مقصدي البوح لا الشكوى

أفقت كأني صحوت من النوم، تناهى رفع الأذان من مسجد قريب، عرَفت بأني صحوت في الفجر، اطمأننت — في البداية — إلى استيقاظي في حجرة نومي، ثم أدركت — بالتلفت — أن البنج يُملي تأثيراته، من حولي رجال وفتيات وسيدات تتعدد أزياؤهم، عرَفت — فيما بعد — بأن لون الزي يحدد طبيعة العمل، ثمة الطبيب والمساعد والممرض، لكلٍّ زيه، الذي يشابه في تصميمه بقية الأزياء، الاختلاف في اللون.

نغزني ألم مفاجئ، فصرخت.

قال صوت لم أتبين صاحبه: تحمل!

أعدت النظر إلى ما حولي، اصطدمَتْ عيناي بأَسرَّةٍ وستائرَ ومناضدَ وطاوِلاتٍ عليها أدوية، أنا في مستشفًى إذن، دخلت المستشفى، أعددت نفسي لإجراء عملية، العملية أُجريت في قاعة صغيرة، رأيتها قبل أن يغيِّبني البَنج. الموضع الذي أنا فيه يختلف بالستائر المشمع المتقاطعة، والأصوات المتلاغطة — من ورائها — بالتعليمات والشكوى والتأوهات والأنين والبكاء والصراخ، وعبارات المواساة.

لم أكن أتعمد التأوه، علا بعفوية لم أقدر على منعها، طبعي أن أكتم الألم، ربما اقتحم جسدي وأنا أتهيأ للنوم، بما يثير احتمالات قاسية، أكتم ألمي، وأهمس بالشهادتين، وأسلم نفسي للنوم، لا تشغلني التصورات، وما إذا كنت سأصحو كالأيام السابقة.

لموليير رواية شهيرة اسمها «مريض بالوهم»، عن ذلك الذي يدفعه الوهم إلى تصور المرض!

لعلي أهمل المرض نفسه، وإن تشغلني أعراضه، وأنتظره، قد يستمر المرض، وقد أموت، وقد أتعافى، لا أعرف ما بداخل جسدي، لا عرَض، ولا ألم يشي بمرض لم يعلن عن نفسه.

للصوفي عبد الوهَّاب الشعراني مقولة ترى أن المريض إذا كتم مرضه عن الطبيب، فلن يسعفه بعلاج حتى يزداد المرض أو يموت، وهو قول صحيح تمامًا.

العادة أننا نعالج أمراضنا التي لا نعرف خطورتها بالمسكنات والمضادات الحيوية، نجد في صمت الألم ما يغني عن التردد على الطبيب، أو المستشفى، لا نوقف العلاج إلا بعد أن تتفاقم الأعراض، وتسوء الحالة، يلجأ الطبيب إلى دفتر الروشتات، يسوِّده بأسماء أدوية، أو ينصح بإجراء عملية.

•••

لا أذكر من التقط هذه الصورة، يدي تضع فوهة «البخاخة» داخل فمي، تقليلًا لتأثير الحساسيَّة في صدري.

كنت أستمع إلى لفظ «حساسيَّة»، فأتصور من يُوصَف به أنه ذلك الذي تضايقه — أحيانًا — تصرفات الناس، فتغضبه، أو تثيره، وقد يلجأ إلى البعد عن الشر، ويغني له.

شخَّص صديق ما أعانيه من العطس والزكام والكحة والنهجان لأقل مجهود، بأنه حساسيَّة، وكدت أن ألوذ بالمثل: «الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح»، لولا أني قرأت لصديقي الروائي إدوار الخراط مقالاته عن الحساسيَّة الجديدة، فأدركت أن الحساسيَّة أنواع، منها ما يتصل بالمرض العضوي، ومنها ما يتصل بالإبداع. وأسلمت نفسي لحيرة لا أدري أي الحساسيَّتين أعاني، زاد من حيرتي أن كمَّ الأدوية التي وصفها المجربون، بداية من الصيدلي، وانتهاء بعم شاهين البواب، مرورًا بكل الأصدقاء والزملاء، لم يحقق ما أرجوه لباب الحساسيَّة اللعينة من إغلاق محكم، فهي تسكت أيامًا وتعود شهورًا، ترهقني أعراضها، وتميتني الأدوية التي أتعاطاها لعلاج ما أعانيه.

أثرت الحساسيَّة على معظم جسدي، أصابت ما لم يخطر على بالي من أعضاء الجسد. أذكر قول طبيب العيون لي في إشفاق واضح: حتى رموش عينيك تعاني الحساسيَّة!

حرمتني الحساسيَّة من النوم في القطارات والطائرات، وفي أي مكان يوجد فيه ناس. اعتدت كتمة النفس إلى حد الاختناق، ربما صحوت — منتفضًا — على يدين تحيطان بعنقي، تضغطان، فينقذني الاستيقاظ من توقف الأنفاس.

الشخير هو أسخف ما أعانيه، هو المرادف للنوم عندي. أنا أنام فأنا أشخِّر، لا ذنب للناس في الأمر، أحرص فلا أسلم نفسي للنوم، حتى لا يسلم النوم نفسه للشخير. أتذكر ضيق ركاب القطار أو الطائرة لتعالي شخير أحد الركاب، غلبه النوم، والشخير بالتالي!

لا أحب أن أكون في وضع ذلك الرجل!

حين اضطُررت لزيارة الدكتور حسن السيد سليمان — وأنا مواطن مصري لا أتردد على الطبيب، كما تعلم، إلا في لحظات الوقوف بين الحياة والموت — شخَّص الحالة بأنها حساسيَّة.

قلت: أذكر أني تعاطيت كل ما يخطر على البال من أدوية ووصفات شعبية.

قال: لكل داء دواء.

استعدت — بيني وبين نفسي — بيت الشعر:

لكل داء دواء يُستطَب به
إلا الحماقةَ أعيت من يداويها

أعدت تناول ما أشار به الدكتور حسن من أدوية، فلم يحدث التحسن الذي أرجوه.

قال لي الطبيب في زيارتي الثالثة، وأنا أستند على كتف زوجتي: لا بد إذن من إجراء مزرعة حساسيَّة لعلاج الحالة بصورة جذرية!

غرس الدكتور طريف سلام في ذراعي أكثر من حقنة، في كل منها ما لا أعرفه من أشياء ملونة، وانتظر نتيجة كل حقنة، ثم هتف بمقولة أرشميدس: وجدتها!

أكد الطبيب أن تراب الموكيت هو السبب، وأجرى خلطة بين التراب وعدة محاليل، فلما أبديت خوفي قال في ثقة: ومن السموم الناقعات دواء!

ما فعلته السموم الناقعات أنها باعدت بين مواعيد تضخم اللحمية في أنفي. أذهب إلى صديقي الدكتور فؤاد البدري، فينتزع اللحمية من الأنف في لحظات عذاب مؤلمة. وهمست ذات مرة: ليه أنا يا رب!

قال الطبيب — الذي يذكرني بالدكتور إسماعيل، بطل قِنديل يحيى حقي، من حيث إيمانه المطلق بالعلم، وإيمانه النسبي بالسحر وتوقعات المنجمين: لا تقل: ليه أنا … أنت لا تعرف ما يعانيه مرضى آخرون!

ولأن فؤاد البدري صديقي، فكان يرفض أن يأخذ أجرًا عن العمليات المتوالية التي ينتزع فيها لحم أنفي!

بادرت — في خطوة حاسمة — إلى نزع موكيت الشقة.

نسيت أن أصارحك بأني مصري خليجي؛ أي عائد من رحلة عمل في الخليج، بين ما تأثرت به من الحياة هناك — رغم أنها لا تتفق مع احتضان المقطم لقاهرتنا الجميلة بغلالاته الترابية! — فرش شقتي بالموكيت.

نزعت الموكيت، فبدا الباركيه ناصعًا بمربعاته ومثلثاته وتقاطعاته وتشابكاته، وذهبت حساسيَّة الأنف إلى حيث ألقَتْ.

وحين أبديت تخوفي — بعد أعوام من زوال حساسيَّة الأنف — أن تكون عادت إلى موضع آخر في جسدي، هو الصدر، قال الدكتور هشام قاسم إن تخميني في محله، وإني بالفعل مصاب بحساسيَّة الصدر، ونصح بأدوية امتد تأثيرها إلى ما يقرب من الشهرين، ثم تكررت الأعراض، وتكررت الأدوية، فنصح الطبيب بالكورتيزون، وذهبت الأعراض فعلًا بعد يومين من تعاطي الدواء!

لما كرر الطبيب نصيحته اليائسة في مرة تالية، أعلنت تخوفي من أعراض الكورتيزون السلبية.

قال بلهجة تجمع بين الإشفاق والتعاطف: لا حل إلا الكورتيزون.

أسلمت رِدفي — صاغرًا — لحُقنتَي كورتيزون، وانتظرت زوال الحساسيَّة بعد يومين، كما في المرة السابقة، لكن كل شيء ظل على حاله.

عرَفت أن مسببات الحساسيَّة كثيرة، منها أنواع من الأطعمة والعطور والعوادم والأتربة والفطريات الهوائية، وحبوب اللقاح، والمبيدات الحشرية، والسجاجيد والموكيت، والرطوبة العالية، وحشرة الفراش، والحيوانات المنزلية، وغيرها.

لم يعد إلا وَصْل النتائج بمسبباتها، فأُجري التحليل الذي يدل على أصل الداء، حتى أبرأ منه، وأستعيد ما استعاره الدكتور طريف من نهج البردة: ومن السموم الناقعات دواء!

لعلي أتجاوز كل تلك المسببات، وأُرجِع توطُّن الحساسيَّة في صدري وصدر ابنتي أمل، وابني وليد — فيما بعد — إلى وراثة عن أبي.

رويت لك عن السنوات الطويلة، المتصلة، التي كان أبي يعاني فيها تأثيرات الربو، لا يستطيع النوم على السرير، مثل بقية البشر، فهو يكتفي بالجلوس على كرسي، ويسند كوعه إلى كرسي آخر أمامه (أشرت إلى تلك الجلسة القاسية في أكثر من قصة لي)، تفاجئه الأزمة، فنحاول تحريك الهواء أمامه، يلوِّح لنا عند اقترابه من البيت، نهبط إليه بكرسي عند الباب الخارجي، نجعل المسافة بين الباب وشقتنا في الطابق الثالث محطات، يسترد أنفاسه في كل بسطة، ربما اشتدت الأزمة، فأعدو إلى صيدلية جالِيتي بشارع فرنسا، أو صيدلية الإسعاف بالمنشية، أعود بمسعف يعالج الأزمة بأدرينالين أو إفيدرين، وهما ما أذكره من أدوية لعلاج حساسيَّة الصدر آنذاك.

تطور العلاج، وأنواع الأدوية، لكن الحساسيَّة على حالها في صدور المرضى، بل إن معدلاتها — كما تقول الإحصاءات العالمية — زادت بصورة لافتة.

•••

انشغلت بالتعرف إلى كل ما يتصل بالحالة التي شخَّصها الأطباء، عدت إلى كتب طبية، وموسوعات، وأدرت ماوس الكومبيوتر على مواقع الإنترنت، قرأت ما استوعبته، وما لا أفهمه، تابعت البرامج الحية في القنوات الفضائية، طالعت الملاحق تتخلل إعلاناتها مواد طبية، ألتقط النصائح والتوجيهات والخبرات والإشارات إلى الأعراض التي ينبغي التنبه لها.

أعرف أن حدقة العين — عندما يتقدم العمر — تبدأ في التصلب، بحيث تصعب الرؤية السليمة، ويحتاج المرء إلى استخدام نظارة. النغزة الصغيرة في منتصف الصدر، تعيد ما قرأته عن أعراض الذبحة الصدرية، أطمئن نفسي بما قاله لي الدكتور جلال السعيد: أعراض أمراض القلب من الظهر أكثر من الصدر. تطول مدة الزكام، أَحدس بأن الأمر لا يقتصر على العطس والرشح، لكنه بدايات مرض يعطي نُذُره. أشعر بوجع في جنبي، أجده نذيرًا بمتاعب في الكُلى، قد تؤدي إلى فشل كُلوي. أشعر بحرقان في البول، أعرف أن البروستاتا هي المرض الذي يفرضه السن المتقدم. ألاحظ أن السائر بجواري يزداد نهجانه كلما استغرقنا السير، أعرف أنه يعاني حساسيَّة صدرية، أو مرضًا في القلب. أراقب تطورات الألم، ما يبدو ألمًا. أعرف أن المرء قد يتمنى الموت نهاية للألم الذي يسري في جسده.

لا أحب الألم، لا أحب حتى مشهد الحقنة وإبرتها تغوص في اللحم، أُغمض العينين، أو أبتعد بنظراتي إلى الناحية المقابلة، يستوي الأمران؛ حدثت «شكة» الحقنة في جسدي، أم في جسد شخص آخر.

المشهد — في ذاته — يؤلمني.

النصيحة التي تتكرر في زياراتنا لكل طبيب هي الابتعاد عن النَّشَويات والدهون والحلوى، واستعمال زيت الذرة بدلًا من السمن البلدي، والإقلاع عن التدخين، والامتناع عن أكل اللحوم الحمراء، والإكثار من أكل الخضروات والفاكهة، وممارسة الرياضة — ولو المشي ‏— بانتظام.

•••

لا أذكر متى، ولا كيف، حدث ما حدث للمرة الأولى، ولا إن كان حدث، واستمر، دون أن أدري.

ينبغي أن أعترف بأني أهملت بوادر الأمراض، حتى اكتسبت عافية، واستقرت في جسدي، ليست مرضًا واحدًا، ولكن مجموعة أمراض. ألجأ إلى الطبيب فيما زاد ألمه، أُهمله إن استحثني صراخ مرض آخر، أو أحاول مداواته، وهكذا … تكسرت النصال على النصال كما تقول القصيدة. أفكر في «الشيك أب»؛ الفحص الشامل للجسد، أخشى أن يبلغني الطبيب بأن الجالس أمامه طيف شخص سبق موته، أو يحدد لي — بصراحة قاسية — عدد الأيام المتبقية لي في هذه الدنيا!

أبدو صحيح البدن، لكن المرض قد يكون حيث لا أعرف، وحيث لا يعرف الأطباء. ثمة ملوكٌ ورؤساء دول تُجرى لهم فحوص دورية، ربما كل صباح، لكن المرض يعلن — فجأة — عن وجوده. أَحدس في أي ألم، في أي عارض، مرضًا يعلن عن نفسه، نوبة قلبية، أو جلطة، أو فشل كبدي، أو فشل كُلوي.

هل أذكرك بجمال عبد الناصر، والملك حسين، وهواري بُومِدْين، وهوجو شافيز، وجورج السادس، وعشرات غيرهم؟

يشير الراحل حلمي سالم إلى أنه لم يكتب قصيدة كاملة تتعلق من بابها برِثاء أمل دُنقل، لأن خوفه من السرطان، الذي انتشر في الهواء، والذي أخذ منه مجموعة من أعز الناس، جعله يجفُل من رثاء دُنقل، حتى لا يكون في مواجهة مباشرة مع السرطان، وكما نعلم، مات حلمي سالم متأثرًا بالسرطان.

•••

مشكلتي مع العمود الفقري تعود إلى سنوات طويلة. ترتبط البداية، ثم الاستمرار بالآلام المصاحبة لجلستي إلى الآلة الكاتبة، أمام الأوراق البيضاء، حتى أسوِّدها بما أكتبه، أنقر عليها ربما إلى ساعات الصباح، أغلق النافذة إشفاقًا على آذان الجيران من صوت الآلة، لا عبارة شكوى، فالكل يدرك طبيعة عملي، لكنه الشعور الذي أعانيه — سمِّه حالة مرضية! — من أن أكون في موضع الذي أزعجه!

ملاحظة عابرة، أشارت بها زوجتي إلى بداية المشكلة: هل يدرك أصحاب «الوطن» فداحة الثمن الذي دفعته؟

الوطن هي الجريدة التي أصدرتها — بجهد فردي في البداية — ثم بالاعتماد على قلة من الأصدقاء، كانوا يقتطعون من أوقات وظائفهم الحكومية في مسقط، ليسهموا في إعداد مواد الجريدة. أقف على الطاولة يوم صدور العدد كل أسبوع من التاسعة صباح الأحد إلى الثانية عشرة ظهر الاثنين. يلاحظ صديقي وزميلي حسين مرسي، عندما يأتي ليصحبني إلى مقر الجريدة في سوق الخضار بمسقط، أني لا أستطيع الوقوف، يداري الضحك في تحول جسدي — وأنا أتهيأ للوقوف — إلى الرقم ستة، أضع راحتي خلف ظهري، أحاول «الفلفصة»، حتى أستطيع فرد قامتي.

نسيت — من أيامها — لعبة الجمباز، قدرتي على ملامسة رأسي بأطراف أصابعي، منافس حقيقي للرجل الكاوتشوك رمَّاح. اعتدت الجلوس لساعات طويلة، أقرأ، أكتب، أراجع، لا تشغلني الأعراض التي تهمس بالشكوى، ربما لجأت إلى مُسكِّن مما تتيحه الصيدليات. تأملت تشبيه صديقي محمد بهنسي إلى أن جسدي مثل البطارية التي يُفترض أن يطول عمرها بضع سنوات، لكن صاحبها يختصر العمر — بإساءة الاستخدام — إلى بضعة أشهر. أعجبني تشبيه بهنسي، وإن لم أتدبر معانيه.

لجأت إلى ما يسميه العلماء القوة الثانية، أصمت عن الحركة والكلام، أكتفي بالشرود، والتقاط الأنفاس، خمس دقائق أو نحوها، أقرب إلى رياضة اليوجا، ثم أعود إلى ما كنت فيه.

تواصلت اللعبة القاتلة، القاتل هو أنا، والمقتول هو جسدي المسكين!

ثم علت الهمسات في ظهري، تحولت إلى صراخ، نتيجة الألم في فقرات العمود الفقري، وفي الساق. أولاني صديقي الطبيب المعتز بالله الفقي رعاية مكثفة، حتى استطعت القيام من المرض، الذي سُمي «عرق النَّسا».

•••

أهملت نصائح ابني وليد بأن ألجأ إلى الكومبيوتر. تعددت مسمياته في البداية، حتى استقرت على تسمية «الحاسوب» في لغة الحافظين للفصحى، و«الكمبيوتر» لمن يستخدمون التسمية الغربية، وهي التسمية التي أطلقها العالَم الصناعي على اختراعه، مثلما اخترع التليفزيون والفيديو والإنترنت والمحمول، وتسميات أخرى كثيرة.

ليس من حقي أن أختار اسمًا مغايرًا للاسم الذي تلقيت به الاختراع، فهو من حق صاحبه، ولعلي أذكرك بالأسماء والمسميات التي نقلها الآخرون عن العرب أيام كانت لهم حضارة متقدمة.

تجاهلت نصائح وليد زمنًا، وظللت على تجاهلي، حتى عندما تحولت النصائح إلى تحريض، وتحذير من ألا أخاطب العالم بلغته، ولا أُحسن استخدام أدواته.

كطبيعة الأمور، تحولت — فيما بعد — إلى تلميذ، يبسِّط لي وليد عمل الكومبيوتر، تعرفت إلى المسميات والخصائص حتى شعرت بأني أستطيع أن أستبدل الكومبيوتر بالآلة الكاتبة، عالم سحري لم يخطر في بالي، ولا تصورته، الكتابة بخط جميل (ما أسوأ خطِّي!)، الحفظ، القص، اللصق، التقديم، التأخير، وغيرها من استخدامات الكومبيوتر، تيقنت بأن اختراع الجهاز كان من أجلي. كنت أنقل ما أكتب على الآلة الكاتبة، أخطئ، أو أرفض شكل الصفحة، فأبدأ من الأول، تأخذ المُسَوَّدات هيئة الصفوف المتراصة المتلاصقة، أضيف إليها وليس العكس. تحولت المِلفات الكثيرة إلى مِلفين أو ثلاثة، وبدأت في طبع ما أرى اكتماله، واتهمني الأصدقاء والنقاد — دون أن يعرفوا السبب — أني غزير الإنتاج!

المهم أن الجلسة لم تتبدل، أظل جالسًا بالساعات، تخرج زينب في الصباح، وتعود قبل المغرب، تراني في جلستي أمام الكومبيوتر، أنقل ما كتبته، أو أكتب مباشرة، أو أراجع معلومات الإنترنت، أو أرد على رسائل الأصدقاء. أشعر — حين أهُم بالتحرك داخل البيت — بآلام في أسفل الظهر، وفي الساقين، اعتبرت ما يحدث أعراضًا طارئة، ولم أبدل جلستي — بيدي الورق والقلم — على طاولة السفرة، أو أمام الكومبيوتر على المكتب.

ذات عصر، أذكره جيدًا، كنت في محطة سيدي جابر، أنتظر قطار القاهرة، أحسست بما يشبه النيران تتصاعد في ساقي اليمني، تجذبني الساق إلى أسفل، فأوشك على القعود، تحاملت على نفسي، حتى ودعت صديقي الدكتور محمد زكريا عناني، والروائي منير عتيبة، وصعِدت إلى القطار.

ظل الألم على حاله، بعد أن وصلت القاهرة، تعاطيت ما نصحني به الأصدقاء من مسكنات، لكن الآلام ظلت على صراخها.

نصحني صديقي أنس الفقي — رئيس هيئة قصور الثقافة آنذاك، ثم وزير الإعلام فيما بعد — بأن أعرض نفسي على شقيقه الطبيب المعتز بالله الفقي. طلب أشعة، وأجرى فحصًا دقيقًا، ثم كتب روشتات، كادت — لكثرتها — تعيد قرحة المعدة، لولا أنه أوقف النزف بدواء جديد.

•••

تورُّم القدمين رافق ما سمَّاه الأطباء عِرق النَّسا، لا أعرف أي العارضين تأثر بالآخر، أم أنهما نتيجة حالة مرضية واحدة؟

كانت أمي تحذرني من تناول الطعام وأنا واقف: «الأكل ينزل رجليك.» أتذكر التحذير، وأنا أنظر إلى ساقَيَّ اللتين تعانيان الامتلاء، أو الانتفاخ، حين يطول جلوسي، أو وقفتي. نصيحة الأطباء أن أرفع ساقَيَّ دومًا في أثناء الجلوس أو النوم.

كيف أقف إذن؟ وكيف أجلس لأكتب؟

أعرف بأنها ظاهرة ترتبط بتقدم السن. شخَّصها الأطباء بأنها بتأثير جاذبية الأرض، يظل الجسد يقاومها، حتى تتخاذل الساقان في النهاية، فيحدث الانتفاخ، وهو أمر مؤكد لمن يُمضون معظم يومهم جلوسًا على المكتب.

أجد في هذه الظاهرة بدايةً لتخاذل الجسد كله أمام جاذبية الأرض، حتى تُخضعه، في النهاية يموت.

دواء «دفلون» لا يوقف التأثيرات السلبية، لا يفلح في ترميم ما تصدع بالفعل، إنه مجرد أمل للمريض الذي يطلب دواء لكل مرض، حتى لو كان الشفاء صعبًا، أو مستحيلًا، وهو ما يحدث في الأفلام العربية عندما يفلح الطبيب الأجنبي — بجراحة دقيقة — في علاج الحالة المستعصية، التي قاست البطلة الفاتنة ويلاتها، كي لا ينصرف الجمهور عن المشاهدة، فيواجه الفيلم فشلًا مؤكدًا، أو يُضطر المنتج إلى تقديم نسخة ثانية من «المتوحشة»، تظل فيها سعاد حسني على قيد الحياة، بدلًا من النسخة الأولى التي حاولت الحفاظ على نص جان أنوي المسرحي.

