الفصل الخامس

قراءة الأفكار وقراءة الحياة

في كتاب «عقول حقيقية وعوالم ممكنة» يُمايز مؤلف الكتاب، وهو عالم النفس جيروم برونر، بين ما يُسميه طراز الفكر القائم على نموذج أساسي paradigmatic mode of thought وبين الطراز الروائي narrative. ويرى الطراز القائم على نموذج أساسي، ولنسمِّه الطراز القياسي، خاصًّا بالفلسفة والمنطق والرياضيات والعلوم الطبيعية. بينما الطراز الروائي يتعلق بالحالة الإنسانية. ويلحظ أن الطراز الروائي مفهوم على نحو محدود جدًّا. ويدافع عن رأيه على النحو التالي:
«لعل من أسباب ذلك أن القصة لا بد أن تبني صورتين في آنٍ واحدٍ، إحداهما صفحة الفعل؛ حيث مكوناتها هي الحجج الداعمة لهذا الفعل: الفاعل والقصد أو الهدف، والحالة والآلة، وشيء ما يُطابق ما يمكن أن نُسمِّيه «قواعد نحو القصة». والصورة الثانية هي صفحة الوعي: كل ما هو واردٌ ومتضمن في الفعل أو المعرفة أو الفكر أو الشعور، أو ما هو غير معروف أو غير متضمن في الفكر والشعور. وكلتا الصفحتين أساسيتان ومتمايزتان. إنه الفارق بين أوديب يشارك جوكاستا مخدعها بعد علمه من الرسول أنها أمه.»1

وأعتقد أن فكرتي عن الطراز الروائي والصفحة المزدوجة فكرتان تنطويان على قيمة وفائدة كبيرتين. إنهما يصيبان كبد القدرة البشرية على التخيل والتفسير وإساءة التفسير وغير ذلك من حالات ذهنية. وهما علاوة على هذا يوضحان بقوة الروح الاجتماعية البشرية في شمولها. وقد عمدت إلى الرجوع إلى هاتين الفكرتين وإلى غيرهما من أفكار في هذا الفصل من الكتاب. بيد أنهما وغيرهما أفكار ذات طابعٍ سيكولوجي واضح. معنى هذا أنها تُجيب عن سؤال مُلحٍّ في علم النفس: ما هي طبيعة العقل؟ ولا أظن في الواقع أن علم الأنثروبولوجيا وعلم النفس مستقلان، أو ينبغي أن يكونا مستقلين في هذا الصدد على نحو ما يُشير الوضع ضمنًا؛ بيد أنني أريد أن أقول إن من الضروري أن تحدث نقلة لبعض الأفكار من أفكار سيكولوجية إلى أفكار أنثروبولوجية … هذه النقلة تشبه كثيرًا جدًّا عملية التفكيك وإعادة التجميع التي وصفها إريك وولف. فالأفكار السيكولوجية تفكك مظاهر تعقد التفاعل البشري إلى أجزاء قابلة للبحث والتحقق ببساطة ووضوح؛ ولكن ما يحتاج إليه علم الأنثروبولوجيا هو إعادة تجميع هذه الأجزاء بُغية تكوين شيء يُطابق بدرجة كبيرة النبض المعقد للحياة البشرية الاجتماعية والتاريخية.

اهتم برونر أساسًا في كتاب «عقول حقيقية» بصفحة الوعي وبالطراز الروائي على نحو ما تمارسه كفاءة الإنسان البالغ خاصة في مجال الأدب. وأخذت جانيت استنجتون هذه الأفكار ووجهتها وجهة أخرى إلى حيث «الرواية ونظرية عقل الطفل». وتؤكد جانيت أن ثمة تحولًا حاسمًا يحدث للطفل وهو ما بين العامين الثالث والخامس من عمره، وذلك عندما يبدأ الطفل في فهم الفارق بين الصفحتين، أي الفارق بين ما هو صادقٌ وحقيقيٌّ وما يظنه المرء صادقًا وحقيقيًّا، أي بين أن «يعرف النسَّاج أن النول فارغ، وأن يظن الإمبراطور أن النول لا بد أن يكون عليه قماش.»2 تتناول هذه القضايا من زاوية نظرية عن العقل. وتمثل هذه منظورًا سيكولوجيًّا يرى أن الأطفال يصوغون ما يمكن أن نسمِّيه السيكولوجيات الشعبية، أي نظريات عن العقل توضح كيف تعمل عقولهم وكيف تعمل عقول الآخرين. ولقد استمدت نتائجها من إطار تجريبي ضعيف للغاية، حيث يقنع المجرب بطفل أو طفلين على الأكثر، ويطالبه، أو يطالبهما، بأداء مهام غير محددة الوضوح؛ ولكن الملاحظ أنه حتى في هذا الإطار المغلق يوشي أداء الأطفال بشيء أكثر من المطلوب. وتلحظ استنجتون على سبيل المثال أن وضع المهمة التجريبية في إطار راوٍ من شأنه أن ييسر على الأطفال الفهم دون حاجة إلى أي معلومات إضافية ننقلها إليهم.

يفيد هذا ضمنًا في ظني أن الطراز الروائي يفضي إلى ما هو أكثر من ذلك، أي إلى شيء يتجاوز النظريات أو الكفاءات الفردية والتي يتعيَّن تحليلها. ولعل من المفيد أن نتصور قدرة متميزة، الفكر الراوي، باعتباره خاصية للنوع البشري تمايزه عن الأنواع الأخرى. وتشكل قراءة الأفكار، أو القصدية من المرتبة العليا، أساسًا ضروريًّا للفكر الراوي؛ ولكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد. ذلك لأن التفكير الراوي يُهيئ مع هذا صورة قوية مكينة لقراءة الأفكار. ويتيح هذا النوع من الفكر للبشر إمكانية إدراك ماضٍ بعيد، وتصوُّر مستقبل أكثر تعقدًا، مثلما يتيح إمكانية إدراك بيئة اجتماعية أكثر تنوعًا. إن التفكير الراوي يُمكن الناس من فهم فيض من العمل المعقد، والعمل بصورة ملائمة دافعة. أو لنَقُل بعبارة أخرى يمثل التفكير الراوي ذات العملية التي نستخدمها لفهم الحياة الاجتماعية المحيطة بنا. ويدعم بشكل مباشر الروح الاجتماعية الأكثر قابلية للتعقد والتحول، والتي تُمايز البشر عن أبناء عمومتهم من الرئيسات الاجتماعية الأخرى. والملاحظ حسب هذا المنظور أن الرابطة بين صفحة الوعي وصفحة الفعل لا يمكن فكها بسهولة ويسر لأغراض التفسير على نحو ما فعل برونر واستنجتون. وسبب ذلك أن صفحتي العمل والوعي على مدى ماضينا التطوري ثم تاريخنا بعد ذلك كانتا جزءًا من فيض واحد واقعي ومحدد من الأفعال والنتائج القاتلة.

