أولى مراتب السالكين

يا رب صلِّ على الحبيب محمدٍ
خير الوجود المصطفى نور الهدى
الله الله نكبِّره
الله الله ونذكره
الله الله يجمِّعنا
والنور تبِينُ مشاعرُه
النور تبِينُ بشائرُه
والقلب طوته نظائرُه
بدأت بسم الله أدعوه ربيا
إلى كشف أسرار الموالي الخوافيا
وصلَّيتُ دومًا على الحبيبِ محمدٍ
صلاةَ الحبِّ للحبيب الهاديا
سألتك يا ألله يا مَن بك اهتدى
قلبي وروحي وفؤادي وعقليا
ألِّف قلوب العالمين لقلبيا
وأمِدَّني يا ذا الجلالِ بنفحةٍ
تجعل القلبَ والفؤادَ صافيا

قال الشيخ يوسف بدوي: لا تركب البحر على الشاطئ!

ثم وهو ينظر إلى ما لم يتبيَّنه علي الراكشي: الذِّكر — كما قال أولياؤنا — أكبر من الجنة، الذِّكر نصيب الله، والجنة نصيب العبد.

وقال الشيخ: إن الجنة تُبنى بالذِّكر، فإذا حُبس الذكر، كفَّ البناء.

يبدأ مجلس الذِّكر بالمستفتح، تنتظم على توجيهات الشيخ حركةَ الذاكرين بالإنشاد، والإخلاص فيما هم مقدِمون عليه. يستغرق في الذِّكر، فيخرج النور من فمه، ينداح في المكان، تشرق به وجوه المريدين.

اشترى للطريقة — على نفقته — دفًّا، تضبط بإيقاعاته حركات السير في مواكبها، حدَّد لهم طريقة الاهتزاز أثناء الذِّكر، والجهة التي ينبغي أن يميلوا فيها، عند نطق كل كلمة، يمدُّ الكلمات، يمطُّها، ينغِّمها.

قال الشيخ: التوبة أولى مراتب السالكين لطريق الصوفية.

وصمت حتى استردَّ أنفاسه: التوبة هي أول ما يجب أن نفعله في الطريق الصوفي، إنها — كما يقول إمامنا الغزالي — مبدأ طريق السالكين، وأول أقدام المريدين.

قال علي الراكشي: فأنا إذَن بدأت السير في الطريق.

قال الشيخ: لا أستطيع أن أهَبَ إشارة الاستمرار إلَّا لمَن يستحقُّها، واصل تعلُّمك أولًا.

لمحه يتثاءب وهو قائمٌ يصلِّي، طلب منه أن يستعيذ من الشيطان، نفخ في أنفه حتى يتثاءب وهو في الصلاة، كان يجب أن يتحرَّز فيضع يده على فمه، حتى لا يدخل الشيطان جوفه.

تاب إلى الله، واجتهد في التمثُّل بالشيخ، اشتغل بأنواع المجاهدات من صوم وقيام الليل وقراءة القرآن وكثرة التسبيح، تعلَّم كيف يدخل الحضرة بخشوعٍ وحبٍّ وطهارةٍ كاملة، يغادر حمَّام الأنفوشي، وقد تطهَّر جسده، يحاول — في الطريق إلى أبو العباس — أن يطهِّر داخله أيضًا، يُسقط ما عدا ذكر الله، والانشغال بحبه، والشوق لذكره، عرف أسماءً؛ الأستاذ، وإمام الوقت، وشيخ العهد، والنقيب، والبدل، والوتد، لكلٍّ مقامه واختصاصه. غفر الله لهم أجمعين. وقرأ في الكبرياء، والعزة، والقوة، والعظمة، والإجلال، والاتصاف بالقدرة التامة، والعلم المحيط، وسائر أوصاف الكمال. تعرَّف إلى عالم الأسرار والأنوار والرموز والإيحاءات والدلالات والمشكاة والزيتونة والظاهر والباطن والزيت الذي يضيء ولم تمسَّه نار. تمنَّى أن يطيب قلبه بنور التوحيد والمعرفة والإيمان، يطهِّره الله من الأوساخ، يحفظه ويحرسه، ويملأه محبةً وخشية، يقفل عليه قفل القدرة، يصل إلى الكرامة العظمى؛ المعرفة، والاستقامة، ورفع الحجاب، وفتح الباب.