تذكرت بالضرورة شاكر المغربي، بطل روايتي «النظر إلى أسفل». كانت القدم — قدم المرأة بخاصة — هواه ومعبوده:

«بدا لي الأمر غاية في البساطة، أكشف لها السر، الذي يمور في أعماقي، فتبدي تفهمًا، تبدأ الرحلة، التي تأخرت بأعوام عمري كلها. لم يعد خاطرًا يَفِد ويَذوي، شملني تمامًا، امتد إلى المجهول، عالم حافل بالأعاجيب، ما عداه طريق إليَّ، وثرثرات، وهوامش … ق … د … م، حتى الحروف تَهَب التأثيرات التي أتنبه لها، أصحو، ألتفت بتلقائية، أكتم الصخب في داخلي، حتى لو كانت الكلمة في جملة لا تعبر عن المعنى، وتبعد عنه. يلفني التنبه، لحظات تقتطع نفسها، كأنها الزوال الممتد، كأني لست أنا، وكأن الآخرين ليسوا هم. تغيب النواهي والمحظورات، وأفتش عن المعنى الذي يشغلني. قد يكون هو، أو قريبًا منه، أبذل جهدًا كي لا يفطن أحد، أسلم نفسي إلى الدوامة التي لا تعنيها الدهشة، تختلط الرؤى والأحلام والتصورات، تبدو الملامح باهتة، أو كالظلال. قد يغيب المعنى في الكلمات، يبدو منفصلًا عنها، ومنفصلة عنه، يهدأ التنبه، وتتجه النظرات إلى حيث كانت، وإن ظل الخيال في انطلاقاته، التي لا يحدها قيد. أجوس في عالمي بالنظر إلى الجسد، طوله أو قصره، ميله إلى البدانة أو ضموره، الأصابع مقصوصة أو مهملة. أخمن الصورة إذا غيبها الحذاء، في الموضع الذي تحدده لنفسها داخله.»

•••

لجأت — حين عادت الأعراض — إلى أدويةٍ أشار بها الدكتور المعتز بالله، ثم ترددت — باستمرار الحالة — على أطباء، نصح أحدُهم بأن أُجري أشعة رنين، أشفقت من التمدد فيما يشبه التابوت، وتعاطيت ما أعرفه، وما لا أعرفه، من المسكنات، تكفي نصيحة لأتصل بالصيدلية، أطلب ما أشار به الصديق صاحب النصيحة.

تكررت الأسئلة، لكنها اتفقت في المعنى: أين أشعر بالألم؟ ومتى تزداد شدته؟

تعددت الأوقات التي داهمني فيها الإحساس بالألم، ألم قاسٍ مُمِض، يجبر الساقين على إبطاء الخطوات، يدفع التأوه إلى حلقي، قد تلامس سخونة الدمع وجهي، أتَساند على من يرافقني، أو على ما أصادفه.

أذكر العناء في قطع المسافة من باب مطار دبي إلى باب الخروج الداخلي، دقائق غمرني فيها الألم، غالبت الرغبة في القعود، رغبة مسيطرة، باطشة، تسلبني الحيلة في المقاومة، كأنها تجذب جسدي إلى أسفل.

طال تساندي على زينب، حتى لم أعد أقوى على الحركة، استغاثت بمقعدٍ خالٍ، أمام كاونتر شركة طيران. تأملت في جلستي التفاتاتها في المكان، كأنها تبحث عن اليد التي تعينني على مواصلة السير.

لمح رجل أمن ما أعانيه، وتعانيه زينب بالمشاركة والتعاطف. دعا عربة صغيرة ذكرتني ﺑ «التوكتوك» في شوارع القاهرة (لا استثناء، فقد رأيتها في الشوارع الرئيسة!) أقلَّتنا إلى القاعة المؤدية للمدخل الخارجي، أمام باب الخروج تمامًا.

كان ما بعد الفجر أصعب الأوقات، تشتد الآلام، تنغز كل جسدي، أبدل موضع النوم، على الظهر، على الجانب الأيمن، على الجانب الأيسر، أتذكر الطريقة التي كنت أفضلها قبل أن تصادقني الآلام؛ أتمدد على صدري، وأضع ساعدي تحت الوسادة، لكن التأثيرات تظل قائمة. أزحف إلى الكنبة في الصالة، أتوهم الراحة في غياب المرتبة، دقائق، ثم تعلو صرخات العظام.

تعددت نصائح الأصدقاء بممارسة اليوجا، والتدليك، واستعمال الكريمات المناسبة. وثمة من اختصر الطريق، فنصح بتعاطي مسكنات الألم، مثل: «أسيتامينوفين»، أو «إيبوبروفين»، أو «نابروكسين»، وتحدث صديق عن تلاشي الألم بحقن في الظهر.

الآلام القاسية تدفعني إلى رفض التحذيرات من اختلاط المسكنات، وتواليها، لكل منها تأثيره في الجسد، وفي المعدة بخاصة. يتناوح ما يصعب وصفه داخلي، لا يشغلني إلا إسكات ما أعانيه، وإن حرصت على كتمه، لا أبوح به حتى للقريبين.

دخت مع الأطباء.

اعتدت ميكانيكية فعل ابتلاع الأدوية، دون أن يهدأ الألم. لجأت إلى كل ما قد يخفف الألم: المراهم، الكريمات الطبية، خلطات الأعشاب، حتى الوصفات التي أشار بها الأصدقاء، حاولت أن أفيد منها، أجدت البحث عمن يعرف الفرق بين أنواع العطارة، ويحسن الاختيار، وإن عرَفت متأخرًا أن فيتامين «د» في إجماع الأطباء هو الدعامة الأهم لعافية العظام.

أذكر أن طبيبين من عشرة أطباء، حَرصا على تفحص مواضع الألم، وتسجيل ملاحظات أتاحت لهما وصف الدواء المناسب. كانت كل الأدوية — في الحقيقة — مسكنات، لا تلغي المشكلة.

أطيل التحديق في عينَي الطبيب، أَحدس ما يخفيه، أو نسيه. يقلقني أنه ربما يكذب، لم يصارحني بخطورة الحالة.

قال لي صديقي الطبيب فؤاد البدري إنه يقرأ الأمراض التي تسكن جسد مريضه، في عينيه، بمجرد أن يدخل حجرة الكشف. وصارحني صديقي المبدع الطبيب محمد المخزنجي بأن علم الفراسة، الذي درسه في روسيا، يتيح له قراءة الشخص؛ حالته العضوية والنفسية، لحظة دخوله عليه!

ثمة من لخص الحالة بمجرد تمسيد موضع الألم: هذه حالة تيبُّس.

تيبُّس؟!

أقلقتني العبارة، ما معنى أن يكون الظهر متيبسًا؟ كيف أعيش حياتي بظهر متيبس؟

حاولت تناسي التشخيص المقلق، وأنا أبحث عن إجابة مقنعة في عيادة طبيب آخر.

صار ترددي على الأطباء مثيرًا للقلق، ومثيرًا للخوف أحيانًا ثانية، ومثيرًا لليأس أحيانًا أخرى.

تبدَّلَت الأدوية التي أتناولها ما بين أقراص وحقن، تعددت مسمياتها، فغاب معظمها عن ذاكرتي، أذكر:

flash, sulfax, voltaren 50, claritine, lyrica, sirdalud, Thiotex, Arythrex, Myofen, cal-C-Vita, Arthrofast, Becozyme, Solupred cobal, spasmodigestin, brexin, cymbalta, feldene, cymbatex, neurimax.

تهدئ الألم وقتًا، تلطفه، لكنه يعود كما كان، أو أقوى مما كان.

ظلت الآلام إحساسًا ثابتًا أعانيه، وتكرر سقوطي في الصعود على السلالم، وفي الحمام، أو حتى داخل الشقة. ثم لاحظت في قدمي ما سافر حسني مبارك إلى ألمانيا لعلاجه، وهو فقدان القدرة على تحريك قدمي اليمني، أرفعها، وأنزلها، «تهبد» في الأرض. أقلقني الأمر، وأحرجني.

وقعت — بلا سبب أذكره — على باب «الجمهورية»، درجتان زلتا قدمي، فسقطت فوقهما، صار أصعب اللحظات في عبوري المسافة بين باب المبنى الخارجي وباب المصعد، ثم المسافة بين باب المصعد وباب مكتبي. أحاذر أن تلامس قدمي اليمني الأرض، تتبعها القدم اليسرى، لكن القدم الأولى تهبط على الأرض كمطرقة، أرفعها بصعوبة، يتكرر الأمر في الخطوة التالية. يؤلمني الشعور بأن الأعين تترصد خطواتي، تلحظ الارتباك والتعثر، وعدم القدرة على المشي، عشت المأزق دون أن أفصح عنه، لم أتبين البواعث، وما إذا كانت طارئة.

وضعت ملاحظة الدكتور حاتم رضوان — صديقي، وعضو ندوتي في «المساء» — حدًّا فاصلًا بين ما سبق، وما لحق، وهو ما سأرويه لك:

التقط حاتم رضوان إشارتي لما أعانيه: هل قلت إن قدمك تخبط الأرض؟

أومأت برأسي موافقًا.

أدار إصبعه، يستحثني على الفعل.

رفعت ساقي اليمني، هبطت بها، أحدثت قدمي ما يشبه الارتطام.

هتف: هذه حالة سقوط قدم، لا بد من عملية.

ما القدم الساقطة؟

صدمني التعبير.

لم أكن — أعترف — استمعت إليه من قبل، عدت إلى الإنترنت؛ موسوعة زماننا، قرأت ما كُتب عن القدم الساقطة (Drop Foot): إنها عدم قدرة المريض على تحريك أصابع قدمه، والجزء الأمامي من القدم، بتأثير توقف الأعصاب المحركة عن العمل، لضغط الديسك، أو الغضروف، في أسفل الظهر، على الأعصاب.

•••

حدثتك في روايتي التسجيلية «الحياة ثانية» عن آلام قرحة الإثني عشر، التي كانت تُحدث في بطني فعل السكاكين، اقتصر علاجي لها على المسكنات، والانكفاء على آلامي، حتى أعلنت القرحة عن تمرد صاخب، وأنا أقود سيارتي أول الطريق المفضي إلى سكة المناصرة، الدم الذي تقيأته أصابني بدوار. تمنيت أن أترك السيارة إلى أقرب كرسي. أمضيت — بتأثير التمرد الصاخب — ستة عشر يومًا في مستشفى عين شمس التخصصي (افتُتح في ١٩٨٤م)، بعد جراحة عاجلة أجراها الدكتور رضا عبد التواب. عالَمٌ، مفرداته: الأطباء والممرضات وغرفة العمليات والأدوية والمنظار والتحاليل والأشعة والكرسي المتحرك، ودفء الصداقات.

أصعب ما عانيته، تداخل تأثيرات عملية الشبكية في عيني، وضرورة متابعة الدكتور حازم ياسين لعملية المياه البيضاء، وعدم قدرتي على الحركة.

لم أعد أقوى على السير، أنتقل من غرفة النوم إلى الصالة باحتضان زينب، أضع ذراعي حول عنقها، تعود بخطوات بطيئة، أجرجر قدميَّ خلفها، نسلي أنفسنا بالدندنة، توت … توت!

كانت الآلام، التي اعتدت عليها كل صباح، أقسى من أن أحتملها، ليست مجرد آلام موجعة، لكنها تتصاعد داخلي بالغثيان، يمتزج طحن العظام بالرغبة في القيء.

استعدت الفترة التي كنت أعاني فيها صرخات قرحة الإثني عشر، مصدر الصراخ — هذه المرة — يشمل الجسد كله، لا أستطيع أن أحدد موضع الألم، ربما أضاف إلى متاعب معدتي أني لا أمضغ الطعام، أضعه في فمي لأبتلعه، لا تؤدي الأسنان وظيفتها في الطحن.

تمنيت — أحيانًا — أن أفقد الوعي، أو أموت.

حين ضاق الحال، أصغيت لوصفات الطب الشعبي، تعددت مفردات الأعشاب والطب النبوي، لكن زينب نصحتني بأن أهمل ما استمعت إليه، ذكرتني بدجال نشرت «المساء» تحقيقات عن قدرته على علاج كل الأمراض، حتى المستعصية. تحديته بلحمية في أنفي تولدت من الحساسيَّة، صرخت من الآلام القاسية التي أحدثتها قطرات وضعها في فتحتَي الأنف، طمأنني بأن الألم مدخل للعلاج، ووعد خيرًا.

أحدثت القطرات في أنفي ما أفقدها الشم، واستغثت بالدكتور فؤاد البدري، فطن — بمجرد الفحص الظاهري — إلى أن الدجال حاول إزالة اللحمية بقطرات ماء نار، وحسب تصوري، فإن الدجال خاف مَن أُوذوا بعلاجه، فذهب إلى حيث ألقت.

أحيانًا، كنت أقنع نفسي بأن المرض خَفَت صوته، أو تلاشى، وأن كل شيء على ما يرام، لكن الألم يتصاعد هادئًا، خفيفًا، كأنه صدى صوت بعيد، ثم يعلو الألم شيئًا فشيئًا، يعيدني إلى ما أعانيه، إلى المرض، وتأثيره، ومضاعفاته، واحتمالاته القاسية.

•••

كنت أُعِد نفسي لموعد مع طبيبين للعيون؛ الدكتور شريف إمبابي أولًا، والدكتور حازم ياسين ثانيًا، شريف إمبابي ينزع السيليكون، ويُفسِح المجال أمام الشبكية، ترى دون وسيط، ثم حازم ياسين ليراجع العملية الجراحية بعد فترة من إجرائها.

أخذتني دوامة المشكلة الجديدة، اعتدت جرع الأدوية مسكِّنًا لآلام الغضروف، وما يتصل بها. لم أتوقع ما حدث، ولا دار في بالي أن ألقي السنَّارة، أو الطراحة، في الموج الحصيرة، أُسلِم نفسي إلى لحظة استرخاء، لا تلبث أن تفقد صفوها بنوة لم تنذر بقدومها، أنسى الموج الحصيرة، والطراحة، أو السنَّارة، واللحظات المسترخية، أنسى ما قد أنسبه إلى الوداعة والسكينة، أضع همي في اتقاء النغزة، محاولة النجاة من تأثيراتها، هذا هو الشعور الذي عاشه سكندري يعرف معنى تقلبات الجو، والحرص على الأولويات، الأهم فالمهم في مراحل حياتنا.

لم أكتف باتخاذ القرار، تبعتُه باتصال هاتفي بالدكتور شريف إمبابي. طلب أن أزوره ليطمئن على العملية، أسندت ذقني على حافة جهاز دقة الإبصار، وانتظرت رأيه. قال: نستطيع أن ننتظر حوالي الشهر!

حتى الآن، فإن صوت أم كلثوم يعيدني إلى حجرة العمليات في مركز تصحيح الإبصار، أو في مستشفى كليوباترة، كأنه مثَّل ارتباطًا بعملية المياه البيضاء في المرة الأولى، والشبكية في المرة الثانية.

نُذُر ما سيحدث، دون أن أَفطِن إليها: سقوطي في الحمام، سقوطي أمام باب الجريدة، مشيتي المهتزة، ملاحظات زينب، وخجلي من مشيتي في الجريدة نتيجة سقوط القدم.

لاحظت زينب أني أميل إلى التعثر في مشيتي، أي «قرمط»، كما تقول الصفة القديمة. لم أكن لاحظت ذلك، أو أني كابرت.

كان الشرود يأخذني إلى مبنى الهيئة المصرية العامة للكتاب، السلالم الرخامية العريضة المُفْضية إلى البهو. أعاني التخوف من أن أصعد السلالم بلا درابزين، يطول ترددي من أن يصدني غياب ما يقودني إلى داخل المبنى، أضع الاحتمالات: هل يحول غياب الدرابزين دون دخولي المبنى؟

لكن الاطمئنان يتجه بي إلى الدرابزين المعدني، على جانب السلم.

سبق النُّذُرَ نصائحُ كثيرة، بأن أحرص على الاعتدال، لا أرهق جسدي بأكثر مما يجب. أذكر قول صديقي محمد بهنسي، وأنا أقضي الليلة الثانية واقفًا لإنهاء إعداد جريدة «الوطن» العمانية: جسدك بطارية، لها عمر يعلمه الله، لكنك تصر على اختزال استعمالها، في إصرار غريب.

حدثتك عن الصحفي، الذي يشكل أسرة تحرير؛ أكتب المادة التحريرية، أضع لها الماكيت، أُلصق الأعمدة، أخُط الجداول، كل شيء. إذا رضيتُ عن نفسي، فإني أدعوها إلى كوب شاي، أنا الذي أُعده!

نقل لي أصدقاء ما أثاره أستاذنا نجيب محفوظ في ندوته الأسبوعية، كيف يستطيع محمد جبريل — بمفرده — أن يصدر جريدة أسبوعية؟!

لم أتعرف إلى مشاعر نجيب محفوظ، إن كانت إشفاقًا، أم استغرابًا، أم لومًا، لكنني وجدت في مجرد أن يذكرني في موضعي البعيد عن القاهرة ما يغمرني بالسعادة.

•••

من ضوابط الإضراب أو التظاهر ألَّا يضر الناس في أرواحهم أو أموالهم، وإضراب الأطباء يعني التقاعس عن أداء واجب يتصل — مباشرة — بحياة المواطنين.

إذا ابتُلي المواطن بمحنة المرض، فإن الطبيب الذي يتولى علاجه مطالب بأن يواصل العلاج، إلا إن استدعى التشخيص والأشعة والتحليلات تحويل المريض إلى طبيب آخر، أو أطباء آخرين.

الطب مهنة تختلف تمامًا عن كل المهن ذات الصلة المباشرة بالمواطنين. إنها أقرب للرسالة، التي يؤدي التقصير فيها إلى تردي حالة المريض، خاصة إنْ منع الإضراب الإفادة من أجهزة الأشعة والتنفس الصناعي والتحليل، وغيرها.

أذكر أني ذهبت لموعد مع طبيب في مستشفى الهلال الأحمر، أعددت ما طلبه من أشعة، فوجئت بإغلاق المستشفى، في حين وقف الأطباء والموظفون والعمال وراء الأبواب الحديدية، ينصحون المرضى وذويهم بالانصراف، فاليوم إضراب!

ماذا عن المرضى؟ ماذا عن الموعد، الذي بدا لي مهمًّا للتخلص من معاناة المرض؟!

لم أتصور أن الأطباء يعاقبون المرضى، حتى يحصلوا على حقوقهم من إدارة المستشفى. إذا أضرب عمال النقل العام، فإن الركاب قد يتجهون إلى وسيلة مواصلات أخرى، أو إلى السير على الأقدام، ولعلهم يؤجلون ما لا يكون ملحًّا إلى موعد لاحق.

إضراب الموظفين في جهة إدارية أو خِدمية قد يحتمله صبر المواطن، لكن المرض لا يصبر. إذا تأخر التشخيص أو العلاج، فإن النهاية القاسية تبدو وشيكة.

الحكايات في هذا المجال كثيرة، أهونها نسيان الفوطة الطبية في بطن المريض.

تصفحت — بما أملاه استثناء اللحظة — فاتورةَ عمليةٍ أُجريت لأحد أعزائي في مركز طبي.

همست باستغرابي للكثير من مستحضرات التجميل النسائية التي تضمنتها فاتورة الأدوية. رسمَتْ رئيسة الممرضات بسمة عريضة، وقالت: حلاوة العملية!

وحين أصيب زميلي بدوي محمود، المحرر بالجمهورية، بأزمة قلبية، نقله الزملاء إلى مستشفًى قريب، ومع أن الأزمة أنهت حياته، فإن فاتورة المستشفى شملت أنبوبة أوكسجين، وتبين الزملاء — في مساء اليوم نفسه — أن المستشفى يخلو من أنبوبة واحدة!

وروى لي سائق تاكسي — في بساطة أذهلتني — ظروف وفاة أول أبنائه؛ وُلِد مبتسَرًا، طلب المستشفى الحكومي خمسة عشر جنيهًا لكل ليلة يقضيها الوليد في الحضَّانة، واجهوا اعتذاره بعدم دفع المبلغ، باعتذارٍ عن عدم إدخال الوليد الحضَّانة. مات الوليد بالفعل!

وشخَّص طبيب — واحد من كثيرين — ما أعانيه بأنه تيبُّس في العمود الفقري.

قال الجملة في بساطة، لكن المعنى أزعجني تمامًا.

معنى التيبُّس هو الجمود والسكون وفقدان الحركة، ما تأثير ذلك على حياتي؟ كيف يتاح لي السير والقعاد والنوم؟ كيف يتاح لي التحرك؟ قال أحد الأطباء — بعد أن راجع صور الأشعة: لا بد من عملية، لكنها عملية دقيقة للغاية، ربما لا يتحملها المريض.

واكتفى طبيب بكتابة أدوية بخط الأطباء، الذي لا أدري كيف يقرؤه الصيادلة، وعرَفت بأنه الدواء نفسه، الذي وصفه أطباء آخرون.

بدا أنه ليس عند كل طبيب ما يفعله، أو يضيفه، وكنت أكتفي بالصمت، وأنا أقرأ الروشتات، التي تكرر الأدوية نفسها.

يتقاضى الطبيب قيمة الكشف في عيادته ثلاثمائة جنيه، أو حوالي هذا الرقم، مجرد لحظات يستمع فيها إلى «الحالة»، ثم تجري يده على دفتر الروشتات بأسماء أدوية، ويضغط على الجرس، ليدخل المريض التالي. أتأمل المرضى الذين يعانون الانتظار: كيف أمكن لهؤلاء «الغلابة» — الملابس تغني عن التخمين — تدبير هذا المبلغ، سعيًا لإنقاذ مريضهم الغالي؟!

وتبينت — في ترددي على العديد من الأطباء — ما يشبه الاتفاق بين الطبيب من ناحية، وبين صيدليات ومراكز للأشعة وللعلاج الطبيعي من ناحية ثانية، لا أستطيع أن أحدد الطبيعة المادية للعلاقة، هل هي تعبير عن الصداقة من الطبيب، أو أن الأمر يُجرَى في إطار البيزنس؟ تمامًا كما يحدث في العلاقة بين الأطباء وشركات الأدوية.

وإذا كانت كل المهن تحتمل الخطأ، فإن خطأ الطبيب قد يُنهي حياة، وقد يُحدث عاهة دائمة.

من واجب الطبيب — قبل أن يشير بالدواء — أن يطمئن إلى الحد الأدنى من فاعلية الدواء للمريض، لا يكتفي بطريقة حبوب الحاج محمود، الذي كنا نلتقيه في أسواق زمان، وهي الطريقة نفسها، التي يلجأ إليها مندوبو المبيعات في شركات الأدوية. بل يرجع إلى كل المصادر التي تتيح له التعرف إلى فاعلية الدواء. كلمة الشرف هنا لا تصلح لإنقاذ حياة المريض، وأذكر أن الطبيب وصف دواء بين أدويته الكثيرة، شمل بالإعياء جسدي. شكوت له، فقذف الروشتة في السلة، وسحب روشتة أخرى، كتب فيها دواء بديلًا. تمنيت لو أنه راجع الدواء المُلْغَى: لماذا ساءت نتيجته؟ وما الضمان لفاعلية الدواء الجديد؟

نحن نقرأ عن حوادث اعتداء أُسر مرضى اختصر خطأ الطبيب حياتهم — قد لا يكون ذلك هو السبب — فاقتحموا المستشفى أو العيادة الخاصة للاعتداء على الطبيب، لا نقرأ عن أسرة عروسين حاولت الاعتداء على النجار، لأنه لم يُحسن صنع الأثاث، الأمر نفسه في كل الحرف والمهن، يبلغ غضبنا حد الشكوى للشرطة، أما محاولة الاعتداء فهي تتجه إلى الطبيب، الذي نتصوره قد أخطأ، فأودى بحياة عزيزنا!

•••

أترك لك تصور مشاعري عندما قدمت لطبيب المؤسسة روشتة دواء، أعادها الطبيب بعد أن جرى عليها بكلمة واحدة: «معاش»، أي أن السنوات الطويلة التي أمضيتها في المؤسسة انتهت بجزاء سِنِمَّار.

بدأت صبيًّا صغيرًا، أُعطي المؤسسة كل وقتي. أستقل — في الصباح الباكر — أول قطار مترو، وأعود في قطار آخر الليل. أنا الآن في المعاش، يجب أن أنفق على حصان الحكومة المتقاعد، حتى لا يقتله المرض!

لا أُدين أحدًا، فهذه هي اللوائح!

أول التحقيقات، التي كتبتها في جريدتي (١٩٦٠م) عن تنظيم الطب في بريطانيا، لا عيادات خاصة، وإنما مراكز طبية ومستشفيات، والتأمين الصحي يشمل — بلا تفرقة — كل المواطنين.

