الفصل الأول

البداية

سيرغب القارئ في معرفة ما يدور حوله هذا الكتاب؛ أيْ كيف سيتعامل مع الأسئلة الصعبة المطروحة حول الطاقة والبيئة، ومع الاحترار العالمي على وجه الدقة. وتهدف خطة الكتاب إلى تناوُل هذه الأمور من وجهتَيْ نظرٍ متداخلتين؛ واضعةً في الاعتبار الخيارات الفنية المتوفرة، ولكن في سياق القرارات السياساتية والمفاوضات التي ترتبط بها ارتباطًا وثيقًا. وفي كلا هذين المجالين، نخاطب القارئ العادي غير المتخصص. ونرسم سياسات مهمة يمكن أن تُحدِث فارقًا عند تنفيذها، ونقترح خطوات محدَّدة ونضع قائمة أولويات.

(١) وجهة النظر المتَّبَعة

هذا كتاب يسعى إلى التنقُّل بين نقيضين. فنحن نعتقد أن ظاهرة الاحترار العالمي تَحدث وأن تصرفات البشر عامل رئيسي في ذلك الاحترار، ولكننا لسنا مقتنعين بأن كل شيء سيضيع إذا لم تُطبَّق على الفور وفي كل مكان تغييراتٌ هائلة في السياسات وأنماط الحياة؛ فلدينا وفق حساباتنا «فرصة سانحة» لفترة من عشرة إلى عشرين عامًا لوضع سياسات ستكون فاعلة في تسهيل التكيُّف مع المستويات الحالية من الاحترار العالمي، والتخفيف من أسوأ آثار الزيادة الخطيرة للغاية والطويلة الأمد في درجات الحرارة العالمية. سوف تكون هذه السياسات مكلِّفة، وسوف تتطلب مواءمات صعبة على نحو متزايد بينما يجري تدشين اقتصادِ طاقة جديدٍ، وسوف تحدث «صدمات» سياساتية وأخطاء مكلفة على طول الطريق، ولكن التغييرات لن تكون بالغة التكلفة أو مستنزفة بما لا طاقة لنا به ولن تُباغتنا «إذا» لم نستخدم الشكوك والصراعات الأيديولوجية كأعذار للمماطلة. وسوف نناقش هذه الأمور كلها بمزيدٍ من التفصيل في الفصول التالية.

نظرًا لثبوت أن الكثير من توقعات تغيُّر المناخ بالغَتْ جدًّا في التفاؤل — إذ تَبخس جسامة الأحداث الفعلية قدرها — فمن الممكن أن تزول الفرصة السانحة بسرعة أكبر مما نتوقَّع الآن. ولإدراك وجود احتمال أن مثل هذا الوضع التعيس يمكن أن يحدث، فإننا بحاجة إلى أن نكون مستعدين لتنفيذ بعض الاستجابات الأكثر تطرُّفًا — وفي بعض الحالات المثيرة للجدل — بسرعة كبيرة حيال الاحترار العالمي. ولهذا السبب، تتَّبع اقتراحاتنا السياساتية المذكورة في الفصول التاسع والعاشر والحادي عشر استراتيجية ذات مسارين: مسار «طبيعي» في العقدين القادمين يسعى لإقامة عملية سياساتية تعمِّق قدرتنا على التعامل مع آثارِ الاحترار الذي حدث وسيستمر في الحدوث، وتخفيفِ آثاره، وإدامة هذه العملية السياساتية؛ ومسار «غير طبيعي»، يركِّز في البداية على نفقات الأبحاث المعززة التي تسعى إلى تفادي الأسوأ والحد من الأضرار الناجمة عمَّا لا يمكن تفاديه. يوجد تشابه بسيط هنا مع استجابة إدارة أوباما نحو الخطر الذي هدَّد مؤخرًا النظام المالي في الولايات المتحدة، وكذلك النظم المالية في جميع أنحاء العالم؛ ففي هذه الحالة، تم اللجوء إلى استجابات سياساتية متعددة الأبعاد وواسعة النطاق للحيلولة دون حدوث انهيار مدمِّر. قد تظهر الحاجة إلى استجابة طارئة مماثلة إذا أصبح المسار غيرُ الطبيعي واقعًا، ولكن توجد احتمالات معقولة لتفادي مثل هذه النهاية.

نريد أيضًا أن نكون مُنْصفين في تحليلنا، بحيث لا نكون من منكري تغير المناخ تمامًا، أو من المدعين الأيديولوجيين الذين يبحثون فحسب عن مكسب حزبي من النقاش حول تغير المناخ، بل أن نكون من المحلِّلين الذين يعتقدون أنه يمكننا التعامل مع المشكلة على نحو أكثر فاعليةً وبتكلفة أقل من خلال مجموعة متنوعة من الوسائل الأخرى. إنَّ علم وسياسة تغير المناخ يتطوران باستمرار، وتظهر معلومات جديدة من مجموعة متنوعة من المصادر، وتنشأ تكوينات جديدة من القوة السياسية والرأي العام باستمرار. من المهم أيضًا التأكيد على أنه مهما كانت درجة اتفاق الآراء في الأوساط العلمية والسياسية، فإن العامة بوجه عام مشوشون أو مترددون أو غير مبالين عادة بالنقاش حول الاحترار العالمي؛ هم مركزون في المقام الأول على القضايا الاقتصادية (الوظائف والرهون العقارية والمعاشات وغيرها)، وبالنسبة إليهم يمكن لآثار تغيُّر المناخ الطويلة المدى أن تنزل بسهولة إلى موضع متدنٍ على أجندتهم السياسية (أو الشخصية). ومن ثَم، أظهرت دراسة حديثة أن الاحترار العالمي كان في المركز العشرين على قائمة القضايا ذات الاهتمام للناخب التقليدي، وهذا له آثار واضحة على ما هو مرجح — أو غير مرجح — أن يكون مجديًا أن تفكر فيه أيُّ حكومة. سوف نعود إلى مسألة آثار الرأي العام في وقت لاحق، وخاصة في الفصل الحادي عشر.

