الفصل السادس

الحركات الاجتماعية والتنظيمات

أقبلت الألفية الجديدة جالبةً معها أعداءً — أو نُقَّادًا على الأقل — كُثرًا للعولمة الليبرالية الجديدة في جنوب غرب إنجلترا. حتى في مدينةٍ مثل بريستول معروفة بثقافتها السياسية المعتدلة غير التصادُمية، نشهد اتساعًا حقيقيًّا في طائفة التنظيمات المعارضة للسياسات الليبرالية الجديدة، مُبرِزةً تأثيرَها السلبي على رفاه المواطنين، وكذا على اندماج المجتمعات المحلية، وداعيةً إلى خياراتٍ اقتصاديةٍ بديلة وقدرٍ أكبر من الاحترام لحقوق الإنسان من قِبَل الشركات العالمية والحكومات الوطنية على السواء (دياني ٢٠٠٥أ). لنُلقِ نظرةً عن كثب على بعض تلك التنظيمات. لدينا، من ناحية، منظماتٌ مثل أوكسفام، وهي منظمةٌ خيريةٌ كبيرة لها نشاطٌ واسع في جميع أنحاء البلاد وفروعٌ كثيرة في الخارج. تُعنى أوكسفام بنشر الدعوة لصالح المحرومين وتقديم الخدمات، وتتمتَّع تلك المنظمة ببنيةٍ رسمية وعددٍ هائل من العضويات ذات الرسوم مُقترنة بطائفة من الخطط التسويقية والدعم الضخم من مُتطوِّعين؛ لتُسفِرَ في النهاية عن قدرةٍ مدهشة على تعبئة الموارد لإنجاز مشروعاتٍ محدَّدة. من التنظيمات النَّشِطة في قضايا العدالة العالَمية أيضًا الفرعُ المحلي لمنظمة السلام الأخضر، وغالبًا ما يُقصَد بالأنشطة المحلية، وفقًا لاستراتيجية ذلك التنظيم بالتحديد، أن تُمثِّل إسهامًا في الحملات البارزة التي يُروِّج لها هذا التنظيم على نطاقٍ عالَمي. لا تَعتمِد إدارة منظمة السلام الأخضر على العمل التطوُّعي إلا في أضيق الحدود؛ فهي في الواقع تؤدِّي أنشطتَها في الأغلب كمَجموعةِ احتجاجٍ احترافية. ثمة أحزابٌ يساريةٌ صغيرةٌ ناقدة لحزب العمال الجديد أبدَتْ نشاطًا كبيرًا أيضًا بشأن تلك القضية. ومرةً أخرى، تتَّسمُ جميع تلك التنظيمات ببِنْيةٍ محدَّدة نوعًا ما، ومعاييرَ للعضوية من شأنها أن تُفرِّق بين الأعضاء وغير الأعضاء، وهويةٍ تنظيميةٍ واضحةِ المعالم تبرز جنبًا إلى جنب مع هوية حركة العدالة العالمية ككلٍّ.

تَلْقى ظاهرة العولَمة في بريستول، في الوقت نفسه، مُعارَضةً من قطاعات من الناشطين الراديكاليين ممَّن يتبنَّوْن أنماطًا تنظيمية مفكَّكة للغاية. وبالرغم من أن المدينة قد اشتهرت على مدى السنوات ببيئتها المعتنقة للثقافة المضادة وانفتاحها تجاه أنماط المشاركة البديلة في قضايا مثل البيئة وحقوق الحيوان وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين (أي القضايا التقليدية المرتبطة بما يُسمَّى «الحركات الاجتماعية الجديدة»)، فإن التحول الحاصل في إمكانية قيام نشاط شعبي في هيئة أنماطٍ تنظيمية، حتى الراديكالية منها، أثبَتَ أنه محلُّ إشكال (بورديو ودياني وليندسي ٢٠٠٤). لقد أحجمَ في الغالب الراديكاليون المُحتشِدون بشأن العولمة — بل وبشأن عددٍ من القضايا الأخرى بدْءًا من شقِّ الطرق مرورًا بتصدير الحيوانات الحية ومسألة طالبي اللجوء وانتهاءً بحقوق العمال — عن الانخراط في تنظيماتٍ محددة. وإنما تبنَّوْا، في المقابل، أساليبَ للتنسيق أكثر تفكُّكًا وأبعد عن الطابع الرسمي، مُعتمدين على الروابط الشخصية ومحدودية الناشطين الذين يُمثِّلون النواةَ الأساسية للحملات، والذين لا يَزيدون على بضع عشرات (ونعني بهم مَن يُمكن اعتبارهم ناشطين شبه متفرِّغين لو كان الأمر على أساسٍ غير مِهَني تمامًا)، ويَلجئون إلى مقاهٍ بديلة أو غيرها من المراكز الثقافية والترفيهية كنقاطِ التقاءٍ لهم، كما يُنسِّقون أنشطتَهم من خلال الرسائل الإخبارية، أو مجلات الهواة، أو قوائم البريد الإلكتروني. يتداخل، في تلك الأمثلة، النموذج التنظيمي تداخلًا شديدًا مع نمط المشاركة المُعتنق لثقافةٍ فرعية أو ثقافةٍ مضادة، والمصطبغ بالطابع الفردي، والذي وصفناه في نهاية الفصل السابق.

فيما بين هذين النمطين اللذَين يُمثِّلان طرفَيْ نقيضٍ تقع تنظيماتٌ تتفاوت في درجات تعقيدها الداخلي وصبغتها الرسمية؛ كرابطات الأحياء المعنِيَّة بتحسين الاندماج بين أصحاب البشرة البيضاء وغيرهم من السكان المحليين؛ وجمعيات الأقليات العِرْقية — ومن بينها الكثير من الجمعيات النسائية — الرامية إلى تحسين ما تَحظى به مجموعاتهم من فرصٍ خاصة وعامة؛ والجمعيات الثقافية المروِّجة لأنماط حياة بديلة في مناحٍ كالطعام أو الصحة؛ وذلك من خلال ممارسات التجارة العادلة على سبيل المثال، ومجموعات المهنيين — كالمحامين مثلًا — الراغبين في تقديم خدماتهم إلى الفئات المحرومة أو المفتقدين لحقوقهم الأساسية كالمهاجرين.

في حين تؤدِّي جميع الأنماط التنظيمية المختلفة التي وصَفناها للتوِّ دورًا وظيفيًّا بالنسبة إلى أنشطةٍ محدَّدة محل اهتمام أعضاء التنظيم — أو محل اهتمام المُنخرِطين في شبكات الناشطين غير الرسمية — فإنها كثيرًا ما تتقارَب في حملات وائتلافاتٍ أوسعَ معنِيَّة بقضايا معيَّنة. من أمثلة تلك التحرُّكات في السنوات القليلة الماضية الحملات المدافِعة عن حقوق طالِبِي اللجوء، وإسقاط ديون الدول النامية، وبالطبع المعارضة لحربَيْ أفغانستان والعراق. علاوةً على ذلك، فإن كثافة الروابط بين التنظيمات ذات الاهتمام الشديد بالقضايا العابرة للحدود والقوميات، كالعولمة وديون العالم الثالث والهجرة والسلام والحرب، لَهِي أشدُّ في الواقع في بريستول مقارَنةً بكثافة الروابط بين التنظيمات التي تتَّخذ من قضايا أخرى أولوياتٍ لها (دياني وبايسون ٢٠٠٤). فضلًا عن ذلك، تمتدُّ صلاتٌ واسعة بين شتى قطاعات المجتمع المدني في بريستول، وذلك مِن خلال أنشطة أعضائها، وعضوياتهم المتعدِّدة، ومعارفهم على المستوى الشخصي (وهي الصلات التي أشرنا إليها في الفصل السابق). ومما لا مِرَاءَ فيه أن الصلات بين هذه المجموعات ليست مقتصرة مطلقًا على النطاق المحلي الذي تعمل فيه؛ إذ تمثِّل تنظيمات بريستول جزءًا من شبكاتٍ تعبويةٍ أوسعَ نطاقًا بكثير، إما من خلال صلاتٍ رسمية بالمقار الوطنية، كما هو الحال في أوكسفام، أو حتى عبر صلاتٍ عابرة للحدود والقوميات، كمُنظَّمة السلام الأخضر، أو بالانخراط في شبكاتٍ عابرة للحدود والقوميات، كما نلحظ في ائتلاف يوبيل ٢٠٠٠، أو حملة «أسقطوا الديون»، أو شبكة العمل المناخي، أو عبر تفاعلات غير رسمية مع تنظيماتٍ قائمة في بلدانٍ أخرى.

لا شك أن ما لاحظناه في مثال بريستول ليس بالأمر الجديد؛ فلطالما ارتبطت الحركات الاجتماعية بصراعٍ جمعي ذي بِنيةٍ مُفكَّكة، يضم «مئات من المجموعات والتنظيمات — كثير منها قصير المدى ويقع في أماكنَ متفرِّقةٍ ويَفتقِر إلى التواصُل المباشِر ووحدة التنظيم والقيادة — التي تُشارك بصفةٍ عرضيةٍ مؤقتة في كثيرٍ من مُختلِفِ أشكالِ الفعل الجمعي المحلي» (أوبرشال ١٩٨٠: ٤٥-٤٦). لا تُمثِّل بريستول حالةً فريدة من نوعها، لكنها تُقدِّم مثالًا ممتازًا للدور الذي تَلعبه التنظيمات في الترويج للفعل الجمعي واستدامته، ولما قد يَرصُده المرء داخلَ الحركات الاجتماعية من شتى الأُسس المنطقية التنظيمية (إدواردز وفولي ٢٠٠٣؛ أندروز وإدواردز ٢٠٠٥؛ ديفيز وماكادم وسكوت وزالد ٢٠٠٥). لا يُمكِن مساواة الحركات الاجتماعية بالتنظيمات الناشطة في إطارها (انظر الفصلَين الأول والخامس من هذا الكتاب)، لكن هذه التنظيمات غالبًا ما تؤدِّي أدوارًا غاية في الأهمية داخل تلك الحركات. فكأي نوعٍ آخر من التنظيمات، تؤدي التنظيمات الناشطة في نطاق الحركات الاجتماعية — ولو كان ذلك بدرجاتٍ مُتفاوتة وتوليفاتٍ متباينة — عددًا من المَهام؛ حث المشاركين على تقديم خدماتهم، وتحديد الأهداف التنظيمية، وإدارة الإسهامات وتنسيقها، وجمع الموارد من بيئاتها، واختيار الأعضاء وتدريبهم وإحلالهم (سكوت ١٩٨١: ٩). يتعيَّن على تنظيمات الحركات الاجتماعية تعبئة الموارد من البيئة المحيطة، سواءٌ أكانت تعبئةً مباشِرةً في هيئة أموال، أو من خلال العمل التطوُّعي الذي يقوم به أتباعها، كما يَنبغي عليها تحييد خصومها ومُضاعَفة الدعم الوارد من عموم الجماهير ومن النخبة (انظر على سبيل المثال مكارثي وزالد ١٩٨٧ب [١٩٧٧]: ١٩).

للتنظيمات أهميةٌ أخرى؛ نظرًا لكونها تُمثِّل مصادرَ فعَّالةً للهوية بالنسبة إلى أنصارِ الحركة أنفسهم وخصومِها وجمهورِ المتابعين. ومهما يكن مقدارُ وعي الجمهور بتعقيد أي حركةٍ ما وعدم تجانسها، فغالبًا ما يرتبط التصوُّر العام لها بأبرز شخصياتها. ليس بالضرورة أن يتحقَّق ذلك في تنظيمات، وهو ما يُذكِّرنا به الأدوار التي لعبتها شخصياتٌ مثل مارتن لوثر كينج في حركة الدفاع عن الحقوق المدنية الأمريكية خلال حقبة الستينيات، أو فاندانا شيفا، أو جوزيه بوفيه في حركة العدالة العالمية. لكن المجموعات المنظمة هي غالبًا ما يرتبط بالحركات في كل الأحوال، كارتباط منظمة السلام الأخضر أو الصندوق العالَمي للحياة البرية بالحركة البيئية، ومنظمة العفو الدولية بحركة الدفاع عن حقوق الإنسان، أو أتاك أو ما يُطلَق عليه «بلاك بلوك» بحركة العدالة العالمية.

تُشكِّل التنظيمات مصدرًا حيويًّا للاستمرارية لمن يَعتنقون قضيةً معينة، ليس فقط من جهة الهوية، بل مِن جهة الفعل كذلك؛ ففي فترات الزخم الانفعالي الجمعي، حين تعلو الهمم وتقوى الرغبة في المشاركة، يسهل حشد الجماهير وتعبئة الموارد ولو حتى بصورةٍ غير رسمية كأفراد؛ أما حين تَضعُف الفرص السانحة للحراك ويصعب اجتذاب الجماهير «إلى الشوارع» تلقائيًّا، يمكن للتنظيمات أن تكفل للفعل الجمعي استمراريته، ويُعزى ذلك على وجه التحديد إلى نزوع التنظيمات إلى تحقيق الاستدامة الذاتية. لا تَنجح بالطبع كل التنظيمات في البقاء عقب موجاتٍ احتجاجية ذات حدةٍ معينة (مينكوف ١٩٩٥)، لكن في غياب التنظيمات يَصير الفعل الجمعي عرضةً لمستوياتٍ من التقلُّب بالغة الشدة، ويصبح ما يتمتع به المعارضون من وزنٍ سياسي أقلَّ كثيرًا مما هو في الواقع. إنَّ ما تلعبه التنظيمات من دورٍ كمصادر للهوية وأطرافٍ فاعلة تكفل الاستمرارية للفعل الجَمعي يؤدِّي بها أيضًا إلى أداء أدوارٍ تمثيلية والاضطلاع بأدوارٍ قيادية، إلى حدٍّ ما، نيابةً عن الحركة. ومن بين الأسباب التي تُفسِّر ما يتجشَّمه الفاعلون السياسيون من مشقَّةٍ في التعامل مع الحركات الاجتماعية وما يَبذله الفاعلون الإعلاميون من جهدٍ جهيد لتمثيل تلك الحركات في تقاريرهم هو ندرة ممثِّلي الحركة المعترَف بهم؛ ولذلك غالبًا ما يَنتهي الحال بالتنظيمات، بما لها من مستوياتٍ مُتفاوتة من القبول لدى القاعدة الشعبية للحركات، إلى أداء مثل هذا الدور، وذلك بحكم حضورها الأبرز على الساحة العامة وسهولة وصولها إلى دوائر صنع القرار (دياني ٢٠٠٣ب).

تُؤدِّي التنظيمات مهامها، في الوقت نفسه، متجسِّدةً في أنماطٍ غاية في التنوع. بإمكاننا الاحتذاء بتناول سكوت التقليدي لهذه المسألة (١٩٨١: الفصل الثاني)، بالنظر إلى التنظيمات باعتبارها منظوماتٍ عقلانية وطبيعية ومنفتحة. يُعتبَر المنهج الأول التنظيماتِ كياناتٍ جمعيةً في المقام الأول ينصبُّ توجُّهها نحو أهدافٍ محدَّدة بصفةٍ نسبية وتَعتمِد على بنيةٍ اجتماعيةٍ ذات صبغةٍ رسمية نسبيًّا. بينما ينصُّ المنهج الثاني على أن التنظيمات هي كياناتٌ جمعية لا تؤثر البِنى أو الأهداف الرسمية على أعضائها/المشاركين فيها إلا بقدرٍ ضئيل، لكنها تتقاسَم اهتمامًا ببقاء المنظومة فتَنخرِط في أنشطةٍ منسَّقة تنسيقًا غير رسمي بُغية ضمان هذا البقاء. أما المنهج الثالث فيَعتبِر التنظيمات في الأساس ائتلافاتٍ غير مستقرة لمجموعاتِ المصالح التي تُحدِّد أهدافها من خلال عمليةٍ تفاوضية: وتتأثَّر بنية الائتلاف وأنشطته ومخرجاته تأثرًا قويًّا بعواملَ ذات صلة بالبيئة المحيطة.