للروائي التونسي كمال العيادي رواية جميلة هي «نادي العباقرة الأخيار»، يشير فيها إلى العلاج في ألمانيا، لا أحد — في كل الأعمار — يدفع قيمة العلاج، بطاقة التأمين الصحي تغنيه عن الإنفاق، بصرف النظر عن السن، الكل مواطنون، لا فوارق بين الصبي والشيخ، العامل والمتعطل عن العمل، أثناء سِنِي الوظيفة وبعدها.

•••

نصحني صديقي الدكتور صابر عرب — وزير الثقافة آنذاك — أن أَقصر ما أطلبه من الأطباء على العلاج بالعقاقير أو الخِدمات، وَجَد في الجراحة خطرًا يمكن تجنبه.

أذكر أننا زرنا طبيبين في يوم واحد، زال الشك في أن المرض الذي يؤلمني بتأثيراته القاسية يحتاج إلى جراحة، موافقة الأطباء على إجراء الجراحة هي ما نطلبه، لكن الأيدي قلَّبت صور الأشعة، وطلبت صورًا أخرى، وطلبت فحوصًا لم أعرفها قبلًا، أُخْلِي — على سبيل المثال — مواضع عارية في جسدي، إلى جانبي جهاز إلكتروني، تسجل عليه الطبيبة ما تنقله نغزات مؤلمة من حالة الأعصاب.

تعددت تشخيصات الأطباء، أضافوا لها اعتذارهم عن إجراء عملية العمود الفقري موضع المعاناة والألم، تفاقمت الحالة، لم تعد تجدي المسكنات الوقتية، صارت الجراحة لازمة، لكن الخشية من النتيجة أضافت اعتذارًا عن قبول إجرائها.

أسخف ما واجهته في رحلة البحث عن رأي يُتبِع موافقته على التشخيص بموافقة على إجراء العملية.

تأمل الطبيب صورة الأشعة، وقال في لهجة مشفقة: أخشى أنك ستتمنى الموت!

أردف لبحلقة الأعين: أنا من مدرسة تصارح المريض بحالته.

وتفحصني بابتسامة طفل: أنت محسود!

أضاف للدهشة في ملامحي: موضع الإصابة يحدث مرة كل مليون.

أردف: إصابة قاسية.

وتحدث عن دوره في علاج حسني مبارك، ضمن الفريق الذي صحبه إلى ألمانيا، كان الإعجاب بالذات يتناثر من رذاذ فمه.

وأنا أغالب استيائي: لماذا إذن أنا هنا؟

أهمل السؤال، وعد على أصابعه: للعملية الجراحية أربعة احتمالات: تلوث أو التهاب، فقد السيطرة على البول والبراز، شلل رباعي، موت.

قبل أن نغادر الحجرة الواسعة، قال في لهجة استطرادية: قد أجري عملية، وإن كنت لا أَعِد بنتائجها.

قالت زينب: كم تتكلف؟

– أجر يدي ٣٥ ألف جنيه!

لاحظت — مشفقًا — محاولات زينب للتخفيف من حدة المشهد البائس حولي. تعرف أن حالتي النفسية والمزاجية تتغير تمامًا من كلمة صادقة أو عابثة، أحزن، أسعد، ألامس السحاب. مشاعري أقرب إلى الفوران، لا تلبث أن تهدأ وتتلاشى، تحل — بدلًا منها — مشاعر مغايرة، تصدر عن تصرف، أو عبارة، أو حتى إيماءة طيبة.

الأطباء في مستشفيات الغرب يفضلون مصارحة المريض بطبيعة مرضه، ربما حددوا له احتمالات الشفاء، وقد يحددون موعدًا أقصى لحياته في الدنيا (قرأت الكثير من الأعمال الإبداعية، تبدأ تصاعدها الدرامي من اللحظة التي يميل فيها الطبيب على المريض، ويبلغه بالأشهر أو الأسابيع المتبقية على وجوده في الدنيا!) أطباؤنا يتعمدون السرية والتكتم، يتحدثون عن المرض الخطير باعتباره عارضًا يسهل علاجه.

لعلي أميل إلى المصارحة، وإن كنت أرجو أن تتغلف الكلمات بما لا يصدم المريض، لا تطرح الموت احتمالًا وحيدًا أمامه، تلجأ إلى التورية والإضمار والتشبيه والإيماءة ذات الدلالة. بلاغة لغتنا الجميلة تضع في يقينها رحمة السماء.

كما قلت، فإن الأطباء في الولايات المتحدة ودول الغرب الأوروبي يفضلون مكاشفة المريض بحالته الصحية، يَعُدون له ما تبقى من أيامه في هذه الدنيا، حتى يُعِدَّ حساباته. أعرف هذا جيدًا، لكن قول الطبيب إني سأتمنى الموت، بدا خارج السياق، كأنه توعُّد.

لم يتحدث عن احتمالات الموت، والمدى الذي قد يستغرقه، حتى يصحبني إلى رحاب الآخرة، لم يحذرني من إهمال المرض، فيأتي بنتائج خطيرة، اكتفى بالقول القاسي عن اليوم الذي سأتمنى فيه الموت، وهو قول أتصوره من شخص يهددني لسبب ما، إنه سينغص حياتي حتى أتمنى الموت!

تداخل في خيالي ما أقرؤه في كتب الصوفية عن المريض الذي عجز الأطباء عن مداواته. لم ينقذه من المرض إلا صوفي وضع في المبخرة ما لا يعرفه المريض، ودعاه إلى استنشاق أريجها، فمَنَّ الله عليه بالشفاء. تصورت أني أجد ذلك الصوفي، يكرر ما فعله مع مرضى آخرين.

•••

جاءني صوت صابر عرب — عبر الهاتف — رائقًا، مستبشرًا، شدد على عدم إجراء عملية، ثم نصح بزيارة طبيب وصفه بأنه من كبار المتخصصين في جراحات العظام (من حق صابر عرب أن أعبر عن امتناني لتصرفاته المسئولة، صديقًا أعتز بصداقته، وليس بدافع منصبه الوزاري، ومع أني التقيت الدكتور عبد الواحد النبوي، وزير الثقافة وقتئذٍ، في مكتب صديقي الدكتور عبد الناصر حسن، آخر أيام عمله رئيسًا لهيئة دار الكتب والوثائق القومية، فإني أُرجع عدم السؤال عن أحد رعايا دولته الثقافية إلى مشغوليات منصبه!)

أهملت القلق والتوتر واليأس، وغيرها من المشاعر التي لازمتني في ترددي على المستشفيات وعيادات الأطباء … نظرته الواثقة المطمئنة حركت في داخلي أملًا تصورت تلاشيه.

– انت متوصِّي عليك!

قلت في نفسي إن الزورق بلغ مرساه، لكن الطبيب أزاح ما طالعه من الأشعة والتقارير ونتائج التحاليل، وطلب إعادة كل شيء من أول وجديد.

– لا أطمئن إلى هذه الأشعة.

وأشار بإجراء أشعة جديدة، تفوق قيمتها — بأكثر من الضعف — ما تكلفته صور أشعة طالب بها أطباء آخرون. غاب عن بال الطبيب ما أنفقه المريض، حتى يُعِدَّ نفسه للعملية!

أصارحك بأني أتوقع تعاملًا مغايرًا، طيبًا، من الأطباء للمرضى.

أجد في مهنة الطب ما يرقى إلى القداسة، إن لم يحقق الشفاء فهو يرجئ الموت، وإن لم يرجئ الموت فهو يخفف الألم، الموت نهاية كل حي، الأطباء يتدخلون في مراحل من حياة المرء تقتصر — في حالة العجز — على تخفيف الألم.

على الرغم من أن اتحاد نقابات المهن الطبية في مصر له صوته المسموع، والمؤثر في مجالات الحياة، فإنه يخضع للفوضى في عيادات أعضاء الاتحادات، بداية من وسائل الإعلان، التي قد لا تليق بنبل المهنة، وانتهاء بالتعامل السطحي مع المرضى، مرورًا بشحوب الخدمات، والتنافس الضاري في رفع أسعار العلاج والجراحات، وهو ما أتاح للتعبير أن يلقى انتشارًا: «يخطئ الفقير إذا مرض، ويحسن إذا تقبل فكرة الموت!»

عندما يفقد الطبيب إنسانيته، فهو يفقد شرف الانتماء لمهنة الطب؛ من يُجري عملية الإجهاض للتخلص من جريمة، من يعتذر عن إنقاذ مريض في حالة حرجة، من يترك مرضاه ويشارك في إضراب وظيفي طلبًا للحافز والعلاوة، من يرفض دخول غرفة العمليات قبل أن يتقاضى أجره كاملًا، من يرفع قيمة الكشف ليَقصر مرضاه على الخاصة، أما الفقراء فليس من حقهم أن يمرضوا، من العيب أن يمرضوا!

أذكر نزفًا مفاجئًا عانت من تأثيراته قريبة لي، حددت الطبيبة أجرًا، واشترطت أن تتسلم الأجر قبل فتح حجرة العمليات. وعدتها بأن أحضر المبلغ قبل تنفس الصبح، أظهرت خوفي من أن يتفاقم نزف قريبتي، لكن الطبيبة اكتفت بالقول: ما تخافش، المريضة مش حاتموت!

وفي أوقات ترددي على صيدلية صديقي الدكتور فريد تادرس، تكررت رؤيتي لزبائن يسألون عن السعر الكلي لروشتة الطبيب، يفاجئهم بمبلغ يعجِزون عن سداده، يعيدون تقديم الروشتة، كي ينقص منها بحيث يسهل الشراء … يعني حادي بادي سيدي محمد يا بغدادي!

اختيار عشوائي!

أذكر — بالمناسبة — قول زميل من السعاة في الجريدة: أنا دائم الدعاء بألا يدخل المرض بيتنا.

أردف، وهو يَشرُد فيما لا أتبينه: إذا مرض الفقير، فهو مخطئ.

لعلي أوافق على دور القطاع الخاص في حياتنا الاقتصادية، لكنني أتحفظ على دوره في الكثير من المجالات الأخرى، وأرفضه في مجالات الصحة. المثل أذكره منذ أعددت تحقيقًا عن تنظيم الطب في بريطانيا.

حاول جمال عبد الناصر أن يعالج الظاهرة بوسائل غير مباشرة، وكانت الوحدات المجمعة في القرى — كتبت عنها تحقيقًا مطولًا كذلك — مثلًا للعلاج الطبي المتاح للفقراء.

مشروع الوحدات المجمعة — كما شاهدته على الطبيعة، وأذكره — يتحدد في بناية بقرية، أو مجموعة قرى، تضم عيادة للطب البشري، وأخرى للطب البيطري، وفصولًا للدراسة الإلزامية، ومخازن للتقاوي والسماد.

كانت الوحدات المجمعة ضمن مشروع «التعاون»، الذي دعا إليه عبد الناصر، وبدأ في تنفيذه، وحين وفد ممثلو الأحزاب وقيادات الجيش من سوريا، وعرضوا الوحدة الاندماجية، حدثهم عبد الناصر عن الخطوات التي تتخذها مصر، تحت شعار التعاون، لمجاوزة التخلف الذي تعانيه، ومحاولة اللَّحاق بالعالم المتقدم.

ألح الساسة والقادة في عرضهم، وألح عبد الناصر في الرفض، ثم نشأت تطورات — أرجو أن تستعيدها في وسائل الإعلام وكتابات المؤرخين — على الحدود مع تركيا، ومع فلسطين المحتلة، وعلا إيقاع التآمر في دول الغرب، وفرضت المسئولية القومية على القيادة المصرية، أن توافق على الوحدة بين مصر وسوريا، وهو ما بدَّل الصورة تمامًا، حل شعار الحرية الاشتراكية والوحدة بديلًا للتعاون، وتحول الحلم الوطني، الذي يستهدف التقدم في قطر عربي إلى حلم قومي يشغله تحقيقه في كل الأقطار العربية.

•••

التشخيص هو أساس العلاج، هو البداية للخطوات التي ينبغي اتخاذها، لكن الطبيب الشاب أقدم على العلاج دون أن يعرف التشخيص، دون أن يناقش الحالة، أو يطالع صورًا للأشعة، أو يقرأ التحاليل.

– أين تشعر بالألم؟

أشير إلى أحد المواضع الكثيرة في الظهر والردفين والساقين، تتحول يداه إلى مخالب تدفعني للصراخ، لكنه يواصل ما بدأ، ويردف قوله: تعب في البداية، ثم تأتي الراحة!

لكن التعب تفاقم، أفصح — كما علمت فيما بعد — عن بؤرة المرض، وهو النخاع الشوكي، خنقه الغضروف بقسوة لم يقو على احتمالها، وتأثر له باقي الجسد بالسهر والحمى!

كانت سقطة الحمام سببًا في القطع الجرحي أيمن الجبهة، وتهتك شبكة العين، لكنها — السقطة — نتيجة لتفاقم مشكلة فقرات الظهر، الغضاريف التي التفت حول النخاع الشوكي، حاصرته، ضغطت عليه، أحدثت تأثيرات قاسية.

النخاع الشوكي جزء من الجهاز العصبي والمركزي، ينقل الإشارات العصبية من المخ إلى الأعضاء، والعكس، ويقوم بعمليات معقدة في أثناء الحركة والمشي بكيفية مستقلة عن وظائف المخ.

استعدت قول الطبيب: هذه الإصابة نادرة!

وقوله: أنت محسود!

•••

لا أشكو، بل أروي ما حدث، أَدين لأطباء باسترداد العافية، وطول العمر، رعايتهم وصداقتهم، وإنقاذي في الأوقات الصعبة.

أول الأطباء لم تُتَح لي رؤيته، وإن التقيته بما لا يليق.

اسمه — في شهادة ميلادي — أنطون، أشرف على عملية الوضع في السابعة صباحًا، في البيت المواجه لبيتنا الحالي ٥٤ شارع إسماعيل صبري. قال أبي إن التبول في يد الطبيب رافق صراخ الميلاد، أحب الحياة، فلا أنسب ما حدث إلى الرفض، أو ما يشبهه، لعلي كنت أعبر — ولو بطريقة فجة — عن وجودي في العالم.

ومع أن الحاج محمد سليط كان حلاق صحة فإن أهل بحري كانوا يثقون في قدرته على علاج ما يطرأ على أجسادهم من أمراض.

لم يكن أبي يطمئن إلى يقين الجيران وأبناء الحي بقدرات الحاج محمد العلاجية، لكنه استجاب للنصائح بأن يلجأ إليه لإنقاذ ابنيه؛ أخي الأكبر وأنا، لإنقاذ ذكورتنا على وجه التحديد، بعد أن أجرى الطبيب الشهير لنا عملية ختان تركت آثارًا معيبة، أفلح الحاج في مدى أيام قليلة — بمراهم وأعشاب — أن يقضي على الآثار السلبية بما فرضته من توقعات قاسية.

أدركت قيمة الحاج محمد في بحري عندما صادفَتْ عودتي إلى الحي يومَ رحيله، كأن الإسكندرية كلها، وليس بحري وحده، خرجت لوداعه، الصوات، والصراخ، وعبارة «لا إله إلا الله» ترددها آلاف الأفواه.

الحاج محمد شخصية محورية في روايتي «رباعية بحري». لم أناقش استدعاء أحداث الرواية لذلك المعلم المهم في حياة أبناء بحري. النثر الفني — عندي — يكتب نفسه، وهو ما أتاح للحاج محمد أن يصبح وجودًا فاعلًا في رباعية بحري.

أما الدكتور مردروس (جارو في روايتي «صيد العصاري») فرَعَى — دون أن يدري — طفولتي.

وجدنا في العيادة بديلًا للشقاوة والعفرتة في شارع علي تمراز الخلفي. مارسنا — أطفال البيت — ألعاب: الاستغماية، وعنكب يا عنكب، وأولها اسكندراني، وصلَّح، وغيرها، واخترعنا — بتأثير الحرب العالمية الثانية — ألعابًا، فيها صافرات إنذار، وكشافات، ومدافع مضادة للطائرات، ومخابئ. يفاجئنا مردروس بوقفته المتأملة لِمَا أَلِفَ رؤيته في توالي الأيام: تناثرنا على طاولة الكشف، وراء المكتب، الشرفة، قطع الأثاث، المطبخ.

يوقظ استغراقنا في اللعب بالنحنحة، ويكتفي بترك الباب مفتوحًا، ونتقاطر إلى خارج العيادة أمام جسده الممتلئ، وشعره المهوَّش، وذقنه القصير المدبب، وعينيه الزرقاوين.

ظل الطبيب الأرمني في حياتنا، يلجأ إليه أبي في أوقات مغالبتنا للمرض، يكشف، يشير بالدواء، يواصل متابعة العلاج، حتى نُشفَى، لا يبرح ذاكرتي تقافزي إلى شقتنا في الطابق الثالث، أهتف بالفرحة لأنه طلب أن تُعِد لي أمي — بعد شفائي من مرض الحصبة — أرنبًا مسلوقًا.

آخر ما أذكره من الدكتور مردروس نزولي إلى عيادته في الطابق الأول، أدعوه للكشف على أمي، التي شمل الهُمود جسدها، فهي لا تستجيب لنداءٍ ولا هزة يد.

حدَّق الرجل في العينين، ضغط على البطن المنتفخ، أنصت إلى سكون الصدر، ثم رفع رأسه متأثرًا: ماتت!

غاب مردروس عن ذاكرتي.

لم أعد أتردد على عيادته، ولا حتى أميل بنظراتي ناحيتها في صعودي، أو نزولي، على سلالم البيت.

وقال أبي — ذات عصر — إن الدكتور عاد إلى بلده أرمينيا، بعد أن حصلت على الاستقلال.

وحين فاجأتني أعراض قرحة الإثني عشر، كنت أقود سيارتي لعيادة صديقٍ مريض في سكة المناصرة.

تركت السيارة أسفل كوبري شارع بورسعيد، وجاهدت لأصل إلى مقعدٍ أمام دكان عطارة، على ناصية الطريق. أحاطتني رعايةٌ مصريةٌ طيبة، مضت بي إلى مستشفى عين شمس التخصصي.

تناولت ما حدث — بإسهاب — في روايتي التسجيلية «الحياة ثانية»، ما يهمني تأكيده دور صديقي الجميل الدكتور رضا عبد التواب (الصداقة تالية لدخولي المستشفى). أعاني قيئًا دمويًّا وإسهالًا دمويًّا كذلك.

حاول الدكتور سامي عبد الفتاح أن يتبين بالمنظار طبيعة الحالة، من أين ينبجس النزف، لكن الدماء الغزيرة منعت الرؤية.

لم يكن في المستشفى طبيب متخصص في أمراض الجهاز الهضمي. بادر الدكتور رضا بإجراء العملية، تناسى تخصصه كجراحٍ وطبيب مسالك بولية.

قلت للدكتور رضا عبد التواب، في لحظات عدوانية، لا أعرف بواعثها، وإن تفاجئني شخصيًّا: أنتم — الأطباء — جزارون.

قال في ابتسامته الهادئة: لكننا جزارون إنسانيون!

زرت الطبيب الشهير الراحل مصطفى المنيلاوي للاطمئنان إلى سلامة العملية.

قال — بعد أن أجرى فحصًا بالمنظار — إذا كانت قسوة الحالة منعت إجراء العملية بالمنظار، فإنها عملية ناجحة.

توثقَتْ — فيما بعد — علاقتي بالدكتور رضا عبد التواب، صارت صداقة أعتز بها، لم تُتَح لها الظروف أن تتواصل بالكيفية التي أريدها، وإن اعترفتُ بالجميل الذي أسداه لي في الإهداء المطبوع لروايتي «النظر إلى أسفل»: «أَدين لك بفضل إتمام هذه الرواية. لقد تدخلتَ — في لحظات قاسية، وحاسمة — فأضفت إلى حياتي — بإرادة الله — ما أتاح لي استكمال ما كنت بدأته.»

حدثتك عن مفاجأة الآلام المبرِّحة، وأنا أقف في محطة سيدي جابر، أتهيأ للعودة إلى القاهرة، هوَّن صديقاي الدكتور محمد زكريا عناني، ومنير عتيبة من طبيعة الآلام، رجحا أن تكون نتيجة التعب الذي بذلته في حفل زِفاف «نيللي» ابنة أخي. حاولت أن أكون أبًا بديلًا، وإن أربكني الإحساس بأني قد لا أكون موفقًا.

ترددت على أطباء في العظام، أشاروا بمسكنات؛ حقن وأقراص. ظلت الآلام على حالها، تفاقمت من حقنة خاطئة، فتوقفت ساقي عن الحركة.

نصح صديقي أنس الفقي، رئيس هيئة قصور الثقافة آنذاك (أساء إليه اشتغاله بالعمل السياسي)، بأن أعرض حالتي على شقيقه الدكتور المعتز بالله في عيادته بشارع ضريح سعد زغلول. تأمل الأشعة، وملأ الروشتة بأسماء أدوية مسكنة، عادت — بتعاطيها — تأثيرات القرحة. أشار المعتز بعلاج أوقف التأثيرات المزعجة، وزدت من تعاطي الزنتاك إلى جانب الأدوية الأخرى حتى استردت ساقي قدرتها على الحركة. إهدائي المطبوع، الثاني، لطبيب هو ما جاء في مفتتح روايتي «مواسم للحنين».

أدين بالفضل كذلك لأطباء، كان أول لقائي بهم في عيادة، أو مستشفى. أزالوا — بعلاجهم — أعراض المرض. لا أعرف أسماءهم، ولا التقيت بهم قبل المرض الطارئ، هم ملائكة رحمة بلا تشبيه بلاغي، حاولوا العلاج بدافع إنساني، لا شأن له بالعمل الوظيفي. أعرف بأنهم كانوا يستطيعون أن يعهدوا بالأمر إلى طبيب معاون، أو ممرضة، لكنهم أخلصوا في الكشف، وحرصوا على تخفيف الألم، وعلى المتابعة، دون أن يسألوا إلا عن الاسم!

لعلي أشير إلى قَسَم المصري أبقراط، الذي صار التزامًا لكل أطباء العالم (نقلًا عن كتاب «طبقات الأطباء» لموفق الدين بن أبي أصيبعة): «إني أقسم بالله رب الحياة والموت، وواهب الصحة، وخالق الشفاء وكل علاج، وأقسم بأَسقِلِيبْيوس، وأقسم بأولياء الله من الرجال والنساء جميعًا، وأشهدهم جميعًا على أن أفي بهذا اليمين، وهذا الشرط. وأرى أن المعلم لي في هذه الصناعة بمنزلة آبائي، وأواسيه بمعاشي إن احتاج إلى مال … وأما النسل المتناسل منه، فأرى أنه مساوٍ لإخوتي، وأعلمهم هذه الصناعة إن احتاجوا إلى تعلمها بغير أجرة ولا شرط. وأشرك أولادي وأولاد المعلم والتلاميذ، الذين كُتِب عليهم الشرط، وحلفوا بالناموس الطبي في الوصايا والعلوم، وسائر ما في الصناعة، أما غير هؤلاء فلا أفعل له ذلك. وأقصد في جميع التدابير — بقدر طاقتي — منفعة المرضى، وأما الأشياء التي تضر بهم، وتجور عليهم، فأَمنع منها بحسب رأيي. ولا أُعطي، إذا طلب مني، دواءً قاتلًا، ولا أشير أيضًا بمثل هذه المشورة. وكذلك لا أرى أنني أُعرِّض النساء لما يُسقط الجنين. وأحفظ نفسي في تدبيري وصناعتي، في الزكاة والطهارة، ولا أشق أيضًا عمن في مثانته حجارة، لكن أترك ذلك إلى من كانت حرفته هذا العمل. وكل المنازل التي أدخلها، إنما أدخلها لمنفعة المرضى، وأنا في حالٍ بعيد عن كل جور وظلم وفسادٍ إرادي مقصود إليه في سائر الأشياء التي أعاينها في أوقات علاج المرضى أو أسمعها، أو في غير أوقات علاجهم، فأُمسِك عنها، وأرى أن أمثالها لا يُنطق به. فمن أكمل هذا القسم، ولم يُفسد منه شيئًا، كان له أن يُكمل تدبيره وصناعته على أفضل الأحوال وأجملها، وأن يَحمَده جميع الناس فيما يأتي من الزمان دائمًا، ومن تجاوز ذلك كان بضده.»

