الفصل الأول

طبيعة التسويق

من المرجَّح أن يكون لديك بالفعل فكرة جيدة عما يعنيه التسويق. فالتسويق في النهاية موجود حولنا في كل مكان والرسائل التسويقية تُلاحقنا طوال الوقت أثناء وجودنا في المنزل، وفي طريقنا للعمل، وفي العطلات، وحتى في أوقات استرخائنا. فصِرنا نتناقش مع الأصدقاء حول الإعلانات الجديدة وأحدث العروض أو المنتجات لعلاماتنا التِّجارية المُفضَّلة. ونتلقى تشجيعًا على أن نكتب في المدوَّنات ونُدليَ بآرائنا على مواقع المقارنة بين المنتجات. وكذلك تحوَّلنا بفضل استخدامنا لوسائل التواصل الاجتماعي من متلقِّين سلبيين للرسائل التسويقية إلى مُشارِكين نشِطين نُشارِك آراءنا وأفكارنا ومشاعرنا عن الأشياء التي نستهلكها. ولكن مع أن مخرجات التسويق مألوفة لنا، علينا تجنُّب اعتبار التسويق مجرد نشاط يقتصر هدفه على «حث الأفراد على الشراء» أو «مجرد الإعلان». فالتسويق يشتمل على أكثر من ذلك بكثير؛ إذ يتضمن أنشطة تِجارية كثيرة وضرورية، لضمان إمكانية الحصول على المنتجات والخِدمات التي ترغب فيها وتحتاج إليها، عندما وكيفما تريدها.

يوصف التسويق بأنه نشاط يهدف إلى وصول المنتج «المناسب» إلى المكان «المناسب» بالترويج «المناسب» وبالسعر «المناسب» كي يُشترى. ولكن بحسب تعريفٍ حديث وضعته جمعية التسويق الأمريكية، فإن التسويق هو مجموعة الأنشطة التي تهدف إلى تعريف الزبائن والعملاء والشركاء والمجتمع ككلٍّ بالعروض ذات القيمة لهم، وتوصيلها، وتبادلها.

يوضِّح رائد التسويق فيليب كوتلر أنه في الأسواق المشبعة بالسلع والخِدمات، صار توقُّع حاجات الزبائن ورغباتهم وتحديدها وتوفير القيمة المطلوبة لإشباع هذه الحاجات والرغبات أهمَّ من أي وقت مضى. وهكذا تحاول الشركات بكل جهدها التفوق على مُنافسيها لجذب انتباهنا وكسب ولائنا.

تتمثل وظيفة التسويق أساسًا في أنها عملية تبادل قائمة على فرضية أنني «لديَّ شيء تحتاجه، وأنت لديك شيء أحتاجه، فلْنَعقد صفقة!» ومن المفترَض أن كل طرف سيحصل على قيمةٍ ما من هذا التبادل. ووظيفة المسوِّق هي ضمان أن يكون الزبون على وعي بما يُقدَّم، وأن العرض متوافق مع أقيَم احتياجاته، سواء أكان منتَجًا أم خدمة أم فكرة (عمل خيري أو قضية خيرة). وينبغي أن يكون المشترون المحتمَلون على استعداد للاشتراك في هذه العملية التبادلية بتقديم المال اللازم أو الوقت المطلوب أو كليهما. وهذا التبادل المشترك للقيمة يجب أن يؤدي إلى تحقيق رضاء الزبائن وتَكرار التبادلات في المستقبل، وهو ما يُنشئ ولاءً لدى الزبائن، ويُعزز علاقةً قائمة على المنفعة المشتركة بين المورِّد والزبون.