يَجدر بنا أن نُوضِّح بجلاءٍ تامٍّ أن مثل هذه النماذج إنما هي نماذج تحليلية وليسَت توصيفاتٍ تجريبية لأنماطٍ محددة من التنظيمات؛ أي أننا، بعبارةٍ أخرى، يُمكن أن نطبِّق أيضًا الأسس المنطقية الثلاثة المختلفة على التنظيم نفسه من أجل تعيين الأوجه المختلفة لأسلوبه في أداء دوره وتناول مختلف المشكلات. ربما يبدو منطقيًّا للغاية، على سبيل المثال، دراسة منظمة السلام الأخضر بالتركيز على أهدافها وبِنيتها المعلنَين صراحةً (أي بتبني منظور المنظومة العقلانية)؛ أو بالنظر إلى الممارسات غير الرسمية التي يلجأ إليها الأفراد العاملون داخل المنظمة لضَمان إعادة إنتاجها (أي باعتناق منظور المنظومة الطبيعية)؛ أو بإعمال الفكر في مدى إمكانية أن تكون منظمة السلام الأخضر نتاجًا لما يَجري بين مختلف الفاعلين داخلها من توتُّرات وصراعات، وكيف قد تتأثَّر مثل هذه الصراعات بالبيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تؤدِّي المنظمة دورها في إطارها (ومن ثم اتِّباع نموذج المنظومة المنفتحة).

لكن من العقلاني والمُجدي أيضًا، من وجهة نظرنا، أن نقرَّ بأن كل نموذج يُناسب على أفضل وجه واحدًا من الأنماط التنظيمية التي عيَّنَّاها للتوِّ، كما أنه بإمكاننا التركيز، بوجهٍ أخص، في حركة العدالة العالمية في بريستول وأي حركةٍ أخرى، إما على سمات المجموعات والتنظيمات المحتشدة داخل الحركة، أو على أسلوب تنظيم الحركة ككلٍّ، أي الكيفية التي تَرتبِط بها مختلف المجموعات والتنظيمات وحتى فُرادى الناشطين ممن لهم اهتمام بقضايا العولمة. يجدر بنا أن نستهلَّ بحثنا بالسعي في المقام الأول إلى إيجاد توليفاتٍ مُتفاوتة من منهجَي المنظومة العقلانية والمنظومة الطبيعية. في العموم، يَبدو منهج المنظومة العقلانية أنسب للتنظيمات المُوغلة في البيروقراطية والتي تتبنَّى أهدافًا محدَّدة نسبيًّا كالشركات أو المُستشفيات، مقارنةً بتلك التنظيمات المدافعة عن تغيُّراتٍ اجتماعيةٍ أوسعَ ذات تعريفٍ مُبهَم في الغالب، ككثير من تلك التنظيمات المُنخرطة في الحركات الاجتماعية. غير أن هذا المنهج قد يُقدِّم كذلك رؤًى عميقةً بشأن التنظيمات الأكثر اصطباغًا بالطابع الرسمي والناشطة في ميدان الحركات (من نماذج تلك التنظيمات في مثالنا تلك التنظيمات الشبيهة بأوكسفام والسلام والأخضر).

كلما ازدادت إشاراتنا إلى الأنماط التنظيمية المفكَّكة تواتُرًا، كتلك الأنماط التي تَعكسها الشبكات غير الرسمية من الناشطين الراديكاليِّين، بدا منظور المنظومات الطبيعية أجدى نفعًا. فمن غير المرجَّح أن تتحقَّق تطلعات هؤلاء الناشطين نحو التغيير الجذري؛ وعليه يكون للتضامن الداخلي والهوية — ومن ثَمَّ الصلات غير الرسمية بين المُنخرطين في التنظيم — أهميةٌ فائقة من أجل إعادة إنتاج النشاط على مرِّ الزمن (وول ١٩٩٩؛ ماكدونالد ٢٠٠٢؛ روتليدج ٢٠٠٣؛ دوهرتي وبلاوز وول ٢٠٠٣). وأخيرًا، إن كان اهتمامنا مُنصبًّا على البنية التنظيمية لحركةٍ ما في جملتها، فربما يتمخَّض منهج المنظومة المنفتحة عن رؤًى عميقةٍ غاية في النفع. من الغني عن القول، مجدَّدًا، أن المفاوضات بشأن الأهداف، وعدم استقرار الائتلافات، ومدى قوة التعرض للآثار التي تَفرضها البيئة المحيطة قد تصوغ أي تنظيم بعينه؛ بيد أن هذه الديناميكيات غالبًا ما تصير أكثر وضوحًا حين نتناول بالحديث طائفةً واسعة من التنظيمات المختلفة، كتلك التي تُشكِّل مجتمعة الحركات الاجتماعية.

سوف نُميِّز في معرض مناقشتنا للديناميكيات التنظيمية في الحركات الاجتماعية بين التنظيمات كأفرادٍ فاعلين محدَّدين وأسلوب تنظيم الحركة كمنظومةٍ معقدةٍ مؤلفة من تنظيماتٍ متصلة يعتمد بعضها على بعض. بعبارة أكثر تحديدًا، سيكون مسار مناقشتنا كما يلي: بادئ ذي بدء، سوف نُقدِّم لعدد من البدائل أو المعضلات التنظيمية التي تُواجِهُها التنظيمات، ثم نُعيِّن بضعة نماذجَ تنظيميةٍ أساسية، وبعدها سوف نلقي نظرةً على أنماط التغيرات التنظيمية، مُسلِّطين الضوء، أولًا، على العلاقة بين التنظيمات والبِنية المؤسسية التي تعمل تلك التنظيمات في إطارها، ثم على تأثير التغيرات التكنولوجية (ثورة الإنترنت) على الأنماط التنظيمية للحركات الاجتماعية. وأخيرًا، سوف نتعرض بالتحليل للعوامل الكامنة خلف تقسيم الشبكات الرابطة بين مختلف التنظيمات.

(١) المعضلات التنظيمية في الحركات الاجتماعية

لقد تبين أن مصطلح «تنظيم الحركات الاجتماعية» واحد من أشد المصطلحات شيوعًا في تحليل الحركات الاجتماعية (مكارثي وزالد ١٩٧٧)، لكن اتضح أيضًا أنه بالغ الغموض؛ نظرًا لما حمله من معانٍ مختلفة تمامًا بين مختلف الكتَّاب؛ فقد عرَّفه أوائل المؤيدين له بأنه «تنظيم معقَّد أو رسمي يُحدِّد أهدافه بحيث تتماشى مع تفضيلات حركةٍ اجتماعية ما أو حركةٍ مضادة ما ويسعى لتنفيذ تلك الأهداف» (مكارثي وزالد ١٩٨٧ [١٩٧٧]: ٢٠)، وهو مفهوم لا يُناسِب إلا التنظيمات الرسمية المتصفة بدرجةٍ عالية من التنظيم البنيوي. في المقابل، ثمة تعريفٌ آخر ينظر إلى تنظيمات الحركات الاجتماعية باعتبارها «روابط من أشخاص يُطلِقون دعاوى مثاليةً ذات نزعةٍ أخلاقية بشأن كيفية تنظيم الحياة البشرية الخاصة أو الجماعية بحيث تحتلُّ تلك الروابط، «وقت إطلاقها لتلك الدعاوى» موقعًا هامشيًّا من نسيج المجتمع العام أو تُستبعد منه» (لوفلاند ١٩٩٦: ٢-٣)، غير أن مثل هذا التعريف لا يكاد يبدو قابلًا للتطبيق على منظماتٍ قوية مثل السلام الأخضر أو منظمة العفو الدولية أو ما شابه. بينما يَعمد آخرون (مثل روشت ١٩٩٤) إلى تمييز الحركات الاجتماعية (ومن ثم تنظيمات الحركات الاجتماعية) عن الأحزاب ومجموعات المصالح؛ نظرًا لاختلاف أهم مصادر نفوذها وشرعيتها (القدرة على الحشد الاحتجاجي في مقابل التصويت والتأثير على التوالي)، بيد أن هذا لا يَنطوي بالضرورة على اختلاف في الأنماط التنظيمية.

بالرغم من أن أغلب الباحثين في هذا الميدان لن يبلغ بهم الأمر أن يَطرحوا فكرة التخلص من مُصطلح تنظيم الحركات الاجتماعية بالكلية (انظر برستاين ١٩٩٩؛ برستاين وأينفونر وهولاندر ١٩٩٥؛ برستاين ولينتون ٢٠٠٢؛ دياني ٢٠٠٤أ)، فمن الأهمية بمكان أن ندرك تباين الأنماط التنظيمية التي يَتبنَّاها ناشطو الحركات الاجتماعية (راو وموريل وزالد ٢٠٠٠). ففي تحليلٍ منهجيٍّ لتلك الأنماط، استعان هانسبيتر كريسي (١٩٩٦) بتجربة الحركات الاجتماعية الجديدة في غرب أوروبا خلال عقد الثمانينيات واصفًا الهيكلة الداخلية لها بكونها مستمدة من: (١) إضفاء الطابع الرسمي، وذلك باستحداث معاييرَ رسميةٍ للعضوية، وقواعدَ مدونةٍ، وإجراءاتٍ ثابتة، وقيادةٍ رسمية وبنيةٍ إداريةٍ محددة. (٢) إضفاء الطابع المهني، ويُقصد بها وجود موظفين يتقاضون أجرًا ويَسعون لشقِّ مسيرتهم المهنية داخل التنظيم. (٣) التمايُز الداخلي، ويشمل التقسيم الوظيفي للعمل وخلق وحدات إقليمية. (٤) التكامُل من خلال آليات التنسيق الأفقي أو الرأسي أو كليهما.١ إنَّ مدى استيفاء تنظيمات حركاتٍ اجتماعيةٍ محددة لتلك المعايير يعكس بعض المعضلات التنظيمية الأساسية التي لا ترتبط حصرًا بالحركات الاجتماعية (انظر مثلًا جاندا (١٩٧٠) بشأن الأحزاب السياسية)، لكنها بلا شك تمثل أهميةً كبرى لاستيعابنا لديناميكيات الحركات. لنلقِ نظرةً فاحصة على ثلاث من تلك المعضلات، دون ادعاء بتقديم استعراضٍ جامعٍ شامل لها (انظر لوفلاند ١٩٩٦ للاطلاع على مثل هذا الاستعراض).

(١-١) تعبئة الجمهور أم الموارد؟

ربما تَسعى التنظيمات السياسية — تحديدًا تنظيمات الحركات الاجتماعية في حالتنا — لحشد أكبر قدرٍ مُمكن من دعم عامة الجمهور، ومِن ثم تعبئة الموارد اللازمة للمحافظة على بقاء مجموعةٍ مهنيةٍ بصفةٍ جزئية أو شبه مِهنية، وذلك من خلال خططٍ متاحة تتراوح بين الاستعانة بمجموعاتٍ من القيَم التي تَحظى بتأييدٍ واسع وتقديم حوافزَ منتقاةٍ للأعضاء/للداعمين المحتملين على هيئة خدمات، أو أنشطةٍ ترفيهية، أو باقاتٍ مخفضة … إلخ، لكنها ليست الخيارات الوحيدة؛ فقد تُحاول تنظيمات الحركات الاجتماعية أيضًا حشد مجموعات أصغر من الناشطين الملتزمين لكنها مجموعاتٌ منتقاة بعناية، ووجود مثل هذه المجموعات حيوي لمهام المشاركة الأكثر تطلبًا، ومنها الالتزام التنظيمي الدءوب والترويج لأنماطٍ مكلفة من الفعل الجمعي.

بعبارةٍ أخرى، ينبغي على التنظيمات الاختيار بين بديلين أساسيَّين، تعبئة «أموال» الجمهور أو «وقته» (أوليفر ومارويل ١٩٩٢). ليس من السهل التوفيق بين هذَين الخيارَين؛ فالرسائل العاطفية التي تطرح تعريفًا واضحًا ومحدَّدًا لهوية حركة ما وخصومها ضرورية لحشد الناشطين الرئيسيين (جامسون ١٩٩٢أ). بيد أن وضوح تلك الرسائل وحدَّتها قد يتسبَّب في تنفير قطاعات من المتعاطفين والمؤيدين المحتملين من خلال التوجهات والدوافع الأقل وضوحًا وتحديدًا (فريدمان وماكادم ١٩٩٢)، كما قد تُثني المؤيدين المحتمَلين بين الفاعلين الراسِخين، وهم غير مُقتصِرين على الهيئات العامة بل يَشملون أيضًا الجهات الراعية الخاصة «المعنية»، والذين يسهل اجتذاب إسهاماتهم كلما عظُم حجم التأييد الجماهيري لحركةٍ معينة.٢ إنَّ للاختيار بين تعبئة الوقت أو المال تبعاتٍ مهمةً بالنسبة إلى تنظيمات الحركات الاجتماعية؛ فالخياران يتطلَّبان «تكنولوجياتٍ تعبويةً» مختلفة وهو ما يَقتضي بالتبعية نماذجً تنظيميةً مختلفة (أوليفر ومارويل ١٩٩٢).