أشير كذلك — استطرادًا — إلى كتابات كثيرة لمؤرخين يونانيين ورومانيين تجد في الطب المصري القديم ما يستحق الإشادة والتقدير، وأنه كان بعدًا مهمًّا في الحضارة المصرية، استكمل مقوماتها في صنع فجر التقدم الإنساني. آلاف البرديات والكتب التي عُنِيت بالجسم الإنساني؛ أمراضه، وذكاء التشخيص، وطرق العلاج، كل الأمراض، التي صاحبت الجسم البشري منذ وجود الإنسان على الأرض حتى الآن.

نقرأ — على سبيل المثال — ما كتبه هوميروس في منتصف القرن التاسع قبل الميلاد أن كل طبيب مصري يمتلك خبرة ومعرفة أكثر من بقية الناس، ونقرأ ما كتبه هيرودوت في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد: إن فن الشفاء عند المصريين يتحقق من خلال طبيب متخصص في مرض واحد، لا يجاوزه إلى تخصصات أخرى، وإن الإتقان هو السمة التي تجمع كل الأطباء المصريين.

والأمثلة كثيرة.

•••

ربما لم أكن عشت التجرِبة القاسية، آلام ما قبل العملية وما بعدها، لو أني أجريت أشعة الرنين في الوقت الذي حدده الطبيب. اجتذبتني اللافتة المحملة بالكثير من المناصب ودرجات الزمالة في جامعات الغرب.

استعدت صورة التابوت الحديدي، يختفي المريض داخله لإجراء الأشعة. لم يكن جهاز الرنين المفتوح قد أُتيحَ في مراكز الأشعة.

لو أني نفذت مطلب الطبيب، كنت تعرفت — في فترة باكرة نسبيًّا — إلى طبيعة الآلام، وعالجتها بصورة صحيحة، أو خضعت لعملية أقل خطورة من التي اعتذر عن عدم إجرائها أطباء كُثُر، قبل أن يعلن الدكتور علاء عبد الحي موافقته.

عرَفت — متأخرًا — أن إهمال نُذُر الخطر لا يلغيه، وأنه قادم بتأثيرات قاسية، عبَّر عنها الطبيب المساعد بالقول في إشفاق: إذا رفضت الأشعة فأنت توافق على احتمالات خطيرة!

عندما صارت الاحتمالات واقعًا، فإنها جعلت الألم في جسدي متصلًا، شحبت تأثيراته — أحيانًا — بتعاطي الأدوية، لكن الألم — ما بين صعود وهبوط — ظل قائمًا، ومتواصلًا، يقيد حركة الذهن والجسد، ويضعني في دوامة إحباط قاسية.

حدثتك في روايتي التسجيلية «الحياة ثانية» عن وفاة الدكتور هاني القاضي بنزيف قرحة الإثني عشر، الحالة نفسها التي رفضت التوجه إلى مستشفى قصر العيني لجراحة تعالجها … لعل ذلك هو الباعث لأن أفر من العملية.

إذا كان هاني القاضي مات متأثرًا بالمرض نفسه الذي كنت أتهيأ لعلاجه، فما يدريني أن خطرًا مماثلًا يتهدد طبيب العظام؟!

أتأمل وجه العملة الآخر: ربما لو أن العملية تأخرت، كان الغضروف الذي أجاد الالتفاف حول النخاع الشوكي أصابه بتهتك، بمعنى فقدان القدرة على الحركة، أو الشلل الرباعي، أو الموت … والتوقع طبي!

تذكرت كريستوفر ريفز بطل أفلام سوبرمان الشهيرة، أُصيبَ في النخاع الشوكي بما أدى إلى شلل رباعي، وعدم قدرة على التنفس التلقائي، وتوالت المضاعفات المتصلة بالمرض، حتى مات النجم الشهير.

في اليوم التالي، أدرك الدكتور علاء عبد الحي خطورة الحالة، حدد يومين للفحوص والتحاليل، ولإجراء العملية.

جذبني إلى الدكتور علاء عبد الحي ملامحُ صديقة، كأن كلًّا منا يعرف الآخر من قبل أن نلتقي. شعرت — حين تعرفت إليه للمرة الأولى — بأني أعرفه من زمن، وأن صداقتنا قديمة، ملامح هادئة طيبة، وميل إلى الدعابة.

– أعرف قرابتك لعبد الحميد السحَّار.

قال: إنه خالي، أنا ابن شقيقته زينب.

أضاف متسائلًا: هل كنت تعرفه؟

– أحببته مثل أبي.

– تعرف نور وصلاح؟

تذكرت زوجتي نصيحة للدكتور صلاح بأن تتولى علاجها من مرض طارئ … كررت النصيحة لي.

عرض الدكتور علاء أحد مستشفيين يُجري فيهما عملياته: كليوباترة، والمقاولون العرب، رفضتُ «المقاولون» لسابق تجرِبة. كنت قريبًا من شقيقي الذي عانى المرض حتى ودع الحياة، ذكرى قاسية من الصعب نسيانها.

اخترت كليوباترة لأنه لم يكن لي به سابق صلة.

وافق الدكتور علاء على اختياري، وحدد أقرب موعد بعد يومين لأن الحالة تستدعي سرعة إجراء العملية.

وافقت على إجراء العملية، أهملت مخاوف الأطباء الذين اعتذروا بحجة خطورة النتائج، أهملت حتى نصائح أهلي وأصدقائي. استقر في خاطري أن منتهى الألم الذي سأعانيه سيكون أقل من الألم الذي حل ضيفًا قاسيًا على جسدي، فيصعب تحمله.

في اليوم التالي، صحبتُ زينب (تبدَّل ما كان معتادًا، فأنا الذي أصحب، وليس العكس، صرت مريضًا يحتاج إلى الرعاية).

– أين أنت؟

أعادني السؤال إلى نفسي، وإلى زينب الجالسة بجواري في التاكسي، أخذني الشرود إلى ما كتبته في عقب تجرِبتي في روايتي التسجيلية «الحياة ثانية»:

«أنت تحيا مع الناس، تخالطهم، تمارس الحب والأبهة والسيادة والعبودية والإعجاب والرفض، تسأل وتجيب وتناقش وتبدي الرأي، لكنك — في لحظةٍ ما، ولسببٍ ما — لا بد أن تكون بمفردك، لا أحد معك سوى نفسك، تفكيرك ومشاعرك وغرائزك التي لا يتدخل فيها أحد، ولا تتأثر بأحد، ولا تؤثر في أحد … فإذا مات المرء لم يعد هناك شيء إلا الجسد الميت، لا ينزل محبوه القبر معه، مهما يكونوا لصيقين به، مهما يسرفوا في الندب واللطم والعويل والصراخ، فإن المجاديل لا بد أن تُغلَق على القبر في النهاية، وينصرف الجميع، ويطل على استحياء — في البداية — بطل بلا ملامح، لكن تأثيراته بلا حدود. اسم ذلك البطل — كما نعرف — هو النسيان! يتوقف الزمن في حياة الإنسان، تتوقف حياته، لا زمن ولا حياة، لكن الزمن — مع ذلك — يستمر في حياة الآخرين، وفي الطبيعة والحيوان والنبات والأشياء؛ تطلع الشمس كل صباح، ويواصل النيل جريانه، وتظل الأماكن في مواضعها؛ البيوت والميادين والشوارع والكباري والأشجار، وتقلع الطائرات في مواعيدها، ويسهر الناس في القهاوي والحدائق والمسارح ودور السينما، وتعلو صيحات لاعبي الكوتشينة والطاولة، ونداءات الجرسون على الطلبات، وتهتف المظاهرات بالشعارات المؤيدة والرافضة، ويعلو الأذان في الصلوات الخمس، وتدق أجراس الكنائس، وتصخب الموالد، ويتطوح الذاكرون، وتزغرد النسوة أمام أضرحة الأولياء للنذور التي تحققت، ويرتشفن — تطلعًا للخلفة — في حلقة السمك، كوبًا من دم الترسة، ويعانين آلام الحمل، ويحتفل الناس بالأعياد والمناسبات السعيدة، ويفرقعون زجاجات الشمبانيا في استقبالهم للعام الجديد، وتُعقد الصفقات، وتشغي الأسواق بالبيع والشراء، وتتناثر الهمسات في الأركان المظلمة، ويحتدم الفصال والمساومات والإشفاق والاختلاف، وتمتلئ الملاعب بمشاهدي مباريات الكرة، ويتأمل الناس بضائع الأوكازيونات، ويُعِدُّ الشبان أوراقهم للعمل خارج البلاد، أو للهجرة، وتزدحم الأوتوبيسات، ويدخل الأولاد المدارس، وينام المشردون تحت الجسور، ويغرس فلاحٌ نخلة، يعرف بأنه لن يجني ثمارها، وتبدأ المناقشات ولا تنتهي حول السؤال: هل كان عبد الناصر زعيمًا وطنيًّا أو ديكتاتورًا؟

لحظات متباينة، تلاقت وتشابكت في لحظة واحدة، يصعب أن أصفها: الأمل واليأس والحياة والموت والخوف والإرادة واليقين الديني والتعاطف والمشاركة والحب والقلق وتوقع المجهول، ثم تغطي ذلك كله برداءٍ من السكينة، لا ملامح ولا قسمات ولا صوت، الأبدية مطلقًا، لا قبل ولا بعد، التواصل في الذات، الامتداد في الداخل.»

•••

كان التأثر يلفني، وأنا أشاهد مريضًا يلجأ إلى الكرسي المتحرك، لا يدور ببالي أني سأحتاجه. اعتذرت عن قبول دعوة العاملين بمستشفى عين شمس التخصصي لاستخدام الكرسي الطبي، حتى الباب الخارجي.

أستطيع السير على القدمين، فلماذا الكرسي؟

قابلت إصرار العاملين بإصرار، حتى فرض نظام المستشفى نفسه. لعل من كانوا في استقبالي لاحظوا نظرات المداراة، التي اتجهت نحو اللاشيء، فرارًا من مشاعر الإشفاق، وما تبثه من مصمصة شفاه، وكلمات مواساة.

لأني أخفقت في الوقوف والحركة، مجرد لحظات، ثم أتهيأ للقعود، فكان الكرسي المتحرك أول ما أطلبه في ترددي على المراكز الطبية والمستشفيات والعيادات، يمضي بي من الباب الخارجي إلى المصعد، وإلى الصالة المقابلة لحجرة الكشف.

عدا البيت، الذي تساندتُ فيه على الطوق الحديدي، فقد صار الكرسي جزءًا من حركتي خارج البيت.

اطمأنت زينب إلى جلوسي على الكرسي في كافيتريا المستشفى، وبدأت في إنهاء إجراءات الدخول. أراها مقبلة، أعرف بأني سأصحبها لإجراء تحليل، أو أشعة، فلما أقبلت لتصحبني، عرَفت أنها دفعت مقدم العملية، صار من حقي أن تكون لي حجرتي المستقلة، الحجرة رقم ٤١٢، الطابق الرابع.

أضفت — بتلقائية — شرط المرافق.

لم أتصور أني سأقضي الليل بمفردي.

زينب هي الونس في البيت، كيف أفتقد الونس في المستشفى؟

استعدت — وأنا أطل من النافذة على الشارع الخلفي — قصةً إيطالية عن عنبر للمرضى المسنين، ظلوا يتابعون حكايات زميلهم الذي انفرد بسرير يتيح له متابعة حركة الطريق أسفل المستشفى. أحداث غريبة، وعلاقات متشابكة، وحكايات تتسم — أحيانًا — بالمأساوية، أو بالرومانسية الشفيفة، اغتاظ أحد المرضى لأن زميله ينفرد بالنظر من نافذة العنبر، دبر مؤامرة صغيرة لنقله من موضعه داخل العنبر إلى السرير الملاصق للنافذة، ألقى نظرة ملهوفة على العالم، الذي عاشه في روايات زميله، فوجد أرضًا خالية!

•••

أجريت الأشعة والتحاليل، وفي يقيني أني سأجد من ينصح بعدم إجراء العملية: الثقب الخِلْقي في القلب، الضغط، السكر، الالتهاب المزمن في الشعب التنفسية، فتاق البطن، عملية شبكية العين، التي لم تُستكمل.

المفاجأة، هي مفاجأة تخصني، لم أكلم أحدًا بما أعانيه، أو أتوقعه.

تومض في ذاكرتي ملامح صديقي الجميل خالد عباس، أستاذ الأدب الإنجليزي بآداب عين شمس، كتم آلام مضاعفات فيروس سي في كبده، حتى مات. تردد على الأطباء والمستشفيات لأسباب اخترعها، لا يشير إلى معاناته الحقيقية. مرات متباعدة أفصح المرض عن وجوده، يغادر الفراش بتأثير الأدوية المسكنة، لكنه يدَّعي الشفاء، يخشى إزعاج أعزائه؛ أمه وزوجه وأطفاله. ظني بأنه حسبني من الأعزاء، اعتدت اعتذاره عن زيارتي بحجج ليس منها السبب الحقيقي.

أصارحك بأني تسلمت نتيجة التحاليل الطبية، وفي بالي ما تعيد وسائل الإعلام نشره عن غياب الأسلوب العلمي في معظم معامل التحاليل. الأسباب متعددة، أخطرها أن العاملين ليسوا من الكوادر الطبية، وأن معظم الأجهزة قديمة، أو مستهلكة، والنتائج قد تكون صحيحة تمامًا، وقد تكون «مضروبة». قرأت عن حالات أثبتت التحاليل وجود أمراض خطيرة، ولأن ظروف أصحابها المادية أتاحت لهم السفر إلى الخارج، فقد تبينوا في المستشفى الأوروبي خطأ التحليل، الذي سافروا — بسببه — لإجراء جراحة خطيرة.

التشخيص الخاطئ الناتج عن تحاليل غير دقيقة يؤدي إلى ارتباكات خطيرة في حياة المريض. أذكر صديقًا قبطيًّا أخلص للفن التشكيلي، وعبرت أعماله عن مستقبل واعد، أجرى تحاليل لتبين طبيعة بعض الأعراض في جسده. أثبتت التحاليل إصابته بمرض خطير، وبتصرف لا يخلو من انفعال تخلى عن هوايته، وقدم طلبًا للالتحاق بسلك الرهبنة، اعتبر نتيجة التحليل الخاطئ مؤشرًا للاقتراب من الحياة الآخرة، وتحققت له — فيما بعد — مكانة روحية طيبة داخل الكنيسة القبطية.

المفاجأة أن الأشعة والتحاليل لم تجد ما يمنع إجراء العملية، وتهيأت لدخول حجرة العمليات، يداخلني هاجس بأن أستيقظ من البَنج أثناء العملية. يلح على ذهني قول الطبيب لزينب في مستشفى خولة بمسقط: أعطيناه من المخدر ما يكفي لتنويم حمار!

ظلت آلام حصوات الكُلَى على حالها، دون أن يُحدث المخدر تأثيرًا ما. أذكر النور الأصفر في غرفة العمليات بمستشفى عين شمس التخصصي، لكنني لا أذكر من غرفة عمليات مستشفى كليوباترة أي شيء، وإن كنت أذكر تلويحي بيدي لزينب ووليد وأمل، والتروللي يمضي إلى غرفة العمليات. ليس في ذاكرتي سوى تلويحة التوديع، غاب الوعي فلا أذكر شيئًا.

صحوت على الوجوه التي لا أعرفها في غرفة الإنعاش، لا أنابيب ولا أسلاك ولا خراطيم، كما حدث في عملية الإثني عشر.

لم يكن قد تكرر ما حدث قبل عملية قرحة الإثني عشر، لا إزالة لشعر الجسد، الاكتفاء بحمام البيت، مجرد أن أرتدي الروب الطبي، المفتوح من الخلف.

حدد تشخيص المستشفى حالتي الصحية، قبل أن أخضع للعملية، بأني — وأنقل من التقرير — أعاني آلامًا أسفل الظهر، مع آلام بالطرف السفلي الأيمن، مع ضعف بالقدم اليمنى، بسبب وجود انزلاق غضروفي بين الفقرة الثانية عشرة الصدرية، والفقرة الأولى القَطَنية، ويحتاج إلى إجراء عملية لاستئصال الانزلاق الغضروفي.

لا أعرف نوعية البَنج الذي غيبني عن الدنيا، ليبدأ الدكتور علاء جراحته، موضع العملية — كما أوضح لي الدكتور علاء، فيما بعد — بين نهاية الفقرات الظهرية، وبداية الفقرات القَطَنية، اثنا عشر سنتيمترًا بالطول، شق الطبيب العظم، ورفعه، ثم شق القنوات العصبية، إلى الغضروف. لم يستأصل الغضروف بالكامل، بل التقط الزوائد، وأجرى توسيعًا للقناة العصبية التي يمر فيها النخاع الشوكي. ضِيق القناة العصبية — كما عرَفت — يؤدي إلى الضغط على الحبل الشوكي والأعصاب، وإلى أعراض أخرى، مثل: صعوبة الحركة، والشد العضلي، وعدم القدرة على التحكم في عمليتي إخراج البول والبراز.

انتهت العملية بإعادة العظام، وخياطة الجرح.

•••

لي مع المخدر حكايات، يصعب أن أنساها: أول مرة تمددت على طاولة العمليات، في عيادة الدكتور السرياقوسي بالعطارين. كانت الحالة الصحية لأمي شغلت أبي عن ختاننا. أزمع بعد رحيلها، أن نخضع — أخي وأنا — لما يمليه الدين.

وضع الممرض قناع المخدر على وجهي، وطلب أن أعد من واحد … وبدأت في العد، ثم تهت عما حولي قبل أن أبلغ رقم عشرة!

حدثتك عن المخدر الذي حاول به أطباء مستشفى خولة بمسقط أن يُسكتوا ألم حصوة الكُلَى. واصل الطبيب حقني بالمخدر، ثم صارح زوجتي بأن المخدر في جسدي يكفي لتنويم حمار!

انصرف الطبيب بشعور من أدى واجبه، وظللت أتلفت حولي بنظرات متأملة.

وفي أوائل السبعينيات شكوت للصديق الكاتب المسرحي محمد السيد سليمان من صداع مؤلم. أخرج من حقيبته الجلدية الصغيرة حبة دواء، قائلًا: خذ، يَزُل الألم!

ألقيت الحبة في فمي، تبعتها بكوب ماء، وواصلت العمل.

لا أذكر ماذا حدث في اللحظات التالية: كيف اقتحمني الإغماء؟ كيف حملني الزملاء إلى المصعد، ودفعوا بي إلى سيارة مضت بي إلى البيت؟ كيف بدَّل الأهل ثيابي، وأرقدوني على السرير، ثم استدعوا صديقي الدكتور فاروق فؤاد لإسعافي؟!

لا أذكر ذلك كله، لأني لم أره.

صحوت على عينَي الدكتور فاروق عبد الملك المشفقتين تحدِّقان في وجهي، تستوضحان ما حدث.

عرَفت بأن حبة هلوسة — كانت منتشرة آنذاك — هي ما دعاني لابتلاعه محمد السيد سليمان، وأنها أسلمتني لإغماءة استيقظت منها على سريري.

استمعت — في صمت المذنب — إلى نصيحة الدكتور فاروق بأن أبتعد عن تناول حبوب الهلوسة حتى لا تواجهني أزمة ثانية.

آخر مرة أسلمت جسدي للمخدر، عند إجراء عملية قرحة الإثني عشر في مستشفى عين شمس التخصصي. التأثيرات التي رافقت استيقاظي من البَنج في عملية القرحة، اختلفت تمامًا عن تلك التي أحسست بها في العملية الجديدة، بل إني لا أذكر أي تأثيرات، حتى ما حاولت أسرتي تذكيري بها، أعادوا حوارًا أعقب سقوطي من المخدر — بيني وبينهم — اكتفيت بالإنصات، دون سؤال، أو تعقيب، لأني لم أتذكر شيئًا مما قالوه!

لعلي كنت مهيأً للغيبوبة.

كان رقادي على التروللي آخر ما أذكره عند دخولي قاعة العمليات. لا أعرف الوقت، الذي مضى في إجراء العملية. عرَفت من رفع الأذان في المسجد، وإضافة «الصلاة خير من النوم»، أن الوقت فجر. أذكر أن الليل لم يكن قد جاء، حين صعِدت إلى التروللي، ولوحت بيدي مودعًا!

•••

الهدف الطبي، العلمي، من جراحة العمود الفقري، هو تقليل الضغط الواقع على النخاع الشوكي، بقطع قوس الفقرة، وهي — كما تقول موسوعة Webteb الإلكترونية — جراحة العمود الفقري الأكثر انتشارًا لعلاج ضيق العمود الفقري، وتهدف جراحة العمود الفقري إلى خفض الضغط على النخاع الشوكي، وعلى جذور العصب الشوكي، وهو الضغط الناجم عن تغيرات قد تحدث في العمود الفقري، وقد يلجأ الطبيب إلى الضغط على جذور العصب، بحيث يخف الألم، ويتيح إمكانية العودة للنشاط الروتيني المعتاد.

تضيف الموسوعة أنه يحدث لإتمام العملية شق جراحي في الظهر، ويتم أثناء الجراحة قطع قوس الفقرة، وإزالة العظمة، (أجزاء من الفقرة)، والنسيج السميك، الذي يضيق القناة الشوكية، ويضغط على النخاع الشوكي، وعلى جذور الأعصاب، وربما تدمج عدة فقرات أثناء الجراحة، بهدف تثبيت الجزء الذي يجري علاجه في العمود الفقري.

بعد أن قُضي الأمر وأصبحت مريضًا لم يكتمل علاجه، تذكرت وعد الطبيب — قبل إجراء العملية — أنه سيجريها بالمنظار، لكنه — لسبب يعلمه! — لجأ إلى فتح الظهر، ونسي تثبيت العظام، صار عمودي الفقري — كما أثبتت الأشعة — معلقًا في الهواء!

•••

هممت بالقيام من السرير، لكن التخاذل في جسدي منعني من الحركة، بذلت مجهودًا لتحريك الأطراف. ارتخاء الأعصاب، وصراخها في الوقت نفسه، منعني من الحركة. أعدت المحاولة باللجوء إلى ما تبقى من طاقة الجسد، قمت، وعرَفت بأن جسدي يعاني ما لم يكن واردًا حين أسلمت نفسي إلى النوم.

زجاجة الجلوكوز معلَّقة على حامل معدني. الأسلاك الرفيعة الطويلة تحيط بجسدي، وتخترقه. الخراطيم البلاستيكية تنقل الدم والمحاليل إلى الشرايين والعروق. الدرنقة التي ينتهي إليها ما هو فاسد! … ذلك كله تعرفت إليه، واختبرته في عمليتي الأولى للإثني عشر. اختلف الأمر هذه المرة، لا أسلاك ولا خراطيم، لا شيء يعوقني عن الحركة، لكن الحركة استعصت فلا أستطيع التململ في موضعي. أدركت بأن العملية أحدثت تأثيراتها في جسدي، بحيث تحوَّل إلى شيء ساكن يصعب عليه الفعل.

الشرود يأخذني في التسميات المتناثرة من حولي: قياس النبض، الضغط، قياس السكر، المخدر، الأوكسجين، المضاد الحيوي، وجع المفاصل، الأشعة، الأشعة المقطعية، الإكو، المجسات، المناظير، الشاشات، التحليل، العينة، القسطرة، الحقن البلاستيكية، كيس المحلول، الدرنقة، المطهرات، خراطيم البلاستيك، البغبغان (وعاء البول)، الشاش، المناديل الورقية، المناشف، فقر الدم، التهاب الشعب، هبوط الدورة الدموية، البولينا، العيادة الخارجية، التأمين الصحي.

أشرت إلى فمي، سرى فيه طعم المرارة، أو جفاف الحلق؛ طبقة جافة غاب فيها الريق. فتحت فمي عن آخره، أُسلِم حلقي لإصبع زينب تزيل طبقة الجفاف.

كتب الدكتور رضا عبد التواب — في تقريره عن عملية نزيف الإثني عشر — أن المريض (كاتب هذا السطور) كان مثاليًّا في استجابته لكل الخطوات، منذ المصارحة بضرورة العملية إلى ما بعد إجرائها، مرورًا بالتوقيع على الموافقة، وارتداء ثوب المستشفى، وإزالة الشعر من الجسد بقطعة موس «أبو تعريفة»، والتمدد على التروللي الطبي، والتحديق الساكن في المرئيات، حتى يخفت الضوء الأقرب إلى الصفرة في غرفة العمليات، ثم يتلاشى الضوء تمامًا، ويغيب كل شيء.

