الفصل الثاني

الفضاء العمومي مؤنثًا

«من لا يتحرَّك لا يشعر بقيوده.»

روزا

«الحرية، هي دائمًا حرية الذي يفكِّر على نحو مغاير.»

روزا

«في العائلة، الرجل هو البورجوازي، والمرأة تلعب دور البروليتاريا.»

ماركس

لقد مثَّل خروج النساء إلى الفضاء العمومي شرطًا جوهريًّا لتحرُّرهن من القمقم الرعوي؛ حيث يتمُّ الفصل بين الفضاء الخاص وهو مكان النساء والفضاء العام وهو مكان هيمنة الرجال بامتياز. من أجل كسر هذا الحاجز بين الخاص والعام وظهور المرأة في الفضاء العمومي تطلَّب الأمر نضالات سياسية واجتماعية وثورات رمزية عميقة وجدَت في المنعرج السياسي للنسوية الغربية مع روزا لكسمبورغ شرطَ إمكانها، وفي فلسفة نانسي فرايزر عن العدالة بوصفها اعترافًا أحد أهمِّ تعبيراتها النموذجية. وهو ما سنحاول بسطه وبيانه في هذا الفصل انطلاقًا من لحظتين: في الأولى يتعلَّق الأمر بالتعريف بالنسوية السياسية لروزا لكسمبورغ بما هي أيقونة النضال النسوي من أجل النساء البروليتاريات. وفي الثانية سيتمُّ عرض أطروحة نانسي فرايزر حول فضاء عمومي في لغة المؤنَّث ناقدةً بذلك الفضاء العمومي الليبيرالي الذكوري الذي نضَّد نظريته يورغن هابرماس.

(١) روزا لكسمبورغ ومعالم النسويَّة السياسية

روزا لكسمبورغ هي أول رمز ماركسي نسوي وهي أيضًا أول رمز نسوي يساري وقع اغتياله ضمن سلسلة اغتيالات بدأت باغتيالها (١٥ جانفي ١٩١٩م) وشملت تروتسكي سنة ١٩٤١م ثُم تشي جيفارا سنة ١٩٦٥م. لكن متى تحدث الاغتيالات؟ ومتى يقرر سلطة ما اللجوء إلى قتل معارضيها؟ عن هذا السؤال تجيبنا الفيلسوفة حنَّا آرندت أن اغتيال العقول المتمردة يبدأ حينما «تدخل الإنسانية في الأزمنة الحالكة» … هذه جملة نعثر عليها في كتاب بعنوان «حيوات سياسية» بتاريخ ١٩٦٨م١ وفيه كتبت حنَّا آرندت نصًّا عن روزا لكسمبورغ في سياق فكرة التقطتها من قصيدة لبرلوت براشت بعنوان «إلى أولئك الذين سيولدون بعدنا»، هي فكرة «الأزمنة الحالكة»، وجمعَت فيها بين حيوات كثيرة من قبيل كارل ياسبرز وبرلوت برشت وفالتر بنيامين ومارتن هيدغر. لكن ما معنى الأزمنة الحالكة؟ الأزمنة الحالكة ليست أزمنة جديدة ولا استثنائية، فالتاريخ البشري قد عرف دومًا أزمنة سوداوية، لكنه من حقِّنا أن ننتظر في صلب هذا السواد العالمي بصيصًا من نور، وأنَّ هذا النور إنما يتجلى في مسيرة حياة نساء ورجال نجحوا في نشر هذا النور طيلة الحياة التي مُنحت لهم. والسؤال سيكون حينئذٍ؛ كيف التقطت حنَّا آرندت ذاك النور الخافت والمتردِّد الذي رسمته روزا لكسمبورغ في الأزمنة الحالكة؟
لقد جمَّعت حنَّا آرندت ملامح هذا النور في أربعة أفكار كبرى:
  • (١)

    النقد الثاقب الذي وجَّهته روزا ضد السياسة البلشفية.

  • (٢)

    رفضها للحرب كتقنية ثورية.

  • (٣)

    اعتبارها أنَّ الثورة لا وطن لها، ورفضها للفكرة القائلة بأنَّ الشعب لا دور له في انتصار الثورة، وأنَّ الثورة فئة أو نخبة يقودها قائد ثوري. وتَعتبر أنَّ تاريخ الاتحاد السوفياتي هو تاريخ المخاطر المفزعة «للثورات المشوَّهة»، وأنَّ «ثورة مشوَّهة» مخيفة أكثر من «ثورة فاشلة».