تختلف تنظيمات الحركات الاجتماعية في الفُرَص التي تُتيحها لمشاركة أعضائها المُنتمين إلى القاعدة الشعبية. فتُشدِّد أغلب التنظيمات على المشاركة والديمقراطية المباشرة وتعارض تفويض السلطة وتؤثِّر صنع القرار على أساس توافُقي. وينطبق كل ما سبق على المنتديات الاجتماعية المعاصرة (أنيوليتو ٢٠٠٣؛ بايوكي ٢٠٠١، ٢٠٠٢أ؛ ديلا بورتا ٢٠٠٥ب)، إلى جانب جميع الحركات الاجتماعية تقريبًا التي تتابَعَت منذ الستينيات (براينز ١٩٨٩؛ روزينتال وشوارتز ١٩٨٩: ٤٦؛ بوليتا ٢٠٠٢). كذلك تدعم البِنية التشاركية التضامن الداخلي؛ فنظرًا لمحدودية الفرص أمام تنظيمات الحركات الاجتماعية للاستفادة من الموارد المادية، فقد تستعيض عن ذلك بالاستعانة بالموارد الرمزية؛ ولذلك تولي كثير من تلك التنظيمات أهميةً خاصة للعلاقات الداخلية، فتعمد إلى تحويل تكاليف الفعل الجَمعي نفسها إلى ميزات، وذلك من خلال المكافآت النابعة من المشاركة في ذاتها. إلى جانب التنظيمات الرسمية، تستطيع المجموعات الصغيرة، التي تجمعها العلاقات الشخصية، البقاء خلال فترات الكُمون؛ مما يُرسي أسسًا مهمة لإعادة إحياء أنشطة الحركة (تايلور ١٩٨٩؛ ميلوتشي ١٩٩٦). فالمجموعات الصغيرة من الناشِطين، تحديدًا، «تستعين بالعلاقات الاجتماعية الناشئة طبيعيًّا وتُلبِّي طائفةً متنوعة من الحاجات التنظيمية والفردية إلى الدعم العاطفي والاندماج ومشاركة التضحيات، والتعبير عن الهويات المشتركة» (جامسون ١٩٩٠: ١٧٥). تتشكَّل داخل المجموعات المتماسكة الظروف المواتية لنشأة منظوماتٍ بديلة من القيم و«تصير الروابط الجماعية بمنزلة مساحاتٍ حرة تُمثِّل تربةً خصبة لحدوث تغيرٍ ديمقراطي» (إيفانز وبويت ١٩٨٦: ١٨٧). في تلك «المساحات الحرة» ينشأ «شعور بالصالح العام» جنبًا إلى جنب مع تأسيس «علاقاتٍ مباشرة قائمة على المساواة والتواصُل وجهًا لوجه» (جامسون ١٩٩٠: ١٩٠-١٩١). ومن ثم عادةً ما تميل المشاركة الشاملة إلى التغلغل في كل منحًى من مناحي الحياة اليومية للناشطين. بالإشارة إلى الحركة الطلابية الأمريكية، لاحظ كلٌّ من والين وفلاكس أن «الانتماء إلى الثورة في ظل أجواء أواخر الستينيات كانت له تبعاتٌ تمسُّ ممارسة الفرد لكل تفاصيل حياته اليومية تقريبًا؛ فكونك ثوريًّا كان يعني أن تَرتدي ملابسك، وتتناول طعامك، وتقيم علاقاتٍ عاطفيةً، وتتحدث مع الآخرين بأساليبَ معينةٍ دون غيرها» (١٩٨٩: ٢٤٩). حيثما تَصير السياسة العنصر الذي «يُشكِّل ملامح كل لحظةٍ من لحظات اليوم»، يُصبح رفقاء النضال «أسرة» واحدة، وهو ما ينطبق أحيانًا على اليسار المُتطرِّف في إيطاليا (ديلا بورتا ١٩٩٠: ١٤٩-١٥٠)، وقد يَبلُغ الأمر حدًّا يظلُّ معه «من شاركوا في الثورة الشبابية مُتأثِّرين بهذه الثورة على نحوٍ مُستمِر» في منظومتهم القيمية ونمط حياتِهم (والين وفلاكس ١٩٨٩: ٢٤٧).

(١-٢) بنًى هرميةٌ أم أفقية؟

يجدر بنا أيضًا النظر في كيفية توزيع السلطة داخل التنظيمات؛ فالسلطة قد تكون مركزية بدرجاتٍ مُتفاوتة، حسبما كشفت الأدبيات المعنية بالأحزاب السياسية بوجهٍ خاص. وقد يكون للبِنى القَومية وزنًا مُتفاوتًا، وقد تزيد أو تنقص المشاركة في القرارات الخاصة بتخصيص الموارد، أو تعريف الأهداف، أو الترشيحات، أو الإجراءات التأديبية، كما قد تتفاوَت مركزية القيادة زيادةً ونقصانًا (جاندا ١٩٧٠: ١٠٤–١١٢). تَختلِف تنظيمات الحركات الاجتماعية في أساليب القيادة. فقد أبدت الكثير من التنظيمات، بدءًا من الفِرَق الدينية وانتهاءً بالحركات الطلابية ومرورًا بالأحزاب الثورية مثل البلاشفة أو النازيين، أشكالًا كاريزمية من القيادة تستمد شرعيتها في الأساس من قدرة القادة على السيطرة على الموارد الأيديولوجية وتجسيد الحركة ككل، مُساهمين في خلق هويتها الجمعية (انظر مثلًا ألبيروني ١٩٨٤). غير أنَّ الأدبيات ذات الصلة قد أشارت بوجهٍ عام إلى عدة أساليب مختلفة للقيادة منها: المحرِّض، أو الملهم، أو الإداري، أو السياسي (لانج ولانج ١٩٦١)؛ الكاريزمي، أو الإداري، أو المفكر (كيليان ١٩٦٤)؛ الكاريزمي، أو الأيديولوجي، أو البراجماتي (ويلسون ١٩٧٣)؛ الأداتي أو الوجداني (داونتن ١٩٧٣).

بالنظر إلى طبيعتها التشاركية وتوجُّهها الديمقراطي — في كثير من الأحيان — طالما واجهت تنظيمات الحركات الاجتماعية معضلة بشأن كيفية التوفيق بين الأدوار القيادية ومتطلبات الديمقراطية الشعبية. غالبًا ما ترفض تلك التنظيمات، اتساقًا مع مبادئها، السلطة والتدرُّج الهرمي (بيرس ١٩٨٠؛ دياني ودوناتي ١٩٨٤؛ براون ١٩٨٩؛ ليكترمان ١٩٩٥أ: ١٩٦)، بيد أن هذا لا يَنفي بالضرورة الحاجة إلى المهام القيادية، كالتنسيق والتمثيل العام (ميلوتشي ١٩٩٦: ٣٤٤–٣٤٧). إذا تأمَّلنا قيادة الحركات الاجتماعية في إطار العلاقات (ميلوتشي ١٩٩٦: ٣٣٥–٣٣٨؛ انظر أيضًا داونتن ١٩٧٣)، فسنجد أن «الأدوار القيادية لا تستتبع بالضرورة سيطرةً على تنظيمٍ موحَّد أو إقرارًا صريحًا بالكاريزما من الأتباع. فقد تَنتُج هذه الأدوار أيضًا، وبصورةٍ أقلَّ فجاجةً كثيرًا، عن موقع فاعلين معينين في قلب عمليات تبادل الموارد العملية والرمزية بين تنظيمات الحركة. لن يسفر هذا عن إنتاج هيمنة، لو قصدنا بالهيمنة قدرة الفاعلين على فرض عقوبات على الآخرين من أجل التحكُّم في سلوكهم، بل سينتج درجاتٍ متفاوتةً من التأثير» (دياني ٢٠٠٣ب: ١٠٦).

بدلًا من ربطها بالكاريزما أو السلطة، ربما ترتبط «القيادة»، من هذا المنظور، بقدرة الفاعلين على الترويج لعملٍ ائتلافي بين تنظيمات الحركة، أو إنشاء صلات بالإعلام والمؤسسات السياسية، وهو ما يُؤدِّي بها بدوره، بحكم الأمر الواقع، إلى أداء دور «مُمثِّلي» الحركة (انظر مثلًا دياني ودوناتي ١٩٨٤؛ روزينتال وآخرين ١٩٨٥، ١٩٩٧؛ ستاجنبورج ١٩٨٨؛ موشيبن ١٩٨٩؛ شميت-بيك ١٩٨٩؛ دياني ١٩٩٥أ، ٢٠٠٣ب؛ سكو ١٩٩٧). إضافةً إلى ذلك، فإن تعدُّدية المهام الحيوية بالنسبة إلى تعبئة الحركات الاجتماعية تعني أن أداء أدوارٍ «قيادية» مؤثِّرة يَعتمد على حيازة موارد دائمة التغيُّر. على سبيل المثال، كثيرًا ما حلَّ الخبراء في الآونة الأخيرة محل المُنظِّرين كقادة للحركات الاجتماعية (مور ١٩٩٥). تسند الحركات المعاصرة، بحكم انخراطها في القضايا التكنولوجية، دورًا غاية في الأهمية إلى علماء الطبيعة والمهندسين: «باعتبارها صورًا تكنولوجية معقَّدة وعلى درجة كبيرة من الصعوبة … تَعتمد تلك الاحتجاجات المنظَّمة على خبراء مرموقين لتفسير القضايا ونيل المصداقية الجماهيرية» (والش ١٩٨٨: ١٨٢). ونظرًا لتلك الأدوار والمتطلبات المُتعدِّدة، غالبًا ما تعدُّ القيادة في الحركات الاجتماعية منصبًا مرتجلًا لا يدوم طويلًا، يرتبط بأهدافٍ محددة ويتركز في مساحةٍ محدودة من الحركات نفسها (دياني ودوناتي ١٩٨٤؛ باركر وجونسون ولافاليت ٢٠٠١؛ موريس وستاجنبورج ٢٠٠٤).

(١-٣) معارضون أم «مقدمو خدمات»؟

لا تُبدي جميع تنظيمات الحركات الاجتماعية اهتمامًا مُباشرًا بالتحدِّيات الخارجية الموجَّهة نحو أصحاب السلطة السياسية. وقد تُوجِّه التنظيمات نشاطها كذلك بصفةٍ أساسية نحو احتياجات أنصار الحركات الاجتماعية أو مساندة التحديات الثقافية والرمزية أو كلا الغرضَين، أو ممارسة أنماط حياةٍ جديدة. وقد أطلق كريسي (١٩٩٦) على تلك التنظيمات روابط الحركة، لكن ثمَّة مُصطلحات أخرى لاقت رواجًا أيضًا (مثل مراكز إعادة التأهيل (موريس ١٩٨٤)، أو المجموعات المظلية (تايلور ١٩٨٩)). على سبيل المثال، تشكَّلت الكوميونات، والمجموعات العلاجية، ومراكز الأزمات المعنية بمواجهة الاغتصاب من خلال الحركة النسوية (رايان ١٩٩٢: ١٣٥–١٤٤؛ مينكوف ١٩٩٥؛ كابلان ١٩٩٥؛ دانيلز وبروكس ١٩٩٧). ولو التفتنا إلى الحركات الطلابية، فسنجد أن أكشاك الكتب المستعملة ومراكز تقديم المشورة بشتى أنواعها قد قدمت دعمًا لوجستيًّا للمتعاطفين؛ مما أتاح المجال أمام الفعل الاحتجاجي الداعم للحق في التعلم للاندماج مع نشاطٍ ماديٍّ محدد يرمي إلى «وضع الأهداف قيد التنفيذ»، كما أسهَمَت في الوقت نفسه في توسيع نطاق الدعم والتأييد. تتَّسم روابط الحركات أيضًا بالتنوع من ناحية مستويات التنظيم، وتوزيع السلطة الداخلية، ودرجة المشاركة؛ فمجموعات المساعدة الذاتية، مثلًا، عادةً ما تتَّسم ببِنيتها اللامركزية غير الرسمية وكثيرًا ما تميل إلى الشمولية، أما الروابط التي تقدم الخدمات إلى قطاعٍ جماهيري أوسع، فربما تتبنَّى بنيةً أكثر اتسامًا بالطابع الرسمي، وتَعتمد توزيعًا هرميًّا للسلطة، وتصهر الحوافز الرمزية والأداتية في بوتقةٍ واحدة (انظر مثلًا تايلور ١٩٩٦؛ تايلور وفان ويليجي ١٩٩٦).

علاوةً على المجموعات المُنخرطة في التعبئة السياسية وروابط الحركات، تعد التنظيمات الداعمة والمتطلِّعة إلى الداخل بالدرجة الأولى (كريسي ١٩٩٦) جزءًا من البِنية التنظيمية للحركات الاجتماعية أيضًا. تتألَّف تلك التنظيمات من تنظيماتٍ خدمية كالصحف، أو المراكز الترفيهية، أو المؤسسات التعليمية، أو دور النشر، وهي تنظيماتٌ تُسهم في إنجاز مآرب الحركة لكنها تعمل في الوقت نفسه في إطار السوق المفتوحة. كذلك صارت نوادي السينما، والمسارح، ودور النشر التي تأسست داخل العديد من الحركات من أجل الترويج للتعبئة الجمعية مؤسساتٍ تجاريةً موجهة على نحوٍ متزايد نحو السوق وتخضع حساباتها للمُراجعة، ويتقاضى عاملوها رواتب، وتعتنق روح السوق التنافسية، وانسحب الأمر نفسه على متاجر الأغذية الطبيعية والصحة، التي أسسها أصلًا المُتعاطِفون مع الحركات البيئية، إن لم يكن ناشطوها.

يُساهم انتشار مثل هذا النوع من البنى في خلق الثقافات المضادة التابعة للحركات، حيث يتغلغَل الانخراط السياسي في كامل نسيج الحياة.٣ فقد تطورت المراكز الاجتماعية الإيطالية المنبثقة عن قطاعات الحركة الاستقلالية والأناركية المعاصرة لأواخر السبعينيات عبر الزمان من مجتمعات ذات تطلعاتٍ داخلية ومُعتنقة للثقافة المضادة إلى نموذجٍ تنظيمي أقرب ما يكون إلى ذلك النموذج الذي تَعتنقه التنظيمات الداعمة (رغم أن هذا لم يتأتَ دون صراعات وخلافات بين التوجُّهات المختلفة داخل القطاع: داينز ١٩٩٩؛ روجيرو ٢٠٠٠؛ مودو ٢٠٠٤). ويندرج تحت التصنيف نفسه الأعمال التجارية القائمة على مبدأ التجارة العادلة والبنوك الأخلاقية التي نشأت بالتوازي مع حركات العدالة العالمية (ميكيليتي ٢٠٠٣؛ ميكيليتي وفوليسدال وستولي ٢٠٠٣؛ دياني ٢٠٠٥أ؛ أجيتون ٢٠٠١)، وكذلك شبكة من مؤسسات الإعلام البديل التي تجمعها طائفة متنوِّعة من المواقع الإلكترونية مثل موقع إنديميديا (انظر أيضًا الفصل السابع، القسم ٤). شهدت العقود الأخيرة أيضًا تبني العديد من التنظيمات الدينية الجديدة لنماذجَ تنظيميةٍ تجمع عناصر من روابط الحركات وأنماط التنظيمات الداعمة؛ فقد وصف هانك جونستون (١٩٨٠)، على سبيل المثال، مجموعة التأمل المتسامي بأنها «حركة اجتماعية مُسوَّقة». ربما كان من الأدق أن يُشير جونستون إليها بأنها أحد «تنظيمات الحركات الاجتماعية المُسوَّقة»، لكن تحليله نجح رغم ذلك في إبراز جوانبَ مهمةٍ من الدور الذي تلعبه تنظيمات تُقدِّم خدماتٍ محددة إلى «العملاء» التوَّاقين إلى إحراز تغييرٍ شخصي واجتماعي.

(٢) أنواع تنظيمات الحركات الاجتماعية

تُسهم الاستجابات المختلفة للمُعضلات المشار إليها سلفًا في إفراز نماذجَ تنظيميةٍ مختلفة. ونُقدِّم فيما يلي بيانًا ببعض من تلك النماذج، دون أدنى تطلُّع منا إلى تقديم أنماطٍ نموذجيةٍ منهجية (للاطلاع على أمثلة، انظر كريسي ١٩٩٦؛ دياني ودوناتي ١٩٩٩؛ راو وآخرون ٢٠٠٠).