ويمكن أن تدرك إلى حدٍّ ما معنى إعادة تجميع أو استعادة الوضع الأصلي للقدرات الذرية إلى وضعها الحي، وذلك من خلال ملاحظات أبداها عالما النفس تريفارتن ولوجوثيتي. وقد كتبا ملاحظاتهما عن هذه الفترة الحاسمة ذاتها من مراحل نمو الطفل:

«نجد في جميع الثقافات أن الفترة من ٣ إلى ٥ سنوات هي الفترة التي يبدأ فيها الأطفال اكتشاف فرص أوسع للتعاون، وكذا الجوانب الأقسى في الصراع والعدوان بين البشر.»

«ويبدأ الأطفال بالمحاكاة والمقارنة، ثم يتهيأ لهم تصور خيالي عن التعاون الحقيقي في دراما روائية، حيث الأدوارُ المتوهمة يُكمل بعضها بعضًا. ويشمل اللعب على تعبير قوي عن انفعالات الحب والكراهية، وحين يتوقف اللعب يبدأ الاقتتال ضعيفًا وقاسيًا. وتجري الصداقات والعداوات وإن ظلت مهيأة للتفاوض والتغير. وتجري مشاركة صادقة ومبهجة في الخبرات وفي الدوافع التي تُكسبها دلالة وأهمية. ويتوقف هذا على قبول القواعد وممارسة مهارات التواصل التي تيسر الاتفاق.»3

إن عالم الطفل كما وصفه كلٌّ من تريفارتن ولوجوثيتي عالم أكثر تعقدًا، مليء بالمخاطر ومتشابك. إنه في واقعه أشبه بالحياة الاجتماعية البشرية، وهو يقينًا أشبه ما يكون بالعتبة التي تنقل إلى الحياة الاجتماعية للكبار، والتي يجب أن يكون فيها الكبار أهلًا لها. ولعل تصور الناس وكأن بحوزتهم نظرية عن أفكار ومعتقدات الآخرين يمثل خطوة أولى معقولة في سبيل محاولة فهم الكيفية التي نسيطر بها على تعقدات حياتنا الاجتماعية. ولكن لكي نشارك في اللعب، أو توهم أدوار، أو عقد مفاوضات بشأن صداقة أو عداوة، يتعيَّن على الطفل — وبالأحرى الإنسان الكبير — أن يقيم فهمًا للإطار الاجتماعي، وهو أمر أكثر تعقيدًا مما يمكن أن تيسره قراءة الأفكار بالمعنى المحدود.

برامج البحث

حاولت في القائمة التالية أن أنقل للقارئ تطلُّع عالم الأنثروبولوجيا إلى إعادة التجميع والدمج، عن طريق مقارنة بعض برامج البحث الأنثروبولوجي ببرامج بحث علم النفس وإيثولوجيا (دراسة سلوك) الرئيسات. وأود ألا تكون هذه المقارنات مثارًا للاستياء؛ فعلماء النفس وعلماء البيولوجيا السلوكيون يضعون نظرية عن البشر تبدأ من البسيط إلى المركب، بينما يبدأ علماء الأنثروبولوجيا من المركب. بيد أنني أُريد — على الرغم من هذا — أن أؤكد أن بعض قسمات العقل البشري — أو لعل الأوفق أن نقول قسمات عملية المعالجة الشبكية المشتركة بين البشر — لا تظهر إلا حينما نضع المركب في الحسبان.

لنتأمل معًا المشاهد المسرحية التالية. يمكن وصفها بأنها اتجاهات المسرح التي تحدد ما عساه أن يكون موضع اهتمام بالنسبة لمبحث أو آخر.

  • (١)

    فرد عام دون تخصيص (تأسيسًا على نظريات أو وحدات قياسٍ للعقل) يواجه البيئة (يمثل هذا النموذج الأساسي الذي تنبني عليه التجارب على الحيوانات كمثال، أو على الناس الذين يعملون على أجهزة تجريبية وليست أجهزة قائمة على التفاعل مع الآخرين).

  • (٢)

    أفراد عامُّون يواجهون بعضهم بعضًا، ويواجهون بيئتهم في إطار اجتماعيٍّ متحول داخل أفق وقتي محدود. (هذا الإطار الذي يتسم بطابع اجتماعي أكثر من سابقه يمثل خاصية مميزة لنظرة نيكولا همفري عن تفاعل الرئيسات، كما أنه خاصية تميز الكثير من تجارب نظرية العقل).

  • (٣)

    أفراد يجري تحديد أنماطهم على أساس العمر والجنس والمرتبة، يواجهون بعضهم بعضًا ويواجهون البيئة الطبيعية داخل مجتمع قائم على المواجهة المباشرة الصريحة على مدى فترة محدودة من الزمن. (وهذه خاصية تميز الدراسات الإيثولوجية الطولية، وكذا الدراسات عن الشمبانزي).

  • (٤)

    نماذج الأدوار وتنبني على أفراد بأسمائهم، وإن تمايزوا من حيث المكانة الاجتماعية. وثمة رابطة تربطهم ببعضهم البعض، وبالبيئة الطبيعية داخل مجتمع مواجهة مباشرة، وتسوده تقاليد ثقافية لها نفوذها وتنظيم اجتماعي معقد (وهذه هي السمة التقليدية المميزة لنظرة الإثنوجرافيا عند بنيديكت أو رادكليف-براون).

  • (٥)

    أفراد مختارون بأسمائهم ولهم نماذج لأدوار متحولة تربطهم ببعضهم البعض علاقة، كما أن لهم علاقة بالبيئة الطبيعية داخل مجتمعٍ قائمٍ على المواجهة الصريحة ويسوده تنظيم اجتماعي معقد، وله ماضٍ عريق، ومستقبل مشكوك فيه، وتراث ثقافي تليد. (وهذا هو نوع الإثنوجرافيا ذات التوجه التاريخي والذي تزايد باطراد التزام علماء الأنثروبولوجيا به).

