُّ ما يمكن أن يُثير غضب أبويه، ونتائج ذلك الغضب، والطبيب والسياسي، والكاهن الذي يتلقى الاعتراف هم أنفسهم «علماء نفسٍ».

  • (٢)

    كما تُوجَد ضمنًا في الأساليب العملية التي يؤثر بها الإنسان في الإنسان ولو كان ذلك بطريقة غير شعورية، كما هي الحال في التربية، والقيادة والإرشاد.

  • (٣)

    كما يعبر عنها في الأدب، الذي يستطيع أن يمدنا بأمثلة قيمة التفكير التحليلي، حتى في الحالات التي لا يهدف فيها إلى التفسير والشرح.

فمن أين تأتي هذه المعرفة التلقائية الأولى؟ إن لها مصدرَين يتجهان إلى هدف واحد، فمن جانبٍ يُوجَد الاستبطان، أي قدرة الإنسان على أن يُلقي نظرة على نفسه، والأصل في الاستبطان، هو الشعور بالذات. فإذا كنت أتألم، فذلك لأنني أشعر بالألم، وإذا كنت أرغب، فذلك لأنني أشعر بالرغبة، ولو سُئلت عما أفعل في هذه اللحظة، لأجبتُ فورًا: إنني أكتب. ولقد اقترح بعضهم في أيامنا هذه — وكانوا على حقٍّ في اقتراحهم — أن نُفرِّق بين الشعور بالذات، الذي هو إدراك المرء لذاته مباشرة، وبين معرفة الذات التي فيها عمليات مقالية متدرجة (discursives) ويُمكننا أن نُشبِّه التقابل بينهما بالتقابل بين الفهم والتفسير، ولكن من المحقق أن الأول يُفضي إلى الثاني مباشرةً. فإذا ما شعرت بالألم، فإني لا أقنع باستشعار ألمي، وإنما أرغب في معرفة مصدره، وأسبابه، ونتائجه، والطريقة التي أُعالجه بها. أما المصدر الآخر فهو الاتصال، أي قدرة المرء على فهمِ شبيهه، وفك رموز تعبيراته واستشفاف مقاصده أو دوافعه، والتكهُّن باستجاباته. وهنا أيضًا سرعان ما يُفضي الفهم المباشر إلى التفسير، أي إنه يدعونا إلى البحث عن التسلسلات العامة التي تسمح لنا بالتنبؤ بسلوك الآخرين على نحوٍ أدق، وإلى صياغة هذه التسلسلات في قوانين، وإذن فهاتان المعرفتان: معرفة المرء لذاته، ومعرفته للآخرين، في المستوى السابق على العلم، لا تكفُّ كل منهما عن الإحالة إلى الأخرى. إذ إني أعرف الآخر تبعًا لما أعرفه عن ذاتي، وأُقدِّر غضبه مثلًا تبعًا لحالات الغضب التي مرَّت بي. وفي مقابل ذلك أستعين على معرفة ذاتي بمعرفة الآخرين لي، كما نرى في حالة الصداقة، أو بمعرفتي للآخرين، إذ إن إدراكي للآخرين قد يُعينني على استجلاء ذاتي.

(٣) الأنواع المختلفة لعلم النفس

ما الشروط التي تجعل هذه المعرفة علميةً؟ إنها تصبح كذلك إذا ما مضت في طريقها على نحوٍ أدق تنظيمًا، وما كانت تعتمد بوجهٍ خاص على ظواهر موضوعيَّة تخضع للملاحظة، وربما للقياس، وتكشف في هذه الظواهر عن حتميَّة نفسيَّة، ما دام السعي إلى الموضوعية وتأكيد الحتمية أمرَينِ مُرتبطَينِ دائمًا ارتباطًا ضمنيًّا على الأقل. وانطلاقًا من هذا يُمكننا أن نتبيَّن الفروع المختلفة لعلم النفس الوضعي.

(أ) الاستبطان

أين يجب البحث عن الموضوعيَّة؟ علينا أن نبحث عنها أوَّلًا في الاستبطان ذاته، والحق أن المنهج الاستبطاني قد تعرَّض منذُ «كونت» لنقدٍ كثير، يَنبني على القول بأن من المحال على الذات المدركة أن تحيا وأن تلاحظ في آنٍ واحد، إذ إن الملاحظة تُحور العملية الحية التي تُلاحظها أو تُبطلها. غير أن كلَّ وعيٍ هو في الوقت نفسه وهو للمرء بذاته، وهذا الوعي بالذات يمكن أن يصير معرفة، عن طريق النظر إلى الماضي، دون أن يطرأ على تلقائية الوعي أي تُغير بسبب ذلك. والواقع أن علم النفس بأَسره يُصبح مستحيلًا لو لم تُوجَد المعطيات الأساسية التي يُقدمها الاستبطان. وعن طريق ممارسة التحليل الواعي تزداد هذه المعطيات وضوحًا ودقة بالتدريج. ويتمثَّل ذلك في طريقة «الاستبطان التجريبي» التي استخدَمَها «بينيه Binet» في دراساته عن الذكاء، والتي عمَّمتْها مدرسة فرتزبرج Wurzbourg. وفي هذه الطريقة يُطلَب إلى الشخص أن يصِفَ بدقةٍ ما يحدث في داخله عندما يُجيب عن مسألةٍ مُعينة أو يقوم بعملٍ معين، ولو لم يرجع علم النفس إلى الاستبطان رجوعًا ضمنيًّا على الأقل، لكان مهددًا بإغفال بُعدٍ أساسي من أبعاد الظاهرة النفسيَّة. وهو الوعي الذي لا يمكن تجاهُلُه دون القضاء على الطابع المميز لموضوع علم النفس. ذلك لأن اللاشعور ذاته، الذي تُولِيه بعض المذاهب وبخاصة مذهب التحليل النفسي، أهمية كبرى هو «لاشعور» نفسي، أي إنه شعور أو وعي بالقوة، ومن هذه الناحية يكون كلٌّ من الشعور واللاشعور مضادًّا لما هو عضوي أو مادي. والمسألة الوحيدة التي يمكننا أن نتفق فيها مع نقاد الاستبطان، هي أنه لا يكفي وحده، ولا يستطيع وحده أن يُنظِّم المادة التي يكشفها تنظيمًا علميًّا.

(ب) التحليل النفسي

يقدم إلينا التحليل النفسي خير مثال لإمكان بحثِ هذه المادة موضوعيًّا دون التخلِّي عن فهم الظاهرة النفسيَّة. فالتحليل النفسي، كما وصفه واضعُهُ فرويد، هو أولًا نظرية للانفعاليَّة théorie de l'affectivité وللدوافع التي تتركز حول الغريزة الجنسية (وصفةُ «الجنسية» هنا تُفهَم بمعنًى واسع يقرب من معنى «الانفعالية») ولضروبِ التغير التي تطرأ على هذه الدوافع، التي قد تكبت أحيانًا، فتصبح لا شعورية، وقد لا تكبت، وذلك طوال تاريخ الفرد، وفي طفولته قبل كل شيء … ولما كان مصير هذه الدوافع حاسمًا بالنسبة إلى شخصية الفرد، فقد غدا التحليل النفسي مفتاح الدراسة النفسية للشخصية، وهو يفسر هذه الشخصية تفسيرًا جزئيًّا على الأقل، بأن يئول بعض مظاهر السلوك السويَّة (كالأحلام وتداعي المعاني) أو المَرضيَّة (كأنواع الأمراض العصبيَّة، مثل الأزمات tics والوساوس، والهذيان، والمخاوف phobies) وذلك لإعادة تصوير تاريخ الفرد من جديدٍ وتحديد الحوادث التي تردَّد صداها في نفسه، وتوضيح آثار هذه الحوادث والعمليات النفسية التي تؤدي إليها. وبفضل التطبيقات العلاجية التي توصَّل إليها التحليل النفسي، وبفضل امتداد منهجه إلى ما وراء الحالة الانفعاليَّة، أي إلى العقل والإرادة، أصبح ذلك التحليل يحتل اليوم مكانًا مرموقًا في علم النفس.

(ﺟ) مذهب تداعي المعاني ومدرسة الجشطالت

يوجه التحليل النفسي علم النفس نحو فحص «التجمعات السيكولوجيَّة» التي يصِف تركيبها وتاريخها. فهو يُغلِّب فكرة التركيب الكلي على فكرة البساطة، وبهذا يتفق مع مدرسة الجشطالت (الصورة الكليَّة) في علم النفس. وبينما كان هدف العلم النفسي المسمَّى بالذري١٠ أو الترابطي في القرن الثامن عشر، هو تفسير الظواهر النفسيَّة عن طريق تجمع عناصرها الأوليَّة، كالإحساسات أو المعاني، فإن علم النفس الجشطالتي يلاحظ أن الإدراك الحسِّي هو دائمًا إدراك لصورة كليَّة، أي لمجموعةٍ منظَّمة لها دلالتها، وتبرُز فوق «أرضية» كما تبرُز لوحة الرسم فوق الحائط أو اللحن فوق السكون، ومن ثم لا يمكننا إعادة تركيب الإدراك الحسي عن طريق إحساساتٍ منعزلة. وبوجه عام فكل سلوك (أعني كل فعل نقوم به، أو رأيٍ نصرح به، أو حاجةٍ نسعى إليها) هو أكثر من مجرد مجموعة للعناصر التي يُمكننا أن نُحلِّله إليها، فالعقل ليس مجرد مجموعةٍ مختلفة من الحركات، والحكم ليس مجرد معانٍ متجاورة، والرغبة ليست مجموعة من الإحساسات الوجدانية. ولا يكون للسلوك معنًى إلا إذا وضعنا نُصب أعيُننا طابعه الكلي هذا، وعندئذٍ يكون هذا المعنى هو الذي كشف عنه الاستبطان من قبلُ. غير أن هذا الاعتماد على الدلالة الشاملة والوحدات المتجمعة، لا المتجزئة، لا يحول على الإطلاق دون دراسة السلوك دراسةً علمية.

(د) علم النفس الفسيولوجي

ومن ذلك فقد اعتقدت بعض المدارس أنه يجب البحث عن الموضوعية من جهة الجسم بوجهٍ خاص، بدلًا من البحث عنها في الوعي، ويرجع ذلك أولًا إلى أن الملاحظة والقياس هي في الظواهر الجسمية أيسر منها في ظواهر الوعي، وإلى أن الظواهر الجسميَّة تتحكم في ظواهر الوعي هذه تحكمًا قويًّا. ومن هنا كانت الأهمية التي اكتسبها علم النفس الفسيولوجي، الذي يدرس الأسس أو المظاهر العضوية للظواهر النفسية، ويدرس بوجهٍ خاص تركيب المخ والجهاز العصبي المركزي وأجهزة الحس، وكذلك طريقة أداء هذه الأجهزة لوظائفها، وأحوالها المَرضيَّة. وهنا يدخل علم النفس في مجال البيولوجيا البشرية. وفي مقابل علم النفس الفسيولوجي، نجد علم النفس الاجتماعي، الذي سنعود إليه فيما بعدُ، والذي يدرس علاقة الفرد بالجماعة الاجتماعية، ويهتمُّ خاصة بمختلف المؤثرات التي تباشرها الجماعة على الفرد.

(ﻫ) علم النفس السلوكي

على أن هناك اليوم مدرسة كبيرة تأبى الاعتراف بالتضادِّ بين الظاهرة النفسية والظاهرة الفسيولوجية، وتزعم أن أساس هذا التضادِّ هو التفرقة الميتافيزيقيَّة بين الجسم والروح، وتجد في فكرة التصرُّف أو السلوك وسيلةً لتجاوز نطاق هذا التضاد. ويُمكننا أن نذكر من طلائع هذا المذهب في علم النفس كلًّا من بافلوف Pavlov الروسي وبيير جانيه الفرنسي، وواطسن وثورنديك الأمريكيين، كلًّا في اتجاهه الخاص. والمدرسة السلوكية في علم النفس، وإن لم تكن تُنكر الشعور أو الوعي ضرورة (رغم أن بعض ممثليها أرادوا إنكاره) فإنها ترمي إلى دراسة الإنسان على نحوٍ يُتيح ملاحظته ملاحظةً موضوعية من الخارج، وكما يتجلَّى للقائم بالملاحظة في أفعاله وأقواله. فبدلًا من أن تدرس الذاكرة على أنها وظيفة نفسية، تلاحظ كيف تؤدي وظيفتها بحسب الظاهر، أي كيف يتعلم الإنسان أو ينسى، ويروي … إلخ، وبدلًا من أن تدرس الإدراك الحسي، تلاحظ كيف يعبر المار الطريق، وكيف يُشرف العامل على الآلة، وكيف ينقل الرسام منظرًا طبيعيًّا.

