الإمام يفض الحفل

بدا الرجل — بقامته القصيرة وخطواته المهرولة — في غير الصورة التي ألِفوه فيها داخل المرسي أبو العباس، يدسُّ قدميه تحت فخذيه، فينتهي جسده عند الركبتين، المصلُّون أمامه — في نصف دائرة — ينصتون إلى دروس المغرب، يسألون، يناقشون، يستوضحون ما غمض من الشريعة والفقه؛ الطهارة والزكاة والسنة والفرض وأحكام الطلاق والسهو عن الصلاة والصوم في غير رمضان.

لم يفطن المعلم عباس الخوالقة إلى اتجاهه ناحية السُّرادق المزدان بالأنوار والرايات، في نهاية شارع السيالة، إلَّا حين علا صوت محمود عباس الخوالقة: نورت المكان … تفضل يا مولانا!

عرفه من ظهره؛ العمامة التي طوَّقت الرأس، يتهدَّل من تحتها شعره، اختلط فيه السواد بالبياض، والجبَّة الرمادية يكاد لا يغيرها.

كأنما الرجل يحيا في الجامع، عُرف عنه عزوفه عن الزحام والمجالس، لا يغادر بيته إلَّا للجامع، لا يجول في الميدان أو في الشوارع والحواري المحيطة، لا يجالس الناس أو يتردَّد على البيوت أو ينزل الأسواق، صلته بالمصلِّين سماعهم له في صلاة الجمعة، وتمام الصفوف في الصلوات الخمس، والدروس التي تعقب صلاة المغرب، يثقون أن له بيتًا وأُسرة، وأنه يغادر الجامع ويأتي إليه، فلا يلحظ حتى دائمو التردُّد على الجامع، حتى أصحاب الدكاكين القريبة، متى يذهب ويجيء، وإن روى الحاج محمد صبرة أن الشيخ طه مسعود إذا خلا إلى أصدقاء، صار من ألين الناس جانبًا، وأشدِّهم مودةً وإقبالًا على الآخرين، كأنه إنسان آخر غير الذي يخشى الناس صرامة مجلسه، وكان حافظًا للنِّكات نفس حفظه للآيات والأحاديث والفتاوى والأحكام.

قيل إنه كان يتشدَّد في محاسبة عبد النبي شعرة، خادم الضريح، على إيرادات النذور، يحصل عليها كلها لنفسه، يحصل كذلك على ما يأتي به زوَّار الضريح من المدن والقرى المجاورة من شموع وأغنام وعجول. مع ذلك فإنه لم يكُن يرى في الموالد ما يفيد، رأيه أنها أسواق للبدع وإلهاء الناس عن أمور دينهم، وعاب على الذاكرين رفع أصواتهم في حلقات الذِّكر أمام الجامع.

الرجل ليس من أبناء بحري، ولا من أبناء الإسكندرية، قيل إنه من مواليد إيتاي البارود، غادر مدينته للتعلُّم في المعهد الدينيِّ الثانويِّ بالإسكندرية، فاستوطن المدينة، حتى بعد أن حصل على العالمية من الأزهر، وسَّط حمادة بك، فألحقته وزارة الأوقاف بوظيفة إمام في مسجد طاهر بك بشارع الحجاري، ثم عمل مدرسًا بالمعهد الديني، قبل أن تتيح له وساطة حمادة بك وظيفة الإمام بالمرسي أبو العباس.

لا يزور ولا يُزار. شقَّته الواسعة، في البيت المطلِّ على شارع سوق السمك القديم، لم يتعرف أحدٌ إلى أهلها، ولا ماذا تحوي، حتى الزبال وباعة الخبز واللبن ومحصِّل الكهرباء، يستقبلهم الشيخ بنفسه من وراء الباب الموارَب، وإن روى البعض أنه شاهد أكبر أبناء الشيخ — طالب في التوجيهية — يصحب أمَّه في عربة حانطور، مضت بهما إلى بيت قديم في نهاية السيالة، قبالة بيت المعلم عباس الخوالقة، وعادت العربة قبل أن يحلَّ الظلام.