قال يوسف بدوي: قال شيخنا الشاذلي: مَن لم يتغلغل في علمنا هذا، مات مُصرًّا على الكبائر وهو لا يشعر.

أقبل على التصوف والامتثال لأحواله ومواجيده، لم تعُد الألفاظ عنده بلا معنى، أو بمعانيها الظاهرة، صار لها في نفسه مدلولاتٌ أعمق؛ الذوق والوجد والقبض والبسط والهيبة والأنس والغيبة والحضور والسُّكر والمحو والفناء والبقاء، وغيرها من الكلمات التي ينطقها الناس، يشغلهم معانيها الظاهرة، دون أن يجاوزوا ذلك إلى عمق المعنى ودلالاته الخفية، لم يكُن يستقرُّ على حال، فهو بين البسط والقبض، والسرور والاكتئاب، والميل إلى الكلام والعزوف عنه، والإقبال على الناس والابتعاد عنهم.

قال له الشيخ وهما يغادران أبو العباس عقب صلاة العشاء: أنت الآن متوسط سالك … ومقامك يعني ركوب الأهوال في طلب المراد، ومراعاة الصدق في الأحوال، واستعمال الأدب في المقامات.

نصحه بأن يتلو — كل مساء — قل هو الله أحد، إحدى عشرة مرَّة، وقال للتساؤل في عينيه: مَن فعل ذلك، بنى الله له قصرين في الجنة.

أردف في تأكيد: مَن قرأها ثلاثين مرَّة، بنى الله له ثلاثة قصورٍ في الجنة.

دعاه إلى أن يصقل مرآة قلبه، يصفِّيها من الخبائث الطبيعية، يمنع تراكم الصدأ داخل القلب والعقل، يحسن التلقِّي والأداء، فلا يقول حتى يعلم، ولا يردَّ ما لم يعلم.

حذَّره من أن يقصر همَّته على الأفعال الظاهرة، دون أن يرى ما هو عليه من هذه الأفعال، لا يعرف الأصول ولا المقامات ولا العلوم الوهبية اللدُنية، ولا الأسرار ولا الكشوف. لو أنه اكتفى بذلك، فسيظلُّ في مرتبة العباد، مرتبة جليلة لها قدرها، لكنها دون ما يأمله منه، ويتمناه له.

•••

تأخَّر عن المريدين — ليلة — وقال: لقد اخترت شيخي.

قال يوسف بدوي: مَن؟

وهو يومئ ناحيته: مولاي.

قال الشيخ في لهجة باترة: إذا أخذت العهد عليك، فأنت ترتبط بي إلى الأبد.

هزَّ رأسه: أعرف!

قال الشيخ في لهجته الباترة: لا تخالفني، ولا تعترض عليَّ، وتقدمني في كل الأمور على غيري من المشايخ، ولا تتردَّد على ولي من أهل العصر، ولا صالح، إلَّا بإذني، ولا تحضر مجلس غيري، ولا تسمع من سواي.

وهو يخفض نظره: أعرف! أعرف!

خالط صوت الشيخ حدَّة: أنت معي على صورة الميت، لا حركة ولا كلام، لا تتحدث بين يديَّ إلَّا بإذني، ولا تعمل شيئًا إلَّا بإذني، من زواج أو سفر أو خروج أو دخول أو عزلة أو مخالطة أو اشتغال بعلم أو قرآن أو ذكر أو غير ذلك.

– تعلمته كله!

قال الشيخ في استنكار: كيف تفهم دقائق الأسرار وأنت لم تتُب من هفواتك؟!

احتضن الصمت والمسكنة، أبو العباس المرسي خلف من المعجزات ما جعله سلطان الإسكندرية، هل يحقِّق في نهاية الطريق ما يجعله شيخًا له استقلاله وكراماته ومكاشفاته ومريدوه؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