(٤) المنهج التجريبي

هذه الدراسات في علم النفس الفسيولوجي، وفي علم النفس الاجتماعي، وعلم النفس السلوكي — سواء أكانت تتخذ علم نفس الجشطالت مصدرَ وحيٍ لها أم لم تكن — تندرج كلها تحت ما يُسمَّى بعلم النفس التجريبي ويستخدِم الأستاذ «لاجاش Lagache» هذا اللفظ في مقابل علم النفس العلاجي (الإكلينيكي) أو علم النفس الشامل Psychologie Compréhensive وفي مقابل التحليل النفسي بوجهٍ أخص، ذلك كي يُبين أن الممارسة العلمية لا بد أن تتجاوز هذا التقابُل، وأن هذا هو ما تقوم به فعلًا (وبذلك يُبرِّر تجاوز التقابل بين التفسير والفهم).
ولقد أدخل علم النفس التجريبي مناهج الملاحظة المدعمة بالآلات العلمية التي تُمارسها العلوم الطبيعية بطريقةٍ منظمة في دراسة الإنسان. وبهذا أصبحت أهمية المعمل بالنسبة إلى عالِم النفس لا تقلُّ عن أهميته بالنسبة إلى عالِم الكيمياء. وقد تكون «الحالة» التي تُدرس هنا حيوانًا أو إنسانًا على حدٍّ سواء، وقد تكون مجتمعًا أو إنسانًا منفردًا. ولنذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، بعض الدراسات التي يقوم بها علم النفس التجريبي؛ فمِنها دراسة التعلم learning أو تكوين العادات، التي تُجرَى أساسًا على حيوانات تُحبَس في متاهة، وتتعلم كيف تسير في طرقها الملتوية للوصول إلى غذائها. أمَّا بالنسبة إلى الإنسان فمنها دراسة التعوُّد على نشاطٍ مُعين ودراسة مراحل العمل، ودراسة التعب، وعلى الأخصِّ ما يُسمَّى بالتعب الناتج عن العمل في المصانع، وبالنسبة إلى الجماعات، دراسة العلاقات بالقائد leader تبعًا لمدى سيطرته عليهم، وتأثير «جو الجماعة» في الفرد.
ومن بين التطبيقات التي يسمح بها استخدام القياس (mesure) الذي تكفُل الأجهزة العلمية دقَّته، ينبغي أن نُشير على الأقل إلى القياس السيكولوجي Psychotechnique. بفضل مختلف أنواع الاختبارات يَسمح لنا هذا القياس بتقدير بعض قدرات الفرد تقديرًا عدديًّا، كالذكاء المدرسي والذاكرة، ودقَّة الإدراك الحسي، وسرعة القيام بحركات مُعينة أو دقة هذه الحركات … إلخ. وتلعب هذه المقاييس دورًا تتزايد أهميتُه في التوجيه الدراسي والاختيار المهني. وحسبنا هنا أن نورد مثالًا واحدًا، فالحوادث التي ترتكبها السيارات العامة قد قلَّت إلى النصف بعد أن استخدمت اختباراتٍ خاصة في اختيار السائقين.
وأخيرًا ينبغي أن نذكُر، إلى جانب المنهج التجريبي، المنهج المقارن الذي يقوم بمقارنات، إمَّا بين نماذج مختلفة من الأفراد — وهذا هو ما يُسمَّى بالبحث النفسي في الفروق الفردية أو بعِلم الشخصية — وإمَّا بين أفراد ينتمون إلى مجتمعاتٍ أو حضارات متباينة، وهنا يرتكز علم النفس على علم الاجتماع وخاصة علم الأجناس (Ethnologie) لدراسة الأفراد الذين ينتمون إلى ما يُسمى بالجماعات البدائية؛ وإمَّا بين البالغ والطفل، وهذا ما يبحثه علم نفس الطفل وعلم النفس التربوي، وإما بين الفرد السوي والمريض، وهنا نعتمد مرةً أخرى علم النفس المَرضي. وكل هذه الفروع لعلم النفس قد نمت اليوم نموًّا ملحوظًا على أيدي المختصِّين. وكل منها يمكن أن يرجع، من ناحيته الخاصة، إلى علم النفس التجريبي، أو إلى علم النفس الإكلينيكي، ومن ثم فالتضاد بين هذين المنهجَين لم يعُد حاسمًا، وإنما ينتمي الاثنان معًا إلى علم النفس الوضعي.

(أ) الحتمية النفسية

ولكن، أيًّا كانت المناهج فهي لا تكون مُنتجةً من الوجهة العلمية إلا إذا كانت قادرةً على الإتيان بتفسيرٍ سَببي للظواهر التي تكشفها، وبالفعل تدَّعِي كل المناهج أنها قادرة على ذلك. وعلى أساس قدرتها هذه يمكنها إيجاد أساليب عملية صالحة تُستبدَل بالأساليب التلقائية التي كان يلجأ إليها علم النفس في البداية. ذلك لأن الإنسان لا يستطيع السيطرة على الإنسان — سواء في ذلك سيطرة الطبيب على المريض، والمربي على الطالب، والمعلن على العميل، والرئيس على المرءوس — إلا إذا ترتبت نتائج معينة على أسبابٍ معينة، وأمكن تحقيق النتائج بتحقيق الأسباب. أمَّا إذا كانت الحرية التي تعزوها بعض المذاهب إلى الإنسان (وهي حرية مشروعة في رأينا) تحُول دون أي تطبيقٍ للعلاقات، فسيعجز الفرد عندئذٍ حتى عن التأثير على ذاته، ولن تكون حريته إلَّا لفظًا فحسب.

وعلى ذلك فلنا أن نقول:
  • (١)

    إن الإنسان يخضع للحتميَّة عندما ينحط سلوكه إلى مرتبة الآلية، كما هي الحال في أوقات نومِه، أو عندما يحُول المرض دون أن يُحقِّق ذاته بالمعنى الصحيح، كما في حالة استسلامه للفكرة الثانية أو للوهم المُلِحِّ أو للعقد.

  • (٢)
    وإن الإنسان السوي، إذا كان قادرًا على السيطرة على نفسه فهو في الوقت ذاته مُسيطَر عليه، ومن واجبه أن يعترف بمظاهر السيطرة الواقعة عليه، والتي يمكن تسميتها «بالشروط conditions» وهكذا يدرس علم النفس الفسيولوجي الشروط الفسيولوجية للسلوك، ويدرس علم النفس الاجتماعي شروطه الاجتماعية، أما علم النفس بوجهٍ عام فيدرس العمليات النفسية التي تتجلَّى في هذا السلوك، والعلاقات السببيَّة التي يتكشَّف عنها تاريخ الفرد.

فإن كان للحرية مدلولٌ غير المدلول الميتافيزيقي، وإن كان لعلم النفس أن يقدِّم من جانبه دليلًا على هذه الحرية، فلن يكون ذلك عن طريق استبعاد هذه العلاقات السببية؛ بل عن طريق بيان أن الإنسان يمكنه أن يضع في مقابل هذه الأسباب سببيته الخاصة، التي لا يحول شيء دون تصورها على أنها سببية حرة، كتلك التي تُمارس في الفعل الإرادي؛ ففي استطاعته أن يؤثر في جسمه، وفي الجماعة الاجتماعية، وفي شخصيته هو، وفي ميوله أو طباعه. فالسببية المتبادلة فكرة يزداد استخدامها شيوعًا في علوم الإنسان، وهي تشهد بالطابع الوضعي لهذه العلوم، وهي في الوقت ذاته دليل على حرصِها على احترام الطابع المميز للكائن البشري.

التاريخ

(١) التاريخ والتاريخية

يهدف التاريخ إلى معرفة الماضي، أي ماضي البشر، أفرادًا وجماعات. أما ماضي الأشياء فلا يهمه إلا بقدْر اتصاله بماضي البشر. فالتاريخي هو ما يحدث للإنسان وما يهم الإنسان؛ فزلزال لشبونة في القرن الثامن عشر تاريخي لأنه أثَّر في مصير سكان لشبونة، ولأنه أثار خواطر فولتير ومناقشاته حول فكرة العناية الإلهية. أما تاريخ الأنواع، أو الأرض، أو النظام الشمسي، فليس تاريخًا بالمعنى الصحيح طالما أن الإنسان لا يتمثَّل فيه. وفي هذه الحالة لا تكون هناك حوادث، لأن ما يحدث لا يحدث لأحدٍ. أما الإنسان فهو وحدَه الذي له تاريخ، لأن الإنسان وحدَه هو الذي لا يكتفي بأن يكون في الزمان، أو يخضع لتسلسُل زمني لا يمكن عكس اتجاهه ولا مستقبل له، وإنما يشعر بالزمان، ويستطيع تصوُّر الماضي، وتثبيت الحاضر على نحوٍ ما، وذلك القيام بأعمال تظل باقيةً من بعده، وتصور مستقبل يقارنه بماضيه. وربما كان لنا أن نقول أن للتاريخ وجودًا حقيقيًّا، وذلك لأن له وجودًا من حيث هو معرفة، أعني أن الإنسان قادر على أن يتمثل ماضيه ليُقرر مصيره، إما بطريقةٍ أسطورية كما في المجتمعات البدائية، حيث لا يبعث الماضي إلا في صورة أساطير يجب الاحتفاظ بها، وإما بطريقة علمية كما هي الحال في مجتمعنا، ومما تجدُر ملاحظته أن المجتمعات البدائيَّة التي لم يظهر فيها مؤرخ بالمعنى الصحيح، هي في معظم الأحيان مجتمعاتٌ ثابتة، جامدة، لا يبدو لها تاريخ، على حين أن ظهور التاريخ باعتباره علمًا هو خطوة حاسمة في حضارة الإنسانية ووعيها بذاتها.

(٢) الواقعة التاريخية

كيف تتيسر معرفة الماضي؟ يلاحَظ أن الواقعة التاريخية، بالإضافة إلى كونها ذات طابع إنساني، هي مضادةٌ للواقعة الطبيعيَّة من جهة أنه يستحيل تكرُّرها من حيث المبدأ، فهي تنتمي إلى الماضي، وعلى هذا الأساس فهي قد اختفت إلى الأبد. وهي من جهة أخرى فردية، وهكذا درج الناس على المقابلة بينها وبين الواقعة الاجتماعية. وقد أبدى «هنري بوانكاريه» هذه الملاحظة الساخرة: «لقد كتب كارليل شيئًا أشبه بما يأتي: إن الحادث الوحيد الهام هو أن فلانًا ابن فلان قد مرَّ من هنا. ذلك هو الأمر الذي يدعو إلى الإعجاب، وتلك هي الحقيقة التي تساوي عندي أكثر مما تساوي كل نظريات العالَم … تلك هي لغة المؤرخ. أما عالِم الطبيعة، فيؤثر أن يقول إن فلانًا ابن فلان قد مرَّ من هنا، ولكن هذا أمرٌ لا شأن لي به، ما دام لن يمرَّ بعد الآن.»١١

ولكن ما مصدر هذا التأكيد لفردية الواقعة التاريخيَّة؟ ذلك أولًا لأن هذه الواقعة تتخذ لها موقعًا في زمان لا رجعة فيه، أعني زمانًا يحياه الإنسان ويتحدَّد أولًا بالموت المحتوم للفرد، وبمجهود الإنسانية لبلوغ كمالها، على حين أن زمان الأشياء قد يمكن العودة فيه إلى الوراء إلى حدٍّ ما، إذا جاز هذا التعبير، ما دام ينقسِم إلى مراحل متكررة ومنتظمة، ولا يتجه نحو معلومٍ. وثانيًا لأن الواقعة التاريخية ترتبط بالإنسان الذي يحياها بوصفها حاضرًا له، وحدثًا فريدًا.