تعريف التسويق

حتى يتسنى لنا فهمُ بعض الموضوعات التي سنتناولها، نحتاج لأن نوضِّح الفرق بين بعض المصطلحات الرئيسية. لنبدأ بالفرق بين «السلع» و«الخِدمات»، وبين «الزبون» و«المستهلِك». «السلع» هي منتَجات مادية يمكن صنعها وتشكيلها (إعطاؤها شكلًا) ونقلها إلى السوق. ومن الأمثلة على السلع المنتجات الاستهلاكية السريعة التداول مثل الأغذية المُعلَّبة، ومستلزمات النظافة الشخصية، والمشروبات، وهي المنتجات التي تُباع سريعًا وبسعر منخفض نسبيًّا، أو السلع المُعمِّرة والسلع الإلكترونية مثل الثلاجات والمجمِّدات والتلفزيونات ومُعَدَّات الصوت. أما «الخِدمات»، فهي عرضٌ يُقدَّم للسوق ليس له وجود مادي، لكنه يوفِّر قيمة عن طريق تفاعل بين مُقدِّم الخدمة والزبون، مثل الاستشارات والتعليم وصناعة الترفيه وخِدمات تصفيف الشعر. توصف الخدمات بأنها أنشطة غير ملموسة، ويُستفاد منها فقط وقت تقديمها، ومتغيِّرة، ولا يمكن فصلها عن مُقدِّم الخدمة. فتسريحة الشعر أو حصة ممارسة الألعاب الرياضية أو جلسة تقديم المشورة ليس لها وجود مادي مستقل، بمعنى أنه لا يُمكن تخزينها لاستخدامها لاحقًا. ولكل مستهلِك رأيٌ مختلف في كل حدث خدمي؛ إذ يرتبط كلٌّ من هذه الأحداث ارتباطًا وثيقًا بتفاعل المستهلِك مع مُقدِّم الخدمة. فتسريحة الشعر المثالية التي تليق جدًّا بشخصٍ ما قد تكون كارثيةً بالنسبةِ لشخصٍ آخر.

عادة ما يُستخدم مصطلح «المنتج» (حتى في هذا الكتاب) باعتباره مصطلحًا شاملًا يعبر إما عن السلع المادية وإما عن الخدمات، وهو شيء من شأنه أن يوفر قيمةً أو إشباعًا (أو كليهما) لمستخدِمه أو مستهلِكه في السوق. ويُعَد كثيرٌ من المنتجات التي تُشترى في وقتنا الحاضر مزيجًا من السلع المادية والعناصر الخدمية؛ ومن ثَم، فهي تقع في مكانٍ ما بين «السلع» المادية والعروض «الخدمية». فعند الذهاب إلى مطعم لتناول وجبة، فإنك تحصل على «السلع» المادية المتمثِّلة في الأطعمة والمشروبات، التي يُعِدُّها طهاة ويُقدمها لك النُّدُل، وهؤلاء هم العناصر الخدمية. وبعض المنتجات المعروضة للبيع سلعٌ مادية بالدرجة الأولى (كمِلح الطعام أو الدرَّاجات)، لكنها عادةً ما تُقدَّم للمشتري عبر خِدمات مثل منافذ البيع بالتجزئة أو المنصات الإلكترونية. أمَّا البعض الآخر، فهو أقرب إلى الخدمات الخالصة، مثل طب العظام والتأمين والتعليم. وهذه الأمثلة الخدمية، كالإقامة في الفنادق، لها جوانب مادية مهمة أيضًا مثل الأسرَّة، ومرافق مثل صالات الألعاب الرياضية أو حمَّام السباحة، وسلع مُحسِّنة مضيفة للقيمة مثل مستلزمات النظافة الشخصية في الفنادق.

لطالما كانت الفروق بين الزبون والمستهلِك محل نقاشات عديدة. الزبون ببساطة هو الشخص الذي يشتري السلع والخدمات من المُنتِج أو مُقدِّم الخدمة. أما المستهلِك، فهو الشخص الذي يستخدم المنتَج أو يستفيد من الخدمة المقدمة بالفعل. وقد يكون الزبون هو المستهلِك أيضًا، ولكن عادةً ما يكون الزبون وسيطًا مثل منافذ البيع بالتجزئة ومشتري المواد الخام، أو أصحاب حقوق الامتياز الذين يشترون الحق في استخدام اسم علامة تجارية، مثل أصحاب حقوق امتياز ماكدونالدز. لكننا ننوي في هذا الكتاب استخدام كلمة زبون لتشمل الزبائن والمستهلكين.

كيف بدأ التسويق؟

يرى البعض أن التسويق هو مفهومٌ نشأ من أنشطة البيع؛ إذ تطوَّرت الأسواق واحتدَّت المنافسة بين بائعي المنتَجات والخِدمات المختلفة، وأصبحت لدى المنظمات حاجة للترويج عن عروضها حتى تتمكن من التفوق على مُنافسيها. عادةً ما تُقسِّم المنظماتُ المبيعاتِ والتسويقَ إلى مجالَين وظيفيين مستقلين لهما موظفون مختلفون ومسئوليات وأهداف مختلفة. غير أن نشاط المبيعات في الأساس نشاط تسويقي، ويجب أن يتماشى مع الأنشطة التسويقية الأخرى.