  • (٤)
    لقد كانت روزا لوكسمبورغ على وعي بأنَّها امرأة وهو ما جعلها تحارب بحدَّة حركات التحرر النسوي البرجوازية. لكن آرندت تعيب عليها الأمر التالي قائلة: «إزاء المساواة في الاقتراع كان بوسع روزا أن تقول: «ليحيا الاختلاف الصغير Vive la petite différence».»

وهنا نقف عند نقطة الإشكال في هذا الفصل؛ أيُّ معنًى لنسوية روزا لكسمبورغ؟ إنَّها تقول عن النسويات البرجوازيات: «هنَّ يطالبن بإصلاحات، نحن نريد ثورة اجتماعية.» وهنا علينا أن ننزِّل التفكير في نسوية روزا لكسمبورغ ضمن تصوُّرها لمفهوم الثورة، وهو تصوُّر انبنى على أطروحتها القائلة بأنَّ الثورة مسار عفوي مفتوح على نضالات الجماهير. وهو تصوُّر تبنَّته حنَّا آرندت بعدها على نحو مغاير… يتعلَّق الأمر بأطروحة فلسفية مثيرة تقوم على أن كلَّ شيء يمكن أن يتغيَّر مرة واحدة. وهو ما يعني أيضًا رفض الحرب كطريق للتغيير. وبدلًا عن الطابع الحربي تدافع روزا لكسمبورغ ومن بعدها حنَّا آرندت عن «الطابع الحدثي» للثورات. وبحسب روزا إنَّ ما يحدث في الثورة هو أكثر من الهيمنة على السلطة، بل هو اختراع جديد للذات الجماعية. وفي هذا الأفق النظري تعرِض حنَّا آرندت أهمَّ أطروحات روزا حول الثورة من خلال النقاط التالية: تنطلق روزا لكسمبورغ من المبدأ القائل بأنَّ مسارات تعلُّم كثيفة بوسعها أن تولد وأن تنمو صلب التنظيم الثوري. وتضيف أنَّ ما يزعجها في نظرية لينين لا يكمن فقط في نزيف الدماء، بل في عدم وجود فضاء؛ حيث يمكن لتنظيم ذاتي حرٍّ أن ينمو، وأنَّ عفوية الجماهير تتمثَّل في قدرتهم على تبنِّي شكل سياسي جديد حقًّا؛ وبالتالي لا ينبغي أن ننشد فيما أبعد من الثورة إنما علينا التمسُّك بديمومتها.

قبل الاشتغال على النص الأساسي والوحيد لروزا حول النسوية علينا الإشارة إلى الأمر التالي: أنَّ المرأة تحتلُّ منزلة إشكالية ضمن المنظومة الاشتراكية عمومًا منذُ ماركس إلى حدود روزا لكسمبورغ. وهذا ما جعل مفهوم النسوية الماركسية مفهومًا هشًّا في حكم أقطاب النسوية المعاصرة بشكل عام، إلى حدٍّ جعل البعض يتكلَّم عن نوع من عدم الانسجام الإبستمولوجي صلب عبارة نسوية ماركسية. ومن أجل تفكيك هذا الإشكال سنتوقف أولًا عند التذكير بمواقف كل من ماركس وإنجلز ولينين من قضية المرأة.

  • (١)

    لقد دافَع ماركس عن المرأة وتبنَّى عبارة شارل فورييه ضمن كتاب العائلة المقدسة والقائلة بأن «درجة تحرُّر المرأة هي المقياس الطبيعي لتحرر الرجل.» واستثمر ماركس هذا القول على نحو فلسفي أعمق حينما اعتبَر أنَّ علاقة الرجل بالمرأة هي العلاقة الأكثر طبيعية بين إنسان وإنسان (الملكية الخاصة والشيوعية، ١٨٤٤م). كما اعتبَر أيضًا أنَّه «من السخافة اعتبار نمط الأسرة الجرماني-المسيحي بمثابة نمط مطلق نهائي. وكذلك الأنماط الشرقية والإغريقية والرومانية والتي تشكِّل فيما بينها سلسلة تاريخية» (رأس المال ١).