(٢-١) التنظيمات المهنية للحركات

تتَّسم التنظيمات المهنية للحركات الاجتماعية بالخصائص التالية: «(١) قيادة تكرس كامل وقتها للحركة، مع استمداد قسطٍ كبير من الموارد من خارج الفئة المتضررة التي تزعم الحركة تمثيلها. (٢) قاعدةٌ ضئيلة للغاية أو مُنعدمة من الأعضاء أو عضوية صورية (أي عضوية لا تَقضي إلا بتمكين صاحبها من ذكر اسمه على قوائم الأعضاء). (٣) مساعٍ لنقل صورة «التحدث باسم دائرة من الأنصار». (٤) مساعٍ للتأثير على السياسات لصالح هذه الدائرة نفسها من الأنصار» (مكارثي وزالد ١٩٨٧أ [١٩٧٣]: ٣٧٥).٤ لا يَملك الأعضاء العاديون إلا قدرًا ضئيلًا من النفوذ و«لا يلعبون دورًا جادًّا في عملية وضع السياسات التنظيمية اللهمَّ إلا الامتناع عن أداء رسوم العضوية، في حين غالبًا ما يُحدِّد الموظفون المهنيون مواقف التنظيم بشأن القضايا» (مكارثي وزالد ١٩٨٧أ [١٩٧٣]: ٣٧٨).
لكن ليس بالضرورة أن تتبَعَ تنظيماتُ الحركات الاجتماعية ذاتُ الطابع المهني أسلوبَ مجموعات الضغط المعتادة في إيلاء جل اهتمامها إلى أنصارها «الطبيعيين»، أي تلك الفئات (سواءٌ كانت مُتضرِّرة كالعاطلين أو المشردين، أو ميسورة الحال إلى حدٍّ ما كما هو الحال في كثير من عمليات تعبئة الطبقة الوسطى الجديدة) التي تدعم تلك التنظيمات مصالحها؛ فلديها «قاعدة تأييد وجدانية» تتألَّف ممن يؤمنون بالقضية التي تدعمها تلك التنظيمات، ويتزعَّمها قادةٌ من روَّاد الأعمال ممن «ينتج تأثيرهم عن مهاراتهم في إدارة صور الارتباط والدعم ببراعة عبر وسائل الإعلام» (مكارثي وزالد ١٩٨٧أ [١٩٧٣]: ٣٧٤). يعتمد هؤلاء القادة على ما اشتهروا به من خبرةٍ فنية في أمورٍ محددة أكثر من اعتمادهم على التعبئة الجماهيرية (مكارثي وزالد ١٩٨٧أ [١٩٧٣]: ٣٧٩؛ ١٩٨٧ب [١٩٧٧]: ٢٩).٥

ثمة ميزاتٌ ملحوظةٌ مرتبطة بالتنظيمات المهنية. في تحليله المقارن للحركات الاجتماعية الأمريكية، والذي يرجع إلى سبعينيات القرن الماضي، اكتشف جامسون (١٩٩٠[١٩٧٥]) أن المعارضين غالبًا ما يَنتصرون حين يكون لهم تنظيمٌ مُتماسك البنية، وأن التنظيمات الرسمية تبدو الأقدر على التعبئة «نظرًا لأنها تُسهِّل المشاركة الجماهيرية والابتكارات التكتيكية وصنع القرارات سريعًا» (موريس ١٩٨٤: ٢٨٥). كذلك يُكتَب لمثل هذه التنظيمات البقاء في الغالب عقب موجة احتجاجات مُعينة؛ مما يُرجِّح إنجاز التعبئة في المَوجات اللاحقة (مكارثي وزالد ١٩٨٧ب [١٩٧٧]). فغالبًا ما ينشر المُنظِّمون المِهنيُّون العصيان الجماهيري بدلًا من إخماده، كما أن «إضفاء الطابع المهني على القيادة وإصباغ تنظيمات الحركات بالصبغة الرسمية لا يُخالف بالضرورة الاحتجاج الشعبي» (ستاجنبورج ١٩٩١: ١٥٤-١٥٥؛ أيضًا جينكينز ١٩٨٥)، إضافةً إلى أن البقاء الطويل المدى لتلك التنظيمات يُعزِّزه وجود دوافع إلى الفعل وأساليب لتنفيده تحظى بالفعل بالشرعية (مينكوف ١٩٩٣، ١٩٩٥؛ كليمينز ومينكوف ٢٠٠٤).

غير أنَّ هذا لا يعني أن الأمر لا تكتنفه مشكلات؛ ففي حين يمكن للتنظيمات المهنية أن تولِّد تدفقًا منتظمًا من التمويل، فإنها مرتبطة ارتباطًا ملزمًا برغبات الرعاة الممولين؛ إذ «إن التنظيمات التي ترمي أهدافها الرسمية إلى مدِّ يد العون إلى مجموعةٍ سكانيةٍ معينة لكنها تَعتمِد على مجموعةٍ سكانية أخرى لتمويلها إنما يتوقف نموها وبقاؤها في نهاية المطاف على المجموعة الثانية أكثر من الأولى» (مكارثي وزالد ١٩٨٧ب [١٩٧٣]: ٣٧١). لا شكَّ أن الرعاة المموِّلين يقدمون موارد حيوية، لكنها عادة لا تتوافر إلا للمجموعات ذات المطالب المُتواضعة والشرعية التوافقية، كالمعاقين مثلًا بدلًا من العاطلين (ووكر ١٩٩١).

ثمَّة تبعاتٌ مشابهة قد تنشأ نتيجة للتعاون المتنامي مع السلطات: «إن إنشاء علاقة عمل مع السلطات من شأنه أيضًا أن يُفرز آثارًا متباينة فيما يخصُّ نمو تنظيمات الحركات الاجتماعية؛ فمن ناحية، قد تُوفر آثارًا، مثل الاعتراف العام والمشاركة في إجراءات صنع القرارات والإعانات العامة، مواردُ بالغة الأهمية، مُمثلةً نجاحاتٍ مهمة للتنظيم، لكن الاندماج مع المنظومة الراسخة لوساطة المصالح قد يفرض، من ناحيةٍ أخرى، قيودًا على قدرة التنظيم التعبوية ويُسهِم في صرف قطاعاتٍ أساسية من قاعدة أنصاره؛ مما يُسفر عن إضعاف قوَّته على المدى البعيد» (كريسي ١٩٩٦: ١٥٥-١٥٦؛ انظر أيضًا لاهوزين ٢٠٠٤).

سيرًا على درب روبرت ميشيلس في تحليله بشأن إضفاء الطابع البيروقراطي على الأحزاب الاشتراكية، أبدى بيفن وكلاورد (١٩٧٧) أكبر قدر من الوضوح والصراحة في نظرتهما إلى نمو التنظيمات الرسمية باعتباره حجر عثرة أمام تحقيق أهداف الحركات الاحتجاجية للفقراء. فقد رأى الباحثان أن ضخَّ الاستثمارات لبناء تنظيمٍ جماهيريٍّ دائم مضيعةٌ لمواردَ نادرةٍ، بل إن تلك التنظيمات نزعت إلى تقليص المورد الوحيد المتاح للفقراء، ألا وهو العصيان الجماهيري. صحيح بالطبع أن حتى التنظيمات المِهنية البيروقراطية قد تسعى للترويج للتحدِّي والعصيان الراديكالي، والانخراط في أشكالٍ شتَّى من النشاط بالوكالة لصالح أعضاء سلبيِّين دافعين لرسوم العضوية (انظر مثلًا منظمة السلام الأخضر، دياني ودوناتي ١٩٩٩)، غير أن تنظيماتٍ يَنصبُّ كامل تركيزها على جمع التبرعات وجذب الموارد المالية غالبًا ما ستُواجه، عاجلًا أو آجلًا، مشكلات في قدرتها على تعبئة الجماهير (دوناتي ١٩٩٦؛ دياني ودوناتي ١٩٩٩). عمومًا، يرى النقاد أن غلبة الطابع المهني على التنظيمات ربما يكون من شأنها أن تخطَّ نهايتها، وذلك بما يترتَّب عليها من ترويض موجات الاحتجاج (بيفن وكلاورد ١٩٧٧؛ انظر أيضًا الفصل التاسع، القسم ١، وللاطِّلاع على نقاشٍ أوسع انظر سكوكبول ٢٠٠٣).

ثمة نمطٌ تنظيمي حاز مؤخرًا اهتمامًا متزايدًا ويواجه المعضلاتِ نفسَها، ألا وهو «تنظيمات الحركات الاجتماعية المتعددة الجنسيات». تُعرِّف جاكي سميث تلك التنظيمات بأنها «منظماتٌ دولية غير حكومية مُنخرطة في مساعٍ صريحة من أجل «تغيير» بعض عناصر البنية الاجتماعية أو توزيع المكاسب في المجتمع أو كليهما» (١٩٩٩: ٥٩١)، كما تُوضِّح كيف تزايَدَ عدد تلك التنظيمات ليرتفع من ١١٠ تنظيمات في عام ١٩٥٣ إلى ٦٣١ عام ١٩٩٣ (انظر أيضًا الفصل التاسع من هذا الكتاب)، وهو نموٌّ فاق نمو غيرها من المنظمات الدولية غير الحكومية في مجملها (أنهاير وتيمودو ٢٠٠٢). تضم تنظيماتُ الحركات الاجتماعية المتعدِّدة الجنسيات عددًا ضئيلًا (يشار إليه أحيانًا باسم «العشرة الكبار») من التنظيمات ذات الفروع الوطنية المتعدِّدة وملايين الأعضاء ومستويات قوية من البيروقراطية. من أمثلة تلك التنظيمات منظمة العفو الدولية (التي تضمُّ أكثر من مليون عضو، ولها فروعٌ رسمية في ٥٦ بلدًا، و٧٥٠٠ مجموعة عمل فيما يقرب من ١٠٠ دولة: أنهاير وتيمودو ٢٠٠٢: ١٩٣)، أو منظَّمة السلام الأخضر (ويتراوح أعضاؤها بين المليونين والثلاثة ملايين عضو)، أو أصدقاء الأرض (وهو اتحادٌ فيدرالي يضم ٦١ جمعية وطنية تمارس دورًا تنسيقيًّا بين حوالي ٥٠٠٠ مجموعة محلية ومليون عضو [أنهاير وتيمودو ٢٠٠٢: ٢٠٣])، أو الصندوق العالمي للحياة البرية (٥ ملايين عضو)، أو أوكسفام (اتحاد كونفيدرالي مُكوَّن من ١٢ منظمة). تبدي تلك التنظيمات كثيرًا من سمات التنظيمات المهنية رغم أن المشاركة مستحبَّة — وإن كانت في أغلبها على هيئة أعمالٍ تطوعية ومساهمات في مشروعاتٍ محدَّدة، وليست في عمليات صنع القرار، ودون بذل مستوياتٍ عالية من الاستثمار في بناء التضامن الداخلي. غير أن تنظيمات الحركات الاجتماعية المتعددة الجنسيات تشمل أيضًا تنظيماتٍ ذات حضورٍ مميَّز لكنها أصغر حجمًا بكثير من حيث الموارد، ولا تتناسب إلى حدٍّ كبير مع النموذج المهني. من بين النماذج الشهيرة لتلك التنظيمات منظمة أتاك، وهي منظمةٌ تُناهض رفع الضوابط عن الأسواق المالية، تأسست عام ١٩٩٧ في فرنسا، وإن أحرزت نجاحاتٍ ملموسة في بلدانٍ غربيةٍ أخرى (أنسولوفيسي ٢٠٠٢؛ كولب ٢٠٠٤)، أو أكت أب (ائتلاف الإيدز لإطلاق الطاقات) الناشط منذ الثمانينيات في مجابهة تبعات فيروس الإيدز (جولد ٢٠٠٢)، أو المنظمات المعنية بالمحافظة على البيئة مثل المنظمة الدولية للمحافظة على البيئة أو صندوق الدفاع البيئي (لويس ٢٠٠٠).

(٢-٢) تنظيمات الحركة التشاركية

لقد استعملنا صيغةَ الجمع عمدًا للإشارة إلى وجود أنماطٍ تنظيميةٍ مختلفة يمكن إدراجها جميعًا تحت هذا النموذج الأعم. ونحن بصدد التفريق بوجهٍ خاص بين تنظيمات الاحتجاج الجماهيري والمجموعات الشعبية.

(أ) تنظيمات الاحتجاج الجماهيري

يَجمع هذا النموذج بين العناية بالديمقراطية التشاركية ومستوياتٍ معينةٍ من إضفاء الطابع الرسمي على البِنية التنظيمية. إن كثيرًا من التنظيمات السياسية التي ضمَّتها الحركاتُ الاجتماعية خلال حقبة السبعينيات، مثل فِرَق-ك الشيوعية في ألمانيا، أو أحزاب اليسار الجديد في إيطاليا، أو التروتسكيين في فرنسا، قد تبنَّت بِنًى تنظيميةً هرميةً ثابتة إلى حدٍّ ما، قريبة من نموذج الحزب اللينيني (ديلا بورتا ١٩٩٥: الفصل الرابع؛ لاملي ١٩٩٠). غير أن هذا النموذج خسر شعبيته تدريجيًّا نظرًا لتركيزه المفرِط على الدور الثوري المهني وعدم اكتراثه بالديمقراطية الشعبية. وتزامنًا مع أزمة الحركات الاحتجاجية المعاصرة التي نشبت في السبعينيات، نشأت أنماط تنظيميةٌ بديلة، كما يتَّضح في بروز أحزاب الخضر، التي تشكَّلت في أغلبها إبَّان الحملات التي شهدتها حقبة الثمانينيات بشأن القضايا البيئية، ولا سيما الطاقة النووية، بالرغم مِن أنَّ مثل هذه الأحزاب لم تكن قطُّ الممثِّلَ السياسي الرسمي للحركة البيئية (روتس ١٩٩٤). في سعيها للدفاع عن البيئة، سعت تلك الأحزاب أيضًا إلى تطبيق مبدأ «عالمية التفكير ومحلية التطبيق» في تنظيماتها. عارضت تلك الأحزاب، في بداية الأمر على الأقل، أيَّ سلطةٍ تنظيميةٍ منظَّمةِ البنية، تمامًا كما رفضوا التكنولوجيات الرامية إلى تحقيق مركزية السلطة، واستَحدثوا، في المقابل، طقوسَ الديمقراطية المباشرة، وذلك بإدخال عمليةِ صُنع القرار التوافقية والتناوب على كرسي الرئاسة وغيرهما.

بَيدَ أن نموذج المجالس المفتوحة والتفويض القابل للإلغاء دائمًا لم يصمد طويلًا؛ فالديمقراطية التشاركية كثيرًا ما قد تحدُّ من كفاءة المجالس في صنع القرارات، مؤديةً إلى فتراتٍ طويلة للغاية من الارتباك والريبة؛ لذلك بدأت أحزاب الخضر، عقب دخولها البرلمانات الإقليمية أولًا ثم الوطنية لاحقًا، في اعتماد هياكلَ تنظيميةٍ مستقرة تعتمد بطاقات العضوية، وتقوم على الديمقراطية التمثيلية لا المباشرة داخل الحزب، إلى جانب قيادةٍ مستقرة ثابتة. وكفل التمويل العام للأحزاب، من ناحيةٍ أخرى، تدفقاتٍ ماليةً ثابتة ووفيرة استُخدِمت لبلورة طبقةٍ سياسيةٍ مهنية، وإنشاء الصحف والجمعيات الداعمة. وهكذا صار لأحزاب الخضر بنيةٌ رسمية ومركزية، وانتقلت المشاركة في اتجاه إقصاء عضوية التنظيمات الأخرى، وشرَعت الحوافز الأيديولوجية في الهيمنة على المشهد. بالرغم من كل ما سبق، شهدنا في الآونة الأخيرة إعادةَ إحياءٍ للممارسات الديمقراطية الشعبية؛ وذلك في سياق نمو احتشادات حركة العدالة العالمية، وتوسيعًا لنطاقها بحيث امتدت إلى النقابات غير التقليدية كالاتحاد الكونفيدرالي للجان الأساسية (كوباس) في إيطاليا، أو مجموعة «متضامنون، متحدون، ديمقراطيون» (سود) في فرنسا (انظر الفصلين الثاني والتاسع من هذا الكتاب).