  • (٦)

    هذه النقاط المتضمَّنة في البند ٥ ترتبط بغيرها، وضد غيرها في جماعات مصالح، وجماعات عرقية (إثنية) وفئات لإعادة صوغ تراثهم (من جماعات ونماذج أدوار) في مواجهة تحول قوًى اجتماعية عالمية وقوًى بيئية اجتماعية. (هذه هي الإثنوجرافيا عند وولف في صورتها الكاملة بعد إعادة تجميعها والتي لا تزال لم تكتمل من نواح كثيرة).

إنني يقينا تماديت في تبسيط الموضوع، بيد أن هذه القائمة سوف تساعدني على تحديد ثلاث نقاط مهمة.

النقطة الأولى تتعلق بفارق المنظور الزمني بين صدر القائمة وآخرها. ويكتب همفري، على سبيل المثال، يقول إن الرئيسات الاجتماعية تعيش في عالم تجد فيه، كما قلت مرارًا، «الشاهد الذي ترتكز عليه حساباتها»، شاهدًا زائلًا وغامضًا وقُلَّبًا وليس أبدًا نتيجة أفعالها هي. والكلمة الرئيسية الدالة هنا هي كلمة «زائل». إنه، كما ظننت أول الأمر، ليس عالمًا بغير زمان؛ بل عالم له آفاقه الزمنية متقاربة جدًّا ولا يُعاني، على الأقل في حدود وضع الرئيسات، من عبء مستقبل جرى التخطيط له بمشقةٍ، أو من ماضٍ عريق تعيه الذاكرة. وبالمثل فإن التجارب في نظرية العقل هي عادة مجموعات من الأفعال المجتزأة للغاية. ولكن بالمقابل نجد المجموعات التي تمت دراستها تحت البند ٤ فيما سبق؛ بل وربما البَندان ٥ و٦ هي مجموعات لها نظرات إلى الزمن أكثر رحابة واضعة في الاعتبار حياة الأفراد بطولها، وكذا حالتا الاستمرار والانفصال للأسر والمؤسسات الأخرى على مدى طويل يمتد إلى أجيال، بل وقرون.

ثانيًا، الإطاران في أول القائمة بسيطان اجتماعيًّا. والملاحظ أن المجموعات التجريبية الواردة في هذا الكتاب لها ثلاثة أدوار على أكثر تقدير: المجرب، والشخص موضوع الفحص، وربما معه شخص آخر. وأكثر من هذا أن القصص التجريبية لا تضم سوى شخصين اثنين أو ثلاثة. والملاحظ من ناحية أخرى أن البشر موضوع دراسة علماء الأنثروبولوجيا متباينون اجتماعيًّا في أبعاد كثيرة. ونعرف أنه داخل العائلة أو المجتمع المحلي الصغير توجد علاقات نسب مختلفة تمايز شخصًا عن آخر: الأمهات، والأخوال، والأجداد، وآباء الأجداد، والبنات، والأعمام، وأبناء العم. وعلاوة على هذه العلاقات توجد تمايزات أخرى اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية: امرأة، وفتاة (لم تتزوج بعد لتُكون أسرة)، المعالِج والمريض، القاضي والمدَّعي، الزعيم والفلاح القروي، الملكة والرعِيَّة، المضيف والضيف، العميل والتاجر، السيد والعبد.

أخيرًا فإن المنظورين الزمني والاجتماعي متداخلان تداخلًا وثيقًا؛ ذلك أننا في المجتمعات الإنسانية التي ننظر إليها على هذا النحو تتكرر فيها الأنماط أو الشخصيات التي تبلغ هذا المستوى على مدى فترة ممتدة من دورة الحياة: الطبيب أو المعالج الذي يقضي سنوات في التعليم والتدريب، والمرأة تصبح زوجة بعد فترة طويلةٍ من التنشئة والإعداد للزواج حسب قواعد مجتمعها، وابن الفلاح الذي لا يرث أباه كرأس للعائلة إلا بعد بلوغ عمر محدد وإحالة الأب إلى التقاعد، أو بعد الوفاة. زد على هذا أن تلك الخصائص التي يكتسبها الأشخاص تدريجيًّا إنما تقع خلال فيض من الأحداث المتهورة لدى الجميع والممتدة زمنًا بحيث تتجاوز دورة حياة المرء إلى الماضي وإلى المستقبل. مثال ذلك أن حصول ابن المزارع على إرثه يكون أمرًا مفهومًا، ذلك لأنه في الحقيقة مؤلف من الميراث السابق الذي حصل عليه أبوه من جده … إلخ.

ويتضمن هذا الفيض من الأحداث أعمالًا إجرائية — عهد الزواج، طقوس الدخول إلى مرحلة الرجولة، منح درجة علمية، تتويج ملك — وهي أعمال إجرائية مؤلفة من احتفال وصِيَغ كلامية من شأنها جميعًا أن تفضي إلى تغيُّر في منزلة الشخص أو الجماعة. وتتشكل هذه الأعمال عن طريق إطار اجتماعيٍّ وزمني أَرحبَ، ولا تكون مفهومة إلا في داخله: مكان العبادة، المجتمع المحلي، الجامعة. وتحظى خصوصية هذه السمة البشرية بتركيز واهتمام كبيرين داخل المنظور التطوري الواسع. ويبين لنا هذا إذا ما سألنا: كيف تختلف مثل هذه الأدوار عن أدوار أخرى، قد نعزوها إلى بعض الرئيسات الاجتماعية من أنواع مغايرة؟ مثال ذلك: أن علماء سلوك الحيوان (الإيثولوجيا) يدركون بوضوح أن دور الحيوان الذكر البالغ حديث الهجرة يمثل دورًا مهمًا في مجتمعات رئيسات أخرى، ويبدو هذا الدور واضحًا بيننا نحن بوسائل مختلفة؛ تعيين رئيس جديد للوحدة التي تعمل فيها، طبيب مهاجر ينضم إلى المركز الطبي الذي تمارس فيه مهامَّك، صبيٌّ جديد يحصل على وظيفة في شركتك، سَجين جديد يدخل زنزانتك. إن مثل هذه التحركات الخاصة بالبشر لا تكون مفهومة إلا في ضوء؛ بل لا تحدث إلا تأسيسًا على، خلفية اجتماعية أكبر حجمًا وأكثر تعقدًا مما نجده لدى الرئيسات الأخرى.