    لكنَّ ما اتفقت عليه النسويات هو أنَّ ماركس لم يخصص للمرأة أيَّة مكانة خارج إطار تحليله للعائلة ولتطوُّر الملكية، بل إنَّه لا يتكلم عن المرأة إلا في صيغ فلسفية معمَّمة، ضمن منظومة التحليل الاقتصادي لتطوُّر وسائل الإنتاج.

  • (٢)

    أمَّا عن إنجلز فيُعتبر أكثر وضوحًا في دفاعه عن تحرُّر المرأة وذلك ضمن تاريخ الصراع الطبقي الذي قام على اضطهاد الرجل للمرأة؛ بوصف المرأة هي أول كائن وقع اضطهاده قبل وجود العبيد أنفسهم. ويشترط إنجلز من أجل تحرر المرأة دخولها حقل العمل. وفي هذا المعنى يَعتبر إنجلز ضمن كتاب أصل العائلة والملكية الخاصَّة والدولة (١٨٨٤م) أنَّ تحرُّر المرأة، مساواتها في الحقوق مع الرجل، أمر غير ممكن، ما دامت المرأة مقصية عن العمل المنتج الاجتماعي ومضطرة إلى الاكتفاء بالعمل البيتي الخاص.

(٢) نسائيَّة الحقِّ في الاقتراع ضدَّ النسوية الليبيرالية

لقد خصَّصت روزا لكسمبورغ للدفاع عن النساء نصًّا نظريًّا واحدًا تحت عنوان «الاقتراع النسائي والنضال الطبقي»٢ بتاريخ ١٩١٢م. وعليه علينا أن ننزِّل أولًا «نسوية روزا» ضمن المعركة التي خاضتها ضدَّ النسوية الليبيرالية في خصوص حقِّ النساء في الاقتراع. ولذلك ينبغي الإشارة بدءًا إلى أنَّ الحركات النسوية قد ظهرت في أوروبا منذ ١٨٩٠م تحت راية الدفاع عن حق النساء في الانتخاب وفي مشاركة الرجال في الحياة السياسية. ولقد انطلقت الحركات النسوية في بدايتها بمطالبة النساء البرجوازيات بحقِّهن في إدارة الدولة وتدبير رأس المال وذلك بوصفهن مالكاتٍ لوسائل الإنتاج. وما حدث هو أيضًا مطالبة البرجوازيات بانتداب أكبر عددٍ ممكن من العاملات في إطار الحصول على نائبات في البرلمان مع وعدهنَّ بالسهر على المصلحة العامة لكلِّ النساء، وهي مصلحة نسوية من المفروض أن تجمع بين كل النساء سواء كنَّ عاملات أم مالكات لوسائل الإنتاج. وهو منظور النسوية الليبيرالية القائمة على مبدأ واحد: هو أنَّ ما يجمع بين النساء هو جنس النساء. وهو أمر عارضته بشدَّة روزا لكسمبورغ مع صديقتها كلارا زيتكن صلب يسار الأممية الثانية. وشعارهما في ذلك هو «إنَّ النسويات يطالبن بإصلاحات، أمَّا نحن فنريد الثورة الاجتماعية.»

إذَن لا يمكن فهم تصوُّر روزا لمكانة النساء إلَّا عبر هذا النضال الذي خاضته ضدَّ النسوية الليبيرالية التي اختزلت تحرر المرأة في المطالبة بالمساواة القانونية بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات. ولا يمكن أن نفهم «نسوية روزا» إلا بتنزيلها ضمن مبدأ الصراع الطبقي الذي قامت عليها كلُّ الماركسية. وذلك يعني أنَّه لا يمكن الجمع بين النساء في جبهة واحدة؛ بالرغم من التفاوت الطبقي بين العاملات وصاحبات وسائل الإنتاج.

وتَعتبر روزا أنَّ التناقض الطبقي بين النساء هو أساس النضال النسوي ضدَّ اضطهاد العاملات من طرف رئيسات العمل. فهي تراهن على العاملات، وتناضل من أجل تحرُّرهن الطبقي من الاضطهاد. وذلك بالرغم من أنَّ روزا لم تكن تعاني هي كشخص من الاضطهاد الطبقي بل كانت تعاني من التمييز الجنسي ومن النزعة المضادَّة للسامية التي أصابت في ذلك الوقت المجتمعات الألمانية والبولونية. ولقد عانت روزا بالتحديد من اضطهاد رئيس الحزب الاشتراكي آنذاك أوجوست بابل الذي اعتبرها «امرأة أكثر من اللازم»؛ بالرغم من أنَّ هذا الرجل هو مؤلف لكتاب المرأة والاشتراكية والقائل «إن المرأة هي الكائن الأول الذي عانى من العبودية، لقد كانت عبدة قبل وجود العبد نفسه.» (وكان يَعتبر روزا أخبث من قرد … وأنَّه يمكن تصوُّر الحزب من دونها).