ربما يجدر أيضًا التعليق على الجدل الذي دار في ديسمبر ٢٠٠٩ بشأن رسائل إلكترونية بين عدد من العلماء في جامعة إيست أنجليا تم اختراقها (على نحو غير قانوني). على ما يبدو كشَف عددٌ قليل من الرسائل بعضَ الجهود الطفيفة من قِبَل قليل من العلماء لإخفاء انخفاضٍ حديثٍ في درجات الحرارة، ومنع نشر بعض المقالات التي كتبها بعض منكري الاحترار العالمي.1 ولما كانت الرسائل المخترَقة قد سُرِّبت في الوقت الذي جرى فيه افتتاح مؤتمر كوبنهاجن، أدَّى ذلك إلى إرباك العامة وقدَّمَ ذريعة (وإن كانت زائفة) لمعارضي اتخاذ إجراء سريع نحو اقتصاد طاقة جديد. ومن ثَمَّ، استشهد المندوب السعودي في مؤتمر كوبنهاجن بالرسائل الإلكترونية المسرَّبة في كلمته الافتتاحية كسبب لتأجيل اتخاذ الإجراء، مضيفًا — على نحو غريب للغاية — أنه ينبغي تحت أيِّ ظرف تعويض البلدان المصدِّرة للنفط عن أيِّ خسائر اقتصادية محتملة، إذا بدأت مصادر الطاقة المتجددة تحل محل المواد الهيدروكربونية في اقتصادات الوقود. ولكنه مع ذلك لم يعرض تعويضات موازية من جانب الدول المصدرة للنفط لإعادة أرباحهم التي هبطت عليهم من السماء إلى أولئك الذين تضرَّروا بسببهم. والأكثر تخييبًا للآمال هو أن العلماء في إيست أنجليا انتهكوا المعايير المهنية الخاصة بهم؛ ولكن بنظرة أوسع، لا يشكِّل ذلك فارقًا كبيرًا.2 توجد أدلة مادية وفيرة على الاحترار العالمي، وبالفعل ردَّتِ المنظمة العالمية للأرصاد الجوية على هذا الغضب بإصدار تقرير جديد يشير إلى أن العَقد من ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٩ كان الأكثر احترارًا على الإطلاق. مع ذلك، ليست المحاولة الفاشلة لدحض الاحترار العالمي هي الأكثر أهميةً هنا، وإنما مدى تحوُّل النقاش في حدِّ ذاته إلى حرب أيديولوجية تبدو فيها أيُّ أو كل وسائل المقاومة مقبولةً لدى الطرفين.

ليس المقصود من هذه التعليقات إنكار أنه لا تزال هناك العديد من الشكوك حول سرعة الاحترار، وحول الآثار المترتبة على درجات الاحترار المختلفة، وحول أفضل السبل للتعامل معه، وحول تكاليف الخيارات المختلفة. ومع ذلك، ما هو «مؤكد» هو أن الاحترار العالمي قد حدث ويحدث بِوَتيرة مثيرة للقلق، وأن تأخير رد فعلنا سيكون أمرًا غير مسئول؛ فتوجد أمور مؤكدة وكذلك شكوك في هذا الجدل، ولا ينبغي أن تُستخدَم الشكوك في تسويغ الإحجام عن اتخاذ إجراء. لقد حاولنا فيما يلي تجاوز الحروب الأيديولوجية، والتركيز بدلًا من ذلك على ضرورة تدشين عملية سياساتية توفِّر تأمينًا — كما يأمل المرء — ضد الأسوأ لأنفسنا وللفئات الأكثر ضعفًا واستدامة هذه العملية. يبدو أنه من غير المتوقع تسوية الكثير من الشكوك لسنوات أو عقود قادمة، ولكن يمكن التعامل معها بسهولة أكبر إذا أمكن التلاقي حول اتفاق الآراء — محليًّا ودوليًّا — على ضرورة أن نتحرك «الآن» لمكافحة التغيرات المناخية التي حدثت وتحدث، والبدء في الاستعداد لتلك التي قد تحدث بوتيرة متسارعة في السنوات المقبلة. والعقبات التي تحول دون تحقيق هذا الاتفاق في الآراء شديدةٌ، كما سنرى، ولكننا سوف نناقش بعض مخاطر عدم القيام بذلك فيما يلي.

تعهدنا في هذا الكتاب بتقديم منهج عملي لتناول مجموعة واسعة من التحديات، ولكن ندرك أيضًا أن كثيرًا من القراء يريد شرحًا إضافيًّا حول بعض القضايا الفنية، حتى عندما يكونون على دراية كافية فيما يتعلَّق بالتداعيات السياسية. ونتيجة لذلك، يتناول العديدُ من الفصول التالية الأفكارَ العلمية التي تشكِّل الأساس للعديد من المقترحات الفنية المذكورة ويشرحها، والهدف في كل حالة هو تقديم خلفية كافية لفهم أكمل للتفاصيل التي تنطوي عليها.

يضع فصل «نظرة عامة على نطاق العمل» مناقشة الطاقة في إطار دولي من خلال معالجة مسائل العرض والطلب على أنواع الوقود الحفري الرئيسية في ضوء الزمان والمكان. ونقدم الوحدات الشائعة لقياس الطاقة والكهرباء (الميجاواط والجيجاواط) ووحدات قياس كميات النفط (الجالون والبرميل) من أجل تذليل المقارنات الكمية اللاحقة. وسوف تُستخدم بعد ذلك في فحص الأرقام المعروفة — سواء الحقيقية أو المشكوك في صحتها — بشأن الاحتياطيات الطويلة المدى. وفوق كل ذلك، يركِّز النقاش على إدراك أن الطاقة قابلة للتحويل، وعلى فكرة أن البشر لا يصنعون الطاقة، ولكن بدلًا من ذلك تَعلَّمْنا تحويلها من صورة متاحة إلى أخرى أكثر فائدةً لأغراضنا. تشكِّل هذه الفكرة الجوهرية أساسَ كل الأعمال الهندسية الرائعة التي سبَّبت تغييرات جذرية في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية في القرنين التاسع عشر والعشرين المنقضيَيْن، وهي الأساس الذي بُنِي عليه الفصلان التاليان حول «الطاقة المتجددة» و«تخزين الطاقة».