أكدت روايةٌ ثانية، أن أشقَّاء الزوجة هُم سكان البيت الذي أمضت فيه — وأكبر أبنائها — نهارًا بأكمله، لم يأذن لها الشيخ بزيارتهم منذ الزواج، إلَّا حين أبلغه — في الجامع — رسولٌ باشتداد المرض على أمِّها، نفى عباس الخوالقة الواقعة من أساسها، قال إن سكان البيت المقابل زوجان من أصلٍ تركي، وأبناؤهما الثلاثة. وزوج الإمام فلاحةٌ من مدينته؛ إيتاي البارود.

كان أولاده الخمسة يذهبون إلى مدارسهم ويعودون، فلا يغادرون البيت، ولا يخالطون الأولاد، عبد النبي شعرة يشتري للبيت كل احتياجاته، أمَّا البنتان اللتان اكتفى الأب بتعليمهما الابتدائي، فقد ألزمهما البيت، رفض تزويجهما بمقدمات، مَن يريد الزواج يدفع المهر، يعقد قِرانه، فلا يرى زوجه إلَّا ليلة الزفاف، استهوى تشدُّده الحاج قنديل، فوضع الشرط نفسه أمام المتقدمين لخِطبة ابنته.

وافقت أُسر على شرط الشيخ، وإن أتبعت موافقتها بطلب الإذن لأهل الشابِّ بمشاهدة العروس، فرفض الشيخ.

– لن يكون بين الزوَّار رجال.

– ولو!

– رؤية العروس قبل الزواج أقرَّها الإسلام.

قال في لهجة باترة: ليس لدي بنات للزواج!

•••

قبل أن يقضي على تردُّده … هل ينادي عليه أو يحاول اللحاق به؟ كان زحام الصبية، أمام السرادق، قد أفسح له الطريق، ثم التصقت — من جديد — حدوة الزحام.

بعد أن أَمَّ المصلِّين في صلاة الظُّهر، التفت — بتلقائية — وراءه، يصافح، ويسأل، ويجيب، يخلي يده للصغار يقبِّلونها، يبدي ملاحظاتٍ لخدم الجامع، يتأمل كسوة الضريح، يأمر بلمِّ الكتب المتناثرة تحت الأعمدة، وصرف المستلقين بلا صلاة.

لاحظ وجود جابر برغوت خادم جامع ياقوت العرش بين المصلِّين، شغله السؤال عن بواعث تركه العمل في الجامع، قال من بعيد: لماذا تركت مسجدك؟

اقترب الرجل، بحيث يصل صوته الهامس: أريدك في أمرٍ مهم.

تردَّد لحظاتٍ، ثم أشار إلى حُجرته، على يسار الباب الرئيسي للجامع: اسبقني إلى هناك.