ربما حدثت الاستجابة نفسها في عملية العمود الفقري، يتملكني ما يشبه الحياد، أُنصت، أهز رأسي دلالة المتابعة والفهم، أتحرك بتلقائية، لا أناقش، ولا أستوضح، أفعل ما يأمرون بفعله. أسلم جسدي لأيدي الممرضات، يقسن الضغط، درجة الحرارة، سرعة النبض. أذكر نفسي بموعد الأدوية.

ظني بأن المثالية التي تحدث عنها الدكتور رضا كانت تصرفات قدرية؛ بمعنى أن القدر هو الإطار الذي أتحرك فيه، إذا جاوزت النتائج ما كنت أتصوره من نتائج، فذلك ما لا حيلة لي فيه، مكتوب على الجبين. أنظر ورائي للعبرة وليس للتحسر، لا بكاء — كما يقول المثل — على اللبن المسكوب.

أقف خارج حدود التجرِبة، أقدر حساباتها، أخشاها، وأخشى نتائجها.

هل أستطيع التحمل؟

لكن الحذر — في النهاية — لا يمنع القدر.

ذلك ما تفرضه خطوات البداية، الخطوة الأولى، أو الصفعة الأولى — على حد تعبير السجناء السياسيين — تلغي الإحساس في بقية الصفعات، تَرِينُ سكينةٌ أقرب إلى التبلد، وإن لم يكن تبلدًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، ربما استكانة، أو اطمئنان، أو ثقة في رحمة الله.

ربما القدرية هي المعنى النهائي.

صارحني الدكتور علاء عبد الحي — قبل إجراء العملية — بخطورة نتائجها. لم يُخْفِ دهشته، وأنا أهز رأسي مؤمِّنًا على كلماته.

أردفت القول: متى العملية؟

كنت استمعت إلى تحذيرات كثيرة، بلغت — كما قلت لك — حد التخويف بالموت.

جالت عينا المتنبي في الكثيرين، لكنه لم ير أحدًا. من حولي كثيرون، أراهم، أخالطهم، أجالسهم، آخذ منهم وأعطي، لكنهم مغموسون في دنياهم الخاصة، لا يغادرونها إلا لضرورة، ولا يأذنون للآخرين بدخولها.

أتذكر حُوذِيَّ تشيخوف، الذي أراد أن يروي مأساته لمن حوله: الأصدقاء، والركاب، وعابري السبيل. لم يجد الأذن المنصتة، إلا عندما أوهمت بالمعنى هزات رأس الحصان، وهو يكلم نفسه، توهم بأن الحصان ينصت إليه، فواصل رواية معاناته.

ثمة زيارات وأسئلة ومودة وتعاطف، لكن المرض يظل شأني الشخصي، أنصت إلى النصائح والملاحظات والتحذيرات، والتأكيد على ما ينبغي، وما لا ينبغي فعله، ثم أُوقِّع قرار الموافقة على العملية بما يلامس اقتناعي.

لعل توالي التحذيرات هو الذي أسلمني إلى قبول التوقعات، بصرف النظر عن خطورتها. إذا كانت العملية ضرورة، والتأخير في إجرائها يضيف إلى احتمالات الخطر، فإن التخوف منها يَزيد تشابك المشكلة وتعقيداتها، وقد يغلق أبواب الحل تمامًا. دارت في ذهني مشاعر يصعب تصورها.

القدرية — أرجو أن تكون هي التسمية الصحيحة — أحاطتني بالسكينة والألفة.

•••

الحجرة تحيطني بالوحدة والسكون.

لمحت على الكومودينو المجاور كتابًا، التقطته. من وضعه يعرف جيدًا أن صوت فايزة أحمد هو أحب الأصوات إلى نفسي، وأني أعود — في فترات متقاربة — إلى رباعيات صلاح جاهين، تأخذ في وجداني مكانةَ حرافيش نجيب محفوظ، أخصهما بمعاودة القراءة:

حاسب من الأحزان وحاسب لها.
حاسب على رقابيك من حبلها.
راح تنتهي ولا بد راح تنتهي.
مش انتهت أحزان من قبلها؟
عجبي.

حاولت الوقوف على ساقي، لكنهما تخاذلتا، واجتذبتني الأرض.

المثل يقول: إنه ليس هناك من يتمنى المشي أكثر من الأعرج.

تلك كانت أمنيتي في اليوم التالي لإجراء العملية. اعتدت الجلوس إلى مائدة الطعام، أو إلى المكتب، ساعات طويلة. المائدة الخشبية المستطيلة يكاد سطحها يختفي وراء الكتب والأوراق والأقلام. لا أحب الأوراق البيضاء، أفضل أوراق الدَّشْت، اعتدت الكتابة عليها منذ بدأت العمل في الصحافة. ربما أهداني صديق أوراقًا مسطَّرة، يتصور بأني سأجد فيها بديلًا جيدًا لأوراق الدَّشْت، لكنني أهديها إلى زوجتي، أو إلى صديق يَقصر كتاباته على الأوراق البيضاء. أما المكتب فهو للكومبيوتر والشاشة والطابعة، والأوراق التي تنتظر التسويد.

كان ذلك هو سبب المرض، تطول الجلسات الساكنة، ويُحدث عدم الحركة تأثيره المدمر في جسدي، في العمود الفقري.

لم أعد أستطيع الوقوف على قدميَّ، ولم أعد أستطيع الحركة أصلًا.

اختلطت في داخلي مشاعر العجز والإشفاق والحب، وأنا أسلم جسدي لزينب، تُلبسني الثياب، تدفع بالطعام إلى فمي، يغلبني التأثر المحب لما تفعله زينب، يداخله الحزن لعجزي عن تحريك ساقي، وعن فعل أي شيء!

سألت الدكتور أحمد العوضي، الطبيب المساعد في العملية: هل احتجت إلى نقل دم؟

قال: كيس واحد.

– من المتبرع؟

حدجني بنظرة مستغربة، ولم يجب.

تذكرت السيدة عطيات، قرأت اسمها على كيس الدم الذي نقله الأطباء لي في عملية قرحة الإثني عشر بمستشفى عين شمس التخصصي. ظل الاسم في ذاكرتي، ومثَّل حافزًا لسؤالي عن اسم صاحب كيس الدم الجديد.

أفكر في هؤلاء، الذين ينقذون حياة المرء دون أن يعرفهم، أو يعرفونه، لا صلة إلا الانتماء للجنس البشري.

•••

عند قدوم الليل، كنت ألاحظ في نفسي شعورًا محبِطًا، أكره — بتأثيره القاسي — كل ما حولي، أكره حتى نفسي. أذكر تعبيرًا لمحمد حافظ رجب في واحدة من قصصه «الهم الثقيل»، ذلك هو الشعور الذي كان يتلبسني أول كل ليلة، أظل خاضعًا لسيطرته حتى يزول من نفسه، أذكر أني حاولت تبين السبب فلم أوفق، رجحت أحد احتمالين: إما النوم بعد تناول الطعام، أو تفاعل الأدوية، وما أكثر ما أتناوله من جرعات الأدوية.

أشعر — في بعض الأحيان — أن الموت قريب مني كما لم يحدث من قبل، أتنفس رائحته، أُكثر من ترديد الشهادتين، أقرأ الفاتحة، وقل هو الله أحد، والمعوذتين، ثم أسلم عيني إلى النوم، أتوقع زيارة الموت في أثناء الليل، لا أعرف إن صحبني في هدوء، أم أعاني من عذاباته بما لا أطيق قبل أن أرافقه. أستلقي في غابة اليأس، تحوطني أشجارها السوداء، أشعر بأن الحياة تنحسر في داخلي، وأن ما تبقى من الزمن ينتهي في الموت، يتملكني الهاجس بأن المكان الذي أشغله في الحياة سيشغله — عقب الرحيل الذي أنتظره — شخص آخر.

•••

لماذا يشيخ الإنسان؟ ولماذا يموت؟

الربط بين السؤالين غير دقيق. طال العمر، فانضم صاحبه إلى نادي المعمَّرين، وربما مات المرء في عز شبابه. الشيخوخة تفضي — بالضرورة — إلى الموت، لكن الموت لا يرتبط بالشيخوخة، إنه حالة خاصة، مغايرة، ترتبط بالجينات والأمراض والحوادث والانفعالات، وأشياء كثيرة هي التي تحدد موعد الوفاة، بصرف النظر عن السن.

لماذا، وكيف يشعر الإنسان بأنه آن الرحيل؟

في ذاكرتي وصية أمي لشقيقتي أن تُعنَى بشقيقنا الأصغر.

قالت: خلي بالك من إخواتك.

استطردت: اهتمي بسعيد علشان صغير.

ولما قدم أبي من عمله، فوجئ — وفوجئت في وقفتي خارج الحجرة — حين مالت أمي على يده تقبلها: سامحني يا لطفي … تعبتك بمرضي.

لا أعرف — حتى الآن — سر إدراكها بأنها راحلة، تعي وتتحرك وتكلم، كيف تجلى لها الموت. الدكتور النجار، طبيب القلب، الذي كان يصعد إلينا من شقته في الطابق الثاني، ليطمئن على الحالة الصحية لأمي، روى أبي وأقاربي بأنه أنبأهم بموعد وفاتها، باليوم الذي رحلت فيه، وطالبهم بألا يمنعوا عنها ما تريده من الماء.

إذا كان الطبيب يعرف — إكلينيكيًّا — موعد الوفاة، فكيف يعرف المريض نفسه؟ ماذا يرى؟ وبماذا يشعر؟ وهل يطالعه — كما يذهب الموروث — ملك الموت، يرى كل منهما صاحبه دون أن يتاح ذلك لأحد آخر؟

نحن نحتفي بالموت، ونعلنه، ونُعنَى به، ونخصص له الكثير من تعبيرات الدعاء والابتهال والحزن والأسى. وقراءة صفحة الوفَيات هي أول ما ينشده غالبية قراء الصحف المصرية، ربما مات قريب أو عزيز، فيؤدي الواجب إلى السير في الجنازة، أو حضور العزاء، وقد يكون الميت قريبًا لقريب أو عزيز، فيحاول المشاركة بواجب العزاء، ولو ببرقية!

•••

إذا تقدم عمر الإنسان، فإنه يألف مراجعة دفتر التليفون، يحذف أسماء الذين غابوا عن حياته. وأحيانًا، ألاحظ في نفسي تأمل الناس من حولي: التكوينات الجسدية والملامح، يقفون، يسيرون، ينامون، يأكلون، يناقشون، يسألون، يجيبون، يعترضون، تعلو أصواتهم وتهمس. أعرف بأنهم لا بد أن يموتوا، في لحظة ما يسكن الجسد، ويُحمل إلى القبر، فيتحلل ويندثر.

تلك هي نهاية المشهد، تلك هي الحقيقة.

فضلًا عن ذلك، فإني أطيل تأمل ما حولي: البنايات، واجهات المَحالِّ، الأشجار، الأرصفة، الشرفات، النوافذ، المآذن، القباب، الأبراج، اللافتات، النافورات، الباعة، زحام الطريق، الجلوس في عزلة، تلويحات الأيدي.

أعرف بأني — ذات يوم — سأرحل، وتظل هذه الكائنات باقية.

لعل هذا هو السبب الذي دفعني لأن أتأمل البنايات في الطريق ما بين محطة القطار بدمنهور وبيت جدي في أبو الريش، أنظر — بعينَي أمي — إلى البنايات التي كانت موجودة قبل رحيلها — أمي — في ١٩٤٧م.

•••

كل إنسان معرض للمرض، وللموت.

يرجع جارثيا ماركيث إلى سوفوكليس وجود الموت — بصورة واضحة — في أعماله. الموت في حياتي هو الذي جعل له دورًا واضحًا في أعمالي. التقيت الموت في مراحل متعاقبة من العمر. مات الكثير من أفراد أسرتي: أمي وأبي وثلاثة من أخوتي، ومات أقارب وأصدقاء وجيران. تابعت «الحدث»، منذ ما قبل الوفاة، إلى لحظة الوفاة نفسها، إلى التأثيرات التي أعقبت الوفاة.

لعل ذكرى موت أخي الأصغر، وما أحاطته به أمي من طقوس قاسية، ثم موت جارنا، وفزعي المعلن من رؤيته مأخوذًا، وحرص أخي الأكبر — فيما بعد — أن يكون ذلك المشهد هو كرة الثلج الصغيرة التي دحرجها من قمة الجبل — بتحذيراته المخوِّفة — لتتحول إلى كرة هائلة … لعل تلك الذكري هي بداية تعرفي إلى الموت، تضخمت الكرة بتوالي حوادث الموت في حياتي، فلم أعد أطمئن للنوم، حتى في الأماكن التي طالما نمت فيها منفردًا، بعد أن أطفئ النور، بل إن الهواجس تناوشتني، حتى في أوقات النهار، أكثر من الملاحظة والتلفت، أتوهم — أعترف! — أطيافًا لأعزاء راحلين.

قد يشعر المرء بأن عمره طال، دون أعراض تذكِّره بالنهاية المتوقعة، قد يتمنى الموت، ربما لأنه فقد أعزاءه، وقاسي الشعور بالوحدة.

في بالي أهل وجيران وأشخاص تغيب هوياتهم، تمنوا الموت خلاصًا من لا جدوى استمرار الحياة، أو تعبيرًا عن السأم والملل.

عندما دنت ساعة الموت، قال رامبو لشقيقته: سأوارَى تحت التراب، أما أنت فتسيرين في ضياء الشمس.

الموت حادثة، نهاية قصة، أو حكاية، أو حدوتة، من المستحيل روايتها للآخرين. أتأمل التعبير: لو أنه في المستطاع أن يموت المرء أكثر من مرة، فلا بد أن تتاح له فرص التدرب. هناك من ينتظرون الموت، لكن حياتهم تطول. يفاجئهم الموت، فيأخذ حياتهم. الموت لا يحتاج إلى خبرة من أي نوع، لأننا نموت مرة واحدة.

لا أحد عانى الموت، لحظات ما بعد الرحيل. الأسطورة وحدها تتحدث عن البطل أديسيوس في ملحمة هوميروس الشهيرة، سكب الدماء في حفرة، ظلت أطياف الموتى تلعق ما بها من دماء، حتى تحولت الأطياف إلى أجساد تنبض بالحياة، بدأت في التحدث عن ظروف ما قُبيل الوفاة.

لا يشغلني الحب ولا الكراهية، ما يهمني هو الفهم، أن أفهم ما يحدث: هل الموت هو عدم الشعور بشيء؟ هل هو الغياب عما حولنا؟ أو يعاني من يواجهون الموت آلامًا قاسية؟ ما مصير الإنسان بعد الموت؟ ما الخير الذي يؤدي إلى الجنة؟ وما الشر الذي يفضي إلى النار؟

مهما تتعدد أسئلتنا عن الموت، فالحقيقة هي أننا نموت.

الإنسان — منذ لحظة مولده — ينتظر — أو عليه أن ينتظر — لحظة الرحيل، ما بين اللحظتين قد يكون جميلًا، أو العكس. الحياة نهر يتجه إلى المصب، ومصب الحياة هو الموت. نحن نُولَد، فنخرج إلى الحياة، لكننا نمضي إلى الموت. كل يوم يقربنا من ذلك اللقاء.

الاطمئنان إلى الحياة لا يلغي اليقين بحتمية الموت. من حقنا أن ندافع عن حياتنا، إلا أمام الموت، القبول هو ما نملكه، وإن شغلنا السؤال: هل نتألم؟

نحن نتوقع الموت، لكننا لا نعرف موعده، لا نعرف متى نموت. تلك هي الهدية الجميلة — على حد تعبير الفرنسية فرانسوا فايرجان — التي قدمتها الآلهة لنا.

عمر الإنسان ما بين ميلاده وموته مثل التوقيت، الذي يبدأ بلحظة الميلاد، وينتهي بلحظة الوفاة، تتواصل اللحظات في اتجاه النهاية، التي لا بد أن تأتي في موعدها، وإن لم يعرف المرء متى؟

لو أن المرء يعرف موعد موته، في ساعة محددة، في يوم محدد، بعد ألف سنة، فسيبدأ في العد من الآن، ولأنه قد يموت في اللحظة التالية، فإن الأمر لا يشغله، لأنه لا يعرف متى سيرحل.

يحيا المرء — قبل الميلاد — في ظلمة الرحم، ويهبط — بعد الوفاة — في ظلمة القبر.

قد تطول حياتنا، لكنها تظل قصيرة كومضة.

•••

يقول ألدوس هكسلي: «إذا كنت تخاف الموت، فسوف تموت بالتأكيد.»

لذلك فإن المرء يكون غبيًّا — والكلام لهكسلي — إذا لم يُعِدَّ نفسه لحدث الموت، ويقول تشوان تسي: «الحياة تلاحق الموت، وبالموت تبدأ الحياة.» الميلاد يعقبه توالي النوم واليقظة، الليل والنهار، التغيرات الثابتة والطارئة، النجاح والإخفاق، حتى يأتي الموت نهاية لذلك كله.

طبيعي أن يتعاظم الخوف من الموت بتقدم العمر، أو بالمرض، لكن انشغالنا بتلك الحقيقة — في حالتَي تقدم السن أو المرض الشديد — يتسلل إلى الذهن برؤًى وتخيلات وتوقعات، أشد مما يحدث في ظروف عمرية وصحية مغايرة.

إذا كان الخوف من الموت يتملك المرضى والمتقدمين في السن، فإنه حتى في اللاوعي يشمل كل البشر في هذه الدنيا، يعرفون أن الموت يأتي في لحظة غير متوقعة.

فاجأني صديقي كاتب السيناريو الراحل أحمد عبد الوهاب بالقول: يشغلني السؤال: متى أموت؟

– لماذا؟

– لو أني عرَفت موعد موتي، فسأنظم حياتي لذلك.

وقال لي عم مُبدي جرسون قهوة فاروق: كل يوم جديد هو خصم من عمري. الحياة قصيرة، ومن حقنا أن نعيشها بالطريقة التي نؤمن بجدواها، وليس بالطريقة التي يمليها الآخرون.

•••

ماذا عن اللحظات التي تسبق الموت؟ اللحظات التي تنعكس في أقوال المرء — قبل أن يغادر الدنيا مباشرة — وتصرفاته؟

عرَفت من شقيقي الأصغر أن أبي كان يترجم من العربية إلى الفرنسية، حينما دعاه للنزول إلى أسرة من الجيران، كنا في الطابق الثالث، وكانت أسرة الجيران في الطابق الأول، صعِدت الأم — أبلة عزيزة — من الشقة، لتجد أبي قد مات.

وقال لي محمود، ابن صديقي الشاعر الراحل عبد الله السيد شرف، إنه كان يتابع حوارًا بين أبيه وأحد الأصدقاء، قطع شرف حواره، وقال لمحمود: سيبنا دلوقت، وترك محمود الحجرة دون أن يدرك السبب، قضى الصديق على حيرته، عندما وقف على باب الحجرة المطلة على ساحة ترابية، وهتف: عبد الله تعبان! وكان عبد الله السيد شرف قد مات.

زميلي في الجريدة سيد عبده، أنهى عمله في سكرتارية التحرير، ثم طاف بكل الأقسام يصافح حتى من مضت أشهرٌ دون أن يلتقيه، وعاد إلى بيته يشكو من صداع حاد، فقد — بتأثيره — النطق. وشخَّص الطبيب ما حدث بأنه انفجار في المخ.

أمثلة أخرى كثيرة تشي بأن الراحل مات بسره، حسب التعبير الذائع، لم يتحدث عما دفعه إلى المطالبة بإبعاد الابن عن المكان الذي سكنت فيه أنفاسه: هل شاهد شخصًا، أو شيئًا، أو رؤيا؟ هل أتاه هاجس، أو أمر، فحاول أن يجنِّب صغيره ما سيحدث؟

ابعدوه! هتاف سمعته من أمي، ومن شقيقي، قبل أن يرحلا، لا أعرف إن كان ثمة شخص طالبَا بإبعاده، أم أن الفعل أقرب إلى هذيانِ محموم؟

•••

لماذا يُولَد الإنسان؟

هل ليواجه قسوة الحياة وأمراضها، ثم تغرب شمس حياته في أفق الشيخوخة، حتى يبتلعها الموت؟

يقول جورج أمادو: الموت، وانتهى الأمر، وكان رامبو يجد في الحياة تمثيلية هزلية، يؤدي الجميع أدوارها. فلما دنت ساعة الموت، همس لأخته: سأُوارَى تحت التراب، أما أنت فستسيرين في ضياء الشمس!

لم يعد أحد من الموت، فيروي ما رآه، ذهب إلى حيث العدم، حيث لا يعرف أحد، وما لم يكن يعرفه هو نفسه قبل أن يأخذه الموت. من يذهب لا يعود، هذه هي الحقيقة، التي نتقبلها منذ طفولتنا، وإن جمَّلناها بعبارات، مثل: إنه صعِد إلى السماء، أو إنه سافر في رحلة بعيدة، أو إنه اختار الدار الدائمة بدلًا من الدار العاجلة … تعبيرات تطالعنا في مراحل عمرنا المختلفة، نطمئن إليها، أو نحاول.

الموت عندي حقيقة لا بد أن ألتقي بها في نهاية الطريق، لكنني قررت ألا يأخذ مني حياتي وجدواها، فأنا أعمل، لا يشغلني إلا العمل نفسه، لا يشغلني إلا ما أحياه، أشفق من أن أغمض عينيَّ — ذات لحظة — قبل أن أُتم كتابات بدأت فيها منذ سنوات بعيدة، وصرفتني عنها شواغل وقراءات، وربما كتابات أخرى.

يروي الكاتب المسرحي الفرنسي يوجين يونيسكو أنه شاهد جنازة، وهو طفل، فسأل أمه عنها. قالت: هذه جنازة شخص مات.

سأل: لماذا؟

قالت: لأنه كان مريضًا.

في تلك اللحظة — والكلام ليونيسكو — اعتقدتُ بأن الذي يتقي المرض لا يموت، لكنني أدركت — فيما بعد — أننا جميعًا نموت، مرضنا أو لم نمرض، بل نحن نسعى حثيثًا إلى الموت، ذلك المجهول.

حدثتك في روايتي التسجيلية «الحياة ثانية» عن الموت. لا يخيفني، أعتبره حتمًا، ومن المهم أن أصادقه، أخاف صورة الموتى، ما يخلقه الخيال من أعزاء لي في أكفانهم، أتصورهم واقفين بالقرب مني، أو يرمقونني عن بعد، أو يفاجئونني في الحنايا والأركان المظلمة. لا أذكر كيف تكونت كرة الثلج، وإن كنت أذكر جيدًا أني لم أغادر شقتنا بعد رحيل أبوي. كنت أنام في سريرهما، وأكتفي باللمبة السهاري.

تكونت العقدة — فيما بعد — شيئًا فشيئًا، ربطت رؤيتي لجثمان محمود أفندي — جار الشقة المقابلة — المكفن؛ حدثتك عنه، بما رأيته وتخيلته، حتى تبينت — أخيرًا — أنه من الصعب أن أقيم بمفردي في شقتنا، ولا في أي مكان التقيت فيه أحد أحبائي، قبل أن يأخذه الموت.

نحن نخاف عندما نفكر في الخوف.

هذه حقيقة تعرفت إليها في تجرِبة خوفي من الموتى، الموتى — كما قلت لك — وليس الموت، أقنعت نفسي بالمعنى، وتدحرجت كرة الثلج، وتضخمت، وصار الخوف من الموتى يقينًا أطمئن إليه، أفكر، وأتصرف بما يمليه.

بعد رحيل أبوي أقمت في شقة الأسرة بمفردي، وكنت أنام على السرير نفسه، الذي مات عليه أبواي. أطفئ النور تمامًا وأنام. وكنت — أحيانًا — أستدعي حادثة جار البيت المقابل، رأيته يوضع في النعش، ملتفًا بالكفن.

همست لشقيقي بمشاعر الخوف، حرص — من يومها — أن يستثير في داخلي الحادثة، التي ربما لم تكن تشكل هذا المعنى الخطير في حياتي.