في الفصلين الخامس والسادس، تناولنا الطاقة الشمسية وارتباطاتها مع التكنولوجيات المختلفة الخاصة بالوقود الحيوي وطاقة المياه والرياح. ولكن ثمة أيضًا أسئلة مهمة يجب طرحها والإجابة عليها حول الطاقة التي تُوصَف بأنها طاقة متجددة؛ وذلك لأن عددًا كبيرًا من النتائج السياسية والاقتصادية تعتمد على تعريف هذا المصطلح. وبما أن مصادر الطاقة المتجددة تحصل على المنح الحكومية والمزايا الضريبية في كلٍّ من الساحتين المحلية والدولية، فمن المهم تقييم إنْ كان المستفيدون من المعاملة التفضيلية في الواقع يُسهمون في الأهداف التي حفزت وضع التشريعات في المقام الأول، أو إن كانوا مجرد متطفلين يبحثون عن الربح من خلال توصيفهم بأنهم متعهدو سلع أو مصنعون لمعدات يمكن وصفها بأنها متجددة.

يستعرض فصل «تخزين الطاقة» مجموعة واسعة من التكنولوجيات القائمة و/أو المقترحة التي تخدم هذا الغرض، ويسلِّط الضوء على نقاط القوة والضعف لكلٍّ منها. ويأخذ الفصل بيد القارئ لفهم السبب في أن التخزين الموسع أمر حيوي في تطوير جميع مصادر الطاقة المتجددة، ولإدراك أن بعض التكنولوجيات هي في الواقع أجهزة تخزين، مع أنها قد لا تبدو على الفور ضمن هذه الفئة.

ويتقصى الفصل السابع القيود السياسية المحلية والدولية التي أخَّرت أو عرقلت الاستجابة السريعة والفاعلة حيال تغيُّر المناخ. ربما نعلم، بوجه عام، الكثير من الأشياء التي يجب أن نفعلها، ولكن إن لم نتمكن من إزالة أو إصلاح العقبات السياسية، ربما نجد أنفسنا نتعامل مع الاحترار العالمي باعتباره كارثة ناشئة. وينتقد الفصل السابع فشل المفاوضات في الماضي، وفي الوقت ذاته يُرسي ما يمكن القيام به لتحسين آفاق إجراء مفاوضات أنجح في المستقبل. ويضيف الفصل الأخير «آفاق ما بعد كوبنهاجن» بعض التعليقات الأخرى حول إمكانيات الإصلاح.

أما الفصول الثامن والتاسع والعاشر، فموجَّهة نحو المستقبل القريب ولكن ليس القريب للغاية؛ فنقترح سلسلة من الخطوات التي ينبغي اتخاذها ووضعها في شكل قائمة أولويات مع تحديد تواريخ لها. ويقع كثير من هذه التحركات في عالم التكنولوجيا، ولكنها تشمل أيضًا خطواتِ تفاوض وتغيير في السياسة على المستوى الدولي وكذلك المحلي. ويبدو في بعض الأحيان أن التفاوض مع الكونجرس الأمريكي لدينا صعب، وأحيانًا أكثر صعوبةً من التوصُّل إلى اتفاق في الخارج.

يناقش الفصل الحادي عشر ما حقَّقه مؤتمر كوبنهاجن في ديسمبر ٢٠٠٩ وما لم يحققه؛ هل كان تمرينًا مفيدًا في وضع السياسات الدولية، أم كان مضيعة للوقت والموارد؟ وسوف نعود أيضًا في هذا الفصل إلى بعض الأسئلة السياسية المتروكة دون إجابة في الفصل السابع، لا سيما حول تأثيرات الرأي العام وإمكانات الإصلاحات التي قد تولِّد استجابات أكثر فاعليةً لتغيُّر المناخ.

الموضوع الرئيسي الذي سنتناوله يمكن تلخيصه في هذه العبارة: «لم يفُت الأوان بعدُ». توجد فرصة سانحة تمتد لعَقد أو عَقدين، وخلالها يمكن لمجموعة متنوعة من الإجراءات الفنية والسياسية أن تقدم درجات مختلفة من الوقاية أو التحسين أو العلاج أو ثلاثتها لأكثر الأضرار فظاعة لكوكبنا وسكانه. نهجُنا براجماتي، فنحن نشير إلى أولويات البدائل الممكنة، ونشدد على قرارات أخلاقية وعملية أيضًا، وسنحاول إظهار أن العدالة والإنصاف بين الأجيال مكونات أساسية وضرورية لأيِّ قرارات نأمل أن تُحدِث التغيير.

(٢) ما هي مشكلتك؟

يوجد اتفاق كبير في كل الأوساط العلمية والسياساتية على الحاجة لاتخاذ إجراء — واتخاذه قريبًا — حيال استخدام الطاقة العالمي الذي يسبِّب تغيُّرات عالمية مستمرة تؤدي إلى تدهور بيئي خطير، وسيسبب الاحترار العالمي غير المنظم عواقبَ كارثية على الأرض ونظمها الفرعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة. ومع ذلك، يوجد خلاف على نطاق واسع حول هذا الإجراء وتوقيته، وكيفية توزيع تكاليف أيِّ خيارات سياساتية. الخلاف ليس مستغربًا في ظل الشكوك العلمية المستمرة حيال مدى التغيرات المتوقعة، والجداول الزمنية الكبيرة المرتبطة بها، والتكاليف الهائلة المحتملة للانتقال إلى اقتصاد طاقة جديد، بل ربما إلى نظرية جديدة أو نظرية معدلة تعديلًا كبيرًا عن النمو الاقتصادي. وما يضاعف الشكوك أنه من المرجح أن تتطلب التغييرات اللازمة درجة غير مسبوقة من التعاون الدولي، ودرجة من الاتفاق السياساتي الداخلي، والتي قد تكون مستبعدة لأن جماعات المصالح القوية تقاوم تغيير النظام القديم. إضافة إلى ذلك، يحتاج المرء أن يدرك الحقيقة الواضحة التي مفادها أن النشاط الاقتصادي الطبيعي — النمو، والتنمية، والتجارة، والتصنيع — هو السبب الأساسي لأزمات الطاقة والبيئة؛ مما يزيد من تعقيد مشكلة تحقيق التغيير بالتوافق.