ليس من العسير تحديد العمليات الكامنة خلف تلك التحولات المتكررة؛ فلا تتعلَّق تلك التحولات فقط بميولٍ نحو سيطرة الأقلية، وهي ميولٌ نجدها في أي نوع من التنظيمات، بل تتعلق كذلك بالمشكلات المرتبطة بنموذج الديمقراطية التنظيمية التشاركية. من الإنصاف القول إن التطبيق الفعلي الملموس للمبادئ التنظيمية للديمقراطية الشعبية لم يكن قطُّ مسألةً هيِّنة؛ فقد شكا كثيرٌ من الناشطين من المظاهر القائمة بالفعل لسيطرة الأقلية، والتي عادةً ما تَتشكَّل معالِمُها وتنزع إلى فرض إرادتها حين يصعب صنع القرار الجمعي. مِن المُمكن أن تَحظى أقليةٌ منظَّمة بالغلبة في مجلسٍ ما، وذلك بإنهاك الأغلبية وإجبارها على الاستسلام والرحيل بعد ساعاتٍ من النقاش المضني. بل في بعض الحالات المتطرِّفة، لجأت بعض الجماعات إلى العنف الجسدي لاعتلاءِ مناصِبَ مهمَّةٍ ضالعة في صنع القرارات، كرئاسة الاجتماعات. حتى إن لم يَصِلِ الأمر إلى تلك الحدود المتطرِّفة، فإن مخاطر «استبداد العواطف»، حيث يَنتفِع الناشطون الأشدُّ التزامًا بغياب الإجراءات الرسمية ويَضمنون إحكامَ سيطرتهم على عمليات صنع القرار، قد أشار إليها الباحثون في معرض حديثهم عن العديد من الحركات التي شهدها الماضي القريب والبعيد (براينز ١٩٨٩: ٤٩؛ بوليتا ٢٠٠٢)، كما تكرَّرَ ذِكْرُها عند الحديث عن حركة العدالة العالمية (إبستاين ٢٠٠١؛ انظر أيضًا الفصل التاسع، القسم ٤ من هذا الكتاب).

(ب) التنظيمات الشعبية

يَمزِج النموذج الشعبي، على النقيض من نموذج الاحتِجاج الجماهيري، بين توجُّهاتٍ تَشاركيةٍ قوية ومُستوياتٍ ضئيلة من الهيكلة الرسمية. يَتوقَّف وجود مثل هذه التنظيمات على رغبة أعضائها في المشاركة في أنشطتِها، وهي مشاركة قد تستحثُّها توليفاتٌ مختلفة من الحوافز الأيديولوجية والتضامُنية. وكثيرًا ما يرتبط ذلك بالموقع؛ على سبيل المثال، لم يكن بإمكان المجموعات المحلية المُعارِضة لشقِّ الطرق في كثيرٍ من أرجاء بريطانيا أثناء عقد التسعينيات (دوهرتي ١٩٩٩؛ وول ١٩٩٩؛ دروري وآخرون ٢٠٠٣) الاعتمادُ على توصيفٍ أيديولوجيٍّ قوي بالنظر إلى عدم تجانُس المشاركين فيها؛ ولذلك اتجهت تلك المجموعات إلى التركيز على اهتماماتٍ مشتركة في قضايا محدَّدة، وهو التوجُّه نفسه الذي تنحوه لجان المواطنين المعنيَّة بقضيةٍ واحدة، وهي لجان تُميِّز النشاطَ السياسي في أغلبه في الديمقراطيات المعاصِرة (ديلا بورتا ٢٠٠٤ج)، أو روابط السكان المؤيدة للحَراك الجَمعي المعنِيِّ بالعدالة البيئية في المناطق الحضرية المَحرومة (تايلور ١٩٩٥؛ ليكترمان ١٩٩٥أ). تَلعب المواقف النقدية المشتركة، في أحيانٍ أخرى، دورًا أقوى وأكثرَ جلاءً في تحفيز المشاركة، كما هو الحال في مجموعات الفعل المباشِر شبه الرسمية التي نشأت في سياقِ تنامي المُعارَضة للعولَمة الليبرالية الجديدة (دوهرتي وبلاوز وول ٢٠٠٣)، أو في المجموعات النسائية المحلية المستقلَّة التي ميَّزت انتشارَ الحركات النسوية خلال عقدَي السبعينيات والثمانينيات (روب وتايلور ١٩٨٧؛ ويتير ١٩٩٥).

بالرغم من قلَّة مواردها، لدينا أمثلة لا تُحصَى للتنظيمات الشعبية التي أحرزت نجاحًا في بلوغ أهدافها، في البلدان المُفتقرة إلى مجتمعٍ مدنيٍّ نَشِط (ديساي ١٩٩٦؛ برودبينت ١٩٩٨؛ راي ١٩٩٩) والبلدان الغربية على السواء. من الأمثلة الدالة على ذلك عمليات التعبئة البيئية الشعبية التي أثبتَتْ واحدةً من السمات الثابتة للديمقراطيات الغربية، أَلا وهي تَصدِّيها في مناسباتٍ لا حصْرَ لها للمشروعات التي تَحمل تهديدًا بيئيًّا (روتس ٢٠٠٣؛ ديلا بورتا وروشت ٢٠٠٢). لكن نظرًا لاعتمادها الشديد، في الوقت نفسه، على مشاركة أعضائها التطوُّعية، فإنَّ قُدرة التنظيمات الشعبية على ممارسة نشاطها بصفةٍ مستمرة عبر الزمان محدودةٌ بصورةٍ واضحة، وهو ما يُفسِّر ما تَشهده الكثير منها بالفعل مِن تعاقُبٍ في أطوار النشاط والكُمون، تشبه تلك الأطوار التي عيَّنها ميلوتشي ورفاقه (ميلوتشي ١٩٨٤أ) بالنسبة إلى الحركات الاجتماعية في مجملها. تُمارس هذه التنظيمات نشاطَها «كبِنًى متقطعة»؛ أي كتنظيمات أو وحداتٍ تنظيمية يَجري نَشرُها ثم «تعطيلها» إلى حين حلول فترة النشاط مجددًا» (إتزيوني ١٩٧٥: ٤٤٤، مقتبس في ليندجرين ١٩٨٧). تُذكِّرنا «تنظيمات الحركات الاجتماعية المتقطعة» (ليندجرين ١٩٨٧)، التي تعاوِدُ الظهورَ إلى السطح كلما أضحَتْ قضاياها موضوعاتٍ سياسيةً بارزة مرةً أخرى، بأن البِنى الدائمة المستقرة ليست شرطًا ضروريًّا لنجاح التنظيمات.

من المُحتمل أيضًا أن تُواجِه التنظيمات الشعبية مشكلاتٍ حالَ إفراطِها في الاعتماد على الأيديولوجية لضمان ترابُط أعضائها والتزامهم. لا شك أن الحوافز الأيديولوجية تُعَدُّ بديلًا مهمًّا لنقص الموارد المادية، بيْدَ أن استعمالها يزيد من جمود النموذج التنظيمي؛ نظرًا لوجوب إدماج التحولات في نظام المجموعة المعياري (زالد ١٩٧٠)، كما أنَّ التنظيمات المستعينة بالحوافز الرمزية من شأنها أن تُواجِهَ خطرًا أكبر يتمثَّل في الصراع الداخلي (مكارثي وزالد ١٩٨٧ب [١٩٧٩] ٣٣). وأخيرًا، يُسهم التقارُبُ مع العالَم الخارجي في تشكيل الهوية، لا سيما بالنسبة إلى المجموعات الشعبية المُعتنِقة لرؤًى مُوغِلةٍ في النقد للمجتمع التقليدي، غير أن هذا التقارُب من شأنه أن يَحدَّ أيضًا من قدرتها على التعامل مع الواقع وتحديد أسباب الإخفاق.٦

(٣) كيف تتغيَّر تنظيمات الحركات الاجتماعية؟

(٣-١) أنماط التغيير

مثلما تتنوع الخصائص التنظيمية للحركات الاجتماعية، لا يوجد نموذجٌ واحدٌ يمكن أن يُفسِّر وحده التغيُّرات التنظيمية. كان لمنهج فيبر، والذي يَنصبُّ تركيزه على مسألة إضفاء الطابع البيروقراطي، الغلبة في بادئ الأمر في مجال علم اجتماع الحركات الاجتماعية وفي غيره من المجالات، كما عُدَّ قانون ميشيلس الحديدي لسيطرة الأقلية منطبقًا أيضًا على الحركات الاجتماعية، وهو قانون ينصُّ على أنه في سبيل الصمود كتنظيم، يعير الحزب السياسي اهتمامًا متزايدًا إلى التأقلم مع بيئته بدلًا من التركيز على أهدافه الأصلية المُرتبطة بالتغيير الاجتماعي.٧ جرت العادة على اعتبار المؤسساتية تطورًا طبيعيًّا لتنظيمات الحركات الاجتماعية؛ فقد عيَّن الباحثون دورات حياةٍ متكررةً في تاريخ عدد من الحركات. فميز هربرت بلومر (١٩٥١: ٢٠٣)، مثلًا، أربعة أطوار في دورة حياة الحركة الاجتماعية التقليدية. تمرُّ الحركة أولًا بطور «الاحتقان الاجتماعي»، وهو يتَّسم بالهياج المشتت غير المنظم، والذي يشهد إيلاء اهتمامٍ عظيم إلى ما يقوم به «المهيِّجون» من حملةٍ دعائية. يلي ذلك الطور الثاني، وهو طور «الثوران الجماهيري»، حيث تتحدَّد بصورةٍ أوضح الأسباب الكامنة وراء مشاعر السخط وأهداف الفعل. في الطور الثالث، طور «التشكُّل»، يتوصل القائمون على الحركة إلى المشاركة المنضبطة وتنسيق الخطط لتنفيذ أغراض الحركة؛ وذلك من خلال خلق تنظيمٍ رسمي. وأخيرًا، تمر الحركة بطور «المؤسساتية»، حيث تصير جزءًا عضويًّا من المجتمع، متبلورةً في هيئة بنيةٍ مهنية.

غير أن آخرين قد شكَّكوا في «ضرورة» مثل هذا التطور، حتى علماء الاجتماع التنظيمي يشيرون إلى أن التكيُّف ليس إلا احتماليةً تطوريةً واحدة، بين كثير من الاحتمالات الأخرى؛ فحين ينشأ الصراع مع البيئة المحيطة، لا تحتاج التنظيمات إلى التفاعل بتكييف أغراضها لتصير أكثر اعتدالًا، بل يمكنها أيضًا أن تصير أكثر راديكالية، على أمل أن تتكوَّن نواةٌ صغيرة، لكن قوية، من المعارضة بتلك الطريقة (جاكسون ومورجان ١٩٧٨)، بل ربما تتَّجه ببساطة إلى تقليص علاقاتها بالعالم الخارجي، بدلًا من التكيف مع المطالب الخارجية (ماير وروين ١٩٨٣). رغم إشارته إلى فرضية ميشيلس (وتأكيده على «وجود سماتٍ تنظيمية تقدم المحافظة على التنظيم على كل هدفٍ آخرَ ممكن»)، نوَّه تيد لوي (١٩٧١: ٣١) إلى أن «الظاهرة ليس لها وثيق علاقة باستبدال الأهداف، بل يُقصَد بها أن الحاجة إلى المحافظة على التنظيم قد رجحت كفتها على كل الأهداف الأخرى.»

في الواقع، نادرًا ما تصطبغ تنظيمات الحركات الاجتماعية بالصبغة المؤسسية، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى أن قليلًا منها يصمد في الحقيقة لفترةٍ زمنيةٍ معتبرة (مينكوف ١٩٩٥: الفصل الثالث). فبعض التنظيمات تُحَل؛ لانتهائها من إحراز أهدافها. فالتنظيمات التي تشكَّلت، مثلًا، لتنسيق حملاتٍ محدَّدة عادةً ما تختفي بمجرد انتهاء الحملة (زرتشر وكرتس ١٩٧٣)،٨ بينما تؤدي انقسامات القيادة خلال فترات تراجع التعبئة، وما ينتج عنها من عمليات التفكُّك وإعادة الاصطفاف، إلى اختفاء بعض التنظيمات الأخرى. أما في حالة تنظيمات الحركات الاجتماعية ذات العمر الافتراضي القصير والأغراض المحدودة، فربما لا تكون استمرارية البقاء أحد أهداف التنظيم أصلًا؛ بعبارةٍ أخرى، يظل الولاء الأول لأعضاء التنظيم موجهًا إلى الحركة، بينما يُعتبَر التنظيم مجرد أداة تدخُّل مؤقَّتة.

لا شك أن محاولة إضفاء طابع الاعتدال على أهداف تنظيمٍ ما ليس التطور الوحيد الممكن حتى بالنسبة إلى التنظيمات التي تَبقى بالفعل على المدى البعيد؛ ذلك لأن تنظيماتٍ أخرى للحركات الاجتماعية تصير أشد راديكالية، وأغراضهم أبعد طموحًا، وأنماط الفعل التي تتبنَّاها أقل تقليدية، ويَتزايد انعزالها عن العالم الخارجي. كان من النتائج التي تمخَّض عنها عام ١٩٦٨، وإن لم تكن النتيجة الوحيدة بالطبع ولا أشد النتائج أهمية، تشكيل التنظيمات السرية المُنبثقة عن الحركة الطلابية في إيطاليا وألمانيا، والتي تبنَّت أنماطًا راديكالية من الفعل بصورةٍ متزايدة، شملت في بعض الحالات قتل الخصوم السياسيِّين. تُجسِّد هذه التنظيمات السرية مثالًا مأساويًّا ومتطرفًا دالًّا على أن التفاعل مع بيئةٍ عدائية ربما يُفرز انغلاقًا متزايدًا في قنوات التواصُل مع العالم الخارجي (ديلا بورتا ١٩٩٥). في حالاتٍ أقلَّ تطرفًا، نجد أن المجموعات تلقائية التشكل، كمجموعة سبونتي الألمانية وإندياني ميتروبوليتاني الإيطالية (وتعني حرفيًّا «الهنود الحضريون»)، وهي مجموعاتٌ يمكن اعتبارها أبناءً غير شرعيِّين للحركة الطلابية الآخذة في الذبول، قد ضاعفت من استعمالها للحوافز الرمزية، بدلًا من تقليصها، راميةً في الأساس إلى تعزيز التضامن الداخلي (لاملي ١٩٩٠؛ ديلا بورتا ١٩٩٦أ).

