حنين

تطول وقفتك على شاطئ الأنفوشي. نوَّة الكرم دفعت الناس إلى البيوت. الشاطئ خالٍ، والنوافذ — بامتداد البيوت المقابلة — مغلقة، وضوء النهار تقلَّص على الجدران، رانت ظُلمة رمادية شفيفة، والسحب متراكمة، محمَّلة بالمياه، فأنت تتوقع هطول الأمطار، تتصور الكشك الملاصق للسور في وِرَش المراكب، ملاذًا من الأمطار المتوقعة، والموج يلاطم المراكب المكوِّمة على رمال الشاطئ، تتناثر خيوط المياه والرذاذ إلى منتصف الطريق، لكنك تظلُّ في وقفتك، عيناك لا تتحولان عن السطح ذي السور المتآكل، ومناشر الغسيل، والحُجرة التي يبدو أعلاها في الناحية المطلَّة على شارع العوامري، تعطيك الإشارة في وقت تطمئنُّ إليه. لا تعبأ بالبرد، وتكتفي بقميص النوم، تسند مشنة الغسيل على سور السطح، تجري على الحبال بخِرقة. معنًى تعيه ويثير أعماقك. تضع المشابك في فمها، ثم تبدأ في التقاطها، والتقاط قِطَع الثياب، تنشرها على الحبال بعرض السور، تتابع حركتها بعينين قلقتين تغيبان عن الشاطئ، والبرد، والنظرات العابرة المتوجسة. يتركز اهتمامك في الإشارة التي تتوقعها. تنهي نشر الثياب، تضع المشنة الخالية على رأسها، وتدفع باب الحُجرة المغلق بأعلى كتفها، وتمضي ناحية باب السلَّم. تعرف أن هذه هي إشارة تحركك. تعود إلى العاصفة الصاخبة من حولك، تمسح وِرَش المراكب، والشاطئ، وطريق الكورنيش، ونواصي الشوارع الجانبية، والنوافذ المغلقة، والأسطح. تطمئنُّ إلى إحكام النوَّة قبضتها. لا أحد، والمرأة تميل إلى داخل الحُجرة بدلًا من النزول داخل البيت. تعبر الطريق وقضبان الترام إلى الناحية المقابلة، تخطو في الوسعاية، إلى اليمين دكان الحاج محمد صبرة، أغلق أبوابه اتِّقاء البرد، وإن وشى الضوء — خلف الأبواب الزجاجية — بالحركة في الداخل. تعاني النظرات المتطلعة من أصدقاء الحاج محمد، إذا طالت جلستهم أمام الدكان في أيام الصفو، أو تضطرُّ إلى السَّير حتى الحجاري، والمضيِّ عبر الشوارع الضيقة الملتوية. تحاذر المشي على أرضٍ موحلةٍ لزجة، والريح تصفِّر من الأبواب المواربة، حتى باب البيت، تدخل — دون تلفُّت — فلا تفطن إلى ارتباكك عينٌ متشككة. تغوص في الظُّلمة المتكاثفة، ترفع خطواتك وتخفضهما بالعدِّ وحده، ثلاث درجات حتى تصل إلى البسطة الأولى، تدور مع السُّلَّم ٨٧ سُلَّمة، آخرها باب السطح الموارب، تنفذ منه بقايا ضوء النهار، تدفع الباب بيدٍ مترفِّقة، تطمئنُّ إلى غياب الصرير، فلا يتنبَّه أحدٌ من سكان الطوابق التحتية. في الطابق الأول — كما أخبرتك — أُسرة موظف في التعليم الإلزامي، تقضي أشهر الشتاء بالقرب من مدارس الأولاد في محرم بك. شقَّة الطابق الثاني تخلو إلَّا من عجوزين تزوج أبناؤهما، وانتقلوا إلى أحياء أخرى. أُسرتها في الطابق الثالث، يعلوها السطح مباشرة، تقيم مع زوجها وابنتها ذات الأعوام السبعة، وأمِّها التي اكتفت بأعوام عملها الطويلة في حلقة السمك، ولزمت البيت. تهمس الخطوات حتى لا تفطن الأمُّ أو الابنة، الزوج غائب — منذ عشرة أعوام — في البحار والبلاد البعيدة.

تتلقَّاك بسؤالٍ لا تبدله: هل رآك أحد؟

تجيب في همسٍ يصل — بالكاد — إليها: لا أحد!

في الخامسة والعشرين. قميص النوم الأسود، المزيَّن بالترتر، ينسدل على جسمٍ ممتلئ، يتناقض مع خصرها البادي النحافة، وشعرها أسود ناعم، عقصته في ضفيرتين، أسدلتهما على جيدها الأبيض العاري، وعلى خدَّيها غمازتان تُكسبانها — إذا ابتسمت — براءة طفلة. يمتدُّ الصمت ولحظات التوقع. هي أدرى بالظروف، ربما تكتفي — لخطرٍ تخشاه — بالكلام معك حتى ينتهي الوقت، فتطالبك بالانصراف.