fig1
شكل ١-١: إعلان صابون بيرز.
يُعتقد أن نشاط التسويق الذي نعرفه في وقتنا الحاضر قد بدأ مع بداية استخدام الكُتيبات الإعلانية في القرن الثامن عشر، وازدهر مع استخدام الإعلانات في الصحف اليومية في بدايات القرن التاسع عشر ومنتصفه. فاللوحات الإعلانية أصبحت شائعة في خمسينيات القرن التاسع عشر، وهو ما أدى بالفعل إلى ظهور الحملات الترويجية الجادة التي كانت مسئولة عن خلق وعي بمنتَجات وعلامات تجارية بعينها. ومن أول الأمثلة على التسويق الناجح كان استخدام «الفقاعات» (انظر الشكل رقم ١-١) لبيع صابون بيرز في أواخر القرن التاسع عشر، الحملة التي بدأها توماس جيمس بارات رئيس مجلس إدارة إيه آند إف بيرز (جدير بالذكر أنَّ شركة إيه آند إف بيرز قد اشترتها لاحقًا شركة ليفر برازرز، التي صارت الآن شركة يونيليفر المتعددة الجنسيات). استخدم بارات، الذي يُعد أول مسوِّق للعلامات التجارية في العالم، مجموعة من الأدوات الترويجية، منها شهادات الزبائن بجودة المنتج والشعارات اللفظية والصور وعروض المبيعات والهدايا لزيادة مبيعات منتجات الصابون المميزة، مع حرصه أيضًا على إتاحة المنتج على نطاق واسع وبسعر تنافسي.

ثم كانت الخطوة الكبيرة التالية في أنشطة التسويق في الخمسينيات من القرن الماضي، وذلك عندما أتاح الإعلان التلفزيوني خيارات إعلامية جديدة أوسع نطاقًا وأسرع. تُعرَّف الإعلانات بأنها الاتصالات الإعلامية المشتراة والمدفوعة الثمن التي تُقدَّم من خلال وسائل إعلامية مختلفة مثل التلفزيون والصحف، ومؤخرًا عبر المنصات الإلكترونية. وبعد هذا التطور، جاء إي جيروم ماكارثي في أوائل الستينيات من القرن الماضي ليصوغ مفهوم المزيج التسويقي (الترويج والسعر والمكان والمنتَج)، الذي أصبح أساس استراتيجية التسويق الحديث.

نطاق التسويق

يُقسَّم التسويق إلى عدد من الأنواع الفرعية أو التطبيقات المختلفة التي تركِّز على الوصول إلى فئات مختلفة في السوق. وتتمثل التطبيقات الأكثر شيوعًا في التسويق الموجَّه إلى المستهلِك، والتسويق بين الشركات أو منظمات الأعمال، وتسويق الخدمات، والتسويق غير الهادف إلى الربح، والتسويق الدولي. ونحن جميعًا مستهلِكون، وهو ما يعني أننا نستخدم السلع أو نستفيد من الخدمات التي نحصل عليها. لذا يصادفنا يوميًّا التسويق الموجَّه إلى المستهلِك متمثِّلًا في الإعلانات التي نراها، والبريد المباشر (البريد الإلكتروني والبريد الورقي التقليدي)، ورسائل العلاقات العامة التي نستقبلها، وعروض المبيعات التي نتفاعل معها، وعن طريق التسعير وخيارات التوصيل الخاصة بالمنتجات.

فيما يهدف التسويق بين الشركات أو منظمات الأعمال إلى توصيل المنظمات بالمنتجات اللازمة لتساعدها في أداء أعمالها. وفي النهاية فإنَّ طلب الزبائن لهذه المنتجات هو المحرِّك الأساسي للمبيعات بين الشركات. تتنوع هذه المنتجات وتضم عناصر مثل المواد الخام، والسلع الرأسمالية، ومستلزمات المكاتب، والاستشارات، والمنتجات التي يُعاد بيعها. ويختلف التسويق بين الشركات عن التسويق الموجَّه إلى المستهلِك (نتحدث عن التسويق بين الشركات باستفاضة لاحقًا في هذا الكتاب). أما تسويق الخِدمات، فهو يتعلق بتسويق المنتجات غير الملموسة وليس السلع المادية، ويمكن أن يتم بين منظمات الأعمال أو أن يكون موجَّهًا إلى المستهلِك، مثل تسويق الشركات التي تتيح خدمات اتصال الهواتف المحمولة بالشبكات لشركات أخرى أو مستهلِكين. إنَّ استراتيجية التسويق النموذجية التي تبدأ عناصرها الأربعة بحرف P في اللغة الإنجليزية (وهي الترويج والسعر والمكان والمنتج) غير كافية لتشمل عناصر العرض غير الملموسة، التي تتسع لتتضمن أشخاصًا ومنتجات مادية وعمليات، وهذه العناصر أيضًا كلها تبدأ بحرف P في اللغة الإنجليزية (انظر نهاية الفقرة لمزيد من التفاصيل). وهذا التوسيع للمزيج التسويقي يعني أنَّ المعلومات المختلفة التي يحتاج إليها زبائن الخدمات، مثل مهارات مُقدم الخدمة وخبراته، يُمكن إيصالها بكفاءة. فعلى سبيل المثال، قد تسوِّق شركةٌ استشاريةٌ مهاراتِ أفرادها وخبراتهم، ويكون لديها عمليات فعَّالة على شبكة الإنترنت لتقديم الخدمة، وتمنح شهادات أو فواتير أو وثائق مادية أخرى لدعم علامتها التجارية.