(٣) المنهج التاريخي

(أ) تحقيق الواقعة

من ثَم كان العمل الأول للمؤرخ هو الاهتداء إلى الواقعة التي اختفت في الماضي، والتثبُّت منها؛ ولذا كان من الضروري أن يرجع الإنسان من الحاضر إلى الماضي، ولو لم يكن قد تبقَّى من الماضي شيء استحال الوصول إليه، وإذن فنقطة البدء في المنهج التاريخي هي الوثيقة، أعني الأثر المادي الذي تتركه الواقعة، وبه يمكن الرجوع إلى الواقعة ذاتها. ويمكننا هنا أن نُفرِّق بين الوثائق غير الإرادية التي لم يتحكَّم أي مقصدٍ في إنتاجها وحفظها، والتي تتمثل بوضوح في الحفريات، وبين الوثائق الإرادية التي حُفظت عمدًا من أجل إرشاد الأجيال التالية، أو التي تهدف في الحاضر ذاته إلى الدعاية ولا تُوجَّه إلى الأجيال التالية. ومن هذا القبيل، الآثار، والنياشين، والنقود ومختلف أنواع الصور. وعندئذٍ يكون للنقد التاريخي مرحلتان:
  • (١)
    فهو يجعل الوثيقة قابلةً للاستعمال، ويتثبَّت من صحتها. ذلك هو النقد الذي يقوم به البحث العلمي، الذي يستعين بعلوم ثانوية عديدة يعتمد عليها التاريخ، كعلم الرسوم Iconographie (ويشتمل على الصور والتماثيل المنحوتة والنقوش البارزة) إلخ. وعلم الكتابات القديمة Paléographie (المخططات) وعلم النقوش Epigrahpie (كالكتابات على الحجر) وعلم المسكوكات Numismatique كالنياشين، وعلم الآثار Archéologie وعلم أصول المواضع Toponymie (أصل أسماء الأمكنة).
  • (٢)
    كما تُستخدم الوثيقة للتثبُّت من الواقعة. وأكثر الوثائق صحةً هي الوثائق غير الإرادية التي لا تقول إلا القليل، أما الوثائق الإرادية فتقول أكثر، ولكن لا يُطمأن إليها كثيرًا، إذ يمكننا أن نتساءل عما إذا كان المؤرخ الذي دوَّنها قد ألمَّ بالحوادث إلمامًا كافيًا، وعمَّا إذا كان حكمُه حرًّا. وهنا تتدخَّل روح النقد، أي روح الدقة esprit de finesse التي تحدَّث عنها باسكال، والتي هي نوع الذكاء الذي يقتضيه تفسير الإنجيل في نظره. وللنقد التاريخي مهمتان:
    • (أ)

      المقارنة أي التأكد من صحة وثيقة عن طريق وثيقة أخرى مستقلة عن الأولى.

    • (ب)

      التفسير النفسي والنقدي، أي التحليل الذي ننتقل به من الوثيقة إلى مقاصد الكاتب، ومن مقاصده إلى الصورة التي كوَّنها لنفسه من الأحداث، ومن هذه الصورة إلى الأحداث ذاتها.

وهكذا تتَّضح معالم الوقائع التاريخية. ومن المهم هنا أن نُشير إلى أهمية الصبر، أعني الحماس الذي يحاول به بعض الباحثين (ولنلاحظ أن التاريخ في أصله الاشتقاقي اليوناني يعني البحث) أن يُلقوا ضوءًا على دقائق معينةٍ من الماضي، وعلى تفاصيل صغيرةٍ إلى أقصى حدٍّ في بعض الأحيان، فيكرِّس أحد الباحثين في الوثائق مثلًا عدة سنواتٍ كي يتتبَّع أثر دير في العصر الكاروليني، وتقوم بعثةٌ معينة بحفر منطقةٍ من أجل التنقيب عن رسوم مدينة اندثرت منذ خمسة آلاف سنةٍ. وفي حب الاستطلاع هذا عنصر تلقائي عميق، فالإنسان يهتم بالإنسان أشدَّ الاهتمام، ووعيه بالإنسانيَّة لا يكف عن الامتداد والتوسع، منذ العهود البدائية التي ينظر فيها إلى أي شخصٍ غريب عن القبيلة على أنه من نوع مخالف.

ولكن يجب أن نلاحظ أيضًا أن متابعة الوقائع على هذا النحو لا تخلو من بعض الافتراضات السابقة التي تتدخَّل على الدوام. فالمرء لا يرجع من الحاضر إلى الماضي فحسب؛ بل يستدل أحيانًا بالحاضر على الماضي، وهكذا يفترض المرء وجود تجانس أساسي في مراكز الناس، ووحدة أساسية للطبيعة البشرية، لا يمكن الوصول إلى فهمٍ دونها. ومن جهة أخرى، ينتقل المرء من واقعةٍ معينة إلى أخرى، وهكذا يفترض اتصالًا للتاريخ، ومنطقًا معينًا لتعاقب الأحداث.

(ب) التركيب التاريخي

وهذا يُفضي بنا إلى المهمة الكبرى الثانية التي يأخذها المؤرخ على عاتقه، والتي كانت تُوجَد بصورة ضمنية في مهمته الأولى فليس يكفي أن نُميط اللثام عن الوقائع؛ بل ينبغي أن ندمجها في مجموع حضاري شامل، وفي الوقت ذاته نُدرجها في السياق الزمني، وهذا ما يُسمَّى بالتركيب التاريخي. حقًّا إن الواقعة المجردة — كقرار أحد الحكام، أو معركة معينة، أو عملية تجارية، أو تشييد مدينة ما — أمر لا غِنى عنه، فدونها لا يكون التاريخ إلا أوهامًا، والواقعة هي على الدوام المَحكمة العليا لكل تركيبٍ تاريخي. ولكن لنلاحظ من جهةٍ أخرى أن الواقعة إذا ما نظر إليها في ذاتها لم تكن تعني شيئًا؛ إذ لا يكون لها معنى إلا باعتبار أنها حدث إنساني وقع لأناسٍ وعاش فيه هؤلاء الناس، وباعتبار أنها تحتل مكانًا في مجموع، وفي إطارٍ عام، وفي لحظة محددة، وفي مدينة معينة وتعاقُب محدد؛ أي تحتل، على وجه الدقة، مكانًا في التاريخ، فكيف ننظم هذا التاريخ؟

هنا يتداخل الفهم والتفسير، ولكن هنا يصادف المؤرخ مشاكله؛ بل يصطدم التاريخ ذاته بحدوده التي لا يتعدَّاها.

(٤) التداخل بين الفهم والتفسير

يستعين التاريخ بالفهم، أي بالمعرفة التي نكوِّنها عن نشاط الإنسان وأفعاله بطريقة مباشرة تتغلغل بها في باطن هذا النشاط، لأن التاريخ يتَّخذ الإنسان موضوعًا له، أو بتغيير أدق، لأن التاريخ يدعونا إلى أن ندرك من جديد نفس الطريقة التي عاش الإنسان بها التاريخ. ففهْمُ الماضي ليس معناه أن نفهمه بوصفه ماضيًا؛ بل بوصفه حاضرًا لأولئك الذين عاشوا فيه، وعاشوا كما نعيش نحن في حاضرنا، جاهلين به وغير واثقين منه، لا ندري إلى أين نسير، وما إذا كانت الدلالة التي نُحددها لهذا الحاضر ستتأيَّد في المستقبل، الذي نحاول أن نتنبأ به ونصنعه في آنٍ واحد. ومن هنا كانت الواقعة التاريخية فردية، إذ تطابق في كل مرةٍ تجربةً فريدة، ومن هنا أيضًا كان من المستحيل استيعابها كاملة، إذ إن كل مَن قام بدورٍ فيها قد عاشها بناءً على وجهة نظرٍ معينة. وحسبُنا أن نتأمَّل معركة «ووترلو» ومن وجهة نظر فابريس Fabrice ومن وجهة نظر نابليون، وأحد قواد التحالف.
على أن الفهم هو أيضًا تفسير، وهو بحث عن دلالة واقعة خارج هذه الواقعة ذاتها، أي في سياقها، وكذلك في أسبابها ونتائجها، ففيه إذن اعترافٌ بحتمية تاريخية أو منطق للتاريخ. والواقع أن هذين الطريقَين (الفهم والتفسير) يرتبطان دائمًا في عمل المؤرخ الذي يُحاول أن يحتفظ للواقعة بملامحها الخاصة وطابعها الأصيل الحي، وفي الوقت ذاته يدمجها في سلسلةٍ متصلة الحلقات، ويميط اللثام عن أسبابها ونتائجها، ويكشف عن القوانين العامة التي تعمل عملها في هذه الواقعة. وكما قُلنا من قبلُ، فإن لكل واقعةٍ إنسانيَّة مثل هذا الوجه المزدوج. فمن الممكن أن ينظر إليها على أنها مظهر لابتكار إنساني، تُفسِّره دوافع، لا أسباب، كما يمكن أن تعد واقعة طبيعية تخضع لضرورة خاصة بها، فتكوين الرايخ Reich الألماني يمكن أن يُفهم على أنه من عمل بسمارك، وكذلك من عمل الألمان العديدين الذين أسهموا معه في هذه المهمة، كما يمكن النظر إليه على أنه حادثٌ أصبح من المُحتَّم وقوعه بناءً على منطق الحركة القومية في القرن التاسع عشر والظروف الخاصة المحيطة بها، ولو عبَّرنا عن هذه الفكرة على نحوٍ أعم، لقُلنا إن الإنسان، والإنسان العظيم بوجهٍ خاص، يمكن أن يُفسر التاريخ، وبالعكس يفسِّر التاريخُ الإنسان، وليس على علم التاريخ أن يختار بين هاتين الوجهتَين من النظر. وقد أكَّد ماكس فيبير Max Weber بوجهٍ خاص ضرورة الجمع بينهما؛ فالسببية هنا أيضًا تُعبر عن الفهم كما في قولنا إن قرارًا لبسمارك قد أدى إلى حادثةٍ معينة، والفهم يُوضح السببية كما في قولنا إن الحركة الوطنية ترتبط بتغييرٍ في التركيب الاقتصادي والاجتماعي، وبظهور أفكارٍ جديدة في الوقت نفسه، إن كل علمٍ يودُّ أن يُبرر نفسه تبريرًا سببيًا، وفي علومٍ تقترن هذه العلاقة السببية بعلاقة دلالة relation significative.

(٥) موضوعيَّة التاريخ

إن الصعوبات التي يَلقاها علم التاريخ ترجع إلى تطبيق هذين المنهجَين. ولنتساءل أولًا: إلى أي حدٍّ يكون الفهم ممكنًا، أعني إلى أي حدٍّ تكون المعرفة التاريخية خلوًا من كل غرضٍ؟ وإذا كان علم التاريخ يشهد بقدرة الإنسان على إدراك الماضي إدراكًا واعيًا، وبرغبته في تحديد مُستقبله وفقًا لهذا الماضي، فلَنا أن نتساءل في هذه الحالة: ألا يؤدي حرص الإنسان حاليًّا على مستقبله إلى توجيه الفكرة التي يُكوِّنها لنفسه عن الماضي توجيهًا معينًا؟ إن الثورة الفرنسية إذا ما دُرست في عهد عودة الملكية، تبدو في صورةٍ مختلفة كل الاختلاف عنها إذا ما دُرست في عهد الإمبراطورية الثانية، أو الجمهورية الثالثة، كما تختلف أيضًا باختلاف شخصية المؤرخين. إن الاتفاق بين الناس على واقعةٍ مادية أمرٌ ممكن لأنها لا تهمُّ أحدًا منهم بطريقٍ مباشر على الأقل. وصحيح أن المرء قد يتخذ منها موقفًا معينًا، ولكنها في ذاتها لا تستأثر باهتمام إنسانٍ دونَ آخر، ولا تتضمن نموذجًا يُحتذى، أو حكمًا أو قرارًا، أمَّا في حالة الواقعة التاريخية، فنشعر بأننا ننفعِل ويُطلَب إلينا أن نُحدد موقفنا منها.١٢ ولابدَّ أن تؤدي مشاغل الحاضر أو تحيزاته إلى تشويه فكرتنا عن الماضي، أن فهْم الماضي هو، في نهاية المطاف، محاولةٌ منا لكي نحياه من جديد، ولكن هذا حدٌّ نهائي لا نملك إلا أن نحاول الاقتراب منه، إذ إننا لا نتَّصِل بالماضي اتصالًا كاملًا. وفضلًا عن ذلك، فبِمَ نتَّصل لو وُجِد هذا الاتصال؟ أعني أننا إذا تحدَّثنا عن «ووترلو»، فهل نتَّصِل بفابريس أم بنابوليون؟ إن الحادثة التاريخية لا تُستوعَب استيعابًا كاملًا. وليس في وسعنا أن نحياها مرةً أخرى بحذافيرها. لهذا كان الجهد الذي يجب على المؤرخ أن يبذله للخروج عن الموقف الحالي والتعاطف مع الماضي جهدًا لا حدَّ له.

(٦) الحتمية التاريخية

ولكن ما دام رجوعنا إلى الماضي أمرًا لا مفرَّ منه، أفلا نستطيع الإفادة من ذلك للسيطرة عليه، وترتيبه وتنظيمه؟ تلك هي المهمة التي تحاول الحتمية التاريخية القيام بها، على أن لهذه المهمة حدودًا، وإن كانت هذه الحدود لا تغض من قيمة هذه الحتمية بحالٍ.