ونعود إلى نصِّها حول الاقتراع النسائي والنضال الطبقي الذي يمكن تلخيصه في الأطروحات التالية:

أنَّ المساواة في الحق في الاقتراع لا يخصُّ النساء فحسب؛ أي أنَّ «الاقتراع النسائي هو الهدف لكنَّ حركة الجماهير التي تنتج عنه ليست من شأن النساء فحسب بل هي مشغل مشترك بين نساء ورجال البروليتاريا». وتُرجع لكسمبورغ هذا الاضطهاد والاقصاء للنساء إلى النظام الملكي الاستبدادي الألماني، وتَعتبر أنَّ العامل الأساسي هو اقتصادي واجتماعي بالضرورة، وهو راجع إلى التفاوت الطبقي بين البروليتاريا والطبقة المالكة لوسائل الإنتاج. لذلك تفصل روزا بوضوح بين النساء البرجوازيات والنساء الكادحات. وعليه لا يمكن التأسيس لنسوية مغايرة نضالية دون الأخذ بعين الاعتبار هذا العامل الطبقي الجوهري وفي هذا السياق شنَّت روزا حملة ضد النسويات البرجوازيات اللائي تَعتبرهنَّ مجرَّد «طفيليات».

وتكتب ضمن نصِّها ما يلي: «إنَّ الحركة الرائعة لملايين النساء البروليتاريات اللائي يَعتبرن أنَّ حرمانهن من الحقوق السياسية ظلم صارخ، إنَّما هو علامة صائبة، علامة على أنَّ الأسس الاجتماعية للنظام قد فسدت، وأنَّ أيامها قد صارت معدودة.» يتعلَّق الأمر بنوع خاصٍّ من النسويَّة السياسية التي تؤسس نضالاتها على التصوُّر الطبقي للتاريخ، مدافعة بذلك على حقوق الطبقة النسائية البروليتارية. وذلك في علاقة وثيقة بفكرة الثورة بوصفها الحل الوحيد لتحرير النساء العاملات المضطهدات داخل النظام الرأسمالي؛ لذلك تكتب روزا لكسمبورغ ما يلي: «حينما نناضل من أجل حقِّ النساء في الاقتراع؛ فإنَّنا نقترب من اللحظة التي سيسقط فيها المجتمع في الخراب تحت ضربات مطرقة البروليتاريا الثورية.»

ويمكن تجميع أهمِّ اعتراضات روزا على النسويات البرجوازيات في ثلاثة نقاط: الأولى: أنَّهن لا يشاركن في الإنتاج الاجتماعي باكتفائهنَّ باستهلاكٍ فائض القيمة الذي يسلبه رجالهنَّ من البروليتاريا. ثانيًا: أنَّ نساء الطبقة المستغِلَّة لا يمكن عدُّهن على المستوى الاقتصادي والاجتماعي كما لو كنَّ قطعة مستقلة من السكان لأن دَورهن الوحيد هو إعادة الإنتاج الطبيعي للطبقات المهيمنة. وعلى العكس من ذلك تُعَد نساء البروليتاريا مستقلات اقتصاديًّا لأنَّهن منتجاتٌ مثل الرجال. ثالثًا: «كثيرات هنَّ النساء البرجوازيات اللائي يفعلن كلبؤات في النضال ضدَّ سلطة الذكور، لكنَّهن سيسلكن كنعاج وديعة لو كان لهنَّ الحقُّ في الاقتراع». رابعًا: إن أسوأ المدافعين عن استغلال البروليتاريا إنما يختفون وراء العرش والوصاية والاستعباد السياسي للنساء.

تُعارض روزا بشدَّة إذَن النسوية الليبيرالية التي تدافع عن حقوق المرأة دون أن تبحث عن تغيير جذري للبنى السياسية والاقتصادية. ذلك أنَّ الإطار العام للنضال من أجل حقوق المرأة مع روزا إنَّما هو بالتحديد التعارض التامُّ مع النظام الرأسمالي. وهذا التعارض هو أهمُّ معركة وكل المعارك الأخرى ينتج عنه، وذلك يعني أنَّ العمل على المساواة بين النساء والرجال لا يمكن تصوُّره خارج إطار وضع سلطة الهيمنة موضع سؤال.