كانت كرة الثلج بدأت في التدحرج، دفعتها حكاياتي، وما استمعت إليه من أسئلة وتعليقات.

أصارحك بأني أجد في أي عارض نذيرًا بالموت، باللحظة التي لا أعرف متى ستأتي، تعب، دُوار، نغزة في الصدر، زغللة في العين، ارتعاشة في أصابع اليدين، أقرأ الشهادتين — كما تعلمت منذ الصبا — توقعًا للحدث الآتي.

لا أطيل مناقشة الأفكار المتفلسفة حول قضية الموت: لماذا؟ وكيف؟ وإلى أين؟ وهل هناك خلود أو عدم؟

قرأت كتابات صديقي العالم الراحل عبد المحسن صالح جيدًا. أيقنت بأن الموت حالة بيولوجية، حتم لا بد أن يحدث، اندثار يضمن الحياة لمن يأتون بعدنا. أذكر قوله لي: إن جسم الإنسان يشتمل على أعقد وأحكم نظام، هذا النظام لو اختل بصورة ما، فلا بد أن يبدأ في التقوض، ثم الانهيار، ثم الموت، يعود إلى طبيعته الأولى كمادة خام، تدخل في كائنات أخرى بعد الموت. ولعله من الملاحظ، بالنسبة للنبات، أنه قبل أن يذوي، يعطي بذرًا لكي ينمو نبات غيره، فهو يحمي البذرة، ويعطيها لغيره، حتى تستمر الحياة.

لكن الموت يفرض نفسه على تفكيري. تختلط الصور، تتشابك، تومض صور واضحة، وتتلاشى.

عمر الإنسان — مهما يَطُلْ — أقصر مما يجب، هو لن يكفي لتحقيق أمنياته وآماله وطموحاته.

يداخلني الإحباط، أو ما يشبهه، أرفض جدوى كل شيء، ثم يلوح الأمل في نهاية الأفق.

أعرف بأني بدأت المشوار الأخير.

من الصعب أن أبدأ عملًا ضخمًا، ربما أرحل قبل أن أتمه، لكنني، في الوقت نفسه، أكتب دون أن يشغلني هاجس الموت (هو هاجس قائم، ومُلح)، أكتب لأني أريد أن أكتب، لأني أحب أن أكتب، لأني مسكون بالقراءة والتأمل والكتابة، أوافق همنجواي على أن الحياة قصيرة، مهما تقدمت أعوام المرء، فعليه أن يحياها، أن يمتص دقائقها.

ما يُبغضني في الموت أنه يجعلني في حالة انتظار، أرفض ما يمليه بمقاومتي له، أرفض الانتظار، أعيش كل دقيقة في حياتي، لا يشغلني الموت، إذا جاء فلن أكون موجودًا.

عمر الإنسان يبدأ بالنقصان من لحظة الميلاد، أشبه بالعد العكسي، الذي يبدأ — على سبيل المثال — بالرقم عشرة، ويتناقص حتى يبلغ الرقم واحد، ثم ينطلق الحدث، والحدث — في نهاية حياتنا — هو الموت.

لكي يموت المرء، فلا بد أن يكون حيًّا.

من السخف تصور أن ميتًا يموت، لأنه مات بالفعل، من يحيا هو الذي يواجه الموت، ولا بد — قبل ذلك — أن يكون عاش حياته بالفعل. ثمة من يشغله التفكير في الحياة عن التفكير في الموت، أرفض القول إن الحياة موت يتخللها الكلام والحركة.

قيمة لحظة إسدال الستار أن الفاعل لا يُرى، ولا نعرف موعدًا لما يفعل، يضعنا في حالة انتظار، وقد ننسى فلا ننتظر، ثم تأتي النهاية بلا توقع، بلا انتظار! أذكرك بقول أبيقور: «الموت لا يعنينا، لأنه ما دمنا نحن هنا، فالموت ليس هنا، وحين يكون الموت هنا، لن يكون لنا وجود على الإطلاق.»

أذكر قول زوربا في رائعة كازنتزاكس: «إنني أتأمل الموت كل لحظة، أتأمل، وأفزع. مع ذلك فإني أقول لنفسي — بين الحين والآخر — هذا يروق لي! … لا، بل إنه لا يروق لي، أوَلست حرًّا؟! … لن أوقع، ولن أوافق!»

يردف كازنتزاكس الحرية بالموت، يرى أن الإنسان الحر هو الذي لا يخشى الموت.

•••

مع التقدم في العمر، يتوالى رحيل الأعزاء، فقدُهم، تخلو مساحة الحميمية من رموز مهمة، تُحدث الرتابة في النفس ما يشبه التعود، الألفة، يقل الشعور بالفقد، حتى يختفي، الموت حقيقة لن يفيد غرس رءوسنا في الرمال إخفاءها … في العمر المتقدم نتقبل حقيقة الموت، نبدي التأثر، ثم ننتقل بالكلام إلى حديث آخر، قضية أخرى.

أقسى الأمور أن يُغيِّب الموت أعزاء، أو تراهم يألمون. أنت لا تملك إلا الإشفاق، وعبارات المواساة.

لا سن محددة يموت فيها المرء، لكن تقدم السن يجعل الموت أقرب إلى المرء من السن الباكرة. في سِنِي الصبا والشباب يحلم المرء، يتطلع، يخطط للمستقبل، فإذا تقدمت أعوامه انطبق عليه قول نجيب محفوظ حين أدركه الكِبَر، إنه مثل راكب قطار وصل إلى محطة سيدي جابر، ويُعِد نفسه للنزول في محطة الإسكندرية.

مسافة قصيرة للغاية كما ترى، وربما رفض محفوظ — لهذا السبب — أن يكتب روايات طويلة، اكتفى بنصوص قصيرة أملتها المرحلة السِّنِّية، مثل: «أصداء السيرة الذاتية»، و«أحلام فترة النقاهة».

التوقع هو ما نحياه، عندما يتقدم بنا العمر، يرافق التوقع ملاحظات عفوية لدنو الموت من خلال ما يطرأ على الجسد، فنلجأ إلى الأدوية والمنشطات، أو نمضي — في استكانة — إلى نهاية الأفق.

الإنسان يعرف بأنه سيموت، وكلما تقدم به العمر أدرك قرب الرحيل، لكن الضيق، أو الاستياء، أو الغضب، يغلبه، لو أن أحدًا تكلم عن قرب رحيله. أعرف بأن هذه هي النهاية، لكن لا تحدثني عنها.

لعلي — في النهاية — أستعير قول سبينوزا: الحكيم هو من يفكر في الحياة، وفي الموت.

•••

عدت إلى البيت. كتبت زينب على صفحتها في الفيسبوك: عاد طائر النورس إلى بيته. عرَف أصدقائي المعنى. تحولت الشقة إلى جنة صغيرة، صنعها الأصدقاء، الحنين إلى أنفاس الونس.

لم أعد أنام على السرير، لم أعد أدخل غرفة النوم أصلًا، اكتفيت بالتمدد على جنبي الأيمن، أتابع برامج التليفزيون، عدلته ليكون في مواجهتي، بدَّلت جغرافية الصالة بما يتيح لي العيش دون أن أغادر موضعي. يجلس الأصدقاء حولي، تدور حوارات، دردشات، تتناثر المفردات: شد حيلك، بكرة تقوم بالسلامة، انت بمب، سلامتك، بطَّل دلع. أخلو — بعد انصرافهم — إلى ما يهمني، أو يروقني، من مواد التليفزيون: الأخبار، البرامج الثقافية، برامج منى الشاذلي ووائل الإبراشي ولميس الحديدي وخيري رمضان ومعتز الدمرداش، ما أذنت الداخلية بتقديمه من مباريات كرة القدم. أطبق التعليمات بالتلقائية نفسها: الدواء في موعده، الحرص على إجراء التحليل، ملاحظة الألم، ولون البول والبراز. أنظر إلى ساقيَّ الهزيلتين، أتحسس ارتخاء الجلد، ألامس العظام والعضلات، تتداخل لحظات الأمل ولحظات اليأس. يشملني الإحساس بالضيق والقرف — ربما بتأثير الدواء — ساعات طويلة لا أستطيع أن أفعل شيئًا.

تذكرت جلسة أبي على كرسي، وأمامه كرسي آخر، يُسند كتفيه فوق مسنده. هو الوضع الذي يستطيع فيه أبي أن يغمض عينيه، ويروح في النوم. المرة الوحيدة التي تمدد فيها على السرير، وحاول النوم مثل خلق الله، سكنت أنفاسه، وظننا أنه مات.

قال لي: أنا لا أخاف الموت، أخاف الألم وأمراض الشيخوخة.

وتقلصت ملامحه بخوف حقيقي: تفزعني عبارة أمراض مزمنة.

وفي نفاد حيلة: تلك الأمراض قدر المسنين.

اعتدت أن أبتعد بنظراتي حين أشاهد رجلًا أو سيدة على كرسي متحرك، يقوده بنفسه، أو يدفعه أحد القريبين. أرفض النظرات المتصعبة، ومصمصة الشفاه، التي تضيف إلى ألم المريض.

لم أتصور أني سأكون قعيد الكرسي المتحرك، تدفعه زينب، أو أحد أصدقائي، ثم اعتدت الكرسي في التنقل بين البيت وعيادات الأطباء والمستشفيات ومراكز العلاج الطبيعي، صرت ألح في طلب الكرسي.

تشير موسوعة ويكيبديا إلى أن الأطباء أبقراط وجالينوس، وغيرهما، كانوا أول من مارس العلاج الطبي، مثل التدليك والعلاج اليدوي والعلاج بالماء. تألف العلاج في العصر الحديث من التمرين والتدليك والسحب، في أربعينيات القرن العشرين، ثم بالإجراءات اليدوية للعمود الفقري في أوائل الخمسينيات من القرن نفسه، ثم تجاوز العلاج الطبيعي عنابر المستشفيات إلى العيادات الخارجية والعيادات الخاصة، ومراكز إعادة التأهيل.

وتصف ويكيبديا العلاج الطبيعي — وأنا أنقل الكلام مختصرًا — بأنه إحدى مهن الرعاية الصحية، للحفاظ على الحركة، وإعادتها إلى الحد الأقصى، والقدرة الوظيفية في جميع مراحل الحياة. من خلال تقديم الخدمات في الظروف التي تهدد الحركة بتأثير الشيخوخة، أو الإصابات، أو الأمراض، أو العوامل البيئية. يعني العلاج الطبيعي بتحسين عافية المرء، وتأهيله حركيًّا، ضمن برنامج للوقاية والعلاج والتأهيل، كل حالة تختلف عن سواها. يُعنَى طبيب العلاج الطبيعي بدراسة تاريخ الفرد، وفحصه جسديًّا، للوصول إلى التشخيص، ووضع خطة العلاج، وقد يُدرِج نتائج الدراسات المختبرية والأشعة، وكذلك الاختبار الكهربائي، مثل التخطيط الكهربي للعضلات، واختبار سرعة التوصيل العصبي.

أذكر أني زرت عيادة طبيبة في مصر الجديدة، بطلب من الدكتور محمود السباعي — وعيادته في المعادي الجديدة — لأجلس فيما يشبه الاسترخاء، قبالة جهاز أجرى حوارًا مع خلاياي العصبية بواسطة دبابيس صغيرة نخزت الساقين والذراعين، وحين تأملت النتائج بدت لي أشبه باللوغاريتمات، التي كنت أعاني من صعوبة فهمها.

أصارحك بأن صورة العلاج الطبيعي في ذهني كانت غامضة، أو مشوشة، ولعلها تحددت في إطار الاتهام. عمَّق من فهمي ما تابعته من مساجلات بين متخصصي الطب البشري (الكيميائي)، ومتخصصي العلاج الطبيعي. الطب البشري يتفرع إلى فروع: المخ والأعصاب، القلب، الصدر، الكبد، الكُلَى، الأوعية الدموية، الأمراض الجلدية، السرطان، العظام، الحساسيَّة، الأنف والأذن والحنجرة، الأسنان، الأمراض العصبية والنفسية، أمراض النساء، طب الأطفال، الشيخوخة، وغيرها مما قد يشكل تخصصات دقيقة نادرة.

الطب الطبيعي يشمل الجسد البشري كله، يعيد إليه عافيته، بالعديد من الوسائل. ثمة المكمل الغذائي، والأجهزة التعويضية، وأجهزة المساج، وغيرها من المصطلحات، التي تعني محاولة تعويض الجسد الإنساني عن بعض ما فقده. استكمال قدرته على الحياة الطبيعية، دون عقاقير من أي نوع.

موظفو العلاج الطبيعي من خريجي كلية الطب الطبيعي، أو التربية الرياضية، ربما اكتفوا — عقب الشهادة المتوسطة — بتلقي دورات تدريبية، تتيح لهم العمل في المراكز والعيادات.

•••

كانت زيارتي للمركز الطبي الهائل بداية جولة — لا نهاية لها — بين مراكز العلاج الطبيعي، العامة، والخاصة.

شعرت بأني أجلس أمام لجنة امتحان، وأنا أواجه الطاولة الخشبية المستطيلة، يجلس وراءها أربعة أطباء فوق الخمسين من العمر، تابعت أحاديثهم الهامسة، وإشاراتهم — بالأيدي والرءوس — نحوي، ثم تعالت أسئلتهم الكثيرة المتقاطعة.

أدركت معنى الجلسة من سخف الأسئلة، وقسوة الملاحظات.

ما كرر توضيحه الأطباء، الذين ترددت على عياداتهم ومراكزهم الطبية، أشاروا إلى الموضع، الذي ينبغي أن تُجرَى فيه العملية: الفقرتان الرابعة والخامسة تعانيان، وتسببان آلامًا، لكن الخطورة في الغضروف الذي أجاد الالتفاف حول النخاع الشوكي، في الفقرة الثانية عشرة الصدرية، والأولى القَطَنية. اعتبر الأطباء إجراء العملية في الفقرتين الرابعة والخامسة آخر ما يمكن صنعه. لم يشيروا إلى الخطر الحقيقي في غضروف الشر، قيَّد حركتي، صعَّبها بآلام هائلة.

رفضت إجراء العملية في غير موضعها. لم أفد من القيمة المادية التي تحددت على نفقة الدولة، فضلت أن أخضع لعملية حقيقية يجريها الدكتور علاء عبد الحي.

كنت قد أتيت إلى المركز للعلاج الطبيعي، وكان عمل الأطباء أن يشرفوا على خطوات العلاج، لكنهم أرادوا أن يعبروا عن غضبهم من تصرفي.

بسط أحدهم صورة الأشعة قبل العملية، واتجه بالكلام إلى رفاقه: هل رأيتم مثل هذا العمود الفقري؟! (بتسكين القاف)، وسأل آخر في لهجة مستغربة: هل تأمل أن تُشفَى قدمك من السقوط؟

وأمَّن البقية على توقعات الفشل بتوجيهات من المستحيل أن تتحقق، لأني كنت أجريت العملية بالفعل!

وكما حدثتك، فقد أوقفت العلاج الطبيعي في المركز، ربما لأن الأطباء أصدروا تعليمات بأسلوب التعامل معي، أو لأن تلك كانت أحوال المركز.

استمعت إلى تعبيرات لم أكن أعرفها، أو كنت أعرفها دون أن أحتاجها: العلاج الطبيعي، الأشعة الحرارية، الموجات الصوتية، حمام الماء، الجاكوزي، التوازن … إلخ.

لم يكن يشغلني سوى أن أنال رعاية طبية جيدة، حتى أتخلص مما أعانيه، وأعود إلى حياتي العادية.

غاظتني لهجة التعالي التي تكلموا بها. كأن الغيظ أو التحدي دافعهم للكلام. نصحوا بإجراء الجراحة في الفقرتين الرابعة والخامسة (تكرر الاسم كثيرًا حتى حفظته)، فلماذا أجريتها على يد طبيب آخر، في موضع آخر، يطالعونه في الأشعة؟

خالط اليأس ما أبداه الأطباء الأربعة من ملاحظات. قالوا إن الجراحة أهملت فقرات في العمود الفقري كان ينبغي علاجها، أدركت أنهم يقصدون الفقرتين الرابعة والخامسة، ما أعدوا أنفسهم لقصر الجراحة عليها. اكتفى أحدهم بأن أشار إلى ساقي المهيضة، وقال: هل تتصور أن قدمك ستعود إلى حالها؟

كنت قد أجريت الجراحة، وعدت إليهم طلبًا للعلاج الطبيعي.

•••

ربما كان سيطول ترددي، أو أني سأعدل عن فكرة النزول في حمام السباحة داخل المركز الكبير، لو أني فطنت إلى ما سأواجهه، لكنني صرت في قلب المياه، بالدفعة المفاجئة في كتفي، واليدين اللتين حالتا دون اصطدامي بالقاع.

إذا كان قاضي البهار نزل البحر في روايتي المنسوبة إليه، فإني لم أمارس السباحة — كما أشرت في مناسبة سابقة — إلا في حمام السباحة بفندق سان ستيفانو. مخيلتي تحفل بالكثير مما التقطته من حكايات البحر: البحارة الغرقى والمرَدة والغِيلان والعفاريت، استغرق سِنِي طفولتي حتى نضج الوعي. أفدت من ذلك في «رباعية بحري»، و«أهل البحر»، والعديد من قصصي القصار، لكنني — كما يقول المثل — على البر عوام، أكتفي من عشقي للبحر — أعشقه فعلًا — بالجلوس على شاطئه، ومراقبة الصيد بالطراحة والجرافة، واستشراف الأفق. في داخلي إذن هواجس قاسية من مشاهد أعماق البحر، أعرف بأنها مخترعة، وغير حقيقية، لكنها تصدني عن النزول إلى البحر.

ألحت على خوفي فكرةُ عدم استطاعتي الطفو فوق الماء، يجتذبني القاع دون أن يتنبه الصخب من حولي، ثم جاوزت بي الدفعة المفاجئة ما كان يشغلني من الأسئلة والهواجس. وجدتني في قلب الحمام، عرَفت — فيما بعد — أنه يسع حوالي عشرة أشخاص، لكن العدد زاد على الأربعين.

أخذني ما حدث، زالت الخضة، رأيت حولي ما لا يقل عن الثلاثين يعانون أمراض العمود الفقري، يتحرك بعضهم دون مساعدة، ويظل البعض متشبثًا بالحاجز المعدني، حتى يأتي من يعوم به داخل الحمام.

لاحظ الطبيب الشاب — ولعله مساعد — ارتباكي، صحبني من وقفتي على الحاجز، وبدأ في تدريبي على تحريك الأطراف.

لا أعرف كيف قذف بي — بعد انتهاء الجلسة — إلى خارج الحمام، لأجد نفسي جالسًا على الممر المستطيل، لحقتني يد خبيرة، فاهمة، أعانتني على النهوض.

قبل أن أبدل ثيابي، نصحتني الممرضة بأن أغتسل — تحت الدش — من تأثير النزول في الحمام.

– لماذا؟

– لأن معدلات الكلور مرتفعة، حتى لا تحدث عدوى من مصابي الشلل الرباعي؛ فهم يبولون ويتغوطون، بلا إرادة، في مياه الحمام … من يدري؟!

تذكرت السؤال الذي تكرر على لسان الأطباء: هل تجيد التحكم في البول والبراز؟

عدم التحكم إذن يعني الحال الذي وشى به سؤال الأطباء، وهو ما لم يحدث، رغم معاودة السؤال، فهل تسوء الحالة بما لم أتصوره؟

كانت تلك هي المرة الأولى — والأخيرة — لعلاج الماء، في المستشفى الذي لم أعد أتردد عليه!

•••

سيراجيم.

استعدت التسمية.

أعاد الصديق مفردات الكلمة بالإنجليزية، أضاف شرحًا للجهاز بأنه كوري الصنع، من أهم إنجازات كوريا الجنوبية في العلاج الطبيعي. قرأت إعلانًا على ورقة كوشيه تطالب قارئه — هو بالضرورة يعاني متاعب في العمود الفقري — أن يبدأ من جديد مع شريك الصحة رقم واحد في العالم.

التقنية التي يعتمد عليها الجهاز هي الضغط على مواضع في العمود الفقري، بحيث تعتدل الفقرات، كما تعمل وحدة المساج الحراري — داخل الجهاز — على استرخاء العضلات، وتخفيف الآلام، وتقليل الضغط العصبي. ويفيد الجهاز من الأشعة تحت الحمراء، التي تنبعث من وحدة المساج الحراري في تنشيط الدورة الدموية، والتقليل من الضغط، وتحسين الصحة بعامة.

نظرت إلى الجهاز، أشبه ﺑ «شيزلونج» الشاطئ، لكنه من الجلد، تتداخل فيه ثنيات ومنحنيات ومنعرجات.

– ما احتمالات الخطر؟

– لا توجد!

تمددت على الجهاز. ما كاد الموظف يديره حتى علا صوتي بالصراخ، ألم قاسٍ، كأن الجهاز يطحن جسدي، يَهوي عليه بمطارق، يدور بي في دوامة قاسية.

قمت. تحسست الآلام الجديدة في ظهري، مسحت الدموع المتساقطة على وجهي، واجهت الرجل بملامح معتذرة: لا أستطيع.

– إذن، نرجئ استخدام الجهاز حتى نستعين بمهدئ.

كان ذلك أيضًا أول وآخر عهدي بالجهاز العبقري. يدفعني إلى الاعتراف بقيمته عشرات تمددوا في أجهزة مشابهة، في استجابة واطمئنان. نسيت الضعف الذي صارت عليه فقرات عمودي الفقري، بتأثير المبضع السحري للدكتور علاء عبد الحي، بالإضافة — طبعًا — إلى ما كانت تعانيه الفقرات نتيجة عدم التثبيت، وهو ما سأحدثك عنه.

•••

تساندت بيدي على العصا ذات الأرجل الأربع، وبيدي على ساعد زينب.

بدت المسافة طويلة من مدخل البناية المطلة على الأوتوستراد إلى باب المصعد. انفتح الباب في الدور الثاني عشر على أضواء ملونة وموسيقى، تصورت أن القاعة الصاخبة مدخل إلى مركز العلاج الطبيعي. الآلات التي وقف- أو جلس عليها شباب من الجنسين، تتحرك أيديهم وأقدامهم لاكتساب المزيد من العافية، أو للعلاج من إصابات الملاعب. القاعة الواسعة تشغلها الأجهزة التي تتحرك فوقها أيدي الشباب وأقدامهم، في حين أخذت العيادة جزءًا من الصالة الواسعة، حولَت الستائر مساحتها الصغيرة نسبيًّا، إلى موضع لسبعة أسِرَّة صغيرة، تُمارَس عليها تمرينات العلاج الطبيعي، بالإضافة إلى مكتب ودولاب ومقعدين.

صرت — من يومها — صديقًا شخصيًّا لغالبية العاملين في المركز، حتى الوجوه التي اعتدت رؤيتها دون أن يدور بيننا حوار.

•••

حدثتك — من قبل — عن حبي للبحر، لكنني لا أحاول النزول في أمواجه. لم أفسر السبب، وإن كان أقربها إلى فهمي أن حبي للقراءة فاق — منذ طفولتي — كل ما عداه، أفضِّل أن أجلس على الشاطئ لتأمل الأفق، والنظر إلى ما حولي، والقراءة.

هذا هو العالم الذي صنعته لنفسي، وأحببته، أشبه بالعالم الذي صنعه مدحت في روايتي «صخرة في الأنفوشي».

كتبت العديد من الروايات والقصص القصيرة، محورها البحر وساكنوه من بشر ومخلوقات أخرى، لكنني اكتفيت في ذلك بالكتابة من الشاطئ.

ما كان يثير استغرابي، عند تهيؤي لنزول الحمام — عقب انتهاء الفترة المخصصة للسيدات — تبدُّلُ لون مياه الحمام، يداخل الزرقةَ الرائقة عكارة.

هل يسبحن، ويغسلن الثياب؟

لذلك السبب — ربما — كان العامل، بعد انصراف السيدات، يمسح قاع الحمام وجوانبه بعصًا طويلة، في نهايتها قطعة قماش هائلة.