إن العواقب المدمرة الممكنة لعدم القيام بأي شيء حيال الطاقة والبيئة موثقة توثيقًا جيدًا، ومستشهد بها كثيرًا. والخطوات الإيجابية التي تحققت في هذا الصدد في العقود الثلاثة الأخيرة لم تحظَ بتقدير كبير، وهي علامات بازغة مهمة وجديرة بالاهتمام على التغير. فعلى سبيل المثال، أتت مساهمات كبيرة في هذا الصدد في أعقاب إنشاء «معهد الرصد العالمي» في عام ١٩٧٤، الذي يتضمن بيانُ المهمة الخاصُّ به ما يلي:

معهد الرصد العالمي مؤسسة بحثية مستقلة تعمل بصدد بناء مجتمع مستدام بيئيًّا وعادل اجتماعيًّا، وفيه تُستوفَى احتياجات جميع الأشخاص دون تهديد صحة البيئة الطبيعية أو رفاهة أجيال المستقبل. ومن خلال تحليل القضايا العالمية الحاسمة تحليلًا ميسرًا يعتمد على الحقائق، يساعد معهدُ الرصد العالمي في تعريف الناس في جميع أنحاء العالم بالتفاعلات المعقدة بين الناس والطبيعة والاقتصادات. ويركز المعهد على الأسباب الكامنة وراء مشاكل العالم والحلول العملية لها، من أجل إلهام الناس للمطالبة بسياسات وأنماط استثمار وخيارات أنماط حياة جديدة.

حذرت المنشورات المختلفة لمعهد الرصد العالمي3 من التدهور البيئي على مدى عقود. فاختفاء الغابات وتآكل التربة وانهيار مصايد الأسماك ونقص المياه وذوبان الأنهار الجليدية واختفاء الأنواع النباتية والحيوانية وزيادة الاحترار العالمي؛ كلها تهديدات تنشأ من الفشل المتعدد الأبعاد في اتخاذ إجراء.

هذه التغييرات الجسيمة يجب عاجلًا أو آجلًا أن تسبِّب استجابات مجتمعية كبرى، بعضها سيحدث لأكثر من سبب واحد. وتصنيف استجابة معينة على أنها اقتصادية أو سياسية المنشأ إجراء اعتباطي؛ حيث قد تنتج الاستجابة عن سبب واحد أو عن عدد مجتمع من الأسباب. مع ذلك، وعلى الرغم من التحذيرات المروَّج لها جيدًا، فإن الاستجابات عمومًا كانت فاترة إلى حدٍّ كبير. توجد مجموعة متنوعة من الأسباب لذلك؛ ومنها الشكوك حيال أيُّ الخيارات يجب اتخاذها، والخلافات العلمية والأيديولوجية، والمخاوف حيال التكاليف المفرطة وخاصة في أزمة اقتصادية صعبة وخطيرة جدًّا، والسهولة التي تستطيع بها «جبهات المقاومة» تأخير أو إحباط العمل محليًّا وعلى الصعيد الدولي، وبالطبع المخاطر العالية للغاية المتضمَّنَة في سوء الاختيار أو عدم الاختيار على الإطلاق.

خَلَقَ غياب أيِّ إجراءات قوية من جانب الحكومات فضاءً تحرَّكَ فيه النشطاء السياسيون. فعلى سبيل المثال، بذل آل جور — نائب الرئيس الأمريكي السابق — جهدًا ملحوظًا لحشد التأييد العام لاستجابات فورية وواسعة النطاق للاحترار العالمي وما يرتبط به من عناصر التدهور البيئي، ونُشِرت تحذيراته في كتاب4 شهير وفي فيلم وثائقي مرتبط به فاز بجائزة الأوسكار. وحصل على جائزة نوبل في عام ٢٠٠٧ تقديرًا لإسهاماته.
ومن خلال تحويل جور عمل حياته من ساحة سياسية إلى أخرى، جذب اهتمامًا عالميًّا نحو حركة بدأت على الأقل في تغيير توجهات عامة الناس. ولا يكاد يمر يوم دون أن تحتوي الصحف والتقارير التلفزيونية على قصة عن بعض جوانب الشواغل البيئية أو الطاقة المتجددة. وتبرز إعلانات الشركات الكبرى الآن ادعاءات عن منتجاتها أو تطورات في سياستها تهدف إلى مساعدة هذه القضية. ويبدو أنه كان في العقد الماضي بدايةٌ على الأقل لتحوُّل التوجهات بشأن ضرورة فعل شيء ما حيال هذه التهديدات. مع ذلك، يجب القول إن التحذيرات الشديدة اللهجة قوبلت بردود فعل مختلطة في بعض الدوائر؛ فتصوير التهديدات بطريقة تجعلها تبدو ساحقة ولا يمكن إيقافها دون إجراء تغييرات هائلة في السياسة، وهذه التغييرات نتائجها غير مؤكدة على الإطلاق، ربما أثار تنفيسًا للمشاعر الكامنة؛ فأثار التشاؤم الأعمق حول قيمة القيام بأي شيء على الإطلاق؛ ما عزَّزَ بالفعل المحافظية المعرفية لمعظم الأفراد الذين يتردَّدون في تحدِّي المنطق المتعارَف عليه أو تغيير وجهات النظر الأساسية.5
كما سنعرض بالتفصيل في الفصول القادمة، فإن اعتمادنا المستمر على الطاقة المولدة من الوقود الهيدروكربوني — النفط والغاز والفحم — هو السبب الرئيسي للاحترار العالمي؛ إذ تواصِل مستوياتُ ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ارتفاعها. وعلى الرغم من تفهُّم الجميع هذا التأثير، فإن الجهود الرامية إلى تحقيقِ اتفاقٍ دوليٍّ قابلٍ للبقاء من أجل خفض الانبعاثات تعثَّرَتْ. يبدو أن التزام إدارة أوباما بالانخراط في المفاوضات لتعزيز اتفاقية كيوتو «بطريقة قوية» — والذي ولَّد في البداية موجة من التفاؤل — قد تراجع نوعًا ما في خطابات الحملة الانتخابية، وليس هذا مُستغرَبًا؛ نظرًا لضغط قضايا أخرى وتعقيد عملية التوصُّل لإجماع محلي.6 وبطبيعة الحال، ترتبط هذه القضايا أيضًا ارتباطًا وثيقًا باعتبارات سياسية واقتصادية؛ مثل: ارتفاع أسعار النفط، وزيادة الاعتماد على مورِّدين يُحتمَل أن يكونوا غير موثوق بهم في مناطق يُحتمل أن تكون غير مستقرة من العالم، وزيادة النزعة القومية الاقتصادية وتأميم الموارد، والمنافسة ليس فقط بين المنتجين والمستهلكين ولكن أيضًا بين مختلف المستهلكين، وزيادة عدم المساواة والشعور المتزايد بالظلم، واحتمال زيادة الصراع داخل وبين الدول التي تقاتل من أجل السيطرة على الموارد؛ إذ إنَّ الدفع مقابل النفط لا يُبقي إلا مالًا أقل لتلبية الاحتياجات المحلية الملحَّة الأخرى.