وهنا علينا أن نشير إلى موقف روزا من يوم التضامن العالمي بين النساء البروليتاريات الذي حدث يوم ٨ مارس ١٩١٠م وصار إلى اليوم العالمي للمرأة. والهدف من هذا اليوم هو بيان الطابع الاشتراكي والعمالي لهذه الحركة بدعوة إلى انتخاب عالمي يتَّسع إلى المعركة من أجل حقِّ الانتخاب لكلِّ النساء. وهو ما كتبته روزا «أنَّ اختراع ٨ مارس هو جزء لا يتجزَّأ من نضال نساء يسار العالمية الثانية من أجل الحقوق الديمقراطية لكلِّ العمَّال وضدَّ الفكرة النسوية لوحدة النساء التي ناضلتُ ضدَّها طيلة حياتي.» فيوم ٨ مارس كانت بحسب قراءة روزا بمثابة حراك نضالي لتوحيد كل العمَّال ضدَّ كل أشكال الحراك القائم على أرضية نسوية.

لقد كانت روزا لكسمبورغ ترفض دومًا المشاركة في الحياة السياسية بوصفها امرأة، أي بوصفها مصنَّفة ضمن وظائف نسوية. لقد كانت تصرُّ دومًا على أن تعامل مثل الرجال الذين تتقاسم معهم المعركة يوميًّا، هي التي كتبت ذات مرة «أنَّ لا علاقة لها بحركة النساء» … أو «تخيَّل أنَّي قد صرت نسوية» (ضمن رسالة ١٩١١م).

إنَّ ما نظفر به من هذا العرض لنسوية روزا لكسمبورغ بوصفها قد وقَّعت منعرجًا سياسيًّا مضادًّا للنسوية البرجوازية هو التالي: لم تكن روزا لكسمبورغ نسوية بالمعنى اللبيرالي للكلمة بل كانت تدافع عن نوع من النسائية القائمة على مفهوم جمهور النساء من أجل تكثيف فكرة الجماهير الثورية كمسار عفوي مفتوح على اللامتوقع ضد حتمية وقدرية القراءات الماركسية الأرذودوكسية … تقول عنها آرندت: «نادرًا ما كانت روزا أورذودوكسية؛ بحيث نشكُّ في أنها كانت ماركسية فحسب.» ما كان يهمُّ روزا هو مشاركة النساء على نحو نشيط في الحياة السياسية. وهذا أهمُّ إنجاز طوَّرته حنَّا فيما بعد على طريقتها في نوع من الأنطولوجيا السياسية.

يمكننا القول أخيرًا أن روزا لكسمبورغ قد قدَّمت أول صياغة لنسوية مضادة للرأسمالية وللنسوية اللبيرالية. وهي نسوية تجد تجلياتها اليوم ضمن أعمال بعض النسويات الماركسيات من بينهن هاستار أيزنستاين ونينا باور ونانسي فرايزر. وذلك في أفقٍ تنادي فيه هاستار أيزنستاين أستاذة علم الاجتماع بأمريكا بما تسميه «ثورة اشتراكية نسوية» مضادة للنسوية الليبيرالية القائمة على المساواة في الحظوظ، وتذهب نانسي فرايزر إلى التنظير لفضاءات عمومية معارضة تجد فيها لغة التأنيث مكانها الخاص ضدَّ هيمنة الفضاء العمومي الليبيرالي الذكوري.

(٣) نانسي فرايزر وتأنيث الفضاء العمومي

كيف يمكن أن نبني فضاء عموميًّا لا يُقصي النساء من اعتباره؟ حول هذا السؤال أقامت الفيلسوفة الأمريكية نانسي فرايزر معركة ضدَّ الفيلسوف الألماني هابرماس الذي يَعتبر أول من اشتغل على مفهوم الفضاء العمومي الحديث؛ لكن ما معنى الفضاء العمومي؟٣ إنه مجال النقاش العمومي بين المواطنين من أجل الوصول إلى التوافق حول قضايا الشأن السياسي. فهو فضاء سياسيٌّ في معنى أنه فضاء للنقاش العمومي في مسائل تهمُّ الحياة السياسية وهو مستقلٌّ عن الدولة لكنَّه مع ذلك بمثابة القوة الموازية لها. وهو نقاش يقع فيه تبادل الآراء والتفاوض على نحو عموميٍّ في شكل نوع من التدرُّب النقدي على استعمال العقل؛ بحيث لا أحد يملك الأفضلية والسموَّ عن الآراء الأخرى إلا متى كان صاحب الحجَّة الأقوى.