وترجع هذه الحدود أولًا إلى أن الواقعة التاريخية البشرية وأفعال البشر مما يصعب التنبؤ به، ففي بعض الأحيان نلاحظ الجغرافيا البشرية؛ أن مدينةً ما تُبنى في موقعٍ غير مُلائم، على حين أن موقعًا أنسب يظلُّ مهجورًا، ولكن لو سلَّمنا بحُرية الذين يحتلون أدوارًا تاريخية، فإن هذا لا يعني رفض أية محاولة للتفسير. وكل ما في الأمر أنه يجب علينا أن نستبدل بحتمية الأسباب الطبيعية، تحديدًا عن طريق الأسباب العقلية، أو نُضيف الثانية إلى الأولى، أي أن السببية العقلية تحل محل السببية الطبيعية. وفضلًا عن ذلك، فالبحث عن الأسباب يرتبط بمواقف أو بحوادث تبلُغ في معظم الأحيان حدًّا من الاتساع يؤدي بالفرد إلى التراجُع إلى المرتبة الثانية، ومعه كل إشارة إلى الحرية.

وإذن، فالأصحُّ أن يُقال إن ما يحدُّ من الحتمية هو تعقيد الواقعة، وبالتالي كثرة السلاسل السببية التي تُقابل كلَّ واحدةٍ منها وجهًا لهذه الواقعة، فالحرب مثلًا يمكن أن تُعزى لأسبابٍ متعددة. ولكن، كيف يتسنَّى لنا أن نميز هذه العلاقات السببية المختلفة إن لم يكن ذلك بإقحامِ ضربٍ من التفرقة يرتاب المرء دائمًا في أنها اعتباطية، فضلًا عن أنها تفصم وحدة الحادثة؟

ومن جهةٍ أخرى، فكيف نقيس أهمية كلٍّ من هذه الأسباب؟ هنا تظهر صعوبةٌ جديدة، وهي أن الواقعة التاريخية لا يمكن تكرارها. ومن ثَم لا تخضع للتجريب. وإنما نتمكَّن من تقدير الأسباب العميقة والأسباب العرَضية عن طريق تجربة عقلية. وكما قال «ماكس فيبير». إذا أردنا أن نُقدِّر أهمية إحدى المقدمات، فعلينا أن نتصوَّرها بالذهن، مختلفة عما هي عليه أو غير موجودة. فما الذي كان يحدث لو كان جروشي Grouchi قد حلَّ محلَّ بلوشر Bluecher في موقعة ووترلو، أو كان نابليون قد كسب تلك الموقعة؟ على أن هذه التصورات فرضيةٌ بلا شك، حتى لو استطعنا أن نجعلها ترتكز على المنهج المقارن، بأن نستشهد بما حدث بالفعل بعد أحد انتصارات نابليون. ولذا كانت السببية التي تُوحي بها هذه الفروض سببيةً احتمالية على الدوام. ونقول بعبارةٍ أخرى إن الحتمية هي حتمية غير مؤكدة، وهي كذلك جزئية غير متكاملة، إذ إن معرفتنا بالتعاقب التاريخي تنطوي دائمًا في فجوات لا تبرز فيها إلا حوادث خاصة، ولا تستبقي معرفتنا من الواقع سوى بعض مظاهره الخاصة، على حين أن علاقة السببية لا تربط لحظة كليَّة من لحظات الصيرورة بلحظة أخرى كليَّة مثلها، وإنما تربط حادثًا بآخر.

ومع هذا، فالبحث في الحتمية ليس عقيمًا، ففي خلال هذا البحث تظهر ضروب من الاطراد، واتجاهات ثابتة تسمح بإدراك الخاص من خلال العام، فنحن نعلم، بصورة مجملة، آثار الحرب في شعبٍ من الشعوب، وما العلاقة بين النظم الدينية والأشكال الجمالية، وبعبارةٍ أخرى، فالمؤرخ — كما سنذكر فيما بعدُ — يُصبح عالِمَ اجتماع مثلما يُصبح عالِمُ الاجتماع مؤرخًا بدوره. وحتى لو ظل المؤرخ متعلقًا بالتفاصيل، وبفردية الأحداث، وهي الأمور التي يتركها عالِم الاجتماع عادةً جانبًا من أجل البحث عن القوانين العامة، فإنه في حاجةٍ إلى المعاني العامة أو القواعد التي يقترِحُها عليه عالِم الاجتماع، إن لم يكن في حاجة إلى القوانين التي يُقرِّرها له، أو هو يضطر إلى أن يُصبح عالِم اجتماعٍ حتى يضع هذه القواعد والقوانين بنفسه.

(٧) فلسفة التاريخ

لكن المؤرخ قد يكون متعجلًا، ولا يقنع بهذه النظرة المجزأة غير اليقينية إلى الماضي، فيُبدي رغبة في إدراك الصيرورة التاريخية في حلقاتها المتتابعة وفقًا لحتمية لا تتخلَّف، وعندئذٍ يستند إلى فلسفة التاريخ، أو يلجأ إلى حلٍّ مُماثل لهذا، يعتمد على مذهبٍ طَموحٍ في علم الاجتماع، كي يقفز به طفرةً واحدة إلى الحدِّ النهائي لبحثه، ويؤكد نظريةً عامة في الصيرورة الإنسانية.

فلنفحص بإيجاز بعض المذاهب المشهورة في هذا الصدد:

يرى «أوجست كونت» أنَّ تطوُّرَ العقل يتحكم في تقدُّم البشرية. وهذا التطوُّر ينتقل من المرحلة اللاهوتيَّة إلى المرحلة الميتافيزيقيَّة ثم إلى المرحلة التي يُسمِّيها «أوجست كونت» المرحلة «الوضعية». وذلك هو قانون المراحل الثلاث (١٨٣٠م)١٣ وهي المراحل التي يقتضي كل منها نوعًا مُعينًا من أنواع التفسير. ففي المرحلة اللاهوتيَّة، يفسر العقل البشري عالَم الواقع بقوًى سحرية، ثم بالآلهة (وديانة التوحيد تمثِّل أعلى مُركَّب في هذا النوع من الفهم)، وتتَّصِف المرحلة الميتافيزيقية، قبل كل شيء بأنها مرحلة نقدية، تعقب مرحلة عضوية وتُبشِّر بمرحلة عضوية أخرى. وفيها تنبذ البشرية المعتقدات القديمة، ولكنها لا تلمس في نفسها القدرة على أن تستبدل بها تفسيرًا يقبله كل الأفراد. فالميتافيزيقيا ذاتية، أعني أنها تنحصر في تفسيراتٍ يُسمِّيها أوجست كونت «باللفظية» ويستخلِصها كل فيلسوفٍ من أعماقه الباطنة. وهذه الفوضى العقلية التي تتَّصِف بها تلك الكثرة المحتومة من المذاهب الميتافيزيقية تؤدي إلى فوضى اجتماعية وسياسية. على أنَّ ظهور العلوم الخاصة — من علم الفلك إلى علم الاجتماع — يسمح للعقل البشري بأن يستبدل البحث الوضعي في القوانين بالبحث في العلل. ويقوم آخِر العلوم، وهو علم الاجتماع، بوضع حدٍّ للفوضى، عندما يُحقق اتفاق العقول على سياسةٍ وضعية. وهكذا يفسر أوجست كونت تغيرات التركيبات الاجتماعية والسياسية للإنسانيَّة عن طريق إصلاحٍ عقلي يقوم على أساسٍ من تطور العلوم.
أما هيجل (١٧٧٠–١٨٣١م) فيرى أن فيلسوف التاريخ يكتشف في التاريخ تطورًا ذا دلالة. وهو يُطلِق على المعنى الذي يتبدَّى تدريجيًّا في تعاقب الأحداث اسم «الفكرة idée» ويبدو أن صانعي التاريخ يَنقادون على غير علمٍ منهم نحو تحقيق هدفٍ لم يُريدوه، ومع ذلك فهو هدفٌ زاخر بالمعنى (وهذا ما يُسمِّيه هيجل «بدهاء العقل» الذي يحلُّ في نظره محل العناية الإلهية). هذا التطور للفكرة، الذي هو صراع وتجاوز لذلك الصراع، يُكوِّن الديالكتيك التاريخي، الذي يُفضي إلى الشعور بالحرية ضدَّ كل اغتراب.١٤ وقد تتبع هيجل هذا التطور الديالكتيكي في التاريخ السياسي، وفي التاريخ الديني، وفي تاريخ الفنون كما تتبَّعه في تاريخ الفلسفة. لكنه اتُّهم بأنه لا يُحرر الإنسان إلا من الوجهة النظرية، وبأنه تصوَّر أنه قد تغلَّب على الاغتراب عن طريق الوعي به، كما لو كانت الفلسفة هي هدف التاريخ. وقد اتخذت الهجليَّة اليساريَّة هذا النقد نقطة بدءٍ لها، فسارت بفلسفة التاريخ في اتجاه عملي انتهى إلى الفلسفة الماركسية في التاريخ.

فإذا كان «أوجست كونت» قد استخلص طرقًا «للتفسير»، وهيجل قد رأى الفكرة «تتحقق» في التاريخ خلال مظاهر الصراع والمقاومة، فإن كارل ماركس (١٨١٨–١٨٨٣م) يرمي إلى فهْم التاريخ دون أن يفصل هذا الفهم عن المسلك العملي للإنسان، الذي يهدف به إلى السيطرة على الطبيعة وتحقيق الاعتراف المتبادل بين «الناس». لهذا بدأ كارل ماركس بأن ربَطَ الاقتصاد السياسي والفلسفة، ووجد في العلاقات بين الإنسان والطبيعة، وفيما ينجم عنها من علاقات بين الطبقات الاجتماعية بوجهٍ خاص، أُسَس الديالكتيك التي كان هيجل ينسِبها إلى «الفكرة».

فالماديَّة التاريخيَّة هي تفسير التطور التاريخي ابتداءً من هذه العلاقات الأساسية التي تحمل في ثناياها وجود الإنسان، ومختلف الآراء التي يكونها لنفسه عن موقفه الخاص. وعندئذٍ يكون من المحال أن نفصل طريقة فهْم هذا الموقف ذاته. على أن آخر الطبقات الاجتماعية في الظهور، وهي الطبقة العاملة (Le prolétariat) لا تكتفي بفهم موقفها، وإنما تستطيع، بناءً على هذا الفهم، أن تُدرك مواقف الطبقات الاجتماعية الأخرى وحركة التاريخ. وهكذا يُحاول كارل ماركس أن يُعرِّف «بطريقةٍ عملية»، لا نظرية، ما أسماه هيجل وعي الإنسان بذاته.

(٨) وضعية التاريخ

تمثِّل فلسفة التاريخ إغراءً مستمرًّا يجتذب التاريخ ذاته. وربما كان كل مؤرخ يخضع لهذا الإغراء بطريقةٍ ضمنية تتفاوت في درجاتها. وتُعبِّر هذه الفلسفة في نهاية المطاف، عن الدلالة التي يُضفيها المؤرخ على حاضره، وعلى الماضي، من خلال المستقبل الذي يؤمِّلُه أو يتنبأ به. وربما كان من المحتم على المؤرخ أن يشعر بأنه قد «حدد موقفه» على هذا النحو، وارتبط بالماضي في الوقت ذاته، وذلك حتى يتسنَّى له أن يولي الماضي اهتمامه، وحتى يكون لبحثه التاريخي معنًى. ومع ذلك، فالواقع أن خير ما ينطوي عليه إنتاج المؤرخ هو ما يقوم به من دراساتٍ مُضنية حول لحظاتٍ مُعينة في التطور، وهذا الجزء يقتضي جهدًا لكشف الحقيقة التاريخية في تعقيدها؛ بل في فجائيتها أحيانًا، وذلك في مقابل فلسفة التاريخ التي تقتل التاريخ بسبب غلوِّها في تبسيطه، وفي هذا الصدد يُقدِّم علم التاريخ، الذي يظلُّ ناقصًا واحتماليًّا على الدوام، خيرَ مثالٍ لما يمكن أن تكونه الروح العلمية، التي تُلهمها مشاغل قد لا تكون من مجال العلم دائمًا، ومع ذلك فإنها تؤدي إلى أن تتغلَّب فيه روح احترام الحقيقة وتقديرها.