يتطلب التسويق الدولي تحولًا في المفاهيم أو تغيرًا من التركيز على الوفاء باحتياجات الأسواق المحلية الصغرى إلى الوصول إلى الأسواق العالمية. ولتحقيق ذلك، فإن شركات مثل تويوتا وكوكاكولا ويونيليفر تحتاج إلى إجراء تعديلات على جهودها التسويقية لتلبية حاجات زبائن يعيشون في ظروف مختلفة كالثقافات واللغات والأوضاع القانونية وظروف عوامل الإنتاج (كالبنية التحتية والموارد الطبيعية والبيئة التي تعمل فيها). شكَّلت عولمة الأسواق تحديًا رئيسيًّا لأنَّ المنظمات العالمية، وإن كان لديها خيارات كثيرة فيما يتعلق بمكان العمل ومكان البيع، عليها التكيف مع ظروف بيئية وسياسية مختلفة، وكذلك اتفاقيات تجارية مختلفة في كل منطقة.

أمَّا التسويق غير الهادف للربح، فيهتمُّ بالتعريف بأهداف المنظمات التي تقدِّم السلع والخدمات العامة، أو تلك المنتجات التي تُنتَج من أجل المجتمع، مثل اللقاحات التي تُنتجها شركات الأدوية. وفي كثير من الأحيان، تكون المسئولة عن تقديم الخدمات العامة هيئات حكومية، وتشمل تلك الخدمات الرعاية الصحية والنقل العام وخدمات المكتبات والتعليم والحملات التسويقية التي تهدف إلى تغيير السلوك المجتمعي، كالإعلانات التي تهدف إلى الحد من تناول الكحوليات أو التدخين. هذا وقد صُمِّم شكلٌ آخر من أشكال التسويق غير الهادف للربح من أجل الجمعيات الخيرية لمساعدتها في جمع التبرعات لقضايا مهمة، مثل دعم منطقة تعاني مجاعةً أو منع إساءة معاملة الأطفال والحيوانات، أو ترميم المباني التاريخية.

ما قيمة الزبون؟

يصف بيتر دويل، أحد رواد التسويق الأكاديميين، القيمة بأنها عنصر شخصي يتوقف على مشاعر المشاركين وتصوراتهم. وعليه، فإن «القيمة» عنصرٌ متغيِّر يعتمد على وجهة نظر المشاركين في عملية التبادل. ويمكن أن تأخذ القيمة أشكالًا كثيرة، منها القيمة الوظيفية (كيف يمكن استخدام المنتج)، والقيمة النقدية (العائد المادي)، والقيمة الاجتماعية (التي تنشأ نتيجة للتفاعل)، والقيمة النفسية (جعل الأفراد يشعرون بشعور أفضل). وتستند القيمة القائمة على وجهة نظر الزبون إلى مقارنة السلعة أو الخدمة بمثيلاتها في السوق. ولتقديم شيء ذي قيمة، يجب أن يعي المسوِّقون حاجات زبائنهم ورغباتهم وطلباتهم، فضلًا عن القدرة على تقديم عروضهم بأنفع الطرق.

أدى هذا التركيز على قيمة الزبون إلى وضع مفهوم المشاركة في خلق القيمة؛ إذ يتفاعل البائع والمشتري ويتعاونان لابتكار منتجات جديدة أو استحداث استخدامات لمنتجات قائمة. تُخلَق القيمة أثناء التفاعل بين الطرفين، ويمكن أن تتخذ هذه القيمة العديد من الأشكال المختلفة، من بينها تبادل المعرفة، والتعرف على الاستخدامات المختلفة للمنتَج أو الخدمة، وزيادة الربحية أو خفض التكاليف، وخلق علامة تجارية مميزة. والجزء المهم في عملية المشاركة في خلق القيمة هو أنها تتم من خلال التفاعلات بين الطرفين، مثل المشتري والبائع. فعلى سبيل المثال، يتواصل المهندسون المعماريون مع زبائنهم عند تصميم أحد المباني، بحيث تُخلق قيمة إضافية من خلال تبادل الأفكار والمعلومات.

