الظل

مال به الحانطور إلى حلقة السمك، تنبَّه — قبلها — لاقترابه من المكان المنشود، بعشرات المراكب الصغيرة في الميناء الشرقية، والغزْل المُلقى على امتداد الشاطئ، وكومات الفلين، والأسماك الميتة المتناثرة، والطريق المفضي إلى قلعة قايتباي ومعهد الأحياء المائية، ونقطة الأنفوشي.

أهمل الأفكار التي ظلَّت تناوشه، منذ واجهته سكينة بالكلمات القاسية، شغله السؤال: ماذا لو لم يعرفني الرجل؟

في اقترابه من حلقة السمك، هدَّأ الحانطور من سرعته، ثم توقف تمامًا قبالة الباب المغلق.

ثنى إليه الحوذي ملامح متسائلة: الشارع متفرع من السيالة.

– نعم.

لوح بالكرباج ناحية اليسار: هذا الشارع يؤدِّي إلى السيالة.

لم يكَد يهبط أرض الطريق، حتى تماوجت — في داخله — مشاعر مبهَمة، تختلف عن التي أملت عليه قراره.

غادر البيت في بولاق الدكرور إلى المصلحة في الدواوين، لكنه ترك الأوتوبيس في محطته النهائية بباب الحديد، واتجه — منقادًا للفكرة التي التصقت بلحمه — إلى شُبَّاك التذاكر، ألقى بنفسه في السيل المتدافع داخل القطار، حاول قراءة جريدة، بادل المحيطين به أحاديثهم، تطلَّع إلى الحقول والسيارات العابرة والمارة، تشاغل — بعفوية — بإحصاء أعمدة التليفونات، أغفى قليلًا … لكن الفكرة عشَّشت في رأسه، قلب الأمر تمامًا، وتوصَّل إلى القرار؛ يذهب إلى الرجل الغائب، يسأله في الدعوى الظالمة — لا بد أن تكون كذلك — يصحب الرجل في العودة، يعلن أمام سكينة — والجميع — سخف الادِّعاء، ويواجههم بالحقيقة.

لما جاوز القطار سيدي جابر، استدعى إلى الذاكرة صورة الشارع الضيِّق المتعرِّج، على ناصيته قهوة صغيرة، وعلى الناصية المقابلة دكان علافة، والبيت ذي الطابقين، والنداءات، والأحاديث المتلاغطة، تتصاعد من القهوة، ومن شارع السيالة.

حاول أن يضيف إلى الصورة بعض الملامح، ربما تساعده في الوصول إلى البيت، حاول أن يتذكر الجيران الذين لا بد أن يلتقي بهم، ويعرِّفهم بنفسه، ويسألهم عن أبيه … لكن الأعوام أحدثت تأثيرها المؤكد، فلم يرتسم في الذهن إلَّا صورة الرجل وحده، بقامته الضئيلة، وخطواته المتطوحة.

عاوده السؤال في إلحاح: هل يعرفني الرجل؟

ظلَّ الأمر غائبًا عن باله، اعتاد غيابه منذ رفض هجر مهنته أو مغادرة الأنفوشي، يذكر زياراته المتباعدة في طفولته، بكاء أمِّه الصامت عقب انصرافه، الوجوم الذي يلفُّ إخوته، نظراتهم، يطيلون بها التحديق إليه، فسَّرها — فيما بعد — بأنها كانت إشفاقًا على اليُتم الذي فاجأه في حياة أبيه. توزَّعوا في وظائف شتَّى، وإن جمعتهم الشقَّة الصغيرة في بولاق الدكرور، تحدَّدت صورة الأب الغائب في إطار الذكرى.

سافر حسنين — يومًا — في مهمَّة إلى الإسكندرية، عاد، فلم يُشر إلى أنه التقى بالرجل، أو حاول لقاءه، بات كل واحدٍ أخًا وأبًا وأمًّا للآخرين.

حين قذفته سكينة باتهامها، توارى الغضب في الذهول، للهدوء الذي سيطر على الجلسة، اكتفى حسنين بنظرة مؤنِّبة، بينما تشاغل طه بالتشديد على مصطفى أن يصغِّر لقمته.

لم يجد صعوبة في الوصول إلى البيت، خطواته عرفت طريقها دون سؤال.

الظهيرة.

قطع حواري خلت — أو كادت — من المارَّة، القهوة تتمطَّى في التثاؤب، الشارع الضيِّق المتعرِّج — أكثر ضيقًا من صورة ذاكرته — البيت ذو الطابقين، الشجرة المتطاولة إلى النافذة الشرقية وإن عراها الخريف.

غالب الارتباك للنظرات المتسائلة، دون أن يتعرف إليه هؤلاء الذين لم تذهب السنوات الخمس عشرة بهم من ذاكرته.