قد تَسلك الحركات الاجتماعية إذن مسار الاعتدال، لكنها قد تسلك أيضًا مسار التطرف، قد تتَّجه نحو مزيد من التشكيل أو نحو التفكيك المتنامي، قد تتَّجه نحو زيادة التواصُل مع البيئة المحيطة أو نحو «التقوقع» الطائفي. ويجب ألا يَفوتنا أن التغيرات الطارئة على تنظيماتٍ معينة لا تَسلك جميعها بالضرورة الاتجاه نفسه؛ فمؤسساتية تنظيمٍ ما قد يُصاحبها تطرف تنظيمٍ آخر، وهو ما يُؤدِّي في النهاية إلى الاستقرار النسبي في التوصيف الإجمالي لحركةٍ اجتماعيةٍ ما على امتداد الزمان. مثال ذلك ما كشفه كل من دياني ودوناتي (١٩٩٩) في تحليلهما للتغيرات التي اعترَت التنظيمات البيئية خلال عقد التسعينيات؛ إذ أوضحا أن اتجاهات المؤسساتية والمهنية قد سارت جنبًا إلى جنب مع بروز أطرافٍ فاعلةٍ شعبيةٍ جديدة ذات توجهٍ راديكالي، وأن التنظيمات الراسخة قد لعبت دورًا حيويًّا في الحركات البيئية منذ ظهور التعبئة البيئية أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

إنَّ محاولة تتبع وتحديد جميع العوامل الممكنة وراء التغيُّرات الحاصلة في الأنماط التنظيمية للحركات الاجتماعية يفوق نطاق هذا الكتاب (انظر مثلًا سكوت ١٩٨١)؛ لذلك سنكتفي بالتركيز على ثلاثة عواملَ محددةٍ للتغيير استرعت قدرًا كبيرًا من اهتمام الباحثين مؤخرًا. لنُلقِ نظرةً أولًا على دور العوامل المؤسسية (إدواردز ومكارثي ٢٠٠٤).

(٣-٢) العوامل المؤسسية والتغيير التنظيمي

قد تُمهِّد وفرة الموارد العامة أو شبه العامة الطريق أمام خلق مجموعات ضغط ذات نفوذ على صلات بالحركات الاجتماعية؛ فقد أظهرت الأبحاث المعنية بحركة الحقوق المدنية الأمريكية، مثلًا، أن الأموال المقدَّمة من هيئاتٍ حكومية وبرامجَ فيدراليةٍ ومحلية، مثل برامج العمل المجتمعي أو متطوعين في خدمة أمريكا، قد شجَّعت على خلق تنظيمات الحركة تزامنًا مع منح برنامج فرق السلام والخدمة العسكرية البديلة مناصب مدفوعة الأجر للناشطين. إن للشروط المنظمة لفرص الحصول على التمويل العام والخاص، أو الإعفاءات الضريبية، أو تعريفات التخليص البريدي المميزة؛ تأثيرًا على البنية التنظيمية للمجموعات الراغبة في الاستفادة من تلك الإمكانيات؛ ولذلك صارت مصطلحاتٌ مثل «مموَّلة» (مكارثي وزالد ١٩٨٧أ: ٣٥٨ وما يليها)، أو «تنظيمات الحركات الاجتماعية المرخَّصة» (مكارثي وبريت وولفسون ١٩٩١: ٦٨) محلَّ استخدام.

في كثير من البلدان، يتعيَّن على التنظيمات الراغبة في الحصول على سلسلة من الموارد المادية احترام قائمةٍ طويلة من القوانين واللوائح التي تخصُّ بنيتها التنظيمية في المقام الأول. تضمُّ تلك القوانين واللوائح في الولايات المتحدة الأمريكية «القوانين والسياسات الضريبية الفيدرالية وإنفاذها بواسطة دائرة الإيرادات الداخلية، وإجراءات الائتلافات الرسمية لمجموعات جمع التبرُّعات، ولوائح دائرة الخدمات البريدية الأمريكية وتبعاتها على إمكانية الاطلاع على الرسائل، وقواعد وإجراءات المجموعات المعنيَّة برصد التنظيمات الخاصة، وديناميكيات المناشدات المشتركة للتبرع بالصدقات، واللوائح المنظمة لجمع التبرعات على مستوى الولايات والمستوى المحلي وإنفاذها» (مكارثي وآخرون ١٩٩١: ٤٦؛ أندروز وإدواردز ٢٠٠٤). عادةً ما يتطلَّب الحصول على الموارد السابق ذكرها، على نحوٍ خاص، التزام التنظيمات بوضعٍ «غير هادف للربح» أو «غير مُتحيِّز»، وهو وضع يتضمَّن الالتزام بنماذج تعتبر شرعية بالنسبة إلى تلك التنظيمات، كوجود هيئةٍ إدارية، ومراجعةٍ سنوية لتعاملاتها المالية (مكارثي وآخرون ١٩٩١: ٦١). مما لا شكَّ فيه أن زيادة توافر الموارد المؤسسية يؤكد، من هذا المنظور، وجود تنظيماتٍ رسميةٍ مركزية، وهو ما يُثبته مجموعات المصلحة العامة الأمريكية (كمنظمة «كومن كوز»)، والتي يَنضوي تحتها آلاف المساهمين ومئات الفروع المحلية (ماكفارلاند ١٩٨٤: ٦١–٩٢؛ أندروز وإدواردز ٢٠٠٤؛ للاطِّلاع على منظور مقارن، انظر سالامون وأنهاير ١٩٩٧).

كذلك فإن ما تتَّسم به البنى المؤسسية الأخرى من انفتاح قد يؤيد نشأة التنظيمات الرسمية (روشت ١٩٩٤)؛ ففي أوروبا، خلافًا للولايات المتحدة الأمريكية، كثيرًا ما أحرزت الأحزاب المنبثقة من الحركات الاجتماعية نتائج مُبهرة، وهو ما يُعزى جزئيًّا إلى القواعد المنظِّمة لمشاركة المعارضين في إجراءات صنع القرار؛ فالتمثيل النسبي، على سبيل المثال، يُمكن أن يدعم تشكيل أحزاب للحركات، كما حدث حين دفعت العديد من تنظيمات اليسار الجديد في إيطاليا بمُرشَّحين في الانتخابات الإدارية والسياسية التي عقدت في السبعينيات،٩ أو عندما حظيت أحزاب الخضر بالنجاح في بلدان كبلجيكا أو ألمانيا أو إيطاليا خلال عقد الثمانينيات (ريتشاردسون وروتس ١٩٩٤).

غير أن هذا لا يَعني في الوقت نفسه أن التنظيمات الرسمية ذات البِنية الواضحة هي بالضرورة نتاج لبيئةٍ سياسية منفتحةٍ واستيعابية. لقد تأسست البنى الرسمية الهرمية في كثير من الأحيان من أجل مكافحة أجهزة الدولة العدائية بصورة أفضل. وقد تفرز الدول القمعية المركزية حركاتٍ مُحكمة التنظيم (روتس ١٩٩٧) بالإضافة إلى تحالفاتٍ متينة بين مختلف التنظيمات والحركات (مكارثي وزالد ١٩٨٧ب)، وذخائر من الفعل الراديكالي في بعض الأحيان (ديلا بورتا ١٩٩٥). من الأمثلة الدالة على ذلك الحركة الطلابية الإيطالية خلال عقد السبعينيات، التي وجَدَت نفسها طرفًا في صراعٍ سياسي شديد الاستقطاب. وقد خلق انغلاق المنظومة السياسية وتكرار الصدامات البَدَنية بين الفاشيِّين الجدد ورجال الشرطة ظروفًا مواتية لنشأة التنظيمات المركزية والبيروقراطية التابعة لليسار الجديد. غير أن أحداث جنوة عام ٢٠٠١ التي وقعت بعد ذلك بثلاثين عامًا وما صاحبها من سلوكياتٍ عنيفة صدرت عن رجال الشرطة تجاه المتظاهرين، حتى السلميِّين منهم، لم تُسفِر عن تزايد عسكرة حركة العدالة العالمية وتبنِّي أنماطٍ تنظيمية ملائمة لوقوع صداماتٍ عنيفة مع الشرطة (ديلا بورتا وآخرون ٢٠٠٥).

على النقيض، ربما يُسهم وجود منظومةٍ سياسيةٍ منفتحة ولا مركزية في تمهيد الطريق أمام اتجاهاتٍ مشابهة نحو اللامركزية واللارسمية بين تنظيمات الحركات. بالعودة مجدَّدًا إلى عقد السبعينيات، لكن إلى ألمانيا هذه المرة، سنَجد، على النقيض من إيطاليا، أن الانفتاح المؤسَّسي (ولا سيما حين تولى عضو الحزب الاشتراكي الديمقراطي فيلي براندت منصب المستشار الألماني) كان مواتيًا فيما يبدو لانتشار التنظيمات اللامركزية للحركات، مثل مجموعة مبادرات المواطنين (ديلا بورتا ١٩٩٥: الفصل الرابع). ثمة اعتباراتٌ مشابهة أيضًا وردت فيما يتعلَّق بقطاع الحركات الاجتماعية الأمريكية (روشت ١٩٩٦)، وذلك على النقيض من الفرضية القائلة إن المنظومة المؤسسية الأمريكية ينبغي ألا تؤدِّي إلا إلى تنظيماتٍ رسميةٍ بيروقراطية. إجمالًا لما سبق، يبدو أنه من الحكمة أن نُدرك أن أنماطًا تنظيميةً متعدِّدة قد يجري استيعابها داخل المنظومة نفسها، بدلًا من افتراض وجود علاقةٍ جامدة بين النمط التنظيمي الذي يُضفيه ناشطو الحركات الاجتماعية على تنظيماتهم وسمات المنظومة المؤسسية التي يعملون في إطارها.

(٣-٣) الثقافات التنظيمية والتغيير التنظيمي

بالرغم من أن فاعلي الحركات الاجتماعية يَحظون بهوامش للاختيار عند سعيهم للتكيُّف الخلاق مع بيئتهم، فإن مثل هذه الهوامش تخضع لقيودٍ معينة. ومثلما قد يسعنا الحديث عن ذخائر الأنماط الاحتجاجية (الفصل السابع)، قد يسعنا أيضًا الحديث عن الأنماط التنظيمية (كليمينز ١٩٩٦). إنَّ ذخيرة الأنماط التنظيمية، في أي بلد وأي وقت، محدودة، وإن كان يُمكن توسعتها بالاقتراض من بلدان أو ميادين نشاط أخرى، غير أن مثل هذه التحوُّلات تتَّسم بالبطء. غالبًا ما يقع الاختيار على نموذجٍ تنظيميٍّ معين «إلى حد الاعتقاد أنه يؤدِّي وظيفته، ويضم ممارسات وعلاقاتٍ تنظيميةً مألوفة بالفعل للتنظيم، ويعدُّ منسجمًا مع تنظيم بقية النطاقات الاجتماعية لأولئك الأفراد» (كليمينز ١٩٩٦: ٢١١).

إذن، فالموارد التنظيمية المتوافرة بالفعل داخل قطاع الحركات الاجتماعية عادةً ما تؤثِّر على تطور التنظيمات المنفردة والأنماط الاحتجاجية المُتَّبعة بوجهٍ أعم. تميل التنظيمات المهيمنة في أي مرحلة إلى المساهمة بمواردها التنظيمية في عمليات التعبئة اللاحقة، وهو ما يَعني إسهامها أيضًا في تحديد خططها. يُمكننا الاستعانة بالمصطلحات المستخدمة في منهج تعبئة الموارد للإشارة إلى أن تنظيمات الحركات الاجتماعية التي تولد خلال طورٍ محدَّد من مراحل التعبئة «تُصنِّع» الموارد من أجل المراحل اللاحقة، مؤثِّرةً، أو ساعية على الأقل للتأثير، على طابعها المُميز (انظر أيضًا الفصل التاسع من هذا الكتاب).

بناءً على ما سبق، فإن الخيارات التنظيمية تتأثَّر بالبِنى القائمة بالفعل والتي تتشكَّل في إطارها الحركات، وارثةً من أسلافها أفكارًا وعقباتٍ وتيسيرات، وكذلك حلفاء وخصومًا؛ ومن ثمَّ فإن الحركات الأسبق تاريخيًّا، أو «السابقون»، تسهم في إنتاج «كياناتها المنبثقة». فأثناء فترات التعبئة، يُبادر الثائرون الجدد باستيعاب المعطيات الواردة من الحركات القائمة بالفعل؛ فالحركة الطلابية، مثلًا، قدَّمت الموارد التنظيمية اللازمة لتشكيل مجموعات تتنوَّع في أهدافها بين الدفاع عن حقوق الفقراء (ديلجادو ١٩٨٦)، وحقوق الحيوانات (جاسبر ونيلكين ١٩٩٢). بالمثل، فإن الحركة النسائية، التي ولِدت من رحم الحركة الطلابية السابقة عليها، سوف تبث لاحقًا إلى الحركة الداعية إلى السلام أطرها الأيديولوجية، وابتكاراتها التكتيكية، وبناها التنظيمية، وقيادتها (ماير وويتير ١٩٩٤). واليوم تُعوِّل تنظيمات حركة العدالة العالمية، وإن كان بحسٍّ ناقد في كثير من الأحيان، على تجارب التنظيمات التي أجرت في الماضي القريب والبعيد عمليات تعبئةٍ عابرة للحدود والقوميات لتناول قضايا كالبيئة، أو حقوق الإنسان، أو تنمية العالم الثالث (أنهاير وتيمودو ٢٠٠٢)، وبمرور الوقت يتكوَّن ما يُشبه الذاكرة الجمعية للإمكانيات التنظيمية يتوارَثُها المناضلون أو الحركات جيلًا بعد جيل: «بإمكان حركة ما أن تؤثر في الحركات اللاحقة داخليًّا وخارجيًّا بتغيير الأوضاع السياسية والثقافية التي تُواجِهها في البيئات الخارجية، وتغيير الأفراد والجماعات والمعايير داخل الحركات نفسها» (ماير وويتير ١٩٩٤: ٢٨٢؛ إسحق وكريستيانسن ٢٠٠٢). ولهذا السبب ربما يكون من العسير للغاية تغيير سماتٍ تنظيميةٍ أوليةٍ معينة؛ نظرًا لأنها تُشكِّل في نهاية المطاف ما يشبه الإرث الجيني الذي تتناقَلُه تنظيمات الحركة (انظر، من بين مصادر أخرى، بانبيانكو ١٩٨٨).

(٣-٤) التجديد والابتكار التكنولوجي والتغيير التنظيمي

يجدر بنا أيضًا النظر في العلاقة بين التجديد والتغيير التنظيمي. ربما يكون للتقدم الاقتصادي، بوجهٍ عام، أثرٌ إيجابي على القدرة التنظيمية للحركات الاجتماعية؛ إذ «كلما ازدادت الموارد التقديرية المتاحة لعامة الجماهير والنخبة، ازدادت الموارد المطلقة والنسبية المتاحة لقطاع الحركات الاجتماعية» (مكارثي وزالد ١٩٨٧ب [١٩٧٧]: ٢٥). لا تَقتصِر تلك الموارد على الوقت والمال فحسب، بل تمتدُّ لتَشمل الحرية السياسية، ووسائل التواصُل والنقل … إلخ. ومع تنامي تلك الموارد، غالبًا ما تزداد أيضًا الموارد المتاحة للتنظيمات والحركات الجديدة. من المفترض أن التنمية الاقتصادية، وما تَخلُقه من وقت وموارد اقتصادية، من شأنها أن تؤدي إلى نمو في المجموعات الرسمية ذات الطابع المهني: «كلما ازداد تدفُّق الدخل لأحد تنظيمات الحركات الاجتماعية، ازدادت احتمالية أن تتَّسم الكوادر وأطقم العاملين بالمهنية وتعاظَمَ حجم تلك المجموعات» (مكارثي وزالد ١٩٨٧ب [١٩٧٧]: ٣٥).