خلق القيمة من خلال نهج التركيز على السوق

احتدمت المنافسة داخل الأسواق احتدامًا كبيرًا على مرِّ العقود القليلة الماضية. واستجابةً لذلك، فقد اعتمدت العديد من المنظمات ما يُسمى عادةً بالنهج المُوجَّه نحو السوق؛ إذ تركِّز المنظمة ككلٍّ على تلبية حاجات زبائنها، وهو ما يتيح لها تحقيق مستوًى أفضل من القيمة المقدَّمة للزبائن ورضاهم لجذبهم والاحتفاظ بهم. وتُعَد شركة أبل مثالًا للمنظمة الموجَّهة نحو السوق؛ إذ تركِّز على تقديم أفضل تجربة ممكنة للزبائن. فالشركة تتيح سلعًا وخدمات أيضًا من أجل حل التحديات التي يُواجِهها المجتمع في مجالَي الاتصالات والترفيه. وينصبُّ تركيز الشركة كله على زبائنها وعلى تقديم ما يريدون. فقد أنشأت مساحات تفاعلية للبيع بالتجزئة يمكنها من خلالها أن تلتقي زبائنها، وأنشأت منصات إلكترونية عبر الإنترنت تقدِّم الدعم للزبائن، وكذلك مساحات لتوعية الزبائن بمنتَجاتها وخدماتها. وكذلك ابتكرت أبل مجموعاتٍ جديدة من تطبيقات البرمجيات لزيادة تفاعل الزبائن مع منتَجاتها، عِلاوةً على ابتكار منتَجات جديدة باستمرار، وتحديث المنتجات الحالية لتلبية حاجات الزبائن المتغيرة. وبهذه الطريقة، فقد أدى نهج أبل الموجَّه نحو السوق إلى زيادة المبيعات وجعل الزبائن شديدي الولاء للشركة.

حاجات الزبائن ورغباتهم وطلباتهم

من الضروري أن تكون المنظمات على دراية بحاجات زبائنها ورغباتهم وطلباتهم (انظر الشكل رقم ١-٢). وتُعَد حاجات المجتمع هي العناصر الأكثر إلحاحًا، وترتبط بالأشياء التي نحتاج إليها من أجل البقاء وعيش حياة مزدهرة. ومن ثَم، فإن الشركات التي تبيع المنتَجات التي تلبِّي هذه الحاجات ستحظى على الأرجح بطلب مستمر لما تقدِّمه.
fig2
شكل ١-٢: حاجات الزبائن ورغباتهم وطلباتهم.

تتضمن الحاجات الحصول على ما هو ضروري للبقاء مثل الغذاء والملبس والمأوى، ولكن حالما تُلبَّى هذه الحاجات الأساسية، تظهر حاجات غير ملموسة بدرجة أكبر مثل مشاعر الانتماء والحب أو حاجة الفرد للتقدير والتعبير عن الذات. وتُعَد الرغبات أقل إلحاحًا من الحاجات؛ لأن ما يتحكم في الرغبات هو ميولنا واهتماماتنا الحالية المراد إشباعها، وهذه تتغير مع تغير المواقف ونمط الحياة السائد ومع مرور الوقت. فربما ترغب في الحصول على جهاز لوحي رقمي من أجل الترفيه فقط، لكنك قد تحتاج إلى جهاز كهذا لتأدية عملك على نحو أكثر فعالية. وينشأ الطلب من القدرة التراكمية للمستهلِكين على تلبية حاجاتهم ورغباتهم من خلال المشاركة وشراء سلع وخدمات محدَّدة. وقد ينشأ الطلب أيضًا من اهتمامات اجتماعية، مثل الطلب المتزايد على السكر المنخفض في الطعام، أو عدم تشغيل عارضات أزياء طويلات شديدات النحافة، بل عارضات يعكسن تنوع المجتمع. ونتيجةً لذلك، تتغير رغبات الزبائن وطلباتهم باستمرار. ويُعَد تتبُّع هذه التغييرات من المهام الأساسية لعلم التسويق، ويتحقق بإجراء أبحاث السوق (انظر الفصل الثاني).