توجد ضغوط سياسية أخرى جديرة بالذكر؛ بعيدًا عن قدرة جماعات المصالح القوية على إحباط التغيير، وبعيدًا عن حقيقة أن كل النظم السياسية في الواقع، وخصوصًا النظم الديمقراطية، تجد صعوبة كبيرة في وضع أيِّ خطط جادة طويلة المدى. فلا بد أن تضاف لها الأزمة الاقتصادية الحالية، التي قد تستمر آثارها لمدة عقد من الزمان. علاوة على ذلك، توجد إغراءات واضحة للاحتفاظ بأي إنجازات تكنولوجية تحدث، باعتبارها ملكية فكرية قيِّمة ينبغي بيعها بسعر باهظ. فبدلًا من معاملة الإنجازات التكنولوجية كمنفعة عامة لا بد من مشاركتها، ربما يسعى مبتكرها إلى اكتناز المعرفة والحصول على دخل من الاحتكار الذي قد يصبح متاحًا. هذا السلوك يذكِّرنا بما يُطلَق عليه سياسات «إفقار الجار» التي سادت في ثلاثينيات القرن العشرين، والتي سعت إلى تصدير المشاكل بدلًا من حلها على نحو تعاوني، وعزَّزَ من ذلك حينها وفي الفترة الراهنة غيابُ مؤسسة دولية تعمل على تسهيل هذا التعاون، وكذلك غياب قيادة قوية من جانب الدول الغنية والقوية.

ثمة نتائج أخرى غير متوقَّعة يمكن وصفها بأنها التأثير الضار لتطور يبدو جيدًا. على سبيل المثال، إذا انخفض الطلب على النفط وانخفض سعره، فسيقل الحافز للاستثمار في الطاقة البديلة، وربما يؤدي ذلك إلى انخفاض الدعم الحكومي؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة الصعوبة التي تواجهها البدائل للمنافسة والبقاء. في الواقع، إن وضْعَ السياسات، الذي يُعَدُّ أسيرًا للأحداث — ركود هذا العام، وانتعاش العام المقبل — عمليةٌ متقطعة وغير متسقة. وهناك أيضًا التأثير المحتمل «لخطر أخلاقي» آخَر؛ وهو أن الحماس المفرط للوصول إلى حل سريع في هذا العام — مثلًا، حبس الكربون — قد يؤخِّر أو يقوِّض سياسات مؤلمة أخرى قد تبدأ في الحد من الانبعاثات بسرعة أكبر.

نظرًا إلى أن نواتج احتراق المواد الهيدروكربونية هي المساهم الرئيسي في الاحترار العالمي — ويوجد اتفاق متزايد في الآراء على ذلك بين الغالبية العظمى من العلماء الحسان السمعة — وإذا كانت النتيجة هي زيادة احتمال أن الكثير من المخاطر والتهديدات المشار إليها سابقًا سيخلق اضطرابًا عالميًّا وإقليميًّا ووطنيًّا، مما يخفض من مستويات المعيشة و(ربما) يخلق حالة دائمة من الأزمة والخوف والقلق؛ فما السبب في أنه كان من الصعب للغاية وضع سياسات مشتركة لتجنُّب مثل هذه التهديدات؟ ليس من الصعب توضيح ما ينبغي أن تكون عليه حزمة السياسات المعقولة بالنسبة إلى الولايات المتحدة أو الدول الأخرى أو في الواقع بالنسبة إلى المجتمع الدولي ككل، ولكن وضع تلك السياسات موضع التنفيذ كان — وربما لا يزال — مسألة مختلفة تمامًا. سوف نستكشف بعض أسباب هذا الأمر في الجزء التالي.

(٣) التحديات التي نواجهها

لقد ألمحنا بالفعل إلى بعض العقبات التي تعوق وضع السياسات الوطنية والدولية الفاعلة، وهي:
  • (١)

    كانت جماعات المصالح القوية والغنية — ولا تزال — عقبةً أمام الإصلاح الرئيسي في اقتصاد الطاقة الموجود.

  • (٢)

    توجد اختلافات شديدة في المصالح بين البلدان المتقدمة وبلدان العالم الثالث، التي لا تثق في أيِّ فكرة بالابتعاد عن استراتيجيات التنمية القائمة على التصنيع السريع والاستخدام المكثف لمصادر الطاقة التقليدية.

  • (٣)

    التكاليف المحتملة باهظة ولا تلقى قبولًا في فترة الخوف والاضطراب الاقتصادي.