علم الاجتماع

(١) مهمة علم الاجتماع

إذا أردنا أن نُكوِّن لأنفسنا فكرةً عن كُنه علم الاجتماع أي علم الظواهر الاجتماعيَّة، وجب علينا أن نبدأ بأمثلةٍ غاية في البساطة. فلنتصوَّر أحد الفصول التي تدرس فيها الفلسفة، والتي تكوِّن مجتمعًا صغيرًا في معهد علمي؛ مثل هذا الفصل قد يثير عددًا من المشاكل: فما مكانة هذا الفصل في المدرسة الثانوية، أو في الجهاز الجامعي، وفي نظام التعليم العام في البلاد؟ وكيف يؤدي هذا الفصل مهمته؟ أي ما تركيبه حسب أعمار طلابه، وعقيدتهم الدينية، وميولهم السياسية، والمراكز الاجتماعية لآبائهم؟ وهل له سمات خاصة به، وتقاليد ومعايير، ونوع من روح الجماعة، وإنتاج معين؟ وما التيارات التي تمرُّ به، من علاقات للأستاذ بطلابه، وللطلبة فيما بينهم، أهو متجانس، أم مجزأ إلى جماعات متميزة ومتعارضة؟ كل هذه المشاكل تنتمي إلى كلِّ مجال علم الاجتماع. ولنضرب مثلًا آخر، عن المدينة التي تُوجَد بها هذه المدرسة: ما تاريخها، وفي أي الظروف الجغرافية نمت، وما تأثير هذه الظروف في تركيبها، وفي هندستها المعمارية، وفي أعمال سكانها؟ وما وظيفتُها في الاقتصاد الإقليمي أو القومي؟ وما المؤثرات التي تلقَّتْها من العاصمة، أو التي تمارسها هي على الضواحي المحيطة بها؟ وما عدد سكانها، وكيف يوزَّعون في المكان تبعًا للأحياء؟ وإلى أي الطبقات؟ وإلى أي الجماعات من الأجناس تنقسِم، وما أهمية هذا التقسيم؟ وهل يتصف هؤلاء السكان بطابعٍ خاصٍّ في اللهجة أو العادات أو الفنون الشعبية … إلخ؟ وما هو بوجهٍ أعم، سلوك سكانها، من حيث المهنة والآراء واللهو؟ تلك أيضًا مشكلاتٌ يُعالجها علم الاجتماع وتقتضي أبحاثًا مُتعددة ينبغي أن يكون لها طابعٌ علمي، وذلك لأن هذه المشكلات تُثار على أساس معطياتٍ يمكن تحديدها وبحثها بطريقة موضوعية، ومن هنا كان تعبير دوركيم المشهور: «ينبغي أن تُدرَس الظواهر الاجتماعية كما لو كانت أشياء.» وهي عبارة لا يعني منها القول بأن الظواهر الاجتماعية أشياء، إذ إن هذا إنكار لما تتَّصِف به الظواهر الاجتماعية والإنسانية من خصائص مميزة؛ بل يقصد منها الإشارة إلى أن من الممكن اتخاذها موضوعًا لمعرفةٍ وضعيَّةٍ فحسب.

(٢) أوجست كونت

يرجع الفضل إلى أوجست كونت في إدراك هذه الحقيقة، وأعني بها أن الظاهرة الاجتماعية، من حيث هي كذلك، ومن حيث أنها مضادة للظاهرة الفردية، يمكن أن تكون موضوعًا لعلمٍ وضعي. ولقد انتهى إلى هذه النتيجة بناءً على اعتبارات أخلاقيَّة وسياسيَّة (وهي الاعتبارات التي يصعُب فصلُها من كل بحثٍ في العلوم الإنسانية). فقد لاحظ ما تركته الثورة الفرنسية من فراغٍ في النُّظم والعادات، بعد أن أتمت هذه الثورة القضاء على نظام منحل، دون أن تنجح في أن تستبدل به غيره. وعندئذٍ تساءل كونت عن الطريقة التي يمكن بها إعادة الوحدة والنظام — وهما أساس كل تقدُّمٍ — إلى العالَم وإلى الأمم الأوربية بوجهٍ خاص، فرأى أن ذلك التنظيم الأخلاقي العقلي والسياسي الذي حقَّقتْه العصور الوسطى في ظلِّ المسيحية — والذي انحلَّ بالتدريج طوال العصر الميتافيزيقي — لا يمكن الشروع في تحقيقه من جديد إلا بشرط أن يتمَّ تحت لواء العلم، حتى يعود التوازن مرةً ثانية ولكن، لأي العلوم ستكون الصدارة عندئذٍ؟ لذلك العلم الذي ظهرت بوادره عند كلٍّ من مونتسيكو وكوندورسيه في القرن الثامن عشر، والذي أصبح في الوقت الحالي ممكنًا بفضل تقدُّم العلوم الأخرى؛ ويعني به علم الاجتماع. وسرعان ما استنبط كونت النتائج الأخيرة لهذه الفكرة؛ فعلم الاجتماع يمتلك أفضل الوسائل لمعرفة كل ما يتعلق بالإنسان، والسبب في ذلك أولًا هو أن الظاهرة الإنسانية تتجلى في الظاهرة الاجتماعية أكثر مما تتجلى في الظاهرة الفردية، ما دامت الظاهرة الاجتماعية أشبه بالتكبير الواضح، في حين أن الظاهرة الفردية، التي لا تخضع في نظرِ أوجست كونت إلَّا للاستيطان، لا مكان فيها إلا للملاحظة الفجَّة المشوبة بالغموض. والسبب الأهم هو أنه لا وجود للظاهرة الفردية حقيقة إلا بوجود الظاهرة الاجتماعية؛ فالفرد فكرة مجردة كما يقول كونت، وكل ما ينطوي عليه من أفكار وعواطف وميول، وكل ما يجعله إنسانًا، ويرفعه فوق مستوى الحيوان، إنما يأتيه من قِبل الحياة الاجتماعية، والتركيب الداخلي للفرد إنما هو ميراث يستمده من الإنسانية، والإنسانيَّة هي مجموع النظم والأفكار الأخلاقية والدينية، والقواعد العقلية، والعادات العملية التي تميز الإنسان، والتي لم يكن إعدادها ممكنًا إلا بفضل الجماعة الإنسانية، وتضامن الجماعات البشرية في المكان وفي الزمان.

(٣) دوركيم وتعريف الظاهرة الاجتماعية

شقَّت الفكرة التي تقدَّم بها أوجست كونت طريقَها، وبعد بضع عشراتٍ من السنين توارت فيها هذه الفكرة، عادت فأثمرت عدة مدارس اجتماعية. وأبحاثًا تتزايدُ وفرة، وسار المفكر الذي اعترف الجميع بزعامتِهِ للمدرسة الفرنسية، أعني دوركيم، في طريقٍ يكاد يكون نفس الطريق الروحي الذي سلكَهُ كونت، فالأساس الخفي لفكره هو أيضًا الحرص على معالجة الفوضى التي تُهدِّد المجتمع الغربي، وذلك بتأكيد علوِّ الاجتماعي على الفردي، وإمكان ازدهار الفردي بوساطة الاجتماعي وداخله. فالتربية الأخلاقية يجب أن تقومَ على أساس المعرفة الوضعية للظواهر الاجتماعية، وهذه هي فكرة كتاب «قواعد المنهج في علم الاجتماع»، الذي يُعرِّف الظاهرة الاجتماعية وشروط دراستها.

وتُعرَّف الظاهرة الاجتماعية بأنها خارجةٌ على الفرد، ولها في ذلك طابع مزدوج، فهي أولًا جماعيَّة، أعني أنها تنتمي إلى الجماعة من حيث هي كذلك، ولا تتوقَّف على اختراع الفرد أو موافقته. ومن الأمثلة الواضحة في هذا الصدد اللغة، أي مجموع الكلمات وقواعد التركيب اللغوي. ولكن هناك أمثلة أخرى، كالعادات، والتقاليد والقواعد التشريعيَّة (والمثل الأخير مُحبَّب إلى نفس دوركيم). ويجد الفرد هذه الأسس الاجتماعية موجودة من قبله، ولذا كان لزامًا عليه أن يُكيِّف نفسه تبعًا لها، ولا ريب في أنه سيُقال إن الفرد يستطيع تعديلها على أقل تقدير، وذلك بأن يقِف تجاهها موقف الرفض أو حتى موقف القبول، فضلًا عن أنَّ في وسعه أن يبتكِرَها (كما في حالة نسبة مجموعة معينة من القوانين إلى مُشرِّعٍ مُعين). ولكن لو نظرنا إلى الأمر عن كثب، لأدركنا، من جهة، أن الابتكار يفترض حالة مُعينة للفكر الجماعي، تمهِّد له، وتستدعيه ومن جهةٍ أخرى فهذا الابتكار لا تكون له أهمية أو معنى إلا بقدْر ما يُعترَف به، ويُقبَل، وينتشر؛ أعني إذا خرج من أيدي صاحبه، وفقَد طابعه الفردي، ودخل مملكة الظواهر الاجتماعيَّة.١٥
وفي المقام الثاني تُوصَف الظاهرة الاجتماعيَّة بأنها قاهرةٌ coercitif. ويرجع ذلك، على وجه الدقة، إلى أنها خارجة عن الأفراد، والقهر الذي تُمارسه الجماعات يمكن أن يتشكل بصورةٍ متباينة:
  • (١)

    فقد يكون نوعًا من القوة المادية، كما في الحتميَّة الطبيعيَّة: وعلى هذا النحو تفرض قيمة سلعة أو قطعة من النقود.

  • (٢)

    وقد يكون جزاءات منظمة (تُقننها وتقضي بها محكمة تمَّ تأليفها) أو جزاءات غير رسميَّة (كالتمجيد أو التحقير، وهما جزاءان ليس لهما قانونٌ ثابت؛ يَصدُران عن الرأي العام).

  • (٣)

    السخرية التي تلحق بمَن يخالفون العادات دون قصد، أو يستهينون بقواعد الذوق الشائعة.

(٤) موضوع علم الاجتماع

(أ) التصورات الجماعيَّة les représentations collectives

ممَّ تتكوَّن الظاهرة الاجتماعية التي نعرفها على هذا النحو؟ تتكوَّن أولًا — على حد قول دوركيم — من «التصورات الجماعيَّة» أي من أساليب التفكير والشعور والسلوك التي تبدو في تصرف الفرد على أنها تعبير عن سيطرة الجماعة. وأوضح الأمثلة لذلك هي استجابات الفرد عندما يندمج في جماعة «في حالة انفعالٍ قوي» كما يحدث بمناسبة احتفالٍ أو عيد أو اجتماع سياسي. فهنا يتبلور «الشعور الجماعي» مؤقتًا على الأقل، ولكن إلى جانب هذه الاستجابات الانفعالية، يرى دوركيم، أن أسمى أنواع نشاط الوعي تتوقَّف هي الأخرى على شروط اجتماعية؛ فتأمَّل المفكر المنعزل يفترض تراثًا ثقافيًّا مُعينًا، واعتمادًا على مفاهيم يعجز الفرد وحدَه عن تكوينها. وهذه الثقافة ينبغي أن تُنسَب إلى الشعور الجماعي الذي يتميز به مجتمع مُعين في عصر مُعين.

ويمكن دراسة هذه التصورات الجماعيَّة دراسة وضعية. فكما أن المدرسة السلوكية في علم النفس قد اعتزمت فيما بعدُ أن تدرس في الفرد ما يمكن ملاحظته عليه من الخارج، أعني سلوكه، دون أن تلحَّ في التساؤل عما يحدث في «أعماقه الباطنة»، فكذلك ركَّز «دوركيم» انتباهه، في كتاب «تقسيم العمل» بوجهٍ خاص، على بحث الظواهر التي يمكن ملاحظتها على نحوٍ أكثر يسرًا، أعني الظواهر التي يتجلَّى فيها طابع الخارجية والقهر الذي تتميَّز به الظاهرة الاجتماعية بأوضح صورة، كالظواهر التشريعية. فقانون العقوبات بوجهٍ خاص، يكشف في طريقةِ صياغته وتطبيقه عن الوعي أو الضمير الجماعي للجماعة. ومع ذلك، فما كان هذا ليمنع دوركيم من أن يقوم بتحليلٍ نفساني دقيقٍ للمُعتقدات الدينية، كما فعل في كتابه «الصور الأولية للحياة الدينية» les formes elémentarines de la vie religieuso ذلك لأن موضوع التصورات الجماعيَّة يمكن أن يُطرق من زوايا متباينة.

(ب) النُّظم

على أن هذه التصورات، من ناحية أخرى، تستمرُّ في البقاء وتتوارَث، عن طريق إدراجها في نُظمٍ اجتماعيَّة؛ فالتصورات التشريعيَّة مثلًا تُقنَّن في سجلاتٍ من القوانين تقتضي دراسة للقانون، ويُطبقها قضاة، ويحميها رجال الأمن … إلخ. وبهذا المعنى يكون علم الاجتماع هو علم النُّظم الاجتماعيَّة. والذي لا شكَّ فيه أن تعريف النظام intitution ليس بالأمر الهين. ومع ذلك فمن الممكن التعرُّف عليه، كما يقول «مالينوفسكي» بناءً على ما ينطوي عليه من مُثُل عُلْيَا أو معايير يرمي إلى تطبيقها، ومن ميثاقٍ يقوم على أساسه، ومجموعة من الأشخاص يستخدمها النظام، ومادة يستعملها، ولكن الأساس هو أن النظام يُنظِّم، أعني أنه يخلع على الحياة الاجتماعية صورةً محددة، ويُضفي عليها الطابع الذي يمكن وصفه بأنه رسمي، جماعي، متعارف عليه، والذي تتميز به الظواهر الاجتماعيَّة.