فاجأه باب البيت الموصد — هل خلا من ساكنيه؟ — فعاد بخطوات متثاقلة.

قبل أن يجاوز الشارع، لمح — داخل القهوة — وجهًا مألوفًا، أعاد النظر، ثم أطال التحديق.

كأنه كان ينتظره.

كان يحتسي الشاي — بمفرده — في ركن القهوة، تبدَّدت مخاوف التوقع لمَّا عبر الرجل المفاجأة، بنظرة تعرفت إليه حالًا.

قال عبد الرحمن في بساطة: كيف حالك يا سلامة؟

وهو يُسلم جسده المتعب إلى الكرسيِّ المجاور: الحمد لله!

تأمله الصاوي بنظرةٍ مشفقة: ماذا تشرب؟

قال سلامة: شربت شايًا في القطار.

– قهوة إذن؟

– لا بأس!

قال عبد الرحمن الصاوي وهو يحيط المكان بساعديه: كما ترى … تغيَّرت السيالة.

قال سلامة: عرفت الطريق من الحلقة إلى هنا بسهولة.

– لماذا لا تزور أبناءك؟

فاجأه السؤال. هل فطن عباس الخوالقة إلى ما يعانيه؟ هل يفطنون إلى السرِّ الذي حرص على كتمه، لم يصارح به حتى أقرب الأصدقاء؟

– المشغوليات كثيرة كما ترى.

عاود الخوالقة إلحاح السؤال: فلماذا لا يزورونك؟

ها هو سلامة أتى، هل يصحبه إلى الحلقة وقعدة العصر وجلسة أبو العباس، يرى الناس أن الصلة على حالها بينه وبين أبنائه؟

عاود سؤاله: كيف حالك؟

– الحمد لله!

– سكينة وإخوتك … كيف حالهم؟

أغمض عينيه في تأثر: لا إخوة لي!

ثم وهو يضغط على الكلمات: اسمي سلامة … وبقية الاسم لا أعرفه.

ارتعشت أهداب الرجل: اسمك سلامة عبد الرحمن الصاوي.

وهو يواجهه بنظرةٍ مشتعلة: عرفت كل شيء!

سكنت ملامحه بالدهشة: أنت هكذا تحيِّرني.

لاحظ سلامة، بركن عينه، نظرةً متطفلةً من الواقف وراء النصبة.

قال عبد الرحمن الصاوي وهو يتهيأ للقيام: أفضل أن نتكلم في البيت.

البداية لا يذكرها. اعتاد الجميع صراخ سكينة، واحتجاجها الدائم. الحمل ثقيل بغياب الأب، ورحيل الأمِّ — فيما بعد — في نوبة قلبية.

قال لها حسنين — ذات يوم — ممازحًا: صدقيني … لو كان بيدي إيقاف قطار الزواج، لأوقفته!

ربما كان الحديث في نفقات البيت أو المشكلات الدائمة مع الجيران. تصاعد الحوار، وامتد، وتشابك. اعتاد كلماتها المستفزة، فلم يغضب، توقفت أصابعه باللقمة في الطبق لمَّا فاجأته بالكلمات القاسية.

رمقها بنظرة غير مصدِّقة: تكرهينني لهذا الحد؟!

وهي تشيح بوجهها: هذه هي الحقيقة.

أعاد السؤال: تكرهينني؟!

صرخت: بل إنك لست أخي … لست أخانا.

أضافت من بين أسنانها: أنت ابن حرام!

وهو ينفض رأسه في غضب: تعرفين معنى ما قلتِ؟

أشارت إلى الإخوة المتشاغلين بما في أيديهم: ويعرفه هؤلاء أيضًا.

حلَّ صمت، عمقه أصوات احتكاك الملاعق بالأطباق، وقلقلة الأطباق، ورنين الأكواب، والتمطق والمضغ والبلع.

قلب الطبلية بأصابع مشنجة: تقتلني … وتواصلون الأكل؟!

أسند عبد الرحمن الصاوي ظهره إلى الكنبة الاستامبولي: لم أعُد أقوى على الحركة.

فوَّت الملاحظة: لكنك الآن ستأتي معي.

– مَن؟ أنا؟!

زفر يؤكد غضبه: لن تهدأ نفسي قبل أن تؤكد أمام الجميع أبوَّتك لي.

– وهل أنكرت ذلك؟

علا صوتُه: أبناؤك ينكرون!

همس الرجل في نفاد صبر: سلامة … لا تعذِّب نفسك، ولا تعذِّبني.