وهناك أخيرًا أحداث أخرى أكبر قد لا تكون إجرائية فقط، وإنما تخلق في الوقت ذاته وضعًا جديدًا ومستمرًّا، كما تخلق مجموعة من الشخصيات. إذ قد تحدث جريمة قتل وتبدأ العداوات، وتظهر شخصيات جديدة ذات علاقات جديدة بالنسبة لهذا العداء. وقد تحدث مجاعة ويتحول جميع سكان المنطقة إلى لاجئين وعالةٍ على مناطق أخرى. وقد تصل إلى المجتمع قوة استعمارية يتحول بعدها المجتمع من القمة إلى القاع.

ونجد لدى علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع والمؤرخين الاجتماعيين سبيلًا وحيدة لفهم وتصور هذه الأحداث والترتيبات؛ بينما يفهمها الناس المنغمسون فيها على نحو آخر. إن المشاركين المختلفين يفهمون العمل بصور متباينة؛ بيد أن ما آخذه باعتباره حقيقة صادقة حتمًا هو أن البشر لديهم قدرة فعالة تمكنهم من الابتكار والفهم والعمل وسط هذه التعقدات المتشعبة، وهي تعقداتٌ ممتدة على مدى حيزٍ اجتماعيٍّ وليس طبيعيًّا ماديًّا (فيزيقيًّا) يتتابع ويتطور على مدى زمن ليس زمنًا مجردًا بل حافلًا بالأحداث.

الفكر الروائي

وهذه القدرة هي التي أريد أن أسمها بعبارة الفكر الروائي. وهي قدرةٌ على معرفةِ ليس فقط العلاقات المباشرة بين الذات والآخر، بل ومعرفة تفاعلات بشرية متعددة الجوانب، والتي تحدث على مدى فترة زمنية طويلة. ولنا أن نقول: إن البشر يفهمون الشخصيات التي تجسد فهم الحقوق والالتزامات والتوقعات والنزعات الطبيعية والنوايا لدى الشخص ذاته ولدى كثيرين آخرين. وتجسد أيضًا فهم حبكة القصة التي تكشف عن نتائج وتقييمات فيضٍ متنوع الأحداث. ومن ثم فإن الفكر الروائي لا يتألف فقط من سرد القصص؛ بل ومن فهم شبكات معقدة من الأفعال والمواقف. ويمكن أن نعبر عن هذا بطريقة أخرى فنقول: إن البشر يدركون أي حدثٍ جار ليس باعتباره استجابة للظروف المباشرة أو للحالة الذهنية السائدة لمُحاورٍ أو للنفس، بل باعتباره جزءًا من قصة متتابعة الحلقات دومًا (إنني مدين بهذه الصياغة الأخيرة لبول هاريس).

وجدير بالذكر أنني أستخدم هنا مصطلحي «الحبكة» و«الشخصية» بمعنييهما في الفن. وأحسب أن من الضروري تصوُّرَ الشخصية بالمعنى الواسع جدًّا، نظرًا لأنها تتضمن وجوبًا، في آن واحد، الأفراد لما لكلٍّ منهم من منزلة — أعني باعتبار كل شخصية قائمة في علاقة محددة سلفًا بوضوح مع الآخرين — وتتضمن أيضًا أفرادًا لكلٍّ منهم خصوصية تاريخية وخصوصية من حيث الميول والنوازع. ويتعين أن تكون هناك مساحة للتجربة بحيث يمكن فهم الناس باعتبارهم يعملون بناءً على طائفة عامة من الالتزامات والحقوق؛ مثال ذلك: أن المحامي أو الملك أو الأم، كل منهما يعمل بناء على التزامات وحقوق تجاه العملاء أو الرعايا أو الأبناء والبنات؛ ولكن يتعين في الوقت نفسه أن نُدرك خصوصية كل شخص والتي تميزه عن الآخر. ويجب ألا نقنع بفهم طراز الجد، على سبيل المثال، بكل التوقعات ذات الصلة عما كان ينبغي أن يفعله داخل الأسرة؛ بل أن نفهم كذلك الميول والنوازع الفردية لدى هذا الجد: الحلم والغضب، الانفتاح الودود أو الانطوائية، الحكمة أو الغفلة … إلخ، وها هنا تشبه فكرة الشخصية فكرة «الطراز» عند الفيلسوف الاجتماعي ألفريد سكوتز الذي يجمع بين الخصائص الفردية والخصائص العامة.4

سوف أتوقف هنا لحظة للإشارة إلى شيء مهم جدًّا خاص بهذه الفكرة. إن الجمع بين فكرة عن دور اجتماعيٍّ عام دون تخصيص وبين فكرة عن الخصائص الفردية إنما يتعارض بشدة مع الممارسة التقليدية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وكذا في علم الاجتماع. إذ هنا يتعين على الفكرة أن تستخلص وتستبعد خصوصية الأفراد بُغية تأكيد طابعهم العام. ولكن إذا ما شئنا تكوين فكرة عن ناس قادرين ليس فقط على فهم الأمور بعامة، بل وأيضًا قادرين على إدراك الظروف الخاصة المميزة والعمل في إطارها، فإننا هنا نكون بحاجة إلى الفكر الروائي لكي تتوافر لنا قوة تزيد على مجرد القوة العامة. إننا هنا نكون بحاجة إلى أن نعرف ما يتعين عمله في حوارنا مع هذا الزميل الشَّموس، وليس فقط ما الذي نعمله مع كل من نسميهم «زملاء» على وجه العموم. وهذه في ظني نتيجة لازمة بالضرورة عن معنى إعادة التركيب التي أدعو إليها، والتي سأكتب عنها المزيد بعد ذلك.