والبحث في النظم يسمح بتقسيم العمل في مجال علم الاجتماع: فمن الممكن في الواقع تقسيم النظم إلى طوائف كبرى مُعينة، كالنُّظم السياسيَّة، والاقتصاديَّة، والتشريعيَّة، والفنيَّة، والدينيَّة … إلخ، وكل هذه المجالات يسمح بقيام دراسة خاصة (هذا، بطبيعة الحال. على شرط ألا نغفل أبدًا ما بين هذه النُّظم من علاقاتٍ متبادلة في كل مجتمعٍ مُعين، وندرك ما بين العادات الخُلقيَّة، والدين، والاقتصاد مثلًا، من سببيةٍ متبادلة تؤثر بها كل منها في الأخرى دائمًا). وهكذا يُمكننا أن نتحدَّث عن علم اجتماعٍ ديني، وعلم اجتماعٍ اقتصادي، وعلم اجتماعٍ جمالي … إلخ؛ بل نستطيع المُضيَّ في هذا التقسيم إلى أبعدَ من ذلك ونلمح «سماتٍ حضارية» كما في الأساليب العمليَّة للأخلاق، والمعتقدات الدينيَّة، واستخدام أداةٍ ما، وغيرها، ونتابع تاريخها في الزمان وتوزيعها في المكان خلال ظواهر الاقتباس والانتشار.

(ﺟ) بحث الأشكال الاجتماعيَّة la morpholgie social

وأخيرًا فإن دوركيم لم يغفل عن هذه الحقيقة، وهي أن الظاهرة الاجتماعيَّة، والتصورات الجماعيَّة والنُّظم التي تتجسَّد فيها، تقوم في أساسها ومبدئها على ظاهرة التجمع، والشكل الذي يتَّخِذه هذا التجمُّع من الوجهة المكانيَّة. فعلم الاجتماع هو أولًا دراسةٌ للأشكال الاجتماعيَّة، وذلك لأن سمات المجتمع والتصوُّرات التي تُعبر عنه وتدعمه تتوقَّف إلى حدٍّ بعيد على الظواهر الخاصة بالسكان: أي على عددِ السكان وحجمهم وكثافتهم، والطريقة التي يمكن بواسطتها تحقيق الازدهار والتداول في السِّلع والأفكار. ويؤدي البحث في التركيب المادي للجماعة، والشروط المادية لحياتها، إلى البحث في السكان من جهة الديموجرافيا démographie من جهة، وإلى البحث في علم البيئة ecologie أي دراسة طريقة توزيع السكان على التربة، وتوزيعهم في المدن والأرياف، كما يؤدي إلى الجغرافيا البشرية التي تدرُس العلاقات المتبادلة بين الإنسان وبيئته الطبيعيَّة، وهي الدراسة التي تُعد الجغرافيا الطبيعيَّة مُقدِّمةً ضرورية لها.

(د) علم الاجتماع السكوني (الاستاتيكا الاجتماعيَّة) وعلم الاجتماع الحركي (الديناميكا الاجتماعيَّة)

وهكذا تتكوَّن لدينا فكرةٌ مُعينة عن مدى اتساع المجال أمام عِلم الاجتماع. ولكن يجب أيضًا أن نُشير إلى اتجاهاتٍ أخرى في البحث، فلنبدأ بكلمة عن التمييز الحاسم الذي نبَّه إليه من قبلُ أوجست كونت، بين السكوني والحركي. فالدراسة تبحث في «التضامن الاجتماعي»، وفي شروط وجود مجتمعٍ مُعين في لحظةٍ مُعينة من تاريخه، وفي تركيبه، أعني في العلاقات المتبادلة بين النُّظم التي تظهر فيه، والجماعات الخاصة التي تكونه. وفي هذه الدراسة يبدو المجتمع العام، بحضارته الخاصة، كأنَّه كل «شبيهٌ إلى حدٍّ ما» بالكل الذي يكونه الكائن العضوي.١٦ وقد حدَّدت النظرية الوظيفية هذه الفكرة وألحَّت في بيان ضرورة دراسة كل حضارة وكل مجتمعٍ أنه قائم بذاته.

أمَّا الدراسة الحركية فتتعلق بتاريخ المجتمعات من الوجهة الزمنيَّة، وهي في ذلك ترتبط بالتاريخ في علاقات وثيقة. والصفة الغالبة على هذا البحث في معظم الأحوال هي الميل إلى التحليل. فالباحث يستطيع تتبُّع التطور الزمني الذي يمرُّ به نظام معين، كالأسرة، أو سمة حضارية خاصة كالصلاة، أو إحدى الأدوات، أو الأساليب الفنيَّة، داخل مجتمعٍ معين، أو في مختلف المجتمعات التي يتمثَّل فيها. وقد يعنُّ له أن يبحث عن منطق هذا التطوُّر خارج النطاق التاريخي، فيفحص نظمًا مُتعاصرة، ولكنها تُوجَد في مجتمعات مختلفة، كالأساليب الزراعية المختلفة التي تُتَّبع اليوم لدى شعوب أفريقية معينة، وفي مزارع فرنسية، وفي مزارع جماعية روسية، ويرى فيها أمثلة لمراحل مختلفة في تطوير يحاول إعادة تركيبه. ولكن من الواجب أن نكون على الدوام حذِرين في حالات إعادة التركب هذه، حيث لا يعمل العنصر الزماني على تحقيق العنصر المنطقي.

(ﻫ) علم الأجناس البشريَّة éthnologie

وعلى كلٍّ، فإن هذه الرغبة في تتبع تطور ذي طابعٍ عقلي، هي التي أضفت مثل هذه الأهمية على الدراسات المتعلقة بالمجتمعات المسماة بالبدائيَّة، وهي الدراسات التي حاول الباحثون أن يتبيَّنوا خلالها الصور الأصلية والأولية للحياة الاجتماعية. ومعظم العلماء يُطلِقون اسم «علم الأجناس البشرية» éthnologie على ذلك الفرع من علم الاجتماع الذي يُخصَّص لدراسة مثل هذه المجتمعات. ومن مزايا هذه الدراسة أيضًا أن المجتمعات البدائية، بما تتميَّزُ به من ضِيق نطاقها، تُقدِّم إلى الباحثين موضوعات أقل تعقيدًا، وأصغر حجمًا من المجتمعات الحديثة؛ بل موضوعات أكثر استقرارًا، وذلك لأنها لما كانت في عزلةٍ نسبيَّة وأقل تعرضًا للمؤثرات الخارجية، ولا تعرف فكرة التاريخ ولا فكرة التقدُّم، وتبث في الفرد احترام التقاليد والأساطير، فإنها تتطوَّر على نحوٍ بطيء جدًّا. كما أن من مزاياها أنها تكشف بوضوح عن الطابع المميز للظواهر الاجتماعية وعن مدى سيطرتها. فالمطالبة بحقوق الفرد، ومحاولة الابتكار، وممارسة التفكير الشخصي، كل هذه الأمور لا تتبدَّى فيها على الإطلاق، إذ يستوعب الجماعي الفردي تمامًا. وأخيرًا يمتاز علم الأجناس بأنه يلفت الأنظار إلى ما تتَّصِف به الحضارات من تعدُّد، ومن تعرُّض للزوال، وهي الصفات التي تحدَّث عنها منتني Montaigne من قبلُ.
ومع ذلك، فالاتجاهات الأخيرة في علم الأجناس البشرية تميل إلى:
  • (١)
    أن تؤكد، على حدٍّ سواء، كلًّا من أوجه التشابُه، وأوجه الاختلاف، بين البدائي والمتمديِن. وهذا ما قام به ليفي بريل؛ فإنه لما بيَّن الطابع «قبل المنطقي» (Pré-logique) الذي تتَّسِم به «العقلية البدائية» في مقابل العقلية المنطقية التي تسود المجتمعات الحديثة، أكَّد أن التضادَّ ليس حاسمًا، كما بَيَّن باحثون آخرون التفكير السحري، الذي يبدو في الظاهر سمةً تنفرد بها العقلية البدائية، قد ظلَّ قائمًا في المجتمعات الحديثة، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإنه لا يتنافى مع وجود تفكيرٍ عقلي يتمثَّل في الأساليب العملية وفي العلاقات الإنسانية.
  • (٢)

    أن تكشف في أبسط المجتمعات البدائية عن نوعٍ من التعقيد يمنعنا من الحكم عليها بالبساطة (إذ نجد فيها مجموعاتٍ تنتمي كلٌّ منها إلى عمر مُعين، كما نجد فيها نوادي وجمعيات سريَّة … إلخ) ومن جهة أخرى تتمثل فيها آثار ماضٍ يمنعنا من أن نَعُدَّها أقدم صورة للمجتمعات الإنسانية.

  • (٣)
    وأخيرًا تميل هذه الاتجاهات الأخيرة إلى القول بإمكان تطور هذه المجتمعات، وخاصةً إذا ما اتصلت بالبيض١٧ كما يتبين من الدراسات المتعلقة بظاهرة «التكيُّف الحضاري acculturation».

(و) علم الاجتماع التحليلي

ما دام كلُّ مجتمعٍ شامل يوصف بأنه مُعقد، فمن واجب علم الاجتماع أيضًا أن يعمل على تحليله، وأن يميز على تعبير جرفتش Gurvitch بين الجماعة — المنظمة — التي تكوِّن المجتمع، وبين صور قابلية التجمع Formes de sociabilité أعني الطرق المختلفة التي يرتبط بها الأفراد على نحوٍ يؤدي إلى تكوين وحدةٍ اجتماعية تُنظِّمهم جميعًا، ولقد أدى هذا البحث الأخير إلى فروع عديدة من الأبحاث المتشبعة.
ففي ألمانيا حاول «زمل Simmel» ومن بعده «فون فيزه Von Wiese» تصنيف «العلاقات الاجتماعية» تبعًا لعمليات التقارُب أو التباعُد بين الأفراد، ففي وسع علم الاجتماع أن يهتدي دائمًا إلى عمليات «اجتماعية» تتمُّ في المكان الاجتماعي l’espace social (وهو مجال العلاقات الاجتماعية، الذي ينبغي التمييز بينه وبين المكان الطبيعي، ما دُمنا لا نخلط بين المسافة الاجتماعية والمسافة المادية) وتتبلوَرُ في «مجموعات اجتماعية ensembles sociaux» يشعر بها الأفراد عن وعي، ويحددون تصرفهم تبعًا لها، وهي المجموعات التي يجب أن نُميز فيها بين الجماهير، والجماعات التي يغلب عليها روح التكتُّل، وبين المجموعات «الجماعات المجردة» التي تبعث في النفوس التبجيل والرهبة في آنٍ واحد، كالهيئات الدينية، والدولة والمهنة … إلخ.
ويظهر لدى «تونيس Toennies» تتميزٌ آخر شهير وإن يكن مفرطًا في بساطته، وهو التمييز بين صورتَين من صور قابلية التجمع: الجماعة Communauté والمجتمع. فالجماعة أشبَهُ بوحدة الكائن العضوي الحي، إذ تقوم على التضامن الوثيق الناشئ عن اتفاق عاطفي، والمثل النموذجي له هو الأسرة، أما المجتمع، فهو أشبه بالآلة، إذ يَنبني على نظامٍ تشريعي وعقلاني في آنٍ واحد، وينمو هذا النظام عندما يُضعف تعارُض الأهداف والمصالح قوةَ التضامن الحيوي، واشتراكية الدولة هي آخِر صورة للمجتمع المنظَّم عقلانيًّا.
وفي فرنسا يمكن المقارنة بين هذه التفرقة وتفرقة أخرى قال بها دوركيم عن تقسيم العمل الآلي وتقسيم «العمل العضوي»، وكذلك التفرقة التي قرَّرها دافي Davy بين اللائحة Statut والعقد contrat. ومن ناحية أخرى واصل «جرفتش» هذه الأبحاث فقال بما يُسمى «علم اجتماع الأعماق Soc. des profondeurs».١٨ الذي عزا إليه مهمة التفرقة بين الطبقات المختلفة للواقع الاجتماعي، وهي الطبقات التي تُعبر عن مختلف المظاهر التي يبدو بها هذا الواقع، ابتداءً من سطح المجتمعات باعتبار شكله وتوزيع سكانه حتى الرموز والأفكار والقِيَم الجماعية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد قال بما يُسمَّى «علم الاجتماع المصغر microsocilogie» ونسب إليه مهمة كشف الصور المختلفة لروح التجمع، وهي الصور التي تعبر عن مدى كثافة الحياة الاجتماعية، وتنظيم البناءات الاجتماعية من خلال مقدمات عامة، هي: «الجمهور masse والجماعة المحلية Communauté والتجمع Communion».
أما في أمريكا، فلنا أن نقول إن الدراسات النظرية للعناصر الاجتماعية، وإن لم تكن قد بلغت هذا الحدَّ من التقدم، فقد أولى الباحثون أهميةً كبرى للدراسة التجريبية للجماعات الخاصة وعلى هذا الأساس نرى القياس الاجتماعي Sociométries الذي وضع أسس مورينو Moreno يدرس تماسك الجماعات الاجتماعية، وإمكانيات إنتاجها، وذلك عن طريق قياس علاقات التجاذُب والتنافر التي تقوم بين مختلف أعضائها.