وهذا الفضاء يتَّصف أيضًا بكونه فضاء عموميًّا برجوازيًّا يخصُّ من يملك الثروات ويُقصي الشعب أي الفقراء من دائرة هذا النقاش العمومي؛ وعليه فإنَّ هذا الفضاء العموميَّ البرجوازيَّ يبقى في آخر المطاف فضاءً نخبويًّا يجمع بين المستنيرين ويُقصي من دائرته من لا يمكنه إدراك حقل صناعة الرأي العام.

ولقد أثار هذا التوصيف الذي أنجزه هابرماس٤ جدلًا فلسفيًّا مثيرًا وحادًّا أحيانًا وذلك بخاصَّة من طرف النقد النسوي الذي يقترح تصوَّرا مغايرًا للفضاء العمومي في علاقته بالجنوسة. وذلك انطلاقًا من ضرب من «العمى المنهجي» الذي أصاب تصوُّر هابرماس بحسب عبارة فرايزر، وذلك بإغفاله الطابع المجنَّس للفضاء العمومي … لكن ما هي دلالة التساؤل النسوي عن الفضاء العموميِّ؟ يتعلَّق الأمر بالنضال ضدَّ المركزية الذكورية التي تجعل من الذكر مرجعية كونية في العلم والعقل والسياسة، وبتفكيك فرضية «العالم الاجتماعي المحايد» بوصفه عائقًا أمام تحرُّر النساء، وبالدفاع على أطروحة نسوية أساسية قوامها أن الاختلافات بين الجنسين لا تعود إلى طبيعة يستحيل تبديلها إنما المجتمعات هي المسئولة عن هذا الاختلاف غير العادل بين الجنسين وهو من قبِل بها كما لو كانت أمرًا مقضيًّا.

لقد أُهمِل تصوُّر هابرماس من اعتباره الطابع الجنوسيِّ أو الجندري للفضاء العمومي البرجوازي. وهو الأمر الذي وقفت عنده فرايزر بتلخيصها لفكرة هابرماس عن الفضاء العمومي في نقطتين؛ فهو أولًا: وبحسب قولها «آلية مؤسساتية لعقلنة الهيمنة السياسية بجعل الدول مسئولة إزاء مواطنيها»، وثانيًا: أنَّ الفضاء العموميَّ البرجوازي الذي يُعتبر نموذجًا للديمقراطيات الحالية، هو فضاء يتفاقم فيه التمييز الجنسي وتسود فيه معايير اجتماعية تدعم التمييز بين الخصوصي الذي يرمز إلى مكان المرأة «الطبيعي» أي البيت، والعمومي وهو ميدان الرجال بامتياز.

يقوم الفضاء العمومي المضاد للهيمنة الذكورية على الأطروحات التالية:
  • (١)

    أن المساواة الاجتماعية هي شرط التكافؤ في المشاركة في الفضاء العموميِّ. وفي مقابل ذلك ليس الفضاء العموميُّ البرجوازي حقلًا كونيًّا قائمًا على علاقات المساواة بين المشاركين إنما هو مجال إقصائي خاصٌّ بطبقة رجال البرجوازية. وعليه فهو ليس بالفضاء العمومي حقًّا بل فضاء يمارس أشكالًا من الهيمنة على الأقليات والشباب والنساء بخاصَّة. والمزعج هنا هو التالي: أنه لم يقع ترجمة هذا الحق فعليًّا ضمن حقل المشاركة السياسية في برلمانات العالم. مما يعني أن ثَمة عوائق أخرى ثقافية ودينية وسياسية لا تزال تعطِّل إدماج النساء ضمن الحياة السياسية الفعلية في الديمقراطيات العالمية. وذلك نلاحظه صلب سجلَّات التعبير والتواصل التي سيطرت عليها التعبيرات الذكورية. لا يزال الطابع الجندري يؤسس للكلمة العمومية ولفضاءات التداول وأن معايير التعبير والتواصل المجنَّسة لا تزال عوائق أمام مشاركة النساء على نحو فعلي ونشيط ضمن الفضاء العمومي.