وإن الشخصيات بعلاقاتهم موجودون أيضًا وسط فيض من الأحداث، أي الحبكة، بما تعنيه من خطط وأهداف ومواقف وأفعال ونتائج. ويهتم الفكر الروائي، على نحو ما عدَّدَه برونر، بالقصد والفعل والتقلبات والنتائج، وجميعها تميز مسار الشخصيات.5 وتجسد الحبكات ما فعلته الشخصية أو الشخصيات من أجل، أو عن، أو مع شخصية أو بعض الشخصيات الأخرى. وتجسد كذلك أسباب الفعل ومواقف الناس ومعتقداتهم ومقاصدهم، وكيف تغيرت وماذا حدث عقب ذلك. ومن ثم فإننا لكي نفهم حبكة ما يجب أن تتوافر لنا فكرة عن التغيرات التي طرأت على الصفحة الباطنية لفكر المشاركين، وكذا الصفحة الخارجية للأحداث. وواقع الأمر أن الصفحتين غير منفصلتين، ذلك لأن تحول الأفكار يفضي إلى تحول في العلاقات الاجتماعية والنقيض بالنقيض.

وينشأ هذا التحول من واقع أن الناس يأتون أعمالهم بسبب ما يشعر به الآخرون ويفكرون فيه ويخططون له. قد اعتذر لأنها كانت غاضبةً، أو قد اشترى لها لعبة لأنها سوف تسعد بها. وقد أفسر لماذا أبديت ملاحظة أثناء الاجتماع لأن زميلي أساء فهمي على ما يبدو لي. وقد تتغير سياسة الحكومة لأن حزبًا منافسًا يخطط لحملة قوية ومؤثرة فيما يتعلق بقضية ما. وإن غالبية القوانين، وربما جميعها، مبنية على افتراض أنها تعزو مقاصد أو معارف إلى من هم موضع المساءلة. وتقع أحداث الحرب بسبب ما يفكر فيه العدو أو يؤمن به أو يخطط له. وكم هو عسير تصور القيام بأبسط أشكال التفاعل في الحياة اليومية دون افتراض مقاصد أو معارف نعزوها للآخرين، مثال ذلك: أنَّ أبسط أشكال المحادثات إنما تنبني على أساس أن كل طرف من المتحاورين يعزو إلى الآخر حالة من حالات الذهن.

لهذا فإننا إذ نفهم حبكة رواية فإننا نفهم تغيرات الذهن والعلاقات، وهي تغيرات حدثت نتيجة أفعال. علاوة على هذا أننا قادرون على ربط الأحداث والأفكار ونتائجها ببعضها البعض، بحيث ندرك التحول الذي طرأ على فكر الآخرين ومواقف الآخرين في فيض الأحداث. وها هنا في هذا المنظور لا يمكن الفصل بين الشخصية وبين الحبكة؛ لأننا لا نفهم الشخصية إلا على النحو الذي تتبدى لنا فيه خلال فيض الأحداث. هذا كما أننا لا نفهم الحبكة إلا باعتبارها نتيجة مترتبة على فعل الشخصيات بما لهم من معتقدات ومقاصد خاصة بها. ويوجه الناس أنفسهم في الحياة بناء على هذا الفهم الروائي، ويعملون بطريقة يمكن فهمها بأنها معقولة وفعالة وملائمة، ويبدعون ويعيدون خلق جدائل معقدة من الحياة الاجتماعية.

أوديب ملكًا

ليسمحْ لي القارئ بأن أستخدم مثالًا ساقه برونر، وهو أوديب الملك، وذلك لتوضيح المعنى الذي أقصده. إن مسرحية سوفوكليس يمكن من ناحية ألا تكون خير مثال على قوة وتعقد قدرات الإنسان على قراءة الأفكار، وهي قدراتٌ بسيطة مباشرة ووقتية. تستهل المسرحية تأسيسًا على بيان الفارق بين المعارف التي يتلقاها الجمهور عن وضع أوديب الفعلي، من مسألة غشيان المحارم وقتل الأب، وبين الحالة الزائفة لعقل أوديب على خشبة المسرح. ورغبة منا في بيان الوضع في صورة تؤكد طبقات قراءة الأفكار المتضمنة في المسرحية نرى أن نذكر ما يلي:

نعرف أن أوديب يصدق (زيفًا) أنه بريءٌ، وأنه ليس سببَ التلوث الذي أحاق بالبلاد.

وتبدأ هذه الصورة في التصاعد المحكم حتى مع بداية المشهد مع تيريزياس، الذي لا يقبل أوديب معلوماته التي تَنبأ بها عن الوضع الحقيقي للأمور الجارية. وظل الأمر كذلك حتى:

نعرف أن أوديب يصدق (زيفًا) أن تيريزياس يلتمس سبيلًا لخداع أوديب والمواطنين. ولكننا أيضًا نعرف أن تيريزياس يعرف أن أوديب في واقع الأمر يخدع نفسه.

ويمضي سوفوكليس بهذا التفاعل بين الجهل والمعرفة شوطًا بعيدًا أكثر فأكثر، إلى اللحظة السابقة على كشف المستور عندما بدأت جوكاستا تدرك الحقيقة. وهنا تتوسل جوكاستا لأوديب بألا يمضي قُدمًا في بحثه عن أصله ومنشئه: «أتوسل إليك ألا تحثَّ الخطى وراء صيدك … أرجوك. إذا كنت حريصًا على حياتك … فيكفيني ما أعانيه.»6

ندرك أن جوكاستا تخشى أن تعرف هي ما يرجو/ويخشى أوديب أن يعرفه الراعي عن ميلاد أوديب.

إننا حتى هنا نجد جوكاستا تقرأ أفكارها، وتخشى أن تعرف شيئًا. وإذا نظرنا إلى المسرحية على هذا النحو نجدها قائمة على أساس استخدامها لقدرات البشر، وتلاعبها بهذه القدرات لفهم واجتياز حالات معقدة للعقل، سواء داخل عقولهم هم أو في عقول الآخرين. وواقع الأمر أن المسرحية قائمة حرفيًّا على قراءة الأفكار. علاوة على هذا فإن الفعل يبدأ على أساس وقوعه خلال فترة زمنية محدودة جدًّا، ربما لا تتجاوز بضع ساعات. ويجري الفعل بين عدد محدود من الشخصيات؛ لهذا فإن الحبكة بالنسبة للباحث التجريبي أقرب ما تكون إلى البساطة الزمنية والاجتماعية منها إلى تعقد الوضع عند عالم الأنثروبولوجيا.