تداخلت كلمات الرجل، بترقبه المنشغل، أتته — في الصباح — رسالة وزارة الأوقاف، بالموعد الذي حدَّده الملك فاروق لزيارة الجامع، قال عبد الرحمن الصاوي: مولانا يحرص على أداء صلاة الجمعة في جوامع مختلفة في مدن مصر، لتتسع دائرة شهرته بالصلاح في نفوس الناس، يفد — قبل الموعد بأيام — وزراء ومسئولون، تُلغى الإجازات لنظافة الجامع، تُراعى إجراءات الأمن في الزوايا والأركان وخلف المنبر والأسطح والمئذنة والحُجرات المغلقة، يُخلى ميدان المساجد والدحديرة الخلفية، وتُغلق النوافذ والشرفات المطلَّة على الجامع، يقف العساكر بالعصيِّ والبنادق على النواصي وفوق الأسطح، وينتشر المخبرون بجلابيبهم وبلاطيهم الميري. هات من الآخر يا جابر، الأبوان لا يعرفان ما حدث، لكن الجارة التي روت لي أكدت أن أمَّ محمود أرضعت الولد والبنت. زيارة الملك للجامع تُوجب الظهور أمامه بأفضل صورة. وما دخلي؟ لماذا لم تروِ الحكاية لإمامك؟ المعلم الخوالقة من مريديك وصديقك، اللهم احفظ البلاد ومليكها المفدَّى، تردِّد الجموع: آمين! يهشُّ — عقب الصلاة — ويبش، يأمر بخلعة؛ جبَّة كشمير ومكافأة مالية، ذلك ما حدث في الزيارتين السابقتين، قيل إنه أضاف إلى هبة الشيخ عبد الحفيظ إمام جامع علي تمراز صرَّة مال، وقيل إنه أهدى إلى الشيخ شحاتة الوكيل إمام البوصيري ألف جنيه من الذهب، وساعة ذهبية، وشالًا من الكشمير. أعمدة الضريح بهت لونها، والحصير تآكلت أطرافه، تفرش الوزارة مقدمة الجامع بالسجاد. ماذا يكون الأمر لو أن الملك حلا له التمشِّي في صحن الجامع؟ راقته النقوش والتهاويل والمقرنصات والأعمدة الرخامية؟ ليتها رضعة أو اثنتين، لكنها أرضعته لشهرٍ كامل.

كان الحفل — حتى الليلة السابقة — مهدَّدًا بالإلغاء، طلب العريس أن يكون الزفاف إفرنجيًّا، يدخل على عروسه، يغلقان بيتهما عليهما، يفضُّ بكارتها في اللحظة التي يريدها، ربما في الليلة نفسها أو بعد يومٍ أو يومين، أصرَّت أمُّ محمود أن يكون الزفاف بلديًّا؛ يدخل الشابُّ على البنت أمام نساء الأُسرتين، يلجأ إلى إصبعه، يلفُّه في المنديل الأبيض، إن خاف أو تردَّد، قامت البلانة بإتمام المهمَّة. شرف البنت يخرق عين مَن يفكر في النَّيل من سُمعتها. تلعلع الزغاريد، ويطوف الموكب أمام البيوت المتساندة المتصنتة: قولوا لابوها ان كان جعان يتعشى … بنت الأكابر شرفتنا الليلة.

طال الأخذ والرد، علت الآراء والتعقيبات، همست الأفواه بكلمة الطلاق، وإن لم تعلنها.

وافق المعلم عباس الخوالقة في النهاية — بكلماتٍ حاسمة — على ما أراده الشاب، هذا شأنه مع زوجته، فاتركوهما.

لطمت أمُّ محمود على صدرها: وشرف البنت؟

قال في هدوئه الحاسم: الأرياف يصرُّون على ذلك … أمَّا نحن فمجتمع مدينة.

وهي تسبل عينيها: خواجات يعني!

خالط صوته غضب: تهذرين؟!

مصمصت: مَن يملك — بعد ذلك — أن يدوس له على طرف؟!

طقت عيناه بالشرر: جوازة أم خناقة؟!

قال الشيخ طه مسعود: كلامك خطير!

استطرد وهو يعطي انتباهه: قُله في عباراتٍ محدَّدة.

قال جابر برغوت: كما قلت لك يا مولانا … مهجة بنت عباس الخوالقة … يعقدون قِرانها مساء غدٍ على أخيها في الرَّضاعة.

أهمل الشيخ ترتيبات الزيارة، سلامة الدين تسبق ما عداها، هل ضلَّ الناس فانشغلوا بالدنيا عن الدين؟!

حدج الرجل بنظرة متوجسة: متأكد من روايتك؟

وهو يضغط على الكلمات: مثلما أتأكد أني جالس في حضرتك.