  • (٢)

    إن فضاءً عموميًّا غير توافقي وغير متجانس أفضل من دائرة عمومية توافقية وموحَّدة. وأن «كثرة من الجماهير أفضل من دائرة عمومية واحدة» تقوم على إقصاء الطوائف الثقافية الأخرى التي تنتمي إلى مجتمعٍ ما. وهنا، ينبغي تثمين التنوُّع والتعدُّد الثقافي، بدلًا عن أفق الكونية. وذلك يعني أن فضاءً عموميًّا كونيًّا موحَّدًّا لا يمكنه أن يكون إلا بجعل الفئات الأكثر قوة يفرضون وجهات نظرهم ومصالحهم على الطبقات الأكثر ضعفًا. وتبعًا لذلك لا تكمن مهمة الفضاء العمومي في تحقيق التوافق بل في التسوية عبر التفاوض والتداول. والمطلوب هو التأسيس لإتيقا الاعتراف بالمختلفين والأقليين. هؤلاء هم «الجماهير المضادَّة والتابعة» وهي جماهير بوسعها أن تنشئ معاييرها الخاصة ودائرتها العمومية والرأي العامَّ الخاص بها، وذلك عبر ما تسمِّيه فرايزر «حقول نقاش موازية تنشر فيها جماعات اجتماعية نقاشات مضادَّة من أجل تكوين تأويلاتهم وهوياتهم الخاصة ومصالحهم وحاجاتهم.» من ذلك مثلًا الدوائر النسوية التي دفعت الفضاء العمومي إلى تغيير مفرداته ومعاييره التعبيرية وفرضت النقاش حول مواضيع محرَّمة من قبيل الاغتصاب والتمييز الجنسي.

  • (٣)

    وفي هذا المعنى لا ينبغي إقصاء أيِّ موضوع من دائرة النقاش العمومي. ثَمة لغة جندرية جديدة أدخلتها النضالات النسوية إلى حقل النقاش العمومي من قبيل العنف الجنسي، والتحرُّش والإجهاض واستغلال النساء في العمل. في حين يحرص الفضاء العمومي البرجوازي على اعتبار هذه التعبيرات خاصَّة بدائرة ما هو خصوصي. وهنا ينبغي تفكيك ثنائية الخصوصي والعمومي لأنَّها ثنائية تسكت صوت النساء وتعتبر ما تتعرَّض إليه من مشاكل غير عمومية.

خلاصة القول: إن المقاربة النسوية لمفهوم الفضاء العمومي قد أثرت عميقًا على التصوُّرات الفكرية والسياسية المعاصرة للإنسان وللحياة المشتركة ولإدارة أفضل لشئون البشر. في معنى أن تحرُّر المجتمعات من النموذج التقليدي الرعوي من أجل السير على دروب تنوير جديد للعقول غير ممكن دون اعتبار لهذا الحراك الثقافي العميق الذي يحدث من جهة الدراسات النسوية. لا يتعلَّق الأمر بالدفاع عن نسوية حقوقية شكلية بل بإعادة توجيه عقولنا نحو ما يحدث من جهة مغايرة لما تعوَّدنا على تحريمه ومنعه وإسكاته. فالمقاربة النسوية ليست مجرَّد دفاع عن حقوق المرأة كما لو كانت الضحية الوحيدة لمجتمعات لا تزال تتعثَّر في الانتماء إلى العالم على نحو صحِّي وإيجابيٍّ، بل وأيضًا بوصفها حقل إنتاج للمعايير الاجتماعية وللقيم الثقافية وللتعبيرات الرمزية التي بدونها سنظلُّ نحن الشعوب الأخرى التي لا تزال تقبع على حافة نفسها، دون مستوى العقل البشري الكبير؛ لأن حضارة تنهزم أمام العقل البشري العميق لن تنجح في السير نحو أيِّ شكل من المستقبل.

١  Hannah Arendt, Vies politiques, Paris, Gallimard, 1974.
٢  Rosa Luxemburg, Suffrage féminin et Lutte de classe, (1912). https://www.marxists.org/francais/luxembur/works/1912/05/suffrage.htm.
٣  Nancy Fraser, “Repenser l’espace public: une contribution à la critique de la démocratie réellement existante”, in: Qu’est-ce que la justice sociale? (2011), pp. 107-144.
٤  Jurgen Habermas, L’espace publicM archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bougeoise, Paris, Payot, 1988.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