(٥) منهج علم الاجتماع

إن كثرة المجالات التي يُعالجها علم الاجتماع تُوحي بوجود كثرةٍ من المناهج غير أن مما يؤدي إلى ازدياد تبايُن هذه المناهج، اضطرار علم الاجتماع إلى مواجهة المشاكل التي يُثيرها كلُّ علم للإنسان، ومن هنا كانت كثرة المدارس، وهي ظاهرة تشهد بحيوية التفكير في علم الاجتماع. فلنوضح هنا بعض الخطوط الرئيسية في هذه المناهج.

(أ) علم الاجتماع الموضوعي

في البداية، يمكنُنا أن نتصوَّر إمكان قيام علم للاجتماع ببحثٍ في الظواهر الاجتماعية كما لو كانت ظواهرَ طبيعية. وذلك ما كان يطمحُ إليه طلائع المفكرين في هذا العلم. فإنَّ الطابع الخاص المميز للمجال الاجتماعي، الذي يعرف بأنه جماعي collectif يقتضي الخروج بهذا المجال عن نطاق الفرديَّة، وليس بالضرورة عن مجال الإنسانيَّة، بحيث يمكننا البحث عن القوانين دون أن نُثير احتجاج الوعي والحرية الفردِيَّين. ففي انتقالِنا من الميدان النفسي إلى الاجتماعي يتغيَّر المجال والمنظور على نحوٍ يسمح بتجاهُل ذاتية الفرد. وهكذا يدرس علم السكان توزيع السكان أو الاتجاهات التي تتبدَّى في الظواهر السكانية (كالمواليد والوفيات والزيجات)، وذلك دون أن يعبأ بمعرفة مَن الذي يتزوَّج أو يموت، وإنما يرجع الفرد دائمًا إلى طوائف مُعيَّنة من حيث العمر، والجنس، والطبقة الاجتماعية، والموطن … إلخ، دون أي اكتراث بما يعنيه الزواج أو الموت بالنسبة إلى أي فردٍ بعينه. كذلك يدرس الاقتصاد السياسي مدى الإنتاج أو توزيعه في بلدٍ مُعين مثلًا، دون أن يهتم بمسلك مُنتج معين أو برأيه. وإذا اهتمَّ بمثل هذا الرأي — كأن يهتمَّ مثلًا بحركات الشك التي يُثيرها التهديدُ بالتضخُّم، وهو الشك الذي يُنشِّط الطلب في القوت الذي يقلُّ فيه الإنتاج — نقول إذا اهتمَّ بهذه الظواهر النفسية، فإنما يكون ذلك بوصفِها جماعيَّة لا فرديَّة. والحق أن دراسة الرأي العام تعمل أيضًا على إغفال الطابع الفردي. فهي تهدف إلى قياس المعتقدات والتيارات الفكرية والعواطف التي تُساور الجماعة، دون بحثٍ في الطريقة التي يتلقَّى بها الفرد الرأيَ ويقرُّه أو يرفضه، وإنما هي تفصِل الرأي عن الفرد الذي يُعبر عنه … وتُضفي عليه وجودًا اجتماعيًّا بالمعنى الصحيح، والمنهج المفضل في هذه الحالة هو المنهج الأخصائي.

ويكشف الإحصاء، أحيانًا بصفةٍ حاسمة، عن اطِّراد الظواهر الاجتماعية. على أنه ليس من الواجب — بلا شك — أن نثق بالأرقام ثقةً عمياء، ويرجع ذلك أولًا إلى أن الإحصاء لا يستمدُّ قيمته إلا من المعطيات التي يتخذها مادة له، والتي يستمدُّها من مصدر آخر؛ فتقدير الرأي العام تقديرًا حسابيًّا يستمدُّ قيمتَهُ من طريقة اختيار «عينات» السكان، ومن المعلومات التي يجمعها القائمون بالبحث. ثم إن مظاهر الاطِّراد التي يُقرِّرها الباحث قد ترجع أحيانًا إلى نقص المعلومات التي جمعها، وأخيرًا لأن الإحصاء في ذاته لا يَستنتج شيئًا، وهو يحتاج دائمًا إلى التفسير، ومع كل ذلك فلا شك في أنه يُلقي ضوءًا على الطابع الجماعي للظواهر الاجتماعية، ويُساعدنا إلى حدٍّ كبير في التعبير عنه بدقةٍ رياضية.

ويتعلق هذا العلم الاجتماعي الموضوعي بظواهر جماعية بالمعنى الصحيح، حيث لا يظهر الفرد إلا على اعتبار أنه أحد عناصر حقيقةٍ أسمى فيه، فلا يعدو إنتاجه أو فعله أن يكون مجرد مثَلٍ أو «عينة». ولكن ينبغي أن نلاحظ أن استبعاد العنصر الفردي ليس معناه استبعاد العنصر الإنساني، أعني النفسي؛ فعلم الاجتماع الاقتصادي لا يُنفقُ جهده عبثًا عندما يقوم بدراسةٍ نفسية للعمليات الاقتصادية، على غرار ما قام به علم الأجناس البشرية بالنسبة إلى الصور البدائية للتبادل، كذلك لا يتنافى البحث الإحصائيُّ في تأدية الشعائر الدينية بحالٍ مع تحليل صور الإيمان أو درجاته. ولكن ألا يتَّجِه التحليل النفساني، كلما ازداد دقة، إلى العودة إلى الفردي؟ ألا ينتهي، على أية حال، إلى التناقض مع الهدف الأول لعلم الاجتماع الموضوعي؟

(ب) علم الاجتماع وعلم النفس

لسنا نخوض هنا غمار الجدل الذي ثار حول علاقة علم النفس بعلم الاجتماع. وحسبنا القول بأن التعاون يزداد قوةً بين هذين العِلمين دائمًا، فهناك علم اجتماعيٌّ نفسي ينمو جنبًا إلى جنبٍ مع علم الاجتماع الموضوعي. وهذا العلم الاجتماعي النفسي لا يأبى الاعتراف بالخصائص النوعية للظاهرة الاجتماعية، ولكن لابدَّ من تأكيد الطابع الجماعي في الظاهرة الاجتماعية، نجده يحاول كشف النقاب إمَّا عن السلوك الفردي الذي يُعَدُّ أصلًا للظاهرة الاجتماعية، وإمَّا عن الطريقة التي يتلقى بها الفرد هذه الظاهرة ويحياها، وذلك دون أن يرى في بحثه في العنصر الفردي في الظاهرة الاجتماعية إخلالًا بصفة الموضوعية. كذلك نرى أن «علم الاجتماع المنهجي Soc. systématique» عند زمل Simmel وفون فيزه Von Wiese — الذي يحاول تحديد العلاقات البشرية الأساسية المكوِّنة للجماعات — يبدأ هو الآخر بعلم النفس. غير أن الحرص على الإفادة بعلم النفس دون الإبقاء على التضادِّ بين الجماعي والفردي يتجلَّى بوجهٍ خاص في مبحثَين:
  • (١)

    أولهما «علم النفس الاجتماعي»، وهو يدرس سلوك الفرد تجاه الظواهر الاجتماعية. فيبحث مثلًا في الطريقة التي ينضمُّ بها الفرد إلى جماعة، والدور الذي يلعبه فيها، والمركز الذي يشغله فيها، وكيف يبعث الحيوية في هذه الجماعة ويوجِّهُ نشاطها (وخاصة إذا كان يشغل فيها وظيفة القائد). وكيف يخضع الفرد، في مقابل ذلك، لتأثير الجماعة، ويقبل معاييرها ويتأثر بأحكامها، وأي الآراء والمشاعر تنمو لدَيه بسبب تأثير الجماعة، وكيف تنطبع شخصيته بأَسرها بطابع الجماعة. وعندئذٍ يجب التنبيه إلى وجود تأثير مُتبادَل من الجماعة في الفرد يمكن التعبير عنه بفكرة السببية، بشرط أن تكون هذه السببية على شيءٍ من المرونة، وتدمج بها مفاهيم مثل مفهوم الدوافع، والتكيف، والتأثير.

  • (٢)
    وثانيهما ذلك المبحث الذي أُطلق عليه في أمريكا اسم «الأنثروبولوجيا الحضارية» وله موضوعُه الخاص به، وهو دراسة حضارة مجتمعٍ مُعين، أعني دراسة الطابع الاجتماعي حسبما يتمثل في الأفراد، وحسبما يحياهُ هؤلاء الأفراد، ومن هنا كان يتطلَّب دراسة علم النفس. ذلك لأن الحضارة، التي تُفهَم بهذا الفهم الواسع، يمكن دراستُها بدراسة المنتجات المادية للصناعة البشرية، من أدواتٍ وسلعٍ وأعمال فنيَّة … إلخ، كما يمكن دراستُها بدراسة النُّظم (السياسية والتشريعية والتربية … إلخ). غير أن هذه الأعمال وهذه النُّظم ذاتها ينبغي أن تُفحَص من جهة علاقتها بالأفراد، فالحضارة تتكوَّن في نهاية الأمر مما يُفكر فيه الأفراد وما يشعرون به وما يفعلونه، أعني أنها تتكوَّن من سلوكهم بقدْر ما يقوم هذا السلوك على أساسٍ اجتماعي، وبقدْر ما هو مُكتسبٌ من المجتمع، وخاضع لقواعدَ مُعينة فيه، وبقدْر ما يُنقَل إلى أفراد آخرين. فبملاحظة هذا السلوك نلاحظ الحضارة، وبتحليل هذا السلوك نهتدي إلى تفسير، جزئي على الأقل، لهذه الحضارة. والحق أن الأنثروبولوجيا، كما يقول «كاردنر Kardiner» تقتبس إحدى الأفكار الرئيسية لعلم النفس الاجتماعي مع التوسع فيها بحيث تمتدُّ إلى المجتمع بأَسره؛ فهناك نُظمٌ تُسمى بالأوليَّة primaires — وخاصة التربية، التي تتباين مناهجها ومضمونها من مجتمع إلى آخر — وتؤدي هذه النُّظم إلى تكوين تركيبة نفسية معينة في الأفراد، تتكوَّن منها «شخصية أساسية» لهم، أو سمِّها إن شئت «شخصية قومية»، وفي مقابل ذلك تؤدي هذه الشخصية الأساسية إلى قيام نُظم تُسمى بالثانوية، وتعكس التأثير الذي تُباشره النُّظم الأولية عليها. وهنا يكون للتحليل النفسي بوجهٍ خاص، أهميته لأنه يُعين أولًا على توضيح الطريقة التي تتكوَّن بها الشخصية في مرحلة الطفولة عند قيامها بالتجارب الاجتماعية الأولى، فضلًا عن أنه يكشف عن العمليات النفسية التي تُوضِّح العلاقات بين نظامٍ أوليٍّ ونظام ثانوي.
وهكذا يساعد علم النفس على فهْم الحضارة، فهو لا يكتفي بوصف الطريقة التي تُطبَّق بها الحضارة تطبيقًا عمليًّا؛ بل يفسر العلاقة التي تربط النُّظم أو الأساليب العملية فيما بينها، والطابع الشامل للحضارة الذي يؤكد المذهب الوظيفي Le fonctionnalisme على أن هذا لا يعني بطبيعة الحال أن علم الاجتماع يقف عند هذا الحد، وأن الدراسة الموضوعية الخالصة للأشكال الاجتماعية أو للظواهر الجماعية، دراسةٌ عميقة؛ بل الواجب أن تتآزر أكثر الدراسات تباينًا، وأن تتضافر بدلًا من أن تتنافر.