المزيج التسويقي

منذ ستينيات القرن الماضي، استُخدمَت العناصر الأربعة التي تبدأ بحرف P في اللغة الإنجليزية في التسويق لبلوغ الأهداف التسويقية؛ هذه العناصر هي السعر (القرارات التي تتعلق بوضع قوائم الأسعار وتحديد أسعار الخصم والعروض الخاصة)، والمكان (القنوات المباشرة أو غير المباشرة إلى السوق، حيث تُباع المنتجات)، والمنتج (وهو ما يعرضه النشاط التجاري للبيع)، والترويج (الاتصالات التسويقية، التي تشمل الإعلانات والعلاقات العامة والبيع المباشر وعروض المبيعات). يمكن تكوين مزيج تسويقي لكل مجموعة زبائن عن طريق تحديد الكيفية التي ينبغي بها تنسيق كل عنصر ضِمن المزيج. غير أنَّ طبيعة التسويق تغيَّرت على مرِّ السنوات العشرين الماضية لتشمل الخدمات، وأُضيفت إلى العناصر الأربعة التقليدية التي تبدأ بحرف P باللغة الإنجليزية ثلاثة عناصر أخرى تبدأ بحرف اﻟ P أيضًا، وهي الأشخاص (التفاعل الإنساني المصاحب لتقديم الخدمة)؛ والدليل المادي (العناصر غير البشرية التي تدخل في تقديم الخدمة، مثل المعدات والأثاث والمرافق)؛ والعملية (مجموعة الأنشطة التي تؤدي إلى إيصال فوائد المنتج) (انظر الشكل رقم ١-٣).
fig3
شكل ١-٣: المزيج التسويقي الموسَّع.

أيًّا كان نوع المنتج الذي يُسوَّق، سواء أكان خدمة أم سلعة، فإن وظيفة التسويق هي تحديد ما ترغب فيه كل مجموعة زبائن، ووضع مزيج تسويقي مبني على نقاط قوة المنظمة وينقل إلى الزبون قيمة ما تعرضه (انظر الفصل الثالث). ويمكن دمجُ متغيِّرات المزيج التسويقي بطُرقٍ مختلفة لتكوين الوصفة «المناسبة» لمجموعة مستهدَفة معيَّنة. وهذه الوصفة تستند إلى فهم المنظمة لحاجات الأسواق المستهدَفة ورغباتها وطلباتها.

يقوم عنصر «المنتج» ضِمن المزيج التسويقي على كيفية تصميم المواصفات الخاصة بالسلع أو الخدمات الفعلية أو تعديلها بحيث تلبِّي حاجات الزبائن. وفور التوصل إلى تصميم عام للمنتَج، يمكن لفريق التسويق تشكيل المنتَج بحيث يلبِّي حاجات الزبائن المستهدَفين المختلفين. وهذا لا يعني بالضرورة تغيير التصميم الأساسي أو الجوهري للمنتَج تغييرًا جوهريًّا، بل يعني تعديل طريقة التغليف والتعبئة والسمات الإضافية (كالضمانات وتوافر الألوان) للمنتَج أو الخدمة بما يجذب كل مجموعة مستهدَفة. ويُعَد اسم العلامة التجارية جزءًا أساسيًّا من عنصر المنتَج في المزيج التسويقي؛ إذ يشير إلى جودة العرض ككلٍّ وقيمته (انظر الفصل الخامس). فمنتَجات شركة هاينز، المصنِّعة للأغذية المعالَجة، مُشابِهة جدًّا لمنتَجات مُنافسيها، لكنَّ الزبائن يثقون في أنَّ الاسم التجاري لشركة هاينز يُشير إلى الجودة العالية لمنتَجاتها وموثوقيتها، وهذا يوجِّه قرارات الزبائن عند اختيار المنتَجات.

ويشير عنصر «المكان» (المعروف أحيانًا باسم القناة) ضِمن المزيج التسويقي إلى كيفية توصيل المنتَج أو الخدمة إلى السوق. فالمسوِّقون ينبغي أن يكونوا قادرين على تحديد المكان الذي يتوقع الزبائن العثور فيه على هذه الأنواع من المنتَجات والظروف التي يكونون فيها على استعداد لشرائها. وتُباع بعض المنتَجات أساسًا عبر وُسطاء مثل تُجار التجزئة، فيما قد يُباع البعض الآخر للزبائن مباشرةً. وغالبًا ما تُقدَّم الخِدمات مباشرةً من المورِّد، كمنتَجات شركة مايكروسوفت مثلًا. وبالرغم من إمكانية شراء الخدمات عن طريق وسيط، يتوجب على الزبائن في كثير من الأحيان أن يتعاملوا مع مقدِّم الخدمة للاستفادة منها. فعلى سبيل المثال، يشتري الزبون حق استخدام برامج مايكروسوفت، ولكن يجب عليه الولوج إلى موقع مايكروسوفت على الإنترنت لتنزيل البرنامج. وعليه، فإن «المكان» يشمل جميع حالات البيع بالتجزئة، أو البيع بالجملة، أو المناطق الجغرافية، أو المنصات الإلكترونية على الإنترنت، أو المبيعات المباشرة التي يمكن الحصول منها على المنتَج (انظر الفصل السادس).