  • (٤)

    الرأي العام ليس له (هل يمكن أن نقول حتى الآن؟) صوت قوي يؤدي إلى العمل والتضحية.

  • (٥)

    لا يوجد نظام سياسي بارع في اتخاذ الحاجات الطويلة المدى على محمل الجد؛ أيِ البذل الكبير الآن لضمان فوائد مستقبلية أو لتجنُّب أخطار قد لا تقع أبدًا. الخيار الأسهل هو «التحرك دون تخطيط» أملًا في أن يظهر شيء ما، أو أن يتحمل شخص آخَر وزر ما سيحدث.

ربما تكون هذه الأمور أكثر العقبات ذكرًا التي تحول دون تحقيق اتفاق في الآراء، على الصعيدين المحلي والدولي، حول ضرورة تنفيذ استراتيجية شاملة — وليس مجرد تأكيد الحاجة إليها — للتعامل مع الأزمات البيئية المرتبطة بأزمات الطاقة. ولكن من الواضح أن المرء يحتاج لمحاولة تعميق وتوسيع نطاق هذا التحليل أبعد من مجرد ذكر العقبات المألوفة. وتوجد سبل لإقناع الحكومات وشعوبها بالحاجة إلى دفع الأموال أو التضحية الآن من أجل تحقيق منافع غير مؤكدة في المستقبل، ولو في المستقبل البعيد. ولاحَظَ سامرز على سبيل المثال أن تكاليف وفوائد السياسة في المستقبل عادةً ما تُمنَح قيمةً أقل بسبب الميل إلى تقييم الفوائد اليوم أكثر من غدًا، ولأننا نعتقد أننا من المحتمل أن نحصل على بضائع قيمتها دولار واحد في المستقبل عن طريق إنفاق أقل من دولار واحد اليوم.7 وبرغم ذلك، يشير إلى عامل تعويض؛ وهو الالتزام الأخلاقي «الموجود لدى معظمنا حيال واجبنا تجاه الأجيال القادمة». وينبغي أيضًا تنبيه المستثمر المتردِّد صاحب الاستثمار الطويل المدى بأنه ليس لدينا ضمانات لتحقيق ثروات أكبر في المستقبل، خاصة إذا كانت مخاوفنا من الضرر العالمي تتحقَّق في الواقع بسبب إهمالنا للخيارات المتاحة اليوم.
استند الإنصاف بين الأجيال دائمًا على نوع من الأعراف الضمنية حول عدالة التوزيع؛ كل جيل يقبل التزامات غير رسمية نحو المستقبل بسبب توقُّعاته الخاصة للمعاملة بالمثل في المستقبل، وكانت هذه الفكرة في الولايات المتحدة أساس برامج الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وغيرها. وعلى الصعيد البيئي، يعني هذا ضمنًا أن كلَّ جيلٍ يمكنه الاستفادة العادلة من الأراضي والموارد لتلبية الاحتياجات الخاصة به، ولكن لا يمكن أو لا ينبغي أن يضرَّ المستخدمين المستقبليين من خلال تقويض أو تقليل الإنتاجية الطويلة المدى لتلك الأرض أو تلك الموارد دون داعٍ. صُوِّر ذلك في تعريف لجنة برونتلاند8 «للتنمية المستدامة» بأنها تنمية «تلبِّي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتهم الخاصة.» هذا المعيار يؤكِّد التزامنا تجاه الحفاظ على أراضي المحميات والمناطق البرية المحمية، وهي السياسات الوطنية التي حظيت بقبول وموافقة واسعَين منذ القِدَم في مجتمعاتنا.

ويمكن لهذه الصيغ أن تخدمنا كمبادئ توجيهية أو معايير، ولكن يجب على التطبيقات الفردية أن تواصل معالجة المسائل التشغيلية عمليًّا. كم ينبغي أن ندفع الآن من أجل فوائد مستقبلية غير مؤكدة؟ مَن الذي يقرِّر كيف ومتى نستثمر استثمارات بعينها؟ مَن الذي يجب أن يتحمل معظم التكاليف الآن ويتمتع بمعظم الفوائد في المستقبل؟ كيف يكون «المستقبل» مستقبلًا؛ أيْ هل نفكِّر لعشر سنوات مقبلة أم لجيل أم ماذا نفعل؟ يبدو أنه لا يوجد أيُّ بديل — على الأقل في المجتمعات الديمقراطية — لقبول حقيقة أن القرارات ستكون هي النتائج غير المؤكدة للعملية السياسية، وهي العملية التي لن تكون فيها احتياجات الأجيال القادمة سوى شأن واحد من بين الكثير من الشئون.

ثمة جانب من جوانب الأزمة الاقتصادية الحالية لا يحظى بقدر كبير من النقاش، وهو مستوى القلق والخوف الذي نشأ بين المواطنين على جميع مستويات المجتمع، وليس بين الضحايا المعتادين فحسب — الفقراء والضعفاء — ولكن أيضًا بين الأغنياء والواثقين بأوضاعهم (سابقًا؟) فالمخاوف حيال فقدان فرص العمل والدخول والمعاشات ومستوى المعيشة بأكمله منتشرة وليست غير منطقية. وللأسف، يزيد من تفاقُم المشكلة استغلالُ هذا الخوفِ والقلقِ ومحاولةُ التلاعب بهذه المشاعر لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية (وخاصة من خلال وسائل الإعلام العامة). في هذا الصدد، من الضروري أن نغرس لدى العامة وبين قادة الحكومة الاستعدادَ للتفكير في الالتزامات المستقبلية، ومقاومةَ التحيُّزات المألوفة المرتبطة بصنع القرار في ظل عدم اليقين،9 من خلال التأكيد مرارًا وتكرارًا على وجود خيارات تُوضَع في الاعتبار. الهدف هنا ليس مجرد الدفاع عن أن المساواة بين الأجيال ربما تؤدي إلى إزالة مستوًى من الصعوبة والتعقيد في عملية التفاوض، ولكن عن أن استخدامها قد يخفِّف التركيز المستنزِف لدى بعض شرائح السكان (كبار السن، والأكثر ثراءً، وأصحاب التأثير) على الرفاهية الاقتصادية الشخصية، وهو ما لا يمكن تخفيفه بطريقة أخرى.