تفجؤك بالسؤال: ما هذا الوشم؟

وتشير إلى الوشم على ساعدك.

تغالب ارتباكك: أبدًا … سمكة!

– لماذا؟

– أردت التعبير عن حُبِّي للبحر.

تمصمص شفتيها: أنا لا أفهمك!

تهمس في تخاذل: وأنا لا أفهم نفسي!

تضيف، لتجاوز ارتباكك: متى يعود ثروت هذه المرَّة؟

في صوتٍ تشوبه استهانة واضحة: لا أعرف! ربما بعد أسبوعين أو ثلاثة.

وتتنهد: اعتدت غيابه!

– أين هو الآن؟

وهي تسوِّي الملاءة — بتلقائية — تحتها: قال إن المركب ستذهب إلى قُرب الحبشة.

تزوي ما بين حاجبيك: بعيد!

في لهجتها المستهينة: أنا لا أعرف إلَّا أن أهلها سود البشرة!

تنبِّهها إلى سبب مجيئك: أنتِ أجمل من أيَّة بيضاء أو سوداء.

تطلق من أنفها ضحكةً مبتورة، تترك يدها لتسلِّل أصابعك، تتلمس حمَّالات صدرها، تستكين، فتنزع الحمَّالات، تدرك أنها أعدَّت نفسها لعناقك، تساعدك — برفع يديها — في خلع قميص النوم، تخلي نفسها للفعل الآتي، تتحقق الرجفة، فتستكين برأسك على صدرها.

تهمس: هل اعتبرتني سريرك؟!

كالمتنبِّه: أنت أجمل من كل شيء في الدنيا!

يعود إليها صوتها المستهين: مَن قال لك؟

بلهفة: جنَّتك التي أعشقها.

تشيح برأسها: كلام الليل …

– لو طلع مليون نهار … فسأظلُّ أعبدك!

يخالط صوتَها حدَّة: وامرأتك؟ وأولادك؟

تبدو الدوامة قريبة: هؤلاء ظروف … أمَّا أنت فدنياي كلها.

في نبرةٍ مشروخة: وأنا دنيا زوجي أيضًا … لكنه يهجرني إلى الدنيا الواسعة.

لا تحدِّثك — هذه المرَّة — عن رحلات زوجها إلى البلاد البعيدة، تثير في داخلك مشاعر صعبة ومعقدة، تدرك أنك ستبرِّئه وتغضبها، تريد أن تقول لها: البحر حياتي. وتقول: لا أحسُّ بالغربة إلَّا وأنا على الأرض. وتقول: لو مت، أتمنى أن أموت في البحر. تفتش عن كلمات ترضيها، ثم تكتفي بالصمت، تسرح فيما لم تتبيَّنه، تدفعك بأطراف أصابعها: هل تنوي المبيت هنا؟

– يا ريت!

بلهجةٍ تقطر جفوة: نَم في حضن امرأتك أحسن!

ثم وهي تدفع الضفيرتين وراء كتفيها: أو أكمل السهرة عند عشيقة أخرى.

تثني إليها نظراتٍ متسائلةً مستغربة.

يداخل صوتَها بحة: أكون حمارة لو تصورت أني المرأة الوحيدة التي تخون بيتك معها.

تهتف بانفعال: والمرسي …

تضغط على ساعدك بأصابعها: لا تُدخل الأولياء بيننا.

تهمس بالقلق: ماذا جرى لك؟

وهي تغمض عينيها: لا شيء … أنا كما أنا … لكنني أكره النفاق!

تهتف باسمها: يسرية!

– لا شيء يا مختار.

وتعاود التنهد: ثروت وحشني!

تفزُّ دون توقُّع، تسدل الملاءة حول جسمها، تسبقك إلى باب الحُجرة، تتأمل قِطَع الغسيل المنشورة على الحبال، تبدو كالأشباح المتطايرة في غياب القمر وراء السحب المتكاثفة، تلحقها، وتعُدُّ السلَّمات إلى البسطة الأولى. لا تحاول التلفُّت، حتى باب شقَّتها تغلقه فور دخولها. تغالب ارتباكك، لا يشغلك إلَّا أن يحتويك الطريق، تمضي في الضوء الشفيف، يصنعه مصباح الغاز في ناحية شارع العوامري، والنور المتسلِّل من النوافذ المغلقة، تميل في انحناءة شارع فهمي الناضوري إلى شارع السيالة، تمضي إلى قهوة الزردوني، تطالعك الصيحات المهلِّلة المتسائلة العابثة. تجلس، وتستمع، وتتكلم، وتسأل، وتردُّ، وتطلق النِّكات … لكن كلمات المرأة في حُجرة السطح تظلُّ تشغلك؛ لماذا؟ يمتدُّ الليل، ترى السؤال معلقًا في اللمبة الوحيدة خارج القهوة، تظلُّ مضاءةً حتى آخر الليل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