غير أن التغييرات التكنولوجية نجحت في اجتذاب معظم الاهتمام مؤخرًا، وذلك بما خلَّفته من تأثيرات على البِنية التنظيمية للحركات الاجتماعية وعلى أساليبها التكتيكية أيضًا. إن ما شهدناه من توسُّع في وسائل التواصل المطبوعة والإلكترونية على السواء قد سمح بنقل تكاليفَ معينةٍ إلى جهاتٍ خارجية (تارو ١٩٩٤: ١٤٣–١٤٥). كان من اللازم في السابق أن تتميَّز التنظيمات بتنظيم بِنيوي محكم لنشر رسالتها، أما اليوم فإن التنظيمات المتحرِّرة من تلك القيود ربما تكون ملائمة، شريطة أن تَنجح في اجتذاب الاهتمام الإعلامي. أما فيما يخصُّ تأثير الإنترنت على تنظيم الحركات الاجتماعية، فإننا نجد مصدرًا رسميًّا غير أكاديمي، مثل دائرة الاستخبارات الأمنية الكندية، قد أوضح هذا التأثير على خير وجه حين صرَّح قائلًا: «سوف يَستمر الإنترنت في أداء دورٍ هائل في نجاح الاحتجاجات والتظاهُرات المناهضة للعولمة أو إخفاقها. سوف تستعين المجموعات بالإنترنت كأداة لتعيين أهدافها والترويج لها، والْتماس الدعم وتشجيعه، وتنظيم المعلومات والتوجيهات وتداولها، واستقطاب الناشطين، وجمع التبرعات، بالإضافة إلى استخدامه كوسيلة للترويج لأغراضها الفردية والجمعية المتنوِّعة» (مقتبس في فان ألست ووالجريف ٢٠٠٤: ١٢١).

تتعامَل المواقع الإلكترونية مع المعلومات أو عمليات التعبئة أو المهام ذات التوجه المجتمعي (روزينكراندس ٢٠٠٤: ٧٢-٧٣). في حالة المواقع المناهضة للعولمة، فإنها تقدِّم وسيلةً سهلة لتداول المعلومات، ليس فقط عبر قوائم البريد الإلكتروني، بل عبر الروابط بين المواقع الإلكترونية أيضًا (فان ألست ووالجريف ٢٠٠٤). وسيبدو منطقيًّا إن أشرنا إلى أن المبادرات الكبرى المناهضة للعولمة والتي شهدتها أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة صارت واقعًا ممكنًا بفضل الإنترنت (بينيت ٢٠٠٤أ: ١٣٣)، وإن كان هذا لا ينفي أن الأمر قد تطلب مزيجًا من التنظيم الشعبي المحلي ونشر المعلومات على شبكة الإنترنت لتحقيق الغرض المطلوب، وهي حقيقة أثبتتها تظاهرات سياتل (بينيت ٢٠٠٤أ: ١٤٥؛ فان ألست ووالجريف ٢٠٠٤: ١٠١؛ انظر أيضًا روايات ناشِطي سياتل بشأن الأحداث على موقع www.wtohistory.org).

في بعض الحالات، لا يعدو دور التواصُل عبر الكمبيوتر كونه وسيلة إلى زيادة قدرة التنظيمات القوية بالفعل، مثل السلام الأخضر أو أوكسفام، على التحرك، بينما تسهم، في حالاتٍ أخرى، في الجمع بين شبكات من الناشطين تتسم ببنًى تنظيميةٍ غير رسمية للغاية، إن وجِدت. ثمة مثالان على ذلك النموذج وهما موقعا كوكسبوتلايت أو ماكسبوتلايت؛ إذ يكشف الأول سجل التجاوزات البيئية لشركة كوكاكولا، بينما يفضح الثاني عدم اكتراث شركة ماكدونالد بحقوق العمال وجودة الطعام. ثمَّة مثالٌ آخر وهو شبكة المعلومات المستقلَّة إنديميديا، والتي تأسَّس موقعها الأول خلال حملة سياتل عام ١٩٩٩، ثم امتد ليُشكِّل شبكاتٍ أخرى، من بينها الشبكة الأوروبية المعارضة التي تربط الأناركيين والاستقلاليين والمراكز الاجتماعية (رايت ٢٠٠٤). لكن في حالاتٍ أخرى، تُؤسَّس تنظيماتٌ محددة كان سيتعذر وجودها دون شبكة الإنترنت، مثل «المبادرات الانقلابية الدولية» والتي لا تعدو كونها موقعًا إلكترونيًّا يربط الأفراد المتقاربين فكريًّا ممَّن لهم اهتمام بتعبئة الدعم للحركة المضادة للرأسمالية، دون الاعتماد على أيِّ بنيةٍ هرمية من أي نوع (أنهاير وتيمودو ٢٠٠٢: ٢١٠).

ردَّد البعض أن التغيرات الحاصلة في التكنولوجيا ومفاهيم النشاط السياسي سوف تتلاشى على إثرها الأنماط التنظيمية التقليدية، بينما شدَّد البعض على دور الإعلام كمصدرٍ مستقل للموارد التنظيمية، ومن بين هؤلاء الباحثان والجريف وماسينز (٢٠٠٠) اللذان أوضحا الدور المستقلَّ الرئيسي الذي اضطلع به الإعلام في نجاح المسيرة البيضاء التي شهدتها بروكسل عام ١٩٩٦ للتعبير عن الغضبِ الشعبي حيال تعامل السلطات مع قضية الاعتداء الجنسي على الأطفال والتي كان بطلها دوترو. إضافة إلى ذلك، أسهمت تكنولوجيات الاتصال الجديدة إسهامًا كبيرًا في تعزيز الفُرص القائمة لتشكيل مجموعاتٍ متجانسة، وهي مجموعاتٌ قوامها أفراد يتقاسمون رؤيةً واسعة بشأن الانخراط السياسي والاجتماعي، ويَجتمعون للتصدِّي لقضايا محدَّدة تحظى باهتمامهم وتنفيذ حملاتٍ قصيرة المدى. على سبيل المثال، نسَبَ الكثيرون إلى اتصالات الهاتف المحمول بين المواطنين العاديين الفضل في نجاح تظاهرات يناير ٢٠٠١ التي أجبرت الرئيس الفلبِّيني جوزيف إسترادا على الاستقالة (تيلي ٢٠٠٤أ: الفصل الخامس). بالنسبة إلى بعض النقاد الراديكاليين لدور التنظيمات السياسية التقليدية، تمثل «المجموعات المتجانسة» (ونعني بها مجموعاتٍ تتَّسم بالتنظيم والحكم الذاتيَّين وتستند إلى وحدة القيم والمصالح التي يتقاسمها أعضاؤها) مبدأً تنظيميًّا مهمًّا يكمن خلف حركة العدالة العالمية لا يتيح أي حيز للهوية التنظيمية أو التنظيمات نفسها لتلعب دورها (ماكدونالد ٢٠٠٢؛ انظر أيضًا فينجن ٢٠٠٣)، لكنها دعوى سيُفنِّدها المُتشكِّكون لاحقًا بقولهم إن محاولات المجموعات المتجانسة لحل مشكلة الإبقاء على ولاء الأعضاء بطريقةٍ غير بيروقراطية من شأنها أن تعوق عملية صنع القرارات، مؤديةً في النهاية إلى أداءٍ غير فعال (جامسون ١٩٩٠؛ للاطلاع على رواية من قلب الحدث انظر أيضًا كلاين ٢٠٠٢).

(٤) من تنظيمات الحركات إلى شبكات الحركات الاجتماعية

لطالما سلَّط الباحثون الضوء على الطبيعة الشبكية التي تتميَّز بها الحركات الاجتماعية؛ فقد أشار لوثر جيرلاتش، في بضعة إسهاماتٍ رائدة، إلى أن الحركات الاجتماعية: (١) تنقسم إلى قطاعات، حيث تضم عدة مجموعات أو خلايا مختلفة في صعودٍ وهبوطٍ متواصلين. (٢) متعدِّدة القيادات؛ إذ يتزعمها قادةٌ كثرٌ، كلٌّ منهم يقود عددًا محدودًا من الأتباع. (٣) شبكية؛ إذ تمتدُّ صلاتٌ متعدِّدة بين الخلايا المستقلَّة، مشكِّلةً شبكةً غير واضحة الحدود (جيرلاتش ١٩٧١؛ جيرلاتش وهاين ١٩٧٠). أقدم جيرلاتش مؤخَّرًا على تعديل رؤيته، وذلك بالتركيز على الطبيعة غير الموجَّهة لتلك الشبكات وافتقارها إلى القيادة، وذلك بدلًا مما ذهب إليه سابقًا من تعدد قياداتها (جيرلاتش ٢٠٠١).

كثيرًا ما تتخذ الحركات أشكالًا شبكية؛ نظرًا لعجز التنظيمات السياسية غالبًا عن احتكار تمثيل مجموعةٍ متشابكةٍ معينة من المصالح والقيم، وحين يحدث ذلك، فإنه يرسم عادةً نهاية عملية الحركة الاجتماعية وإحلالها بالعمليات التنظيمية. عادةً ما تنبري طائفةٌ كبيرة من التنظيمات لمعالجة القضايا نفسها وللعمل لصالح مشروعاتٍ سياسية وأخلاقيةٍ مُتشابهة، إن لم تكن مُتطابقة، ومحاولة استكشاف طبيعة العلاقات القائمة بين تلك التنظيمات تعدُّ خطوة حيوية في طريق فهمِنا للحركات الاجتماعية.

بالرغم من أن بناء التحالفات يبدو خيارًا معقولًا ومندوبًا في العموم، فإن العلاقات بين التنظيمات قد تتنوع، عمليًّا، بصورةٍ ملحوظة من حيث المحتوى والقوة. من بين الأساليب المساعدة على استيعاب تلك الاختلافات التساؤل عما إذا كانت التنظيمات تتنافس فيما بينها على نَيل اعتراف القاعدة الاجتماعية عينها ودعمها؛ أي ما إذا كانت تسعى للحصول على الموارد الضرورية للفعل عن طريق استغلال الإمكانيات (المحدودة) نفسها للتعبئة. ومن خلال دمج وجود التعاون أو غيابه مع وجود التنافس أو غيابه، يُمكننا صياغة تصنيفٍ نموذجي لأنماط العلاقات بين التنظيمات (شكل ٦-١).
fig1
شكل ٦-١: أنماط العلاقات المشتركة بين تنظيمات الحركات.

يَجدر بنا، في المقام الأول، أن نُدرك أنه بالرغم من تناولها لمشكلاتٍ متشابهة بوجهٍ عام، فإن كثيرًا من تنظيمات المواطنين مُنخرطة أساسًا فيما بينها في علاقة حياد (أو لا مبالاة)، حيث يَسير انعدام التعاون جنبًا إلى جنب مع انعدام التنافس، ويقع ذلك حين تتسبَّب تعريفاتُ التنظيمات للقضايا في صعوبة التعاون، لكنها لا تضطر في الوقت نفسه إلى التنافس على الأعضاء والدعم؛ نظرًا لكونها تسعى إلى جذب قطاعاتٍ مختلفةً من الرأي العام. من الأمثلة القريبة من هذا النموذج الحركة البيئية في إيطاليا إبان السبعينيات، كانت الحركة قائمة على مكونَين أساسيَّين، هما الحفاظ على البيئة والبيئة السياسية، وكان كلا القطاعين على درجةٍ كبيرة من الاختلاف والتباعُد بحيث تعذَّر التعاون بينهما، غير أن هذا لم يؤدِّ إلى الصراع بينهما؛ لأن كليهما كان خارجًا عن المألوف نوعًا ما فيما يتعلَّق بالصراعات الأساسية الطبقية خلال تلك الحقبة (دياني ١٩٩٥أ). وقد تَصدُق الملاحظات نفسها على الحركة البيئية في بلد كبريطانيا، يحظى فيه الانقسام بين اليمين واليسار بأهميةٍ أقلَّ كثيرًا من نظيره في إيطاليا. من الملاحظ أن قطاع البيئة السياسية في بريطانيا لم يكد يحرز أي تقدم خلال السبعينيات؛ نظرًا لانحصار تركيز مجموعات اليسار الجديد على القضايا الطبقية التقليدية، دون أن تُعير عظيم اهتمام إلى المشكلات البيئية (لو وجويدر ١٩٨٣).

في المقابل، قد يتمخَّض ارتفاع مستويات التنافس وانخفاض مستويات التعاون بين تنظيمات الحركات عن علاقاتٍ فئوية، وفي مثل هذه الحالات يؤدِّي الكفاح من أجل تمثيل القاعدة الجماهيرية نفسها إلى التشرذُم والانقسامات الطائفية، وهو ما يعوق بدوره التعاون بين تنظيمات الحركات، رغم ما بين نماذجها الثقافية وأنماط حراكها من تقارُب. بيَّن كلٌّ من دوناتيلا ديلا بورتا (١٩٩٠) وسيدني تارو (١٩٨٩أ) كيف أفرزت الديناميكيات التنافُسية داخل الحركات الإيطالية في نهاية المطاف نتائج من هذا القبيل في أواخر عقد السبعينيات. فقد اتَّسم الوضع الإيطالي آنذاك بالانتقال من نماذج يغلب عليها الطابع التعاوني، رغم كونها تنافسية أيضًا، إلى نماذج تَفتقِر إلى التعاون بالكلية. كان لتراجع إمكانية التعبئة دورٌ حيوي في هذا السياق؛ إذ خلَقَت منافسةً مفتوحة بين مختلف التنظيمات، مع التشديد على اختلافاتها الأيديولوجية، وهو ما ترتَّب عليه تنامٍ في إمكانية نشوب صراع داخل قطاعات الحركة الواحدة (للاطلاع على أمثلةٍ أخرى للديناميكيات الفئوية، انظر مثلًا ليكترمان ١٩٩٥ب؛ بالسر ١٩٩٧).

إنَّ التفاعلات والحوارات المكثَّفة بين التنظيمات التي اعتادت مخاطبة قطاعاتٍ مختلفة من المؤيدين من شأنها أن تُنتِج تعاونًا غير تنافسي؛ فتنظيمات الحركة في تلك الحالة لا تستهدف السوق السياسية نفسها لكن لديها في الوقت نفسِه ما يكفي من المصالح والدوافع لتحقيق التقارب بينها بُغية تدشين عمليات تعبئةٍ مشتركة. إضافةً إلى ذلك، يكون التعاون محدودًا، بحيث لا يُفترض ولا يُتطلَّب تكوين منظورٍ متجانس أو مفهومٍ «قوي» و(شبه) حصري للهوية الجمعية. كانت العلاقات بين التنظيمات المركزية ذات الاهتمامات المختلفة داخل ميدان الحركة البيئية الإيطالية خلال الثمانينيات قريبةً من هذا النموذج؛ فقد تعاونت مجموعات البيئة السياسية، مثل ليجامبينتِ، مع مجموعات الحفاظ على البيئة، مثل إيطاليا نوسترا، دون الانخراط في منافسة بينهما؛ وذلك نظرًا للاختلاف الشاسع بين مصادر الدعم المحتملة التي اعتمد عليها القطاعان (دياني ١٩٩٥أ: الفصل الخامس).