لن يكفي تقديم ملاحظات بسيطة عن العواقب الطويلة المدى للأنانية المفرطة أو عمليات التأميم المتبادلة للموارد؛ بل يحتاج المرء أيضًا اقتراحات عملية حول كيفية تدشين عملية تفاوضية قابلة للتطبيق في مثل هذه الظروف. وسنناقش هذه المسألة بمزيد من التفصيل في فصل لاحق، ويكفي هنا أن نقول إن المفاوضات الخاطفة في إطار مؤتمر عالمي قد تكون جسرًا تفاوضيًّا بعيدًا للغاية، لا ينتج عنه سوى جمود أو التزامات كاذبة نادرًا ما تُنفَّذ. ومن المرجح ألَّا يكون التدرُّج «العادي» كافيًا؛ مما يعني ضرورة وجود نوع أعمق أكثر استدامةً من التدرُّج، مع وجود أهداف توافقية طويلة المدى تتحقق من خلال خطوات منتظمة في اتجاهٍ متَّفَق عليه بصورة مشتركة.

ثمة عقبة أخرى تعترض خلق اتفاق دولي قابل للبقاء، وهي غياب المعرفة المشتركة على نطاق واسع حول أسباب المشكلة وما يجب القيام به لحلها، وهي العقبة التي لم تكن أهميتها مفهومة دائمًا. وصف هاس10 هذا بأنه «المعرفة التوافقية»، والتي يتم بناؤها اجتماعيًّا — شريطة الخضوع للاختبار والتقييم — ومن ثَم تختلف عن الأيديولوجية في مواجهة تحديات مستمرة، فكان من الصعب إيجاد هذه المعرفة في السياق الحالي بسبب تعقيدات الحقائق والفترات الزمنية الممتدة المتضمَّنَة. وزِيدَ فوق هذه العواملِ المعارَضةُ العرضية من أغلب الآراء العلمية التي يمكن استخدامها كأسباب أو مبررات لمقاومة اتخاذ إجراء. لاحِظْ، على سبيل المثال، بيانَ العلماء الثلاثة الذي ينص على أن «المعرفة الوحيدة التي يُعوَّل عليها هي أن التفاهمات الحالية للمشكلة سوف يكون قد عفى عليها الزمن خلال عشرة أو عشرين عامًا.»11 وكذلك النزعة نحو الانتقاء والاختيار من بين الأدلة المختلفة، وتجاهل الأدلة المتعارضة؛ كل ذلك يمثل أيضًا عائقًا أمام الاتفاق، فضلًا عن رغبة السياسيين في وجود أمور مؤكدة في بيئةٍ تهيمن عليها الاحتمالات والشكوك.
ورغم أن تلك المعرفة ملتبسة وغير مؤكدة ومختلفًا عليها، فإنها لا يمكن أن تعتبر حجةً لعدم اتخاذ أيِّ إجراء، وإنما هي بالأحرى حجةٌ لمحاولةٍ أقوى لخلق المعرفة التوافقية، لا سيما من خلال إنشاء هيئات كبيرة من الخبراء المعترَف بهم على نطاقٍ واسعٍ للحصول على أفضل المعارف المتاحة ونشرها وتوفير تمويل أفضل للمشاريع البحثية الجادة. إن نجاح الهيئة الحكومية الدولية المعنيَّة بتغير المناخ، والتي فازت بجائزة نوبل قبل بضع سنوات، يدل على ما يمكن وما ينبغي القيام به؛ كانت أوراقها أكثر موثوقيةً وتوازنًا بكثير من الجهود المقابلة التي بذلها مثيرو المخاوف البيئية أو المتشككون في مجال البيئة، وكانت مفيدة على الأقل في دعم القرارات الحكومية نحو اتخاذ مواقف سياساتية قوية نسبيًّا حيال هذه المسائل. بطبيعة الحال، سيكون من الأسهل تحقيق اتفاق في الآراء بشأن الالتزامات القوية نحو اتخاذ إجراء، إذا كان لدى الكيان شيء من قبيل مشروع الهبوط على سطح القمر في الولايات المتحدة لحشد التأييد وتوليد الحماس. ويتمتع هذا المشروع بمعرفة توافقية قوية على نحو معقول حول كيفية تنفيذ هذه المهمة، وبقيادة قوية وتأييد شعبي، كما يتمتع برؤيته «كسباق» مع عدو عنيد من أجل تبرير الجهد. للأسف، لا توجد ظروف مقترنة مثل هذه الظروف، سواء محليًّا أو دوليًّا، لتحفيز حدوث نتائج مماثلة فيما يتعلق بالطاقة أو البيئة.12 يرى البعض كوْنَ وقوع كارثة بيئية في العالم المتقدم أمرًا كافيًا، شيئًا أقرب إلى كارثة تسونامي في آسيا، ولكنها تضرب مثلًا لندن أو باريس أو ميامي. وهذا بطبيعة الحال وسيلة مكلفة للغاية وغير مسئولة لتوليد استجابات سياساتية فاعلة. إلى جانب ذلك، لا يبدو أن للزيادة الهائلة في المساعدات التي حدثت مباشرة بعد كارثة تسونامي تأثيرًا دائمًا على أيٍّ من الحكومات الإقليمية أو المؤسسات الدولية. فمع حدوث بعض الاستثناءات القليلة (معظمها يتعلَّق بتثبيت أجهزة استشعار تقنية أفضل)، يبدو أن معظم المستجيبين يتراجعون إلى عملهم كما هو معتاد.
يبدأ الاتفاق في الآراء في الداخل؛ أيْ إن العقبة الأساسية أمام الوصول للاتفاق — التي لاحظناها بالفعل في مختلف المراحل — هي دور السياسة الداخلية. في الواقع، المشاكل التي نناقشها يهيمن عليها النظام الفرعي؛ فالمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية، وأي كيانات دولية أخرى تفتقر للسلطة والموارد اللازمة للقيام بكثيرٍ من الأمر من تلقاء نفسها.13 ولا توجد تخطيطات أو حيل ذكية للتغلب على هذه المشكلة، ولكن يجدر بنا التأكيد على نقطة واضحة، وهي أنه مع وجود اتفاق على القضايا المحلية أو دون وجوده، فإن القيادة القوية المصممة هي المتغير الحاسم الذي يسمح بوجود درجة من الأمل في ظل الوضع الراهن. ومن ثَم استبدال حكومة أوباما-بايدن بحكومة بوش-تشيني المقاوِمة «ربما» يساعد الولايات المتحدة في تأكيد الريادة في مجالَي الطاقة والبيئة، وأخيرًا في الحصول على فرص عادلة ومحترمة للتعبير عن سياساتها ومواقفها، ولكن قد يضطر الإجراء الحازم إلى انتظار الخروج الناجح من الأزمة الاقتصادية الحالية.
نادرًا ما كانت البيئة مسألة «على قمة الأولويات» بالنسبة لمعظم الحكومات، وحتى وقت قريب لم تكن مشكلة الطاقة أول الاهتمامات ومحورها إلا عندما يحدث ارتفاع مفاجئ في أسعار النفط. ونتيجة لذلك، كانت المؤتمرات حول هذه القضايا يهيمن عليها أنصار البيئة، والمدافعون عن الصناعة، وعلماء البيئة، والبيروقراطيون الحكوميون المتوسطو المستوى. وهكذا، على سبيل المثال، بالنظر إلى الماضي، فإن الكثير من المسئولين الذين شاركوا في التفاوض على بروتوكول كيوتو في عام ١٩٩٧ «… يقولون الآن إنهم يرون أنه ضعيف وغير متفهم للواقع السياسي والاقتصادي.» وكما قال مسئول بريطاني: «في كيوتو، قطعنا على أنفسنا الكثير من الوعود، ولكننا لم نكن وضعنا السياسات الداخلية، وهذا هو السبب في أن اتفاقية كيوتو … كانت في نهاية المطاف هشَّة للغاية.»14 توجد نقطتان بسيطتان هنا؛ هما: أن المفاوضات يجب أن تُدفَع من قِبَل قيادة ملتزمة ورفيعة المستوى، لا سيما من الولايات المتحدة، وأن الخبرات حول القيود السياسية الداخلية أمر بالغ الأهمية إذا كنَّا نريد اتفاقات سيتم إقرارها وتنفيذها. خلاصة القول، العقبات شديدة وأدوات التعامل معها غير مكتملة النمو بعدُ.