أمَّا «الترويج» (الذي عادةً ما يُسمَّى الآن بالاتصالات التسويقية)، فيشمل جميع الوسائل التي تلفت انتباه الزبائن المحتملين إلى المنتج، بما في ذلك الإعلانات وعروض ترويج المبيعات والعلاقات العامة والرعاية التجارية والتسويق المباشر (عن طريق الإنترنت أو من دونه) والبيع الشخصي (انظر الفصل الخامس). وقد أدى إنشاء منصات مواقع الإنترنت إلى زيادة فرص التسويق باستخدام العروض الترويجية، لكنَّ منصات التواصل الاجتماعي كانت أهمَّ عوامل التطور الهائل في العروض الترويجية التسويقية، من حيث تأثيرها في تحسين التواصل عبر الإنترنت بين المنظمة والزبائن المحتمَلين. وقد أسفرَ التطور في الأجهزة المحمولة، كالهواتف الذكية والأجهزة اللوحية التي تعمل بتقنية الجيل الرابع أو الخامس، وشبكة الواي فاي العامة ذات النطاق الواسع، عن إتاحة طريقة جديدة ومرنة تمامًا للتواصل مع الجماهير من جميع الفئات العمرية. ونتيجةً لذلك، فقد غيَّرت وسائل التواصل الاجتماعي «العروض الترويجية» إلى الأبد؛ إذ تتيح للبائعين الفرصة لتغيير توقعات الزبائن دومًا وباستمرار.

وأمَّا عنصر «السعر» في المزيج التسويقي، فهو عمليةُ وضعِ سعرٍ مناسب لتسويق المنتَج به. وينبغي أن يعكس السعر ندرة المنتَج المعروض وجودته، لكنه يجب ألَّا يتجاوز ما يرغب السوق في دفعه. وهذا لا يعني أن المسوِّقين لديهم سيطرة كاملة على متغيِّر السعر داخل المنظمة. فعملية التسعير مثلًا من المرجَّح أن تتأثر بالعديد من العوامل، من بينها تكلفة إنتاج السلع والخدمات. غير أنَّ قسم التسويق قادر على إجراء تعديلات ضمن حدود معيَّنة، بحيث يعكس السعر القيمة المقترَحة (انظر الفصل الرابع). وعِلاوةً على ذلك، فإنَّ سعر العرض لا يشمل الجوانب المالية فقط، ولكن أيضًا التضحيات المطلوبة للحصول على المنتَجات المرادة، من حيث الوقت والجهد (انظر الفصل السادس).

تسويق الخدمات

أدى نموُّ عروض الخدمات، مثل الترفيه والخدمات البنكية والخدمات الشخصية والنقل، إلى توسُّع المزيج التسويقي ليصبح سبعة عناصر تبدأ بحرف P في اللغة الإنجليزية، فقد أضيفت عناصر الأشخاص، والدليل المادي، والعمليات (انظر الشكل رقم ١-٣). ويشكِّل تسويق الخدمات تحديًا؛ إذ يوجد العديد من المتغيِّرات المتعلقة بتقديمها، ويوجد تنوعٌ أكبر في التصورات المتعلقة بجودة العرض. فعندما تذهب إلى المسرح لمشاهدة مسرحية جديدة، قد تكون هذه تجربة ممتِعة جدًّا بالنسبة لك، ولكنها قد لا تكون كذلك للشخص الجالس بجوارك. ويمكن أن يعتمد هذا الاختلاف على التجربة الشخصية للفرد في الحصول على التذاكر والوصول إلى المسرح (عملية الحضور)، وتفاعلاته مع موظفي المسرح، أو حتى معرفته السابقة بمهارات الممثلين (الأشخاص) وتوقعاته بخصوصها، وكذلك تقييمه للبيئة المادية للمسرح أو جودة العرض أو كليهما. ويشير هذا بوضوح إلى سبب توسُّع المزيج التسويقي إلى سبعة عناصر أساسية، ليشمل أركان الخدمة التي لها تأثير مباشر على تجربة الزبون.