أنزل الحمام، من حولي شبان — وعجائز أحيانًا — يسبحون، يقفزون في الماء بلا خوف، يقلدون السمكة في عَومها، يغوصون داخل الحمام، ويَطفون، لا أثر على الوجوه لانفعال من أي نوع، الآلية تحرك السواعد والأرجل، كأنهم يؤدون — قبل أن يغادروا الأسِرَّة — تمرينات الصباح.

وعدني أحمد طاهر — بعد أن حرص على إطالة بقائي في الحمام — أن يعلمني السباحة، أنزل بحر الإسكندرية، أجاوز الوقوف أو الجلوس على الشاطئ، إلى عِناق الأمواج. شغلني — في السير داخل الحمام — طفو جسدي فوق المياه، كيف يستطيع أحمد طاهر أن يسيطر على جسده، فلا يغرَق، يتحرك داخل المياه، دون أن يجتذبه ما يهبط به إلى القاع.

في قصة قصيرة اسمها «الزوال» لصديقي الأديب الكبير أبو المعاطي أبو النجا، يتحدث الراوي عن لحظة الزوال، إنها اللحظة ما بين الحياة والموت، لحظة يقف فيها المرء على الحافة، ينطمس من ذاكرته كل شيء، لا يدرك إلا أنه يموت، ثم تحل المعجزة، فتنقذه.

لحظة الزوال مجالها اللحظة بالفعل، لا تزيد على ثوانٍ، يتغير فيها الحال تمامًا: حادثة سيارة أو قطار، بيت يتهدم على ساكنيه، إنسان يختطفه الموت، رصاصة قد تكون طائشة، صاعقة مفاجئة … أسباب متعددة على حد تعبير المتنبي، لكن الموت يظل له معناه، وأنه يقف بالقرب منا، أو أنه يلاصقنا، أنفاسه تخالط أنفاسنا، فتظل أنفاسه، بينما تصمت أنفاسنا.

ذلك ما عشته في حمام السباحة بجيم برو سنتر، المطل على طريق الأوتوستراد، يغمرني التأثر، وطه يُسند ركبته على الأرض، يداه تنزعان الحذاء من قدمي، وتعيدانه إليه. يحتفظ بالثياب الخارجية، والفوطة، يرافقني عبر درجات السلم المُفْضية إلى حمام السباحة، يتركني عند حافته، ويعود.

طه في أواخر الأربعينيات، يتولى تنظيف الحمامات، وإعداد الفوط، واحتياجات المترددين على الجيم، إن كُلِّف بمهمةٍ حرص على أن يتقن أداءها. ملامحه ساكنة، لا تشي بأي معنى، ربما ألزمه صمت عمله أن يجد عناءً في نطق الكلمات، فهي أقرب إلى التلعثم.

أزمعت على الاكتفاء بالتمرينات التي أديتها، لكن المدرب الشاب أحمد طاهر أصر على أن أواصل تدريباتي، وأثناء سيري الْتَوت قدمي، واجتذبتني المياه، أحاطت بي، تماوجت المياه من حولي، اختلطت درجات الأزرق بالظلال، واقترابها من السطح والعمق، والسيراميك الذي يغطي القاع والجدران. انثنت ركبتي، عرَفت بأني أوشك على القعود، أحاول المقاومة، لكنني لا أحسن الفعل، لا أجيد السباحة، ولا أعي التصرف الذي يجدر بي أن أفعله، حتى أطفو فوق المياه.

الأصوات — في قلب الحمام، وعلى جانبيه — متداخلة، تبدو — رغم اقترابها — كأصداء بعيدة، ربما لأن الذهن كان شاردًا في التوقع، وليس في اللحظة التي أعانيها.

لم يعد في بالي أي شيء، لا خوف، ولا قلق، ولا حتى استكانة. أخذتني اللحظة بلا قبل ولا بعد، انعزلت بما أنا فيه عن كل ما حولي، لا أفكر في الاستغاثة، أكتفي بالاطمئنان إلى أني سأرى — في اللحظة التالية — يدًا تنقذني من الغرق.

حلَّ — في داخلي — ما يشبه اليقين بديلًا للمقاومة التي لا أحسن أدواتها، أنهم سيفطنون إلى غوصي، وأنهم سيبادرون بإنقاذي.

يعرف أحمد طاهر عدم إجادتي للسباحة، عدم نزولي البحر أصلًا، وأن صلتي به تقتصر على ركوب قارب يخترق أمواجه، أو الجلوس على شاطئه للتأمل والقراءة، أو استعادة حكايات الصيادين وراكبي البحر من أهل بحري.

عرَفت بأني أغرَق، وإن لم يساورني قلق ولا خوف، تملكتني ثقة بأن يدًا ستنقذني، وامتدت أيادٍ كثيرة بالفعل، فأنقذتني، لكن تأخرها، الذي لم أفهم سببه، دفع بالماء إلى فمي.

زينب هي الوحيدة التي عرَفتْ بأني أغرق، على حد تعبير نزار قباني في قصيدته الشهيرة. نادت على من كانوا داخل حمام السباحة، أظهروا الدهشة: «هو مش بيعوم؟!»

امتدت أيديهم لتنقذني، لتَعبُر بي لحظةَ ما بين الحياة والموت، لو أنهم تأخروا لحظات في توهمهم إجادتي للسباحة، لغادرت عالمي إلى عالم آخر.

•••

أمضيت ما يقرب من الشهر، أكتب دون أن أرى الكلمات عند كتابتها. عملية الشبكية التي أجراها الدكتور شريف إمبابي في عيني اليمني، وما سبقها من عملية أيضًا في العينين معًا أجراها الدكتور حازم ياسين، بدَّلت درجة إبصاري، فلم أعد أبصر بالنظارة، أو بدونها، بصورة صحيحة. لم أطق الصمت عن الكتابة، جريت على الورق بكلمات كبيرة الأحجام، أقرأ بعض الكلمات، أخمن — بما ألتقطه من حروف، وبالتثبت من القراءة — بقية الكلمات، أصِلها بذاكرتي حتى تستقيم الجملة. كانت المشكلة في محاولة نقل ما كتبته على الكومبيوتر، أكتب الموضوعات الصحفية والمقالات مباشرة، أما الإبداع من قصة أو رواية، فإن القلم لا بد أن يجري على الورق، يكتب ما تمليه العلاقة بين الذهن وأصابع اليد.

لاحظت التطوح في سيري، لا أثبت في الوقفة ولا الحركة، أشبه بمن يؤدون أدوار السكارى في الأفلام العربية.

قال الدكتور شمس الدين عبد الغفار: هذا طبيعي، العملية ليست سهلة.

سألته: متى أعود إلى مشيتي الطبيعية؟

لم ألحظ ابتسامته المشفقة: بعد أسبوع.

صحت: معقول؟

إذن … عشرة أيام!

لأن الآلام ظلت تدهمني، بدأ الدكتور شمس ما رأى أنه البداية الصحيحة، تعددت زياراتي للمركز، أسلم رجلي لبرودة، وظهري لسخونة، بحيث يبدأ العلاج الحركي بعد أن تزول الآلام، لكن الآلام ظلت على حالها، وتفاقمت أحيانًا، ويبدو أني حاولت التفلسف في الكلام عما أعانيه.

قال الدكتور شمس، في نبرة تسليم: أرى أن تعود إلى الطبيب، الذي أجرى العملية.

أدركت أنه بذل كل ما يستطيع فعله، لكنه لم يكن حل المشكلة، تلك مسئولية طبيب آخر، المشكلة في داخلي، في خطأٍ ما ظل قائمًا بعد العملية. عرَفت — فيما بعد — بأن الخطأ في الالتهاب، الذي ظل في موضع العملية. أُجريت العملية بنجاح كما قال الدكتور يسري الهواري، وكان الطبيعي — في قوله — أن أقف على قدمي، وأسير، بعد أسبوع فقط من العملية، لولا الالتهاب الذي أظهرت الأشعة تأثيراته.

•••

في لحظة، قررت بأن أقف على حيلي، بلا مشاية، ولا عصًا معدنية، نترت جسدي، وقفت، سرت، هللت في داخلي لما فعلت، لكن القامة الضعيفة تمايلت، عرَفت بأن ما أريده قد لا يستجيب له جسدي، الأطراف والاتزان والقدرة على الحركة، أزمعت أن أحتفظ بتوازني، اعتمدت — خشية الإخفاق — على قطع الأثاث. ما في طريقي من قطع الأثاث صارت بديلًا للاتكاء على العصا، أصِل بالانحناء غيابَ ما أستند إليه في المساحات الخالية.

نصحني صديقي الكاتب الصحفي الكبير محمد فودة بأن أرجئ عودتي إلى الجريدة: عُدْ بعد أن تتخلى عن العصا. لكن تفاقم الزهق والملل والحنين دفعني إلى إهمال النصيحة المشفقة، وعدت إلى الجريدة مستندًا إلى عصًا رباعية الأقدام.

في طريقي من الجريدة في شارع رمسيس إلى البيت في مصر الجديدة، عبر شوارع وسط البلد، ومنها إلى نفق الأزهر، حتى طريق صلاح سالم، تأملت — من نافذة التاكسي — ما يحيط بي من الشوارع والبيوت والمَحالِّ التجارية والإعلانات واللافتات والسيارات والمارة. كأني أشاهد ما لم يسبق لي رؤيته، تمنيت — بيني وبين نفسي — لو أن السائق أبطأ السير، فأملأ عيني بما أراه، أستعيد القاهرة التي أحببتها، أذكر هتافي بالحنين عندما كنت أشاهدها في تليفزيون مسقط: ميدان الحسين، استاد القاهرة، حدائق الحيوان، شارع قصر النيل، الطريق الدائري، قصر البارون، كوبري قصر النيل، وبرج الجزيرة.

حدد الدكتور علاء خمسة عشر يومًا، أتحرك فيها — عقب العملية — داخل الشقة، ثم أعود إلى حياتي العادية، وقال لزملاء صحفيين: لا تحاسبوني إلا بعد ثلاثة أسابيع.

لكن الأيام، والأسابيع، توالت، دون أن أتخلى عن العصا الحديدية ذات الأقدام الأربعة، وعَدْت نفسي بأن أجول في الشوارع التي افتقدتها، يعروني التحفز، وأنا أتأمل — من داخل التاكسي — شوارع وسط البلد: فاترينات المَحالِّ، اللافتات المثبتة أسفل النوافذ، وعلى الشرفات، استاندات الصحف، السيارات، زحام المارة. وتلاشَى التصور بِكَرِّ الأيام، لا أفارق العصا في البيت وخارجه، الجاذبية الأرضية تأخذني إلى الأرض، أحاذر، حتى لا يتأثر موضع العملية.

ظلت الآلام على حالها، أعاني في النوم، وفي محاولة الحركة، حتى الجلوس لم يعد متاحًا أكثر من دقائق، ثم أفز من جلستي، أتصور الراحة في كرسي آخر، أحاول أن أنشغل بمراجعة ما كتبت، أو بالقراءة، يعاودني الألم، فأعود إلى كرسي المكتب، أو أجلس على كرسي آخر، أو أتمدد على السرير.

أحزنني — وسط صراخ الآلام وصعوبة الحركة — ما قرأته عن دراسة طبية، أُجريت في ۲۰۱۳م حول الاستغناء عن جراحة العمود الفقري لحل الانزلاق الغضروفي وسقوط القدم.

يقول الطبيب المشرف على الدراسة (بحرَيني الجنسية، واسمه غازي سرحان): إنه من المسلم به — علميًّا — أن العلاج الوحيد في حالة القدم الساقطة، هو الجراحة السريعة خلال ست وثلاثين ساعة بعد الإصابة، وإن لا تضمن العملية عودة حركة القدم إلى ما كانت عليه. وتُجرَى تقنية فتح العصب دون جراحة، بتحليل العصب بجهاز خاص، ثم استخدام الليزر والتحريك اليدوي.

•••

يروي محمد حسنين هيكل أن جمال عبد الناصر كان يشكل وجهة نظره إزاء الرؤساء والساسة الذين سيلتقيهم — للمرة الأولى — بعرض مجموعة من الصور الشخصية للزعيم، أو السياسي، يخرج من تأمله مجموعة الصور بانطباع عن الشخصية. يبني أحكامًا مسبقة، يثبتها بعد اللقاء، أو يبدلها، أو يضيف إليها.

لاحظت في نفسي ميلًا للنظر إلى الشخص الذي أحادثه، بصرف النظر إن كان اللقاء للمرة الأولى، أم أنه حلقة في سلسلة من اللقاءات. أنظر — أو أرنو، كما يقول التعبير اللغوي — إلى عينَي محدثي، يداخلني اطمئنان، أو عدم ارتياح، أو — في حالات قليلة — نفور يدفعني إلى التحفظ في الإرسال والاستقبال.

الصفاء في عينَي زينب أول ما جذبني إليها. غادرت مسقط إلى القاهرة في رحلة سريعة، كتبت — عقب العودة — كلمات عنوانها: «عدت إليك يا سحرية العينين»، ألِفتُ — منذ ذلك اليوم، الذي مضى عليه الآن أكثر من ثلاثين عامًا — أن أتعرف، بمجرد النظر، إلى مشاعر زينب وانفعالاتها، ما يَبين في عينيها، وما تحاول إخفاءه.

أصرت على أن أشارك في أول مؤتمر للرواية العربية بالقاهرة. الْتمَع الدمع في عينيها، فعدلْتُ عن الاعتذار، ووجدت في نظرة التحفز المطلة من عينيها، وهي تجلس على المدرج، ما يدفعني إلى التحدث بإفاضة، استجاب لها الحضور، وإن أبدَتْ بعض المشارِكات ضِيقهن من ضآلة وقت مداخلاتهن.

تكررت اللحظات في أوقات استقبالٍ ووداع، وفي أوقات صعبة، فرضتها الجلسة الساكنة في القراءة والكتابة، وما تسللت به إلى جسدي من أمراض.

لمحتُ — في جلستنا المتجاورة داخل عيادة الدكتور علاء عبد الحي — اختلاط مشاعر الإشفاق والخوف والتمني. أبدت زينب انزعاجها — وأنا أتحرك بالقرب منها — لصوت طقطقة العظام، كعادتي مع الألم، أُحسُّه ولا أفصح عنه، كأن جسدي يتهيأ للتفكك، أجلس، فتهدأ الآلام، يحُل ما يشبه السكينة، لكن زوال الآلام كأنه أمنية مستحيلة، تعلو طقطقة العظام حين أتحرك في موضعي، أقف، أسير، أتقلب على السرير.

تصاعد في حلقي ما يشبه الغثيان. سبقت إشارة إصبعي إلى السلة بأعراض الغثيان، تحول — في اللحظة التالية — إلى قيء، طعم لاذع من المرارة والحموضة.

أخشى القيء.

كان إرهاصًا بعملية القرحة في الإثني عشر، تجاهلت الآلام سنوات، حتى أعلنت القرحة عن خطورتها في دفقات الدم التي ملأت حوض الحمام، تجاهلت النذير، فاكتفيت بالمسكنات، حتى فاجأني النزيف الحاد — ذات مساء — وأنا أقود سيارتي في شارع بورسعيد، ما رويته لك في روايتي التسجيلية «الحياة ثانية».

اعتدت في حالات القلق التالية، حتى بعد أن أجريت العملية، أن أحدق جيدًا. أخشى ما عانيته قبل سنوات. ساعد على تكرار النزيف حِرص الطبيب على ملء وجه الروشتة وظهرها بالكثير من أسماء الأدوية لعلاج ما يُسمى بعرْق النسا، وإن عرَفت — فيما بعد — أن الحالة انعكاس لتفاقم متاعب العمود الفقري. تحددت المتاعب آنذاك في الفقرتين الرابعة والخامسة، ثم امتدت التأثيرات، فبلغت النخاع الشوكي، ثم أعلن المرض عن خطورته بسقوط القدم، ونصح الأطباء بضرورة إجراء العملية.

النصيحة، التي اعتدت سماعها، أن أتمدد على ظهري لعلاج الفقرات. عدلت عن الفعل — في كل مرة — بعد دقائق قليلة، يريحني النوم على الجنب الأيمن. أذكر تلبيتي أمر الطبيب بدقة، عقب إجراء عملية قرحة الإثني عشر. لم أحاول المغايرة، ربما لأني كنت أدرك خطورة العملية، وأن التمدد على الظهر هو التصرف الذي يجب أن أفعله.

أطلقت زينب ما يشبه صيحة الدهشة وهي تساعدني في ارتداء ثيابي الداخلية: بروز جلدي في موضع العملية!

– كيف؟

– هذا ما أراه.

تكرر إحساسي بالغثيان، يعاودني في لحظات متقاربة، وربما امتد لساعات، تقيأت — بالفعل — مرات كثيرة. تصورت القيء بداية أعراض خطيرة، تالية.

رجح حاتم رضوان أن يكون الإسراف في تعاطي الأدوية أحدث تأثيرات سلبية داخل المعدة، التي تمردت — من قبل — بالإعلان عن قرحة الإثني عشر. طلب — بنبرة حاسمة — إيقاف الأدوية، عدا أقراص الضغط والسكر. من الأصوب أن أرجئ تعاطي الأدوية — حتى الفيتامينات — قبل أن يقرر الدكتور علاء عبد الحي ما يجب عمله!

كان رفع الأذان يتناهى من جامع السيدة عائشة القريب، لمَّا أتاني صوت الدكتور علاء في التليفون المحمول: أنتظرك في الخامسة مساء اليوم.

لم أكن أعددت نفسي لهذه الاستجابة السريعة. أمضيت نهار الأمس في الجريدة، واتصل اليوم بمحاولة العودة إلى البيت في مصر الجديدة. احتفالات الأقباط الأرثوذكس في الكاتدرائية بشارع رمسيس جعلت حركة السير متعذرة، تحول الشارع، والكوبري في منتصفه، إلى موقف للسيارات.

اقترحت على سائق التاكسي أن يميل إلى شارع جانبي، ومنه إلى شارع أحمد سعيد، حتى طريق صلاح سالم.

لم يكن الأمر بالصورة التي توقعتها، كان الزحام أحكم قبضته على كل شوارع القاهرة، دخلنا البيت بإحساس العائد من رحلة شاقة. تأخر موعد النوم إلى حوالي الثالثة صباحًا، استيقظنا في العاشرة، حاولت الانشغال بكتابات للجريدة، لكن الطارئ الجديد فرض نفسه على ذهني ومشاعري، همسة زينب المحملة بالقلق: ما هذا؟

أدرت رأسي إلى حيث أشارت بيدها.

لم أر موضع الإشارة جيدًا، وإن فطنت إلى أنها تقصد موضع العملية. حدثتني عن البروز المفاجئ في موضع العملية، وسألَتْ: ألا تشعر بالألم؟

حاولت أن أشعر بالألم، ولعلي استدعيته فعلًا. كنت أحرص على عدم التأوه، أخشى، لتواصل الألم، أن يصبح التأوه سخفًا.

اتصلت بالدكتور علاء عبد الحي لتحديد موعد.

فاجأني موعد الخامسة، أي بعد ساعات قليلة، وكان الطقس قد أظهر — منذ الأمس — ملامح قاسية. أدركت خطأ التصور بأن برد الشتاء يسهل اتقاؤه بالثياب المناسبة، أما حر الصيف فمن الصعب أن تتغلب عليه. قذفت الشوارع الخلفية للشتاء بما كانت تحتجزه من برودة ورياح وأتربة، ذروة حقيقية للشتاء في أقسى أوقاته.

تأكد سائق التاكسي من إغلاق زيق النافذة، ليَحُول دون تسرب الهواء البارد، نطق الإشفاق في ملامحه وتصرفاته، وأنا أسلمه العصا الحديدية ذات المخالب، تقي ساقي وجسدي خطر السقوط.

بلغنا العيادة حوالي الرابعة والنصف، فتشت عن مصدر الدفء في الصالة والحجرات المفتوحة، ثم اطمأننا إلى التصور بأن موقع العيادة أقرب إلى الدفء.

ظل اختلاف المشاعر في العينين، في توالي لحظات اليوم، منذ دعاني الدكتور علاء للقدوم إلى عيادته، وحتى عودتنا إلى البيت في نهاية أربع وعشرين ساعة قاسية.

هل أخطأت لأني صارحت الطبيب بتكرار وقوعي؟

ربما كان ذلك هو السبب في البروز، الذي تحسسه بأصابعه، ثم طلب إجراء أشعة.

– الآن؟

– في نبرة حاسمة: أنا في العيادة حتى تعودان بالأشعة.

لذنا من برودة الطريق بأول تاكسي.

دخلنا مستشفى كليوباترة من باب الطوارئ.

داخلني إحساس بالألفة لما حولي، حفظت المكان في الفترة التي سبقت العملية وبعدها، حتى الأطباء والعاملين في المستشفى، تعرفت إليهم أثناء تلك الفترة. أعرف مكان «كاونتر» الاستقبال، والمصعد، والسلالم الصاعدة إلى الأقسام المختلفة.

أنهت زينب أوراق الأشعة، وصحبتني إلى الحجرة في البدروم.

البرودة تحتويك تمامًا، فأنت تحاول إنجاز ما تطلب في أسرع وقت. خلعت معظم ثيابي — تصور! — وصعدت إلى الطاولة المواجهة لجهاز التصوير، تمددت على الظهر، وعلى الجنب الأيسر، وأحاطت اليدان بالرأس.

إذا أردنا صورة الأشعة، فمن السهل تسلمها حالًا، أما التقرير فلا بد من الانتظار حتى مساء الغد، وعدنا بصورة الأشعة إلى الطبيب.

أعاد الدكتور علاء صورة الأشعة إلى المظروف: لا خطر! … لعل «الوقعات» التي تكلمتَ عنها دفعت قطعة من عظام العمود الفقري إلى البروز.

أمَّن على ما استعدتُه من نصائح الدكتور حاتم رضوان وتحذيراته، امتنع حتى عن الفيتامينات.

استطردت متسائلًا: حتى دواء الضغط أو السكر؟

قال الدكتور علاء بنبرة مؤكِّدة: حتى دواء الضغط أو السكر.

القاتل الصامت، هي التسمية التي يطلقها الأطباء على مرض ضغط الدم، ربما لأن الإحساس بتأثيراته قد يغيب عن المريض، لا يدرك — إلا متأخرًا — تسلل المرض إلى أوردته وشرايينه.

كما تقول الأرقام، فإن حوالي ١٦ مليونًا من المواطنين المصريين يعانون ارتفاعًا في ضغط الدم، لكن نسبة الحريصين على العلاج لا تجاوز ٨% من مجموع هؤلاء المرضى.

أذكر أن بداية صداقتي للمرض — هو صديق بالضرورة — بدأت منذ أثبتت فحوصات ما قبل عملية قرحة الإثني عشر وجوده. عرَفت بأن ضغط الدم ليس مجرد نوبة صداع، تزيل حبة دواء تأثيراتها، لكنه عنوان مجموعة أعراض، إن لم يحسن المرء العلاج، فإنها ستصبح جزءًا من تاريخه المرضي، منها تضخم عضلة القلب وهبوطها، قصور الشرايين التاجية، الجلطة القلبية، الجلطة المخية، نزيف المخ، تمدد الأَوُرْطَى، شرخ بطانة الأَوُرْطَى، الفشل الكُلَوي.

تعاطيت — لسنوات — دواء، نسيته بعد أن شكوت لطبيب أمراض القلب الشهير الدكتور محمد مندور ارتفاع نبضات القلب، فنصح بدواء يعالج حالات ارتفاع الضغط، وارتفاع نبضات القلب.

أراجع — في ترددي على الأطباء — ما يتصل بالقلب: النبض، الضغط، عدد الدقات، والشرايين والأوردة. أطمئن إلى جدوى العلاج. ثم جعل طبيب الجريدة من الدواء علاجًا شهريًّا ثابتًا، لا أفكر في إيقافه أو تبديله. أعرف بأن الضغط قد يرتفع إذا توقف المريض عن تعاطي الدواء.

ولأن ثبات الحال من المُحال، فإن الاطمئنان يشحب في الصداع الذي يفاجئني. أتصور الضغط، فأسرع إلى أقرب صيدلية، أستعيد الاطمئنان، أو أتصل بالطبيب لأخذ النصيحة.

عدنا إلى البيت قبل أن ينتصف الليل، لا تزال البرودة تلف كل شيء. تذكرت تغريدة لمن نسيت اسمه: نحن لم ندخل سنة ٢٠١٥م، لكننا دخلنا ثلاجة بحجم مصر!

