الفصل الرابع والعشرون

الجبن

أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ.

(النساء: ٧٨)

قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ.

(الجمعة: ٨)

شهد العيان ودَلَّت الآثار على ما صدر من بعض أفراد الإنسان من أعمال تحيِّر الألباب، وتُدهش الأفكار، يَنظر إليها ضعفاءُ العقول فيعدونها معجزات وإن لم تكن في أزمنة النبوات، ويحسبونها خوارق عادات وإن لم تكن من تحدي الرسالات، وقد ينسبها الغُفَّل إلى حركات الأفلاك وأرواح الكواكب وموافقة الطوالع، ومن القاصرين من يظنها من أحكام الصدف وقذفات الاتفاق؛ عجزًا عن إدراك الأسباب، وفهم الصواب.

وأما من آتاه الله الحكمة ومنحه الهداية، فيعلم أن الحكيم الخبير — جلَّ شأنه وعظمت قدرته — أناط كل حادث بسبب وكل مكسوب بعمل، وأنه قد اختص الإنسان من بين الكائنات بموهبة عقلية ومقدرة روحانية، يكون بهما مُظهرًا لعجائب الأمور، وبهذه المقدرة وتلك الموهبة مَنَاطُ التكاليف الشرعية، وبهما استحقاقُ المدح أو الذمِّ عند العقلاء، والثواب أو العقاب عند واسع الكرم سريع الحساب.

إذا رجع البصيرُ إلى القياس الصحيح رأى في تشابُه القوى الإنسانية وتماثُل الفطرة البشرية ما يدل على تقارب العقول، بل على استواء المدارك، وأرشده الفكرُ السليمُ إلى أنَّ فضل الله قد أعدَّ كل إنسان للكمال، ومنحه ما يكون به مصدرًا لفضائلِ الأعمال، على تفاوُت لا يظهر به الاختلافُ بينها إلا للنظر الدقيق. هنا وقفة الحيرة … استعداد فطري للكمال في خلقة الإنسان، ميلٌ كلي في كل فرد لأنْ ينفرد بالفخار، ويمتاز بجلائل الآثار، وفضل عام من الجواد المطلق — سبحانه وتعالى — لا يخيب طالبًا، ولا يرد سائلًا، إذا صدق القاصد في قصده، وأخلص السالك في جده، فما العلة في إخلاد الجمهور الأعظم من بني الإنسان إلى دَنِيَّات المنازل وقصورهم عن الوصول إلى ما أَعَدَّتْه لهم العناية ويستفزهم إليه الميل الغريزي، خصوصًا إن كانت النُّفُوس مؤمنة بعدل الله، مصدِّقة بوعده ووعيده، ترجو ثوابًا على الباقيات الصالحات، وتخشى عقابًا على ارتكاب الخطيئات، وتعترف بيوم العرض الأكبر، يوم تُجزى كل نفس بما كسبت فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة: ٧-٨)، ماذا يقعد بالنُّفُوس عن العمل؟! ماذا ينحدر بها في مزالق الزلل؟! إذا ردت المسببات إلى أسبابها، وطلبت الحقائقَ من حدودها ورُسُومها وجدنا لهذا علَّة هي أم العلل ومنشأ يُقرن به كل خلل: «الجبن».

الجُبن هو الذي أَوْهَى دعائمَ الممالك فهدم بناءها، هو الذي قطع روابط الأمم فحَلَّ نظامها، هو الذي أوهن عزائمَ الملوك فانقلبت عروشهم، وأضعف قلوب العالمين فسقطت صروحهم، هو الذي يُغلق أبواب الخير في وجوه الطالبين، ويطمس معالم الهداية عن أنظار السائرين، يسهل على النُّفُوس احتمال الذلة، ويخفف عليها مضض المسكنة، ويهوِّن عليها حمل نير العبودية الثقيل، يوطن النَّفس على تلقِّي الإهانة بالصبر والتذليل بالجلد، ويوطِّئ الظهور الجاسية لأحمال من المصاعب أثقل مما كان، يتوهم عروضه عند التحلي بالشجاعة والإقدام، الجبن يُلبس النَّفس عارًا دون القرب منه موت أحمر عند كل روح زكية وهمة عليَّة، يرى الجبان وعر المذلات سهلًا، وشظف العيش في المسكنات رفهًا ونعيمًا.