ولكن نخطئ إذا تصورنا أن قصة أوديب مقتصرة على قراءة الأفكار وحدها. إن الفكر الروائي ليس سوى المقوم لمسرحية أوديب الملك، وهو الغلاف الأوسع الذي يجري الفعل داخله، ويشتمل على الجانب الأعظم من الحياة البشرية العادية. إنه يشتمل على الوحدة التي تضم لايوس والد أوديب، وجوكاستا أم أوديب، وميلاد أوديب ثم تركه في العراء عند أسفل التل وإنقاذه بعد ذلك، وقتل لايوس على يد أوديب واعتلاءه العرش، وزواجه من جوكاستا وإنجاب أطفال. إن المسرحية القصيرة ستكون بغير معنى دون هذا الإطار. وحيث إن قصة أوديب ترنو في الحقيقة إلى موته وتمجيده في كولونوس Colonus، كما تستهدف طيبة في المراحل الأخيرة للأحداث فإن المشاهد اليوناني سوف يُعايش الإطار الزمني الممتد إلى المستقبل كذلك.

ومن ثم فإذا كانت «أوديب ملكًا» غير مفهومة دون قراءة الأفكار، فإنها ستكون غير مفهومة كذلك دون فهم أفكار ملك وملكة وزوج وزوجة وأم وابن، ودون فهم دورة الحياة البشرية ومحطاتها الصحيحة، وأخيرًا دون إدراك القيود والإمكانات التي تحكم العلاقات طويلة الأمد. وستكون أيضًا غير مفهومةٍ دون توافر فكرة عن خصوصية شخصية أوديب، بما في ذلك الذكاء والبطولة اللذان سمحا له بمواجهة سفنكس وحل لغزه. وأكثر من هذا نسأل: هل بالإمكان أن ندرك العمل دون أن نكون قادرين على فهم التغيرات التي تطرأ على الأوضاع الشرعية؟ كأن يقطع أوديب على نفسه عهد الزواج أو أن يتوج ملكًا أو أن تنجب جوكاستا أطفالًا شرعيين. وأخيرًا أرى أنها ستكون غير مفهومة إطلاقًا ما لم تتحول الأوضاع الشرعية إلى وضع شرعي ذي مكانة، وأن نجد عمليات تحول العلاقات والمواقف والمعتقدات وقد تشابكت جميعها في نسيج واحد، وشكلت معًا كلًّا روائيًّا ناميًا متطورًا وأوسع نطاقًا. فإن مصير أوديب أن يفقأ عينيه، ومصير جوكاستا أن تشنق نفسها، حدثان يبدوان وكأن ليس وراءهما حفز قوي لم تكن الأحداث من حيث إيقاعها وعلاقاتها ببعضها البعض، سواء على المسرح أو في سياقها الأوسع، تُفضي حتمًا ودون رحمة إلى هذه النتيجة.

ولهذا السبب تحديدًا نجد في النهاية أنه لا مجال ولا سبيل لأن نفصل بين صفحة الوعي وصفحة الفعل؛ ذلك لأن الحكاية صيغت من علاقات لا سبيل إلى فصلها عن بعضها البعض، وهي علاقة أوديب بالآخرين، أي بمعتقدات ومشاعر ومقاصد الشخصيات بالنظر إلى بعضهم البعض، وبالأحداث العامة وتطورها معًا في تتابعٍ قهري. إن هذا الكل الشامل الذي أُعيد تجميعه، أي هذا الوعي المتكامل والموحد هو وحده القادر على أن يفسر لنا فهم الجمهور للأحداث، أو لقدرة الشخصيات ذاتها على العمل عملًا مفهومًا داخل حبكته المسرحية.

صناعة الأحداث

بيد أننا نُخطئ إذا تصورنا الفكر الروائي فقط على غرار فهم الجمهور لأوديب؛ ذلك أن هذا المثال يضع الفكر الروائي في قالب سلبيٍّ وكأنه قدرة تُهيئ للبشر إمكانية أن نفهم بنجاح عالمًا اجتماعيًّا سابق التكوين، محددًا من قبل، وثابتًا لا يتغير. وكم هو يسيرٌ لأسباب تتعلق ببحث قراءة الأفكار أو الفكر الروائي أن نأخذ بهذه النظرة ما دام اعتبار البيئة الاجتماعية بيئة متحولة من شأنه أن يُضيف تعقيدات يصعب معالجتها تمامًا؛ ولكن الفكر الروائي، من منظور تطوري، له أهمية كبرى من حيث هو كفاءة نشطة كذلك؛ إذ إنه يمكِّن البشر من تشكيل الأحداث، أو لنقُل المجتمع، عن طريق الخطط أو المشروعات. وأرى في واقع الأمر أن قدرة البشر على التخطيط ووضع مشروعات بعيدة المدى لا تختلف من حيث الأساس عن المفكر الروائي.

إننا يمكن أن نتصور الخطة على مدى قصير أو بعيد، وهناك الخطة على مدى قصير جدًّا؛ مثل الخطط التي تصورها همفري أو التي توضع في بعض التجارب النفسية الأكثر تعقيدًا. وهذه ربما يكون بالإمكان إدراكُها مباشرة عن طريق قراءة الأفكار بالمعنى المحدود، وذلك باعتبارها قصدًا أو اعتقادًا أو موقفًا. إن قصد بِن وقد انشغل بإعداد الشاي ليقدِّم كوبًا منه إلى زميله نيجل، يمكن أن يقرأه نيجل المشغول بقصدية من مرتبة أعلى؛ ولكن الخطة بعيدة المدى، مثل أن يعمد بن إلى أن يتودد إلى نيجل حتى يصل الأمر إلى مساعدة بِنْ على إبعاد أنجيلا كرئيسة للإرادة، إنما ندركها فقط من خلال إدراكنا لشخصية بن، ومن خلال صوغ الأحداث في إطار أبعد مدى؛ إذ هنا فقط يمكن فهم بِنْ باعتباره مخططًا، ويمكن أن تتكشف لنا أعماله في صورة حملة منظمة وليست سلسلة من التفاعلات العشوائية. والأهم من ذلك أنه لا سبيل إلى فهم بن كمخطط إلا إذا استطاع أن يرسم المراحل المتعاقبة لخطته، على مدى فترة طويلة من الزمن، وعلى الرغم مما يواجهه من تقلبات. وإن هذا البعد من حياة البشر يبدو لنا في صورة أوضح إذا ما قرأنا أعمالًا مثل ماكبث أو عُطيل أكثر مما لو قرأنا أوديب.