ولكن الاعتراف بالمشاكل التي تواجهنا لا يحكم علينا بالاستسلام لها، والغرض من هذا الكتاب تقديم مناهج بنَّاءة يمكن أن تخفِّف الآثار غير المرغوب فيها وتتجنبها أيضًا حيثما يكون ذلك ممكنًا. وستركز اقتراحاتنا على السياسة والتكنولوجيا العلمية على حدٍّ سواء، أيًّا كان الخيار أو مجموعة الخيارات التي سوف تخدم هذه الغايات.

هوامش

(1) There is an excellent column about this incident by Thomas L. Friedman, see “Going Cheney on Climate,” New York Times, December 9, 2009, p. A37.
(2) This is not meant to deny that the furor over the leaked e-mails did make some difference. Thus, in an environment where public attention is focused on the economy and the skeptics and deniers speak with an inappropriate degree of certainty, a poll in the months after the incident indicated that the share of the public who do not believe climate change is happening increased from 15% to 25% and the percentage who do think it is happening and man-made dropped from 41% to 25%. See “Greener than Thou,” The Economist, February 13, 2010, p. 61.
(3) The diametrically conflicting views of the Worldwatch Institute and the Competitive Enterprise Institute are discussed in William D. Sunderlin, Ideology, Social Theory, and the Environment (Lanham, MD: Rowman and Littlefield, Inc., 2004), pp. 178-9.
(4) Al Gore, An Inconvenient Truth (Emmaus, PA: Rodale, 2006).
(5) Andrew C. Revkin, “In Debate on Climate Change, Exaggeration is a Common Pitfall,” New York Times, February 25, 2009, p. A14.
(6) See Elisabeth Rosenthal, “At U.N. Talks on Climate, Plans by the U.S. Raise Qualms,” New York Times, April 9, 2009, p. A14.
(7) Lawrence Summers, “Foreword,” in Joseph E. Aldy and Robert N. Stavins, eds, Architectures for Agreement: Addressing Global Climate Change in the Post-Kyoto World (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2007), p. xix.
(8) Brundtland Commission, Report of the World Commission on Environment and Development, published as Our Common Future (Oxford, UK: Oxford University Press, 1987).
(9) For comments on the problems of decisionmaking under uncertainty and in an environment of fearfulness, see Daniel Gardner, The Science of Fear (New York: Dutton, 2008), p. 39ff.
(10) Ernst B. Haas, When Knowledge is Power: Three Models of Change in International Organizations (Berkeley, CA: University of California Press, 1990), p. 21.
(11) Peter M. Haas, Robert O. Keohane, and Mark A. Levy, “Improving the Effectiveness of International Environmental Institutions,” in Peter M. Haas, Robert O. Keohane, and Marc A. Levy, eds, Institutions for the Earth (Cambridge, MA: MIT Press, 1993), p. 410.
(12) In any case, perhaps the moon landing is an inappropriate analogy because we do not have a single aim in the policy debates on climate change but rather many aims, some of which compete with each other.
(13) Peter M. Haas, Robert O. Keohane, and Mark A. Levy, “Improving the Effectiveness of International Environmental Institutions,” op. cit., pp. 397–426.
(14) Both quotes are from Elisabeth Rosenthal, “Obama’s Backing Increases Hopes for Climate Pact,” New York Times, March 1, 2009, p. 10.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