(ﺟ) علم الاجتماع والتاريخ

وكذلك الحال في الاتجاهات الأخرى للبحث في علم الاجتماع، أعني تلك التي تسير في طريق التعاون مع التاريخ، فعلم الاجتماع الذي يستعين بعلم النفس هو أساسًا علم الاجتماع السكوني، الذي يبحث في موقف الفرد من الجماعة أو في تركيب مجتمعٍ ما أو حالةٍ حضارة معينة. وفي مقابل ذلك نجد أن علم الاجتماع dynamique الذي يبحث في تطور سمة حضارية معينة، أو نظامٍ أو مجتمع ما، يستعين — بداهةً — بالتاريخ قبل كل شيء، وفي هذا الصدد ظهرت، في أوائل هذا القرن، مدرستان متعارضتان؛ المدرسة القائلة بالتطور évolutionnisme وهي تبحث في التاريخ عن الوسيلة التي يؤدي بها التطور العام إلى تحديد للمجتمعات أو النُّظم، ومن ثم تحقق آمال فلسفة التاريخ من الوجهة العلمية، والمدرسة الانتشارية diffusionnisme التي تؤكد أن تسلسل الحوادث التاريخية محدود ونسبي، وتقتصر على دراسة انتشار سمة حضارية مُعينة في إقليم جغرافي معين، وفي فترة زمنية محددة. وهكذا إنحاز علماء التاريخ إلى أحد الرأيين الشائعَين في التاريخ اللذين يؤكد أحدهما استمراره واتصاله، ويؤكد الآخر ما فيه طابع «عرضي» تتحكم فيه الصدف والأحداث العرضية. ففي الحالة الأولى يجتذب علم الاجتماع التاريخ إليه، وفي الثانية يجتذب التاريخ علم الاجتماع إليه.
وأيًّا كان الأمر، فمن الواجب أن نؤكد ضرورة تقارُب العِلمين كما أومأنا إلى ذلك عند الكلام عن التاريخ. والحق أن العِلمين يتَّجهان إلى الاندماج رغم ضروب الجدل التي نشبت بينهما في مستهلِّ هذا القرن. ويشهد على ذلك الجدل الذي وقف فيه «سنيوبوس Seignobos المؤرخ الراوي historien historisants» في مقابل «سيميان Simiand المؤرخ الاجتماعي historien sociologue»؛ فالأول يعرِّف المنهج التاريخي بأنه «لا ينطوي على ظواهر كاملة، وإنما على أشتات متفرقة، بقيت بمحض الصدفة من حطام الماضي، فعملُ المؤرخ أشبه بمهنة جامع الخرق.» ويضيف إلى ذلك «أن كل حالة خاصة تقتضي تفسيرًا خاصًّا.» أما الثاني فيؤكد أن لا قيمة للتفسير إلا إذا «طبقت على حالة علاقة عامة هي علاقة السبب بالنتيجة.» وأننا حتى عندما نؤكد الطابع الفريد لفعلٍ ما، ونرده إلى فردٍ معين، فإن ذلك لا يكون إلا عن طريق عوامل سببية عامة، يمكن صياغتها في قضايا عامة.١٩
واليوم، وبسبب تأثير علم الاجتماع، قلَّ اهتمام التاريخ بالرواية وبالسرد، وأصبح أقلَّ حرصًا على التفاصيل، وفي مقابل ذلك أصبح علم الاجتماع بتأثير التاريخ، أقل جزمًا، وأقل ميلًا إلى التعميم. وهكذا أخذت حدة التعارُض بين الخاص والعام تخف. فالتاريخ يتعلق حقًّا بالحادث من حيث هو فردي وحيد، ولكنه لما كان يتَّجِه إلى تفسير الحادث بعد تحقُّقه، فإنه يفطن إلى وجود اتجاهات منتظمة، ويميز الشيء الاتفاقي من الشيء الضروري، والعرضي من الاحتمالي، فهو يَفهم الخاص بالعام مثلما يفهم علم الطبيعة الظاهرة بناءً على القانون. وقد لاحظ «بوجليه Bouglé» ذلك فقال: «إن لانجلوا langlois» مع حرصه على استبعاد التعميمات التي تكمن، كما يقول، كالجراثيم في مفاصل البحث التاريخي، يتحدث مع ذلك عن «التطور الطبيعي» الذي حوَّل البرلمانات إلى «برلمان»، أو عن اكتمال نظام ملكي عن طريق «القانون الطبيعي» في تقسيم العمل … ولكي يثبت براءة جماعة فرسان المعبد Templiers٢٠ نراه يستعين بالدراسة النفسية للطوائف الدينية التي يندفع أفرادها إلى الاستشهاد.٢١

وعلى العكس من ذلك فإن علم الاجتماع، إن كان يبحث عن تسلسلاتٍ سببية، وإن كان يُعمم، فما ذلك إلا ليفهم ما قد يكون في الظاهرة الاجتماعية من عنصر فردي، أي ما تنفرد به حضارة مُعينة مثلًا، وكذلك ما هو عرضي في تطور هذه الحضارة، أو في تطور نظامٍ ما، ولا تستطيع الأنثروبولوجيا الحضارية أن تؤكد كثرة الحضارات، ما لم تبين الطابع الخاص الذي تنفرد به كلٌّ منها؛ بل إن المذهب التطوري ذاته لا يمكنه أن يستخلص قانون تطور نظام أو مجتمع معين، إلا بشرط بناء الجانب الحركي على الجانب السكوني، ومن ثم كان عليه أن يُبين أن لكل لحظةٍ من لحظات التطور طابعًا فرديًّا، وأنها لا يجب أن تُدرس إلا على هذا الأساس.

وإذن فالتقدم الذي يحرزه علم الاجتماع في مختلف ميادينه يتَّجه إلى حشد علوم الإنسان وتعبئة كل مناهجها. ولهذه الكثرة من وجهات النظر ما يبررها في نهاية الأمر، لأن الظاهرة الإنسانية لا يمكن استيعابها تمامًا، كما أنها متعددة الأوجه في الوقت نفسه، ثم إن الظاهرة الاجتماعية، كما قال كونت، هي أكثر الموضوعات وضوحًا للأذهان، وأكثرها تعقيدًا في الوقت ذاته. وأخيرًا، لأن الإنسان طبيعة وحرية في آنٍ واحد كما تُنبئنا الفلسفة.

١  ويُطلَق عليه اسم القديس بولوكيت، وكان أحد الحكام في العصر الروماني استُشهد في أرمينيا عام ٢٥٤م أو ٢٢٩م. وللأديب الفرنسي كورني Corneille تراجيديا تحمل هذا الاسم، يُصوِّر فيها بطولة بوليوكت الذي آثر الاستشهاد في سبيل العقيدة المسيحية على حب زوجته بولين. . (المترجم)
٢  مؤرخ فرنسي عاش في القرن الثالث عشر والرابع عشر (١٢٢٤–١٣١٧م) كان مستشارًا للقديس لويس Saint Louis وروى حروبه الصليبية بأسلوب طبيعي صادق،. (المترجم)
٣  وهذه عبارة اقتبسها برجسون من رافيسون Matière et mémoire (Alcan) p. 195 Ravaisson
٤  انظر: Fragments d’un Traité du vide Pensées et Opuscules.
في الطبعة المدرسية لكتاب: Brunchvieg Hachette p. 40.
٥  يقول ديكارت في التأمل الرابع «إن الإرادة … أو حرية الاختيار التي أشعر بها في ذاتي تبلغ حدًّا لا أستطيع معه أن أتصوَّر ما هو أشمل أو أرحب منها، حتى إنها هي التي تُعرِّفني قبل غيرها أنني أحمل في ذاتي صورة الله وطابعه … وذلك لأنها تنحصِر في استطاعتنا أن نفعل الشيء أو لا نفعله، أي أن نُثبِتَ أو ننفي، ونسعى إلى الشيء الواحد أو نتجنَّبه.»
٦  Goethe, Faust; Ich bin der Geist der stats verneint 1. p. 38 de l’edition Reclam.
٧  هذه العبارة شرحٌ لضرورة وجود نوع من الحتمية من أجل تحقُّق الحرية، ومعناها أن الحرية الخالصة، التي لا يَحدُّ منها أي شيء، هي انعدام للحرية، وهذا ينطبق أيضًا على المجال الأخلاقي والقانوني؛ فالحرية التامة في الاقتصاد أو الاجتماع، تقضي على الحرية ذاتها، إذ تُحيل المجتمع إلى مجموع من الوحوش المتصارعة، وفضلًا عن ذلك فلا بد من وجود شيءٍ يتحرَّر منه المرء، لكي يشعر بحريته أي لا بد من قيودٍ تمارَس عليها الحرية . (المترجم)
٨  Lévy-Bruhl: La Morale et la scienece des moeurs “Alcan”.
٩  يشير المؤلف هنا إلى كتابٍ آخر في نفس السلسلة التي ينتمي إليها كتابُه هذا، وهو كتاب «الأخلاق» من تأليف بريدو A. Bridoux (نفس الناشر ١٩٥٠م). (المترجم)
١٠  يُطلِق اسم المذهب الذري Atomisme في المجال الفلسفي على المذاهب التي تقسم الظاهرة — الذهنية أو المادية — إلى مكوناتها الجزئية، ولا تُقيم وزنًا لطبيعة الكل في تفسيراتها. (المترجم)
١١  La science et l'hypoltlèse, p. 168.
١٢  في وسعنا أن نُعبر عن هذه الفكرة تعبيرًا آخر، فنقول إن الواقعة التاريخية، بمعنًى مُعين تنتمي إلى الماضي، فهي بهذا المعنى قد زالت، وانتهت، ولا سبيل إلى الرجوع فيها، ولكنها بمعنًى آخر لا تزال تؤثر، ونتائجها لم تُستكمَل بعدُ، وذلك طالما أنها تُثار وتُتصوَّر من جديد، ويتردد صداها في وعي الناس، لهذا كان من الممكن دائمًا أن يُعاد النظر في دلالتها، ويستحيل حسم الأمر فيها إلا في نهاية التاريخ، والتاريخ ليس له نهاية! وتلك هي إحدى الأفكار الرئيسية التي يدور حولها بحث «آرون» Aron في كتابه «مدخل إلى فلسفة التاريخ» Intr. a la phil. de l’histoire الذي يحاول أن يثبت فيه أن الماضي لا يمكن أن يكون موضوعًا لمعرفةٍ تتَّصِف بالصحة والتحديد المطلق؛ لأن معناه يتوقف على الحاضر، والقرار الذي يتخذه المؤرخ بالنسبة إلى ذاته وموقفه، يؤثر في تفسيره للماضي، الذي هو دائمًا، وفي نهاية المطاف، ماضِيه، مهما كان بعيدًا عنه.
١٣  عرض كونت قانون المراحل الثلاث في الدرس الأول من Cours de phil. positive (انظر الطبعة المدرسية لمكتبة هاشيت التي أشرف عليها «لالو»، الدرسَين الأوَّلين، ص٤–٨).
١٤  في الأصل الفرنسي aliénation وهي ترجمة لكلمة Entfremdung الألمانية التي تعني فعلًا يجعلنا غرباء عن أنفسنا.
١٥  ذلك هو ما عارض به دوركيم آراء تارد Tarde خلال جدالٍ مشهور بينهما، فقد كان لتارد مذهب نفسي فلسفي ينحصر، على خلاف ذلك، في تأكيد أن الظاهرة الاجتماعية يمكن إرجاعها إلى الظاهرة النفسية التي تقوم على الاختراع والمحاكاة، أعني إلى العلاقات النفسية التي تُوجَد بين الأفراد (وهنا يكون المجتمع «مجموعة من الضمائر») دون أن يُوجَد مجال للقول بأن تجمع الأفراد يكون بذاته حقيقةً خاصة تسمو الفرد ولا يمكن إرجاعها إليه.
١٦  ومن هنا كانت النظرية «العضوية organiciste» التي قال بها Espinas بوجه خاص في مستهل هذا القرن.
١٧  نعتقد أن المؤلف قد جانبه التوفيق في استخدام كلمة «البيض» للدلالة على الجماعات المتمدينة، ففي هذا اللفظ نزعة عنصرية، تُوحي بأن المدنية وقف على الأجناس البيضاء وحدَها، وأن اتصال هذه الأجناس بالمجتمعات المتأخرة هو الذي يؤدي إلى «تطوير» هذه المجتمعات، وتلك كلها أمور يكذبها التاريخ وخاصة في عصرنا الحالي. (المترجم)
١٨  المقصود بهذه التسمية دراسة الظواهر الاجتماعية من حيث هي طبقات متراكِمة مثلما يدرس عالم الجيولوجيا قشرة الأرض طبقةً فوق طبقة، وتلك بلا شك دراسة عمودية أو رأسية، تختلف عن الدراسة الأفقية المعتادة في علم الاجتماع.
١٩  Bulletin de la société française de Philosophie Juillet, 1906, Juin 1908 (Colin).
٢٠  جماعة عسكرية دينية ظهرت في العصور الوسطى (فيما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر) وكان لها دور كبير في الحروب الصليبية، وقد اتهمهم أحد الأمراء بالإثراء والتعدي على سلطان الحكم، وقضى عليهم بعد محاكمة صورية. (المترجم)
٢١  Q'u est-ce que la sociologie: (Alcan) p. 54.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