وليسمح لي القارئ بأن نُعيد النظر عن كثَب أكثر إلى مثال بِن. نجد من ناحية الافتراضات الروائية الأوسع نطاقًا التي هي جزء من وضع بِن ونيجل، وهذه افتراضات مماثلة لتلك التي تُمكِّن المشاهدين من فهم أوديب. إذ بن ونيجل يفهمان ما معنى رئيس، وماذا يعني بالنسبة لجامعة لكي تتوافر لها بنية ديمقراطية نسبية، ومن ثم يفهمان كيف يجري اختيار أو انتخاب الرئيس. والأهم من ذلك في هذا الصدد أنهما يربطان هذه الافتراضات الأوسع نطاقًا بتاريخ حقيقي، هو تطور سلطة الرئيس في جامعتهما وتعيين أنجيلا رئيسة منذ سنوات عديدة.

علاوة على هذا فإن لدى بِن تاريخًا أوسع نطاقًا يحكيه هو وآخرون. إن أنجيلا في نظره تلخص ما يراه بن نفوذًا تعسًا ومتخلفًا (ولنقل مثلًا) داخل بحث الأنثروبولوجيا. إنها تعمد إلى توجيه دفة أمور الإدارة نحو التأكيد على الاهتمامات البيولوجية والتطورية. ولكن بن باعتباره تلميذًا مخلصًا للأستاذ زهيتجروبر ذائع الصيت فإنه مثال للاهتمام بالرموز الثقافية. وهذا هو في الحقيقة القسم الذي أسسه أستاذه، والذي سينفذ من خلاله مشروعه عن الأنثروبولوجيا الرمزية. ولا يستطيع بن أن يفهم ما يجري ناهيك عن قدرته هو على العمل والتأثير، مل لم يتسنَّ له وضع الشخصيات معًا في ارتباط بالحبكات الدرامية للأحداث؛ إنه لا يستطيع أن يفهم نفسه باعتباره تلميذًا للأستاذ زهيتجروبر، أو أن يفهم أنجيلا باعتبارها نفوذا باقيًا وضارًّا. إن تصوُّر أنجيلا في صورة شيطان على مدى تطور أحداث قصة زهيتجروبر وحوارييه هو الذي يُهيئ له نوع التوجه والاتجاه. وطبعي أنه مع تطور الأحداث وتغير الظروف سيغدو قادرًا على أن يوجه نفسه وفقًا لهذا الفهم الروائي، أو وفقًا لفهم جديد أبعد مدًى ناجم عن الفهم السابق. ولا ريب في أن التفكير الروائي سيكون معرفة بائسة وضعيفة إذا ما عجز عن التلاؤم مع الظروف المتغيرة، أي مع الطبيعة المتحولة للحياة البشرية.

وثمة قصة أخرى أرق مظهرًا، وتُعنى بصياغة أنماط الأحداث يومًا بيوم، بل وساعة بساعة، كما تُعنى بتشكيل النشاط الحدثي على مدى هذا النطاق. إن الاجتماع الخاص بانتخاب الرئيس الجديد سوف يُعقد خلال الشهر المقبل. ولقد وافقت لوت، صديقة بن الحميمة وحليفته، مع بن على أن الأمور تجاوزت الحدود بكثير وأنها بحاجة إلى تغيير اتجاه القسم. ومن ثم يتعين عليهما العمل بسرعة. وهما لا يستطيعان الاعتماد على موافقة كل فرد على حدة؛ ولكن هناك البعض ممن يمكن أن يلتفوا حولهما، ومن بينهم نيجل. وهنا يوافق بن على التحدث إلى نيجل بينما تتحدث لوت مع الآخرين … ونعود هنا إلى قصة بن والتفكير في تقديم كوب شاي إليه … ونجد أن بن لن يذكر أمر محادثاته مع لوت؛ ذلك لأن نيجل، وهو شخصيةٌ شديدة الحساسية، لا يوافق تمامًا على لوت؛ وسبب ذلك أنها تحضر اجتماعات القسم ومعها بعض أشغال الإبرة الخاصة بها، ولهذا آثر بن أن يتحدث إلى نيجل مباشرة ويناشده مستعينًا بالاهتمام المشترك بالأنثروبولوجيا الرمزية. وبينما يناول بن كوب الشاي إلى نيجل يحدِّق في عيني نيجل ليرى رد فعله عند إثارة موضوع رئاسة القسم. وسوف يستطيع بن أن يروي للوت مسار وتوقيتات محادثاته مع نيجل. وطبعي أنهما سيجريان تقييمًا لميول نيجل ويقرران أسلوب تحركهما بعد ذلك. وهكذا تسير الأحداث حتى الآن وفقًا لخطة، أي وفقًا لوعيٍ روائي.

نلحظ، علاوة على ما سبق، أن الحصول على المعلومات والمعرفة في مثل هذه الظروف يمكن أن يفضي إلى فعل. لنفترض أن نيجل مستجيب بحرارة على نحو غير متوقع لاقتراح بن المقنع، والذي يقضي بأن بن يريد ترشيح نفسه. هنا يتغير الموقف. وهنا، وبناء على معلوماتهما معًا عن اقتراح الترشيح، يخطو بن خطوة أقرب باعتباره مرشحًا. وربما يعود بن إلى لوت برؤية مختلفة تمامًا عن رؤيته التي بدأ بها. وبذا نجد تغيرًا قد طرأ على صفحة الوعي؛ نعني معرفة بن أن نيجل موافق، وكذا معرفة نيجل أن بن يريد. وسوف يكون هذا أيضًا تغيرًا في صفحة الفعل. وربما لم يكن الفعل مستهدفًا في ذاته من جانب أي من الطرفين، على الرغم من أنه يُلائم تمامًا خطة بن التي تتوالى أحداثها.