من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام

لا، بل يتجرع مرارات الموت في كل لحظة، ولكنه راضٍ بكل حال وإن لم يبق له إلا عينٌ تُبصر الأعداء، ولا ترى الأحياء، ونفس لا يصعد لا بالصعداء، وإحساس لا يلم به إلا ألم اللأواء. هذه حياتُه: أضاع كل شيء في القناعة بلا شيء، وهو يظن أنه أدرك البغية، وحَصَّلَ المنية.

ما هو الجبن؟ انخذالٌ في النَّفس عن مقاوَمة كل عارض لا يلائمُ حالها، وهو مرضٌ من الأمراض الروحية، يذهب بالقوة الحافظة للوجود التي جعلها الله ركنًا من أركان الحياة الطبيعية، وله أسبابٌ كثيرة لو لوحظ جوهر كل منها لرأينا جميعها يرجع إلى الخوف من الموت، الموتُ مآل كل حي ومصير كل ذي روح، ليس للموت وقتٌ يُعرف، ولا ساعةٌ تعلم، ولكنه فيما بين النشأة وأرذل العمر يُنتظر في كل لحظة، ولا يعلمه إلا مقدر الآجال — جلَّ شأنه: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ (لقمان: ٣٤).

يشتد الخوف من الموت إلى حد يورث النَّفسَ هذا المرضَ القاتل بسبب الغفلة عن المصير المحتوم، والذهول عمَّا أعدَّه الله للإنسان من خير الدنيا وسعادة الآخرة إذا صرف قواه الموهوبة فيما خُلقت لأجله، نعم يغفل الإنسان عن نفسه فيظن ما جعله الله واقيًا للحياة — وهو الشجاعة والإقدام — سببًا في الفناء، يحسب الجاهل أن في كل خطوة حتفًا، ويتوهم أن في كل خطوة خطرًا، مع أن نظرة واحدة لِمَا بين يديه من الآثار الإنسانية، وما ناله طُلَّاب المعالي من الفوز بآمالهم، وما ذَلَّلُوا من المصاعب في سيرهم؛ تكشف له أن تلك المخاوف إنما هي أوهامٌ وأصواتُ غيلان، ووساوس شياطين، غشيتْه فأدهشتْه، وعن سبيل الله صدَّتْه، ومن كل خير حرمتْه.

الجُبن فخٌّ تنصبه صروفُ الدَّهْر وغوائل الأيام؛ لتغتال به نفوسَ الإنسان، وتلتهم به الأمم والشعوب. هو حبالة الشيطان يصيد بها عباد الله ويصدهم عن سبيله، هو علةٌ لكل رذيلة، ومنشأٌ لكل خصلة ذميمة، لا شقاء إلا وهو مبدؤه، ولا فساد إلا وهو جرثومته، ولا كفر إلا وهو باعثُه وموجبُه، ممزق الجماعات، ومقطِّعُ روابط الصلات، هازم الجيوش، ومُنكِّس الأعلام، ومهبط السلاطين من سماء الجلالة إلى أرض المهانة، ماذا يحمل الخائنين على الخيانة في الحروب الوطيسة، أليس هو الجبن؟ ماذا يبسط أيدي الأدنياء لدنيئة الارتشاء، أليس هو الجبن؟ ربما تتوهم بُعد المثال، فتأملْ، فإن الخوف من الفقر يرجع بالحقيقة إلى الخوف من الموت، وهو علَّة الجبن، سهل عليك أن تعتبر هذا في الكذب والنفاق وسائر أنواع الأمراض المفسدة لمعيشة الإنسان، الجبن عارٌ وشنارٌ على كل ذي فطرة إنسانية خصوصًا الذين يؤمنون بالله ورُسُله واليوم الآخر، ويؤملون أن ينالوا جزاءً لأعمالهم أجرًا حسنًا ومقامًا كريمًا.