تلقَّفته أمواج تعرف المد وجزره، تكومت — فجأةً — غلالات ظلام، فلم يعُد يبصر، سرى في جسمه ما يشبه الإغماء، احتواه إرهاق، فقرر أن يقتعد الأرض حيث يقف، انثالت — بلا رابط — مئات الذكريات والصور والرؤى والأسئلة، حتى لو أعلن الرجل — أمام الجميع — أبوَّته … فهل يغيِّر ذلك من الحقيقة شيئًا؟! كلمات سكينة مزقته، فلا سبيل — منذ لحظة الطعام التي لا تُنسى — إلى استعادة ما كان.

– إذَن …

– الموضوع قديم … ولا أريد التكلُّم فيه.

ارتمى على كتفَي الرجل بأصابع متقلصة: صارحني … وإلَّا …

اغتصب عبد الرحمن الصاوي ضحكةً من أنفه: تقتلني؟!

ثم وهو يهزُّ رأسه: تريحني!

وفرد يده في وجهه: أنتظر الموت منذ سنوات.

تهاوى ذراعا سلامة: لست ابنك إذَن؟

نفض الصاوي رأسه بشدة: أسأت فهمي.

أمسك فنجان القهوة، فلامست يده يد أبيه، أدرك أنهما — ربما منذ مولده — يجلسان معًا، وقريبان للغاية، لا تفصل بينهما سوى الطاولة الرخامية الصغيرة. توقفت يده، وأطال النظر إلى وجه الرجل؛ هل هو أبوه، أو أن سكينة صارحته بما لم يكُن يعرفه؟ وأين يجد ملامحه في ملامح الرجل؟ تداخلت التجاعيد، فغابت الصورة القديمة، أكَّد غيابها سُمرة، واضحٌ أنها من الوقوف في الشمس، وليست اللون الحقيقيَّ لبشرته.

قال بتذلُّل: صارحني.

أغمض عينيه كمَن يتهيأ للنوم: علاقة مع توفيق مكوجي الرِّجل … لم أصِل — حتى الآن — إلى حقيقتها.

انتزع الكلمات: ولماذا أنا؟

– كان ذلك قبل ولادتك بأشهر.

وهو يُسلم نفسه إلى موجة اليأس: لستَ أبي إذَن.

قال عبد الرحمن الصاوي: لم أقُل ذلك.

التمعت عيناه بأمل: فهل تأتي معي؟

في نبرةٍ متباطئة: لا أقوى على الحركة.

داخَله إشفاق لهيئة الرجل، أهمل ذقنه، فاستطالت شعيراته بلا تهذيب، وثيابه متسخة، وخلا الصديري من الزرارين العلويين، فتداخلت عظام الصدر في الشعر الأشعث.

– كيف أواجه الناس؟

– لا مخلوق يعلم.

– وكيف أتصرف؟

– مثلما تصرفت في الفائت من حياتك.

– الفارق أني لم أكُن أعرف.

– هل زدت أو نقصت شيئًا، بما قالته الملعونة سكينة؟!

همس: سأقتل نفسي!

أمسكه من كتفه: تريد أن تموت كافرًا؟

وهو يضرب راحة يده بقبضة اليد الأخرى: أفضل من مواجهة نظرات الناس.

لوَّن الصاوي نبرة صوته بتهوين: ما يُهمِّك نظرتك إلى نفسك.

مال بعينيه إلى الفراغ جانبه: أشعر بالضياع والخوف.

– وما ذنبك؟

في سخرية يائسة: كان مجرَّد شك.

– ليتك تضع كلماتي في حدود ما تقصده.

بدا الشيخ كأنه يُسلم نفسه لإغفاءة.

قال سلامة ليحرك الصمت الذي كاد يخنقه: بماذا تنصحني؟

انتزع ابتسامة: لم تكُن في حاجةٍ إلى أبيك خلال السنوات الخمس عشرة الماضية … فما حاجتك إليه الآن؟

ثم تساند على نفسه: عُد إلى إخوتك قبل أن يقلقهم غيابك.

تمنى سلامة لو أن أباه وبَّخه، أو شتمه، أو طرده من البيت، يجد سببًا لإفراغ ما بنفسه؛ لماذا يتركه في وظيفته الصغيرة، ولا يكلفه بعملٍ في الحلقة، أعدَّ نفسه له قبل أن يسافر — وإخوته — إلى القاهرة. هو شيخ صيادين، له بلانساته وصبيانه، والتعب الذي يبديه يستطيع أن يريحه منه، هل لأنه يحرص على عدم رؤيته؟ هل يذكِّره بما ينفيه في بساطة البصقة؟

التفت إلى النافذة المطلَّة على شارع العوامري.

كان النهار لا يزال في أوجِه، وكانت الشجرة الجرداء قد توهَّجت في ذؤابات الأصيل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