وقد يكون بالإمكان أن نُدرك معنى هذا الطابع النشط للوعي الروائي إذا ما سألنا سؤالًا تشخيصيًّا، أوحت به إليَّ عالمة الأنثروبولوجيا استير جودي وهو: إلى أي مدى يجري الفهم الروائي داخل عقول الأفراد، وإلى أي مدى يصوغه ويبنيه النشاط الاجتماعي؟ لعل أفضل طريقة للإجابة عن السؤال هو أن نُغير الصورة. لقد أكدت في مرحلة باكرة أن الناس تربطهم ببعضهم البعض شبكة محكمة الوثاق قوية الصدى. ونظرًا للإدراك المعقد بالذات وبالآخر لدى الناس فإن الأحداث والمشاعر والمعارف في جانب من جوانب الشبكة تؤثر في الجوانب الأخرى منها. وإذا ما قام عالم نفس بتفكيك الشبكة فإن مواطن الفهم داخل الشبكة ستكون داخل عقول أفراد؛ ولكن نظرًا لأن مواطن الفهم متبادلة ومتقابلة فلن يكون بالإمكان، في واقع الأمر، فهمها باعتبارها ظواهر فردية، بل فهمها باعتبار أنها بطبيعتها متداخلة بين الأشخاص والذوات. وهنا فإن المعرفة المتبادلة، وتفيد أن بِنْ ونيجل اشتركا معًا، إنما تمثل افتراضًا مشتركًا يغير طبيعة الشبكة ويتحرك بها إلى وضع جديد. إنها سوف تتحرك بطبيعة الحال إلى الأمام بعيدًا جدًّا عندما يهتز القسم لسماع خبر ترشيح بن لنفسه. ثم تأتي بعد ذلك المعرفة المتبادلة، أعني المشتركة بين بن وأنجيلا والتي تفيد أنه سيعارضها. إن هذه المعرفة سوف تؤكد شيئًا آخر: كيف وأن الفهم الروائي المتبادل بين الذوات له إمكانية ألَّا يكون وديًّا ولا مقبولًا من الطرفين ولا موضع رضى أو اتفاق.

أحسب أن فكرة الشبكة المحكمة يمكن أن تُفيد فيما هو أكثر من ذلك. أولًا: إن كل فرد في القسم الذي يتبعه بن ونيجل هو جزء من هذه الشبكة سواء رضي بذلك أم لم يرضَ. وأنهم جميعًا لديهم استعداد للاستجابة إزاء بعضهم البعض، نظرًا لكونهم زملاء في قسم بالجامعة له رئيس. وهذه هي بعض السمات العامة لموقفهم إذا ما أراد باحث أنثروبولوجي أن يفكك الظاهرة. وإن أعضاء القسم بينهم عقد اجتماعي، هذا على الرغم من أن أحدًا لم يوقع عليه، وربما لن يوافق على محتوياته. ويتجدد هذا العقد الاجتماعي أو يتغير نتيجة كل حالة من حالات التفاعل التي تجري بين أعضاء القسم. وهنا نلحظ أن أي جهل بالأحداث، مهما كان ضعيفًا ومحدودًا، أو أي رفض قوي للمشاركة يعتبر بمنزلة مواقف موجهة إلى الآخرين وإلى النفس. وهذه جميعها من شأنها أن تجعل الشبكة تهتز، أو ينتقل خيط من خيوطها من موضعه هنا أو هناك.

ولكن — وهذه دلالة أخرى من دلالات صورة الشبكة — هذه الروح العامة، أي هذه العلاقات التبادلية للشبكة لا تعني أن ثمة قصة واحدة ووحيدة نحكيها عن الشبكة وتاريخها. إن الأكاديميين، شأنهم شأن أي شخص آخر، يتطلعون إلى الماضي ويعيدون سرد الأحداث وكأن دوافع كل شخص جليَّة شفافة، وكأن الأحداث تدفقت على نحو طبيعي ومفهوم الأسباب؛ ولكن واقع الأمر غير ذلك، فإن مثل هذه القصة ما هي إلا قصة جزئية رويت من منظور معين ولغرض بذاته. ولم يكن بوسع أحد آنذاك أن يُحيط علمًا بكل تفاصيل المعلومات التي تجعل هذه القصة صحيحة تمامًا أو شاملة على نحوٍ مطلق، كما لم يكن بوسع أحد من خلال استقرائه للماضي أن يحكي مثل هذا الشيء ليكون القصة النهائية. لقد حكى الجميع عمليًّا قصصًا وكلٌّ منها، في واقع الأمر، قصة من وجهة نطر س من الناس. ويمكن أن تتفق صيغ مختلفة كثيرة على نقاط بذاتها؛ مثل اتفاقهم بشأن من هو الرئيس الآن؛ ولكنهم قد يختلفون اختلافًا كبيرًا بشأن أمور أخرى؛ مثل: من هو أفضل مرشح لانتخابات الرئاسة. ونلحظ أن بعض القصص قد تعمد إلى التفاصيل لتكون أكثر شمولًا من غيرها. وإن كل ما أستطيع قوله الآن هو أن بن يعرف أكثر من نيجل الذي ظل دائمًا غير مدرك لتواطؤ بن مع لوت. أما أنجيلا فإنها صورة مختلفة تمامًا عن الأحداث الجارية.

خلاصة

وهكذا، نحن لسنا بحاجة إلى تصور الفكر الروائي باعتباره معصومًا من الخطأ، أو أنه ينتج روايات تتصف بالصواب القدسي أو الموضوعية المجردة. إن كل ما استهدفتُه بشأن الفَهم الروائي هو أنه يُهيئ للبشر إمكانية التفاعل مع المعقَّد. إنهم فقط بحاجة إلى الاتفاق وإلى أن يفهم أحدهم الآخر، بالقدر الذي يُتيح لهم العمل بصورة تنطوي على قدر من المصداقية، ومن ثم الحفاظ على دفق الحركة الاجتماعية. وطبعي أن سوء الفهم هو الذي يجعل في الغالب الأمور تتحرك بنشاط وقوة.

ولقد كان التحدي هو الوصول إلى نظرة عن البشر يبدون فيها شيئًا يتجاوز البشر الآليين (الروبوت)، إذ يعملون وفقًا لبرنامج تحدده الثقافة، ويبدون أيضًا شيئًا دون الكائنات ذات القوة الشاملة والعلم المحيط، ومن ثم يستطيعون بفضل قوتهم وعلمهم أن يصنعوا الشبكة الاجتماعية حسب مشيئتهم. وإنما لا بد أن تكون ثمة مساحة للطابع السببي للأشياء، بحيث تأخذ الأحداث مسارًا لم يقصده شخص بذاته. ووصولًا إلى هذا استخدمت الخيال وقدمت تفسيرًا من نسج الخيال قائمًا على الخبرة بدلًا من أن أقدم تفسيرًا إثنوجرافيًّا. والسبب أن التفسير الذي قدمته سمح لي بأن أصل إلى زوايا الوعي التي ما كان لي أن أصل إليها دون ذلك. والآن أنتقل إلى الإنثوجرافيا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