تكمُن الصعوبة في أنَّ القدرة على التحكم في هذه العناصر الثلاثة أقل من القدرة على التحكم في العناصر الأربعة الأصلية. فعنصر «الأشخاص» يعتمد على كثير من العوامل الخارجية كالتدريب الذي حصل عليه مقدمو الخدمة، وسلوكياتهم والمهارات التي يمتلكونها. وقد لا يكون الأشخاص الذين يقدمون الخدمة جزءًا فعليًّا من المنظمة المقدمة للخدمة؛ لأنهم ربما يكونون مُعيَّنين من وسيط أو حتى مُستعانًا بهم من مصادر خارجية. وتُعَد «العمليات» (بما في ذلك خدمة العملاء) عناصر متغيرة أيضًا، وهي تعتمد على طبيعة الخدمة والقيود الزمنية ومستوى المهارات التنظيمية ومرافق تكنولوجيا المعلومات والموارد الأخرى المتاحة للمنظمة المقدِّمة للخدمة. وقد يؤثر الدليل المادي المُقدَّم (أي البيئة وجودة الموقع الإلكتروني والتوثيق) أيضًا في القيمة المتصوَّرة للخدمة؛ لأنَّ بعض الزبائن قد يعتبرونها ممتازة، بينما يعتبرها آخرون متوسطة. فعلى سبيل المثال، تنتقي شركة أبل موظفي البيع بالتجزئة (الأشخاص) بعناية، وتوفِّر لهم تدريبًا مستمرًّا متواصلًا، وتقدِّم مجموعة ممتازة من القيم المنظماتية لتسيير العمل بها. وكذلك تفرض أبل تحكمًا دقيقًا على بيئة البيع المادية التي تُقدَّم فيها المنتجات أو الخدمات في مختلف أنحاء العالم (الدليل المادي)، وتُقدِّم دعمًا فنيًّا ممتازًا لمنتجاتها. وأخيرًا، تتسم عملياتها بتنظيم مُحكَم جدًّا، وهو ما يتيح توصيل المنتَجات والخدمات إلى الزبائن بسلاسة، مع توفير أنظمة نَسخٍ احتياطية ممتازة (عمليات).

ويُمكِن تشكيل المزيج التسويقي الخاص بالخدمات لتلبية حاجات فئات مختلفة داخل سوق واحدة؛ فعلى سبيل المثال، تقدِّم شركة الخطوط الجوية البريطانية استراتيجيات تسويقية مختلفة لفئات مستهدَفة مختلفة. صحيح أنَّ الخدمات المقدَّمة لركاب الدرجة الاقتصادية تشمل نفس خدمة النقل الآمن الفعَّال المقدَّمة لركاب درجة رجال الأعمال والدرجة الأولى؛ لأنهم جميعًا على متن الطائرة نفسها. لكنَّ عنصر السعر مختلف كليًّا، كما يختلف عنصر الأشخاص أيضًا بسبب مستوى الخدمة المقدَّمة في كل مقصورة. أما عنصر «العملية»، فهو أكثر تفاعليةً في الدرجة الأولى، والعناصر المادية المُقدَّمة لركاب درجة رجال الأعمال والدرجة الأولى، كالمقاعد والطعام، أفضل من تلك التي تُقدَّم لركاب الدرجة الاقتصادية.

يجب أن يكون التسويق متركِّزًا حول الزبون؛ إذ إن هدفه هو تلبية حاجات الزبائن وتقديم قيمة عالية من أجل خلق مِيزة تنافسية. ويجب توصيل هذه القيمة بطريقة تعود بالنفع على كلٍّ من المنظمة والزبون. فالمنظمة تُقدِّم «وعودًا» في اتصالاتها التسويقية بأن السلع أو الخدمات ستُسعِد المتلقِّي بطريقة أو بأخرى، ويجب أن تهدف كل قدرات المنظمة إلى تحقيق هذه الوعود. وتُعَد قدرات المنظمة مزيجًا من المهارات والعمليات التي تستخدمها لإنتاج المنتجات أو الخدمات التي تشتهر بها. ولا تتساوى كفاءة الشركات في كل المهارات والعمليات؛ فلكل شركة نقاطُ قوة ونقاط ضعف متنوعة. بالتأكيد توجد بعض الحالات التي يتحتم فيها تقديم تنازلات، ولكن بشكل عام، فالشركات الأنجح هي تلك التي تستخدم نقاط قوتها وقدراتها من أجل تقديم عرض يلبِّي حاجات زبائنها على أفضل وجه. هذا ويختص مجال التسويق بمسئولية تحديد متطلبات الزبائن من خلال إجراء أبحاث السوق، ومن أجل وضع استراتيجية من شأنها توصيل قيمة العرض النهائية إلى السوق؛ ومن ثَم خلق ولاء لدى الزبائن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