حيثما ينشأ تعاون بين التنظيمات المُتنافِسة على قاعدة الدعم نفسها، يقع ما سوف نُطلِق عليه تعاونًا تنافسيًّا. في مثل هذه الحالات، يَحرص اثنان (أو أكثر) من تنظيمات الحركة المعنية بالقضايا نفسها على إطلاق مبادرات مشتركة، استنادًا إلى تعريفاتٍ مُتوافقة للقضايا وقدرٍ ما من الهُوية، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها في تنافسٍ محتدم على قاعدة الدعم عينها، وعلى قطاعاتٍ مُتشابهة من الرأي العام التي تأمل تلك التنظيمات في تمثيل مصالحها. ربما يتَّسم نموذج التفاعل الناتج عن هذا الوضع بقدرٍ ما من الجدل بين التنظيمات، بيد أن هذا لا يُسفِر عن توقُّف الاتصالات وتبادُل الموارد فيما بينها. من أدلِّ الأمثلة على هذا النموذج مجموعات اليسار الجديد التي تنافَسَت إبان السبعينيات للسيطرة على الحركات الشبابية الراديكالية (تارو ١٩٨٩أ؛ ديلا بورتا ١٩٩٥)، وكذلك العلاقات بين التنظيمات النسائية المؤيدة لحقوق الإجهاض في الولايات المتحدة الأمريكية (ستاجنبورج ١٩٩١). حين تتعاوَن التنظيمات فيما بينها، قد تكون الروابط أداتية في الأغلب الأعم، بحيث تقتصر على تبادُل الموارد من أجل أغراضٍ عملية، أو قد تشتمل على التزامٍ متبادل وهويةٍ مشتركة، وهو وضع يُرسي دعائم التمييز بين العمليات الائتلافية وعمليات الحركات الاجتماعية التي قدَّمنا لها في الفصل الأول (انظر أيضًا دياني وبايسون ٢٠٠٤)، وكلا النوعَين من العمليات ينتج شبكاتٍ موسعة من التفاعل بين الأطراف الاجتماعية الفاعلة المتمايزة.

دائمًا ما كان حراك الحركات الاجتماعية على نطاقٍ واسع يتَّخذ أشكالًا شبكية، ويمكننا رصد أمثلة على ذلك على امتداد تاريخ الخلاف الحديث، بدءًا من تنظيمات الطبقة العاملة (تومبسون ١٩٦٣؛ أنسيل ١٩٩٧، ٢٠٠١) والتنظيمات النسائية (روزنيتال وآخرون ١٩٨٥، ١٩٩٧) خلال القرن التاسع عشر، مرورًا بالائتلافات المناهضة للحروب أو الفقر (باجولي ١٩٩١؛ هاثاواي وماير ١٩٩٣-١٩٩٤؛ باركان وكون وويتبيكر ١٩٩٥؛ روتشن وماير ١٩٩٧؛ لافاليت وموني ٢٠٠٠)، وانتهاءً بالحركات البيئية أو النسائية (فيليبس ١٩٩١؛ سوير وجروفز ١٩٩٤؛ دياني ١٩٩٥أ؛ أنسيل ٢٠٠٣)، وغيرها الكثير. غير أن ما نَشهده حديثًا من انتشار في احتشادات العدالة العالمية قد أبرز دور الشبكات على نحوٍ واضح للغاية؛ فها نحن نرى، بصفةٍ متزايدة، أمثلة لائتلافات تضم أطرافًا فاعلة وشبكاتٍ عابرةً للحدود والقوميات، وكذلك تضمُّ أطرافًا محليةً فاعلة، وهي ائتلافات معنية بقضايا مثل حماية البيئة، أو الحرمان، أو حقوق الإنسان، وهو ما يوسِّع بدوره من نطاق الأشكال التي يتَّخذها الخلاف العابر للحدود والقوميات (بينيت ٢٠٠٤ب؛ روثمان وأوليفر ١٩٩٩؛ رايمان ٢٠٠١؛ سوبرامانيام وجوبتِ ومايتر ٢٠٠٣؛ رورشنايدر ودالتون ٢٠٠٢).

في كثير من الحالات، تَحتفِظ ديناميكيات الشبكات بطابعها غير الرسمي المحض، لكن كثيرًا ما ينشأ في المقابل نموذجٌ مختلط من «التنظيم الشبكي»، يجمع بين عناصر الصبغة الرسمية والعناصر الملائمة لبِنيةٍ شبكيةٍ مفكَّكة. وخلافًا للتنظيمات الرسمية التقليدية القائمة على التكامل الرأسي لعدة وحدات، يُشير نموذج «التنظيم الشبكي» الوارد في نظرية التنظيمات إلى أسلوبٍ آخر لتنسيق الأنشطة، يعتمد على استقلال فرادى المكوِّنات، والتكامل الأفقي، ومرونة الأهداف والخطط، وتعدُّد مستويات التفاعل مع إمكانية وجود عناصرَ جماعاتيةٍ (باول ١٩٩٠؛ بودولني وبيج ١٩٩٨؛ جولاتي وجارجيولو ١٩٩٩). وفي أغلب الأحيان يرتبط نموذج «التنظيم الشبكي» بالأنماط الجديدة من الإنتاج التي أدخلتها شركات مثل بينيتون أو آي بي إم (كاستيلز ١٩٩٦: الفصل الثالث)، وحين يُطبَّق هذا النموذج على حركةٍ اجتماعية معيَّنة ككل، فإن من شأنه أن يسمح أيضًا بدرجة أعلى من التخصُّص وتعريف أكثر تحديدًا للأهداف مقارنةً بمصطلح الشبكة (دياني ٢٠٠٣أ).

تفيد نماذج التنظيمات الشبكية في تنسيق الجهود المبذولة في حملاتٍ محدَّدة أو مسائل معينةٍ متعلِّقة بالسياسات، التي يُشارك فيها عددٌ كبير من مختلف الناشطين والتنظيمات، وهي تؤدِّي هذا الدور دون اعتماد على التنظيمات التي دشَّنتها في البداية ودون قدرة على ممارسة دورٍ قيادي يتجاوَز حدود نطاقها المحدَّد. كثير من التنظيمات الشبكية مؤقَّتة بحكم طبيعتها، فلا تبقى عقب إنجاز التعبئة أو الحملة المحدَّدة التي يُفترض بالتنظيم تنسيقها؛ غير أن بعضًا من تلك التنظيمات الشبكية قد يتحوَّل إلى تنظيماتٍ مُكتملة الملامح، بحيث يتزايد استقلالها عن مؤسِّسيها الأصليِّين وتحمل هويةً متمايزة. بالالتفات، مثلًا، إلى حركة العدالة البيئية التي عاصرت عقد التسعينيات، سوف نجد أن الكثير من المجموعات الشعبية قد آثَرت تنسيق أنشطتها عبر خطةٍ شبكية غير رسمية بدلًا من الاعتماد على وساطة الأنظمة البيئية البيروقراطية الجامدة، والتي كانت حتى ذلك الحين تَبسط سيطرتها على تلك القضايا (تايلور ١٩٩٥؛ شلوسبرج ٢٠٠٢: الفصل الخامس). كما أن كثيرًا من التنظيمات التي تُنفِّذ عمليات تعبئةٍ عابرة للحدود والقوميات تتَّخذ نمطًا شبكيًّا، ومنها حديثًا شبكة عمل الغابات المَطيرة، التي تدشِّن حملات لحماية الغابات المطيرة وتستهدف الفاعلين الماليين الداعمين للمشروعات المدمرة لتلك الغابات، أو شبكة العمل العالمي للشعوب، والتي تربط مئات التنظيمات الشعبية حول العالم، أو التحالف من أجل الوظائف المستدامة والبيئة، والذي لعب دورًا عامًّا جليًّا في تظاهرات سياتل عام ١٩٩٩ المناهضة لمنظمة التجارة العالمية؛ إذ أسهمَ في الجمع بين أعضاء الحركة البيئية وناشطي الطبقة العاملة ومنظمي الأنشطة المجتمعية المحلية (بيرتشام وتشارلتون ٢٠٠١: ٢٧١–٢٨٩؛ انظر أيضًا روز ٢٠٠٠ فيما يخص الائتلافات المتعدِّدة الطبقات). لكن ربما يكون أبرز أمثلة التنظيمات الشبكية هو نموذج المنتدى الاجتماعي، المُستوحى من تجربة المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو أليجري؛ إذ توسع هذا النموذج ليُسهِم في التنسيق بين ذلك العدد الكبير من الفاعلين المنخرطين في حملات العدالة العالمية على الأصعدة كافة، القارية والقومية والمحلية، متبعًا في ذلك أسلوبًا مرنًا قائمًا على التفاوض (انظر الفصل التاسع من هذا الكتاب للاطلاع على مناقشة مستفيضة في هذا الشأن).

يجدر بنا توضيح الفارق: نحن بصدد الحديث عن «التنظيمات الشبكية» في إطار أنماطٍ تنظيميةٍ محدودة نسبيًّا، كالشبكة الأوروبية المعارضة أو شبكة العمل المناخي (وادل ٢٠٠٣)، وهي شبكاتٌ يَرسم ملامحَها الاهتمامُ بقضايا محدَّدة أو منظور ثقافي مستقل، لكنَّنا نتحدث أيضًا عن الشبكات في إطار حركاتٍ كاملة، كحركة العدالة العالمية أو الحركة البيئية. وفي كلتا الحالتَين، لطالما كانت الأنماط الشبكية المرنة واللامركزية للتنظيم، بالنسبة إلى كثيرين، وسيلةً ذات فاعليةٍ خاصة في تحقيق أهداف المُحتجِّين. فالقدرة على تنسيق العمل والترويج لحملاتٍ مشتركة من شأنها أن تمهِّد الطريق لنشر رُوح الاحتجاج وأن تزيد من أهمية موضوعاتٍ معيَّنة على الأجندة السياسية، وتضاعف من الفرص السانحة لنشر تفسيراتٍ جديدة للصراع السياسي والاجتماعي، كما أن وجود عددٍ معتبر من الحلفاء يزيد من فرص نجاح المجموعات المروِّجة للاحتجاج (لاومان ونوك ١٩٨٧: ٣٨٧؛ نوك ١٩٩٠أ: ٢٠٨). فضلًا عن أن الصلات الشبكية تجعل تنظيمات الحركات أقدر على التعامل مع الطوارئ والمخاطر الواردة من بيئاتها. فمثل هذه البِنى، على وجه التحديد، يفترض بها تلافي خطر القمع على يد الخصوم (وهو خطر يسهل كثيرًا حين تتركَّز القيادة في يد شرذمة من الأفراد)، وتعظيم القدرة على التكيُّف، والسماح بتصعيد الفعل، وذلك بتوزيع التأثيرات الناتجة عن أنشطة مجموعةٍ واحدة على جميع المجموعات، وتشجيع الابتكار، وتقليص الأثر السلبي للإخفاق (جيرلاتش ١٩٧١)، إلى جانب أن التنظيمات الشبكية تسمح أيضًا بنوعٍ ما من الوساطة بين الروح التشاركية الكامنة وراء التنظيم الشعبي وبين ما تَكفُله البِنى الرسمية من تنسيق.

لكن في المقابل، لا يخلو هذا النموذج، وكذا غيره من شتى أشكال الائتلاف، من مشكلات سلَّط الباحثون الضوء عليها. من أمثلة تلك المشكلات الشبكات المفكَّكة، التي تزيد من الموارد المتاحة لتنظيمات الحركات الاجتماعية، إلا أنها تَزيد أيضًا من خطر الصراع الداخلي بين الوحدات التنظيمية المختلفة والفصائل الأيديولوجية المُتباينة على حدٍّ سواء (كلايدمان ١٩٩٣: ٣٩-٤٠). وبالمقارنة بالتنظيمات التي تتبنَّى أنماطًا أكثر بيروقراطية، فإن حياة الكثير من التنظيمات الشبكية تكون بوجهٍ عام أقصر وأقلَّ استقرارًا، وإن كانت في الغالب بالغة الفاعلية على المدى القصير. من الأمثلة الدالة على تلك الظاهرة اليوبيل ٢٠٠٠، وهي شبكة نشأت في المملكة المتحدة عام ١٩٩٦ ثم انتشرت في مختلف أنحاء العالم، وهي معنية بإطلاق الحملات الداعية إلى إسقاط الديون. نجحت تلك الشبكة في جمع ما يقرب من ٢٤ مليون توقيع على عريضةٍ واحدة، لكنها أخفَقَت في ضمان تماسُك مختلف مكوِّنات الشبكة؛ مما أدَّى إلى انهيارها أوائل الألفية الثالثة، وحلول حملة «أسقطوا الديون» وغيرها من التنظيمات الناشطة في قضايا مشابهةٍ محلها، لكنها لم تَترك في مجملها إلا أثرًا أضيق نطاقًا (أنهاير وتيمودو ٢٠٠٢: ١٩٢-١٩٣).

(٥) خلاصة القول

كثيرًا ما وُصفت التنظيمات المنخرطة في الحركات الاجتماعية بكونها بنًى مُفكَّكة لا مركزية ذات ميلٍ نحو الانخراط في مواجَهاتٍ سياسيةٍ خلافية أو ممارساتٍ ثقافيةٍ مضادة. غير أن الأبحاث أظهرت أنه يوجد، في الواقع، عددٌ كبير من النماذج التنظيمية التي تتعايش داخل إطار أي حركةٍ اجتماعية. تختلف التنظيمات، اختلافًا كبيرًا للغاية في بعض الأحيان، في استجاباتها حيال المعضلات؛ فعليها الاختيار، مثلًا، بين التركيز على تعبئة الأفراد أو تعبئة غيرهم من الموارد الأخرى، تَبنِّي نوعٍ ما من البِنية الهرمية الرسمية أو بنيةٍ غير رسمية تمامًا، توجيه جهودها نحو خصومها أو تقديم الخدمات وفرص الحياة لجمهور أنصارها. عرضنا في هذا الفصل الحد الأدنى من النماذج الأساسية، من بين الكثير من النماذج الأخرى التي يُمكن تعيينها: التنظيمات المهنية للحركات الاجتماعية، والتنظيمات التشاركية للحركات الاجتماعية (استعرضنا، بالأخص، صورتَين من تلك التنظيمات: التنظيمات الجماهيرية والتنظيمات الشعبية، وهما صورتان تختلفان في مستويات البيروقراطية).

ثم أوضحنا لاحقًا في هذا الفصل أنه حتى تطوُّر تنظيمات الحركات الاجتماعية لا يسير في اتجاهٍ واحد؛ فبعض التنظيمات تكتسب طابعًا مؤسسيًّا فتتحول إلى أحزابٍ سياسية أو مجموعات مصالح، بينما تصير تنظيماتٌ أخرى أشد راديكالية فتنتقل إلى أنماطٍ عنيفة من الفعل، في حين يُصبِح بعضها ذا طابعٍ تجاري ومنخرطًا في السوق، غير أن تنظيماتٍ أخرى تنطوي على نفسها حتى تصير أقرب إلى الفِرَق الدينية. ومجدَّدًا، لم نسعَ لإيجاد قوانينَ عامةٍ أو توصيفاتٍ شاملة، بل عيَّنَّا بعضًا من العوامل التي من المرجَّح أن تُحدِث تغييرًا تنظيميًّا، بالأخص تأثير الفرص المقدَّمة من تشكيلات المنظومة السياسية، وتأثير الثقافات التنظيمية، ودور التغيرات التكنولوجية، لا سيما انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

عرَّجنا في ختام هذا الفصل على طبيعة الأنماط الشبكية التي تتَّخذها التنظيمات باعتبارها عاملًا تصحيحيًّا ناجعًا لمثالب النماذج التنظيمية الرسمية والمفكَّكة على السواء. ورغم وجود تلك الأنماط الدائم في التاريخ المعاصر، فقد أثبَتَت كفاءةً خاصة في تنسيق ودعم عمليات التعبئة الجارية في إطار حركة العدالة العالمية وغيرها من الحركات العابرة للحدود والقوميات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