هل اقترب يوم الهول، فعلى الناس أن يرقبوا الدابة والمسيخ الدجال وظهور الشمس في المغرب؟ المعلم عباس الخوالقة من أفضل جُلسائه، فهل أغواه حبُّ المال، فنسي الدين، أو أنه لا يعلم فعلًا؟!

شقَّت له الأجساد المتراصَّة طريقًا بينها، حتى انتهى إلى باب البيت في نهاية السُّرادق.

صعد يسبقه الغضب، عبس للفرحة التي ملأت الوجوه، استقبلته الزغاريد وساعدا الخوالقة المفتوحان في أعلى السلم: لقدومكم فرحة أعزُّ من فرحة الزفاف!

كان عَقد القِران قد أوشك على نهايته، تناثر الملح على المدعوين، ترافقه الكلمات المنغمة: مالحة في عين اللي ما يصلي على النبي!

استأذن خميس شعبان أن يرفق بالاحتفال حفلًا بخِتان طفلته، توفيرًا للنفقات، رفض المعلِّم، أصرَّ أن يقتصر على عَقد القِران، نالت الفتاة من قرص البنات، وخطت أمُّ العروس برجليها فوق العروسين، وأفسحت المرأة بين ساقيها، فزحف العروسان من تحتها، ووضعت قطعة سكر تحت لسان ابنتها، فيكون كلامها مع زوجها حلوًا كالسكر، ثم وضعتها في كوب ماء، ارتشفه الشابُّ ليدوم الوفاق، وفتحت مقصًّا لمنع العين، وأعدَّت تحويطة، ورشَّت الملح والحمص والأرز والخميرة، تدخل في الأعين الشريرة، وتبعد الحسد، وإن قيل إن الدبلة سقطت من يد الفتاة أثناء كتابة العَقد، فتشاءمت أمُّها من ألَّا يتمَّ الزواج.

دخل في الموضوع بلا مقدمات، سأل، وأنكر، وشرح، وأفاض، اتجه إلى عباس الخوالقة بقسماتٍ مشتعلة: هذا الزواج باطل!

التفَّ الرجال — الذين أخلوا مقاعدهم — بالوجوم، بدوا متحيِّرين، لا يقوون على التدخُّل برأي، حتى المعلم عباس الخوالقة اكتفى بتحريك عينيه في غير اتجاه، وهو يعضُّ سبَّابته.

قال الخوالقة ليهدِّئه: اشرب القهوة أولًا.

وهو يدفع يده في الفراغ: يهمُّني أن أقول ما عندي.

اغتصب الخوالقة ابتسامة، وقال في محايلة: سأنصت جيدًا … عيب ألَّا تشرب القهوة أولًا.

قذف بالقهوة في حلقه دفعةً واحدة، ثم وهو يمسح شفتَيه بظهر يده: أخوان في الرَّضاعة … كيف يتزوجان؟!

تناهى صوتٌ هامسٌ بالقرب من النافذة المطلَّة على الشارع الخلفي: نسأل أمَّ محمود … ربما الرواية كاذبة.

قال الإمام: قد تكذب لإتمام الزواج.

أسعف الخوالقة صوته: لن تخالف دينها يا مولانا!

دون أن يجاوز الهدوء: ناقصات عقل ودين!

واتت الجرأة أمَّ محمود: من حقِّنا أن نعرف المرأة المرضع.

قال عباس الخوالقة: أو نسأل صاحب الرواية.

قال الإمام في نبرةٍ باترة: الرواية صادقة … وإذا تمَّ هذا الزواج فهو باطل.

طاف بعينين يغشاهما الغضب على الرجال الذين حاكوا المكان في صمته، ثم هبط السلالم، وقطع السُّرادق إلى نهايته، ومضى في اتجاه الميدان.

كانت الزغاريد قد سكتت، والفرقة الموسيقية أهملت آلاتها، وطلبت الأسطى مواهب شالًا تضعه على كتفيها.

ظلَّت اللمبات الملوَّنة — وحدها — مضاءة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