ينبغي أن يكون أبناء المِلَّة الإِسلامية — بمقتضى أصول دينهم — أبعدَ النَّاس عن هذه الصفة الردئية (الجبن)؛ فإنها أشدُّ الموانع عن أداء ما يُرضي الله وإنهم لا يبتغون إلا رضاه، يعلم قراء القرآن أن الله قد جعل حب الموت علامة الإيمان، وامتحن الله به قلوب المعاندين، ويقول في ذم من ليسوا بمؤمنين: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ (النساء: ٧٧). الإقدام في سبيل الحق، وبذل الأموال والأرواح في إعلاء كلمته أوسمةٌ يتسم بها المؤمنون، لم يكتف الكتاب الإلهي بأنْ تُقام الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتكف الأيدي، وعدَّ ذلك مما يشترك فيه المؤمنون والكافرون والمنافقون، بل جعل الدليل الفرد هو بذل الروح في إعلاء كلمة الحق والعدل الإلهي، بل عدَّه الركن الوحيد الذي لا يُعتدُّ بغيره عند فقده.

لا يظن ظانٌّ أنه يمكن الجمع بين الدين الإِسلامي وبين الجبن في قلب واحد، كيف يمكن هذا وكل جزء من هذا الدين يمثل الشجاعة ويصور الإقدام، وإن عمادَه الإخلاص لله والتخلِّيَ عن جميع ما سواه لاستحصال رضاه؟!

المؤمن من يوقن أن الآجال بيد الله يصرفها كيف يشاء ولا يفيده التباطؤ عن أداء الفروض زيادةً في الأجل، ولا ينقصه الإقدام دقيقة منه، المؤمن من لا ينتظر بنفسه إلا إحدى الحسنيين: إما أن يعيش سيدًا عزيزًا، وإما أن يموت مقرَّبًا سعيدًا، وتصعد روحه إلى أعلى عليين، ويلتحق بالكروبيين والملائكة المقربين.

من يتوهم أنه يجمع بين الجُبن وبين الإيمان بما جاء به محمد ، فقد غش نفسه وغرر بعقله ولعب به هوسُه وهو ليس من الإيمان في شيء، كل آية من القرآن تشهد على الجبان بكسبه في دعوى الإيمان؛ لهذا نؤمل من وَرَثة الأنبياء أن يصدعوا بالحق، ويذكِّروا بآيات الله، وما أودع الله فيها من الأمر بالإقدام لإعلاء كلمته، والنهي عن التباطؤ والتقاعُد في أداء ما أوجب الله من ذلك، وفي الظن أنَّ العلماء لو قاموا بهذه الفريضة (الأمر بذاك المعروف والنهي عن هذا المنكر) زمنًا قليلًا، ووعظوا الكافة بتبيين معاني القرآن الشريف وإحيائها في أنفُس المؤمنين؛ رأينا لذلك أثرًا في هذه المِلَّة يبقى ذكره أبد الدَّهْر، وشهدنا لها يومًا تسترجع فيه مجدها في هذه الدنيا وهو مجد الله الأكبر، فالمؤمنون بما ورثوا عن أسلافهم وبما تَمَكَّنَ في أفئدتهم من آثار العقائد؛ لا يحتاجون إلا لقليلٍ من التنبيه، ويسيرٍ من التذكير، فينهضون نهضةَ الأُسود فيستردوا مفقودًا ويحفظوا موجودًا، وينالوا عند الله مقامًا محمودًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