استعدت الأمر من بداياته، هو ليس وليد الساعات الأخيرة، التحرك بين البيت والعيادة والمستشفى، الاحتفال بليلة عيد الميلاد، ما شعرت به، وشاهدته، واستمعت إليه، يعود إلى نقطة البداية، إلى الآلام، التي كانت تحدثها إحاطة الغضروف بالنخاع الشوكي.

هل تلك هي البداية؟

وهل يظل هذا هو الحال لأن الطبيب لم يُجر — كما صارحني حاتم رضوان — عملية التثبيت؟

وهل كانت الأشهر السبعة، منذ إبريل الماضي، مجرد تسكين للآلام؟

وهل ينبغي أن أبدأ من جديد؟

استبدلت النغزات والنقح — هذا هو التعبير الذي يحضرني — بالصراخ الذي كان ينطلق من بؤرة، أتصورها، ولا أعرفها.

طرحت زينب — نقلًا عن أصدقاء أطباء، ومرضى، أو كانوا كذلك — أسماء أطباء يختلفون في التخصص عن الدكتور علاء عبد الحي. هو جراح مخ وأعصاب، أدى العملية باقتدار، لكن اكتمال الأمر يحتاج إلى التثبيت، وإلى خطوات أخرى، تالية.

نظرت إلى النافذة المغلقة، وإلى الغطاء الذي أحكمت به جسدي، وإلى زينب التي تحاول — من خلال طرح أسماء أطباء — وصل ما انقطع.

اطمأننت إلى نصيحة الدكتور حاتم رضوان، والتي أمَّن عليها الدكتور علاء، بأن أمتنع عن تناول الأدوية، وعن العلاج الطبيعي، ثم أُعِد نفسي لما ينبغي فعله، ذات صباح قريب. أرفع الغطاء، أفتح النافذة، أستند إلى ساعِد زينب، في طريقنا لمشوار علاج جديد، أسعى — من خلاله — إلى السير على قدمي، دون أن أرهقها بالاتكاء على ساعدها، وبلا عصًا تمنعني من العيش بصورة حقيقية.

ماذا لو أن زينب العسال لم تظهر في حياتي؟

ماذا لو أني واجهت المرض بلا رفيقة تحتضنني برعايتها؟

أَمَلُ في بيتها وعملها، وَليدٌ في بيته وعمله.

يشرد بي تصور حالي بلا التقاء أفكار ومشاعر، وتعاطف حقيقي، ومؤانسة؟

•••

تكررت كلمة «التثبيت» بمعنى منع قلقلة عظام الظهر.

لم أكن استمعت إلى الكلمة من قبل.

تناوشتني الأسئلة: كيف يحدث التثبيت؟ هل أخضع لعملية جديدة؟ إذا كان التثبيت ضرورة، فلماذا أغفله الدكتور علاء عبد الحي؟ ألم يكن من الأجدى أن يستكمل طبيب عظام — وقت إجراء العملية — ما بدأه الدكتور عبد الحي؟

فاجأني الإنترنت — موسوعة زماننا — بوسائل مستحدثة لتثبيت عظام العمود الفقري، هي الحقن بالأسمنت.

– الأسمنت؟!

قالت زينب — مداعبة — لدهشتي المتسائلة: المهم أن يكون الأسمنت غير مغشوش.

أدركت أنها تقصد الأسمنت الذي شُيد به الكثير من بنايات القاهرة في أواخر السبعينيات من القرن الفائت. لم يكن سوى رمادٍ بركاني صدرته إلينا رومانيا تشاوشيسكو، وتسبب في انهيار بنايات كثيرة، أغلبها في مصر الجديدة، ولولا رحمة الله، والآلاف الستة من الجنيهات التي دفعها كل مالك في البناية ذات الطوابق الستة التي نقيم فيها، رقم ۱۸ شارع سليمان عزمي بالنزهة، لكان مصير البناية إلى زوال.

أحيطت الأعمدة أسفل البناية بأحزمة من الخرسانة المسلحة، ألغت ما كان بدرومًا، واستردت البناية عافيتها، أو ما أعانها على مواصلة الحياة.

صارحتك بأني أخشى الألم، ولا أخاف الموت. نحن نموت لأننا يجب أن نموت، هذا ما تعلمته من القراءات والخبرات.

إذا كانت آلام العملية ما تزال تسكن عظامي وأعصابي، فما تصنع بي عملية جديدة؟

يسري الهواري.

سبقني إليه صيته. لخص حاتم رضوان قيمته بأنه أهم طبيب عظام في مصر. قيلت آراء كثيرة حول مكانة الرجل بين الأطباء، تعددت الروايات عن الحالات المستعصية التي وجدت الشفاء في تشخيص يسري الهواري وعلاجه.

عادة الأطباء — كما هو الحال في بقية المهن — أنهم يؤطرون المكانة لأنفسهم، قد يوافقون على ترشيحات أو تزكيات مرضى أو أطباء آخرين، لكنهم يدسون الشك في ثنايا آرائهم: أعرف أنه طبيب ممتاز، لكنه أخطأ في تشخيص حالات كثيرة … حدثني مريض عن ضرر العلاج الذي أشار به ذلك الطبيب … يقال إنه ينتمي إلى فئة الأطباء ذائعي الصيت، محدودي المعرفة … عيبه أنه اكتفى بما حصل عليه، فلا يحضر المؤتمرات العلمية، ولا يتابع الأبحاث الجديدة.

لم يصادفني رأي مشابه لتلك الآراء التي التقيتها في عيادات أطباء آخرين، كل الدروب أفضت إلى تأكيد القيمة العلمية، أضاف حاتم رضوان نصيحة بأن أقبل كل ما ينصح به الهواري، هو يفحص جيدًا، ويطمئن إلى العلاج قبل أن يحدده.

الآراء التي زكت الدكتور يسري الهواري، جعلته — في ذهني — في موضع المتفرد لتشخيص ما أعانيه، هو الوحيد، الذي يقرب الشفاء، تنتظم وقفتي وخطواتي، أتحرك، أسير، أعود كما كنت.

أعاني — بلا توقع — من الانكفاء والوقوع على الأرض، أفلحت — أحيانًا كثيرة — في استعادة توازني، واجتذبني التخاذل في أحيان قليلة، ربما كان البروز المفاجئ نتيجة لها.

التعب الذي حل بجسدي جعلني غير قادر على ترك السرير، أو مجرد الحركة.

أعرف بأن العضلة التي لا تُستخدم تَذوي، تضمر، حتى تتلاشى، لا تعود إلى ما كانت عليه. لم أقرأ في هذا الأمر، لكنني خمنت المعنى من الحال التي انتهت إليها الزائدة الدودية، لطول استغناء عملية الهضم عنها.

يعاودني الإحساس بالغثيان، يَقلب معدتي، كأن القيء يملأ الحلق.

تنقلت في عيادة الهواري بين ثلاث حجرات للكشف، في كل حجرة أثاث يتضمن الخصائص نفسها التي تَسِم عيادات الأطباء، الاختلاف في نوعية الأثاث، وطاولة الكشف، وموضع لوحة الأشعة، ودرجات اللون والظل.

لفت انتباهي ماكينة خياطة «سنجر» نُزعت من قاعدتها الحديدية، تحولت القاعدة — بثبات الحركة، والرخامة المضلعة التي استوت على السطح — إلى مكتب صغير، أنيق، وضع عليه الطبيب أدواته ودفتر الروشتات. الستائر تحجب رؤية الخارج، فلا تستطيع تبين إن كان الوقت ليلًا أم نهارًا. ثمة — على الجدران — لوحات من الفن التشكيلي، حدَسْت أن اختيارها كيفما اتَّفق، الجدران الخالية تحتاج إلى لمسات جمالية تضيف إليها. يرى معظم الأطباء في لوحات الفن التشكيلي ما يضفي على عياداتهم قيمة تحتاج إليها، لكن اختياراتهم تخضع للمصادفة، أو أنهم يعهدون بها إلى العاملين في العيادة، هي لوحات تطفح بالسذاجة، وربما نُسخت «كروت بوستال» لمناظر طبيعية، وإن لا أنسى الحس المتفوق الذي أملى على حازم ياسين اختياره للَّوحات الرائعة على جدران عيادته، في شارع شهاب بالمهندسين.

له إطلالة مَهيبة، يعطي من يلتقيه — للمرة الأولى — شعورًا بالصداقة. حدَسْت من ابتسامته الصافية، الدائمة، أنه ذو نفس طيبة.

قلت للدكتور يسري الهواري: هذه الزيارة تأخرت كثيرًا، أخفقت — لما اشتد المرض — في تحديد موعد، لكنك كنت في مؤتمر خارج مصر.

طلب الهواري ما بدا عودة إلى نقطة البداية، إلى ما قبل إجراء عملية إزالة الغضروف المحيط بالنخاع الشوكي.

تأمل نتائج أشعة الرنين (هما أشعتان؛ واحدة بالرنين، والثانية رنين بالصبغة، فضلًا عن تحليل للدم): العملية ناجحة تمامًا.

قلت: لكن الآلام لا تَبْرح جسدي.

وضغطت على الكلمات: قيل لي إن العملية تحتاج إلى براعة جراح المخ والأعصاب وخبرة طبيب العظام.

اتجه ناحيتي بنظرة مشفقة: لن نحتاج إلى عملية جديدة.

وداخِلَ نظرتِه تساؤل: الالتهاب في موضع العملية هو الذي أخر الشفاء.

ودفع لي بورقة في حجم الكراسة: أنصح بمركز جديد للعلاج الطبيعي.

استعدت نصيحة الدكتور شمس عبد الغفار، طبيب العلاج الطبيعي، أن أعود إلى طبيبي المعالج. اكتفيت باللجوء إلى مركز آخر للعلاج الطبيعي، لكن الوضع ظل على ما هو عليه: سقوط القدم، وفقدان الاتزان، والآلام الدائمة. أقف، أتهيأ للحركة، أسير — ولو خطوات قصيرة — لكن ساقيَّ لا تقويان على الوقوف، أهم بالجلوس، حيث أقف.

عرَفت — متأخرًا — بأن نصيحة الدكتور شمس لها أسبابها، وأن تعاطي الأدوية أشبه بالحرث في الماء.

•••

راجعت مراكز العلاج الطبيعي التي ترددت عليها، فضلت العودة إلى المركز الصاخب بالأجهزة الطبية الكهربائية والموسيقى.

في كتابي «حكايات عن جزيرة فاروس» حدثتك عن الملاليم الخمسة التي دفعتها لأخي مقابلًا لقراءة أيام طه حسين. أراد أن يستكمل قيمة تأجير دراجة، فأغراني بالكتاب الذي أخذه من مكتبة أبي.

لم أكن أعرف ركوب الدراجة، كما لم أعرف — حتى الآن — ركوب الموج. كانت لعبة الجمباز رياضتي الوحيدة، بالإضافة إلى الكتاب، خير أنيس للمرء كما يقول بيت الشعر الذي لم أكن قرأته!

صحبني طبيب العلاج الطبيعي أحمد طاهر إلى الصالة الواسعة، اصطفت فيها آلات كهربائية لتقوية العضلات، ولمساعدة المرضى مثلي على ظروفهم الصحية.

كانت هذه أول مرة في حياتي أجلس على دراجة. تأخر الأمر كثيرًا كما ترى، لكنني اطمأننت إلى جلستي، حاولت تحريك العجلتين، فأخفقت، الجهل خيبة، وحاولت مرة ثانية، وثالثة، ثم قمت بأملٍ أن أكون أفضل في المرة التالية.

تنقلت — في الأيام التالية — بين أجهزة تقوي البدن والأعصاب، وتضبط إيقاع الحركة، وانتظام الخطوات.

•••

اختلطت الصور وتشابكت، توالت النصائح والنصائح المغايرة، والتحذيرات، وأسماء الأدوية، والتخويف من العواقب، والتوقف — في لحظة ما — للإشارة بأطباء آخرين.

لم أعد أستطيع المشي كما اعتدت، أعاني ترنح الخطوات، واختلال التوازن. لم تعد خطواتي تستجيب إلى ما يطلبه «الفص» الذي لا أعرفه داخل المخ. لعل الفص نفسه يعجز عن إعطاء أوامره، لا أحاول مجرد رفع القدم اليمنى من الأرض، لا توجد النية فإعطاءُ الأمر، فتوقُّعُ الاستجابة. أصرف النظر عن المحاولة، ثقة — ربما — أني لن أستطيع المشي!

عظام العمود الفقري تصدر أصواتًا في كل حركة، وحركة الجسد عمومًا تزداد صعوبة، والأمل في انتظام الخطوات يشحب في البطء المتثاقل، وفقدان التوازن، وعدم القدرة على الوقوف، وتحول العلاج الطبيعي إلى مصدر جديد للآلام القاسية.

عدت إلى طلب العون من أثاث البيت، أستند إليه في تنقلي من وضع إلى آخر. لمَّا تخاذلت ساقي — فجأة — وسقطت على الأرض، نصح الدكتور حاتم رضوان بأن أعود إلى العصا ذات الأرجل الأربع، بعد أن أزمعت الاستغناء عن العصا ذات الرجل الواحدة.

يسَّر لي المستشار الطبي لرئيس الوزراء علاجًا في مستشفًى حكومي. زارته زوجتي لتحديد موعد الدخول. نقلت لي — عقب عودتها — صورة قاسية للمستشفى: الفوضى والأوساخ وكُومات الزبالة ومياه الصرف الصحي، والقطط النائمة فوق أسرَّة غرف العناية المركزة، والشخط والنطر وغياب المسئولية، والابتزاز. لا أميز نفسي، وإنما أطلب ما أطلبه لكل المواطنين، الذين يدفعهم المرض إلى التردد على المستشفيات الحكومية.

حين انتهى بيت جحا إلى جدار مسدود، عاودت زيارة الدكتور علاء عبد الحي، الذي أجرى لي جراحة العمود الفقري، والدكتور يسري الهواري، الذي تابع الخطوات الأخيرة بعد معاناة عدم اكتمال الشفاء.

شرح الهواري لزينب خطورة إجراء عملية — أو عمليات — جراحية، كرر ما طرحه طبيب — حدثتك عنه — قبل إجراء العملية من احتمالات، تبدأ بالالتهاب وتنتهي بالموت. وافق على تصحيح الأوضاع الخاطئة، لكنه أبدى خشيته من التأثيرات السلبية، فيواجه اتهامات مماثلة لما وجهته جماعة المثقفين إلى الطبيب الذي أجرى جراحة القلب للمخرج الراحل عاطف الطيب، تناسى المثقفون — أصدقاء عاطف الطيب، والمثَل للدكتور الهواري — قسوة الحالة، وكان شاهدًا عليها، ونعَوا على الطبيب إهماله. زوجك كاتب له قيمته، لا أريد أن أواجه مشكلة عاطف الطيب.

حملت تقرير المركز الطبي وصور الأشعة ونتائج التحليل، وتخوفات الدكتور الهواري، إلى الدكتور علاء عبد الحي. وصف عظام الظهر بالهشاشة، فمن الصعب تثبيتها، ستفك المسامير حال تركيبها، ونصح بأن أتعايش مع حزام الصدر الذي أشار به الدكتور الهواري.

قلت: ألا يوجد حل حاسم؟

قال بلهجته الطيبة، الواثقة: هذا هو الحل.

كدت أذكره بالأيام الخمسة عشر التي سأُمضيها في البيت بعد إجراء العملية، لكنني ابتلعت ملاحظتي، واكتفيت بالقول: أنتظر دعوة بالسفر إلى الخارج.

– لا أعارض محاولتك في البحث عن حل آخر.

حاصرتني تعليقات وملاحظات عن المدرسة القديمة في الطب، لا شأن لها بمستحدثات الجراحة من منظار وميكروسكوب وغيرها، يفتح الطبيب بالمشرط مساحة في الجسد، تتيح له إجراء الجراحة. لو أن العملية — نصائح فات أوانها — أُجريت في دولة أوروبية، لم تكن تحتاج إلا إلى ثقب صغير، بمساحة طرف الإصبع.

أغناني الأصدقاء عن التفكير فيما ينبغي فعله. كتب العشرات في الصحف، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، يطالبون بضرورة استكمال العلاج في الخارج. تكفل الدكتور حاتم رضوان بإعداد التقارير التي توضح طبيعة الحالة، اتصل الدكتور فوزي فهمي بمسئولين، تنقلت زينب بين العديد من الأماكن لتسد نقص الأوراق التي أصر الروتين الحكومي على اكتمالها، نصحتني مكالمات هاتفية بأنسب المراكز لإجراء عملية تثبيت العظام، أجمعت على أن الأطباء الألمان هم الأوفر علمًا وبراعة في أمراض العظام.

أرفض مبدأ العلاج خارج مصر، أجد في الأطباء المصريين كفاءات ممتازة، ينعكس الاعتراف بها في آلاف الحالات التي تفد من أقطار عربية ودول إفريقية وآسيوية، تطلب العلاج في مصر، لكن الجدار العالي المصمت الذي أحيا وراءه سيحجب رؤيتي لفترة — لا أعرف مداها — مما يدفعني إلى محاولة النظر من فوقه.

إذا كان متاحًا لي أن أعيش وقتًا، ولو قليلًا، فلماذا لا يحدث ذلك دون آلام تقيد حركتي، وتلزمني الإقامة الجبرية؟!

أستأذنك في أن أتحدث عن صديقي فؤاد قنديل، أنقل ما كتبته في «المساء»، عقب رحيله المفاجئ عن دنيانا:

«آخر ما صنعه من أجلي حين فاجأني بكلمات في صفحته على الفيسبوك، يشير إلى المعاناة التي أخوضها، بتأثير عملية جراحية في العمود الفقري، اكتفى الطبيب بالمتيسر، وأهمل القيد الذي فرضته العملية على حركة الجسد وانتظام الخطوات.

لم يكن في بالي أن أضيف إلى مشاغل الأصدقاء فوق مشاغلهم، تواصلت الأيام داخل النفق الذي لا تشي نهايته ببارقة ضوء، وإن ظل الأمل قائمًا في رحمة الله.

كتب فؤاد قنديل تحت عنوان «ألف مليون سلامة»:

«أرجو من كل الأصدقاء المخلصين النبلاء أن يتوجهوا بدعواتهم القلبية، النقية، إلى العلي القدير، كي يمن بالشفاء العاجل على أخي الحبيب الكاتب الكبير الأستاذ محمد جبريل، الذي يعاني متاعب ثقيلة في الظهر والعنق، مما اضطره أن يلزم الفراش لأوقات طويلة تزيد من آلامه. شفاه الله وعافاه، ومتعه بالصحة.

جبريل ليس كاتبًا عاديًّا، لكنه مبدع له بصماته، وخرجت على يديه أجيال من الكُتَّاب، وفي الوقت ذاته خلوق، ودود، متواضع، رغم التجاهل الشديد من وسائل الإعلام والمؤسسات الرسمية التي لا يرى القائمون عليها إلا واحدًا أو اثنين هم كُتَّاب مصر الكبار، والباقون لا وجود لهم.

سلامتك يا غالي، كان الله في عونك، وأملنا في رحمته كبيرة.»

(الساعة الواحدة صباح الثاني والعشرين من مايو ٢٠١٥م)

فاجأَتْ كلمات فؤاد قنديل — وأعتذر لحرصي على نقلها كما كتبها صديقي الجميل، ثم رحل بعد أيام قليلة — أصدقائي، كما فاجأتني، وقرأت — على مواقع التواصل — كلمات طيبة تنبض بالمحبة والأخوة. وزاد الصديق الدكتور فوزي فهمي فبادر بالاتصال بمسئولين، حتى تجد متاعبي حلًّا طبيًّا، حقيقيًّا.

كان فؤاد قنديل أول من عُني بي عقب إجراء العملية. رافقني إلى مركز العمود الفقري، التابع للقوات المسلحة بالعجوزة. دفع الكرسي المتحرك، وتنقل بي بين الأقسام المختلفة، أصر على أن يتولى رعايتي حتى أغادر المكان. لم أقوَ على منع الدمع وهو ينحني ليدس الحذاء في قدمي!

تعددت — من يومها — زيارات فؤاد قنديل لبيتي، وكان يحرص على أن يصحبه في زياراته بعض الأصدقاء، أجد في مجرد اللقاء حبًّا ومؤانسة، أنسى حتى الآلام التي كانت تطلب إجراء ما بعد العملية، وهو تثبيت العظام.

وحين باعدت ظروف المرض بيني وبين جلستنا الأسبوعية — مجموعة الأصدقاء — على مقهى في المهندسين، ظل فؤاد قنديل يسأل، ويتابع، وينصح بما ينبغي فعله.

ثم فاجأني كبيرنا يوسف الشاروني بأن فؤاد قنديل يواجه تأثيرات مرض الكبد، الذي صار — للأسف — متوطنًا في أجساد الكثير من المصريين.

كان فؤاد قنديل مثلًا للمبدع الذي يؤمن بأن المثقف موقف، وأن الشِّلَلية ونسج المؤامرات والعمل بمنطق «عدوك ابن كارك» شأن الآخرين.

إذا شابت نفسَ المبدع ضغائنُ أو أحقاد فإنها تنعكس بالضرورة على مواقفه، بل وإبداعاته. كان يَسعد بالكلمات التي تدرك قيمة فنه، وإن لم يضق بالنقد الذي يشير إلى ملاحظات.

وعندما أعاق ناشر القطاع العام إصدار أحدث رواياته «الفاتنة تستحق المخاطرة»، أنفق فؤاد قنديل من جيبه على نشرها، ليضيف إلى رصيدنا الإبداعي عملًا متميزًا، جميلًا، يتناول أحداثًا مهمة في زمن محمد علي.

كان الفن حياته، والحب خُلقه.

لا أقصد الكتابة عن الجميل فؤاد قنديل، ما أمتعَتْني به كتاباته في الرواية والقصة القصيرة وأدب الرحلات، والدراسة الأدبية، وما أفادني من آرائه في المؤتمرات الثقافية، وفي رحلاتنا خارج مصر، وما أسداه لي شخصيًّا — في الفترة الأخيرة بخاصة — يفوق أي محاولة للتعبير.

رحمه الله!»

(المساء ٢٠١٥/٦/٦م)

في ذاكرتي موقف درامي، شاهدته منذ سنوات بعيدة:

البطل — لعله الممثل كيرك دوجلاس — مد ساقه، وجعل يحدِّق في إصبع القدم الهامد، ويردد: تحرك!

موقف آخر، عبر به الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت عن الإرادة الإنسانية في مواجهتها للظروف الضاغطة:

حذر رجال الرئيس وكبار رجال الدولة من محاولة الرد على هجوم اليابان على بيرل هاربور، كان الهجوم قاسيًا ومدمرًا أذل كبرى دول الغرب، وهو ما أملى على روزفلت ضرورة الرد على الهجوم الياباني. قاوم الرئيس الأمريكي تحذيرات معاونيه، ونظرات القلق في الأعين، بأن دعا موظفًا لسحب المقعد الذي يعينه على مرض شلل الأطفال، وبذل جهدًا عنيفًا، حتى أفلح في الوقوف على قدميه.

أستعيد الموقفين وأنا أغالب فقدان الحركة. التأثيرات السلبية على جسدي، قبل العملية وبعدها، فرضت آلامًا وقيودًا منعتني من الحياة بصورة طبيعية. أزمعت أن ألجأ إلى قدرات أمتلكها، وإن عبر عنها — في كتاباتي — العشرات من المنتسبين إلى الصوفية، بداية من الأقطاب، وحتى عامة المريدين، مرورًا بالأوتاد والنقباء والأنجاب والأبدال.

تاريخي المرضي حافل بالكثير من الأعراض والآلام والمسكنات والعمليات الجراحية والتوقعات. قيمة الحياة دفعتني — ولا تزال — إلى مقاومة ما أواجهه من تطورات سلبية.

في صباي، أزمعت أن أصوم الدهر كله، ليس بمعنى الامتناع عن الأكل والشرب مطلقًا، وإنما بالصيام اليومي كما في فريضة رمضان. كان أبواي — في أحيان كثيرة — يصومان الاثنين والخميس من كل أسبوع. قلت لنفسي — مدفوعًا بحماسة دينية — لماذا لا أصوم الدهر؟

لاحظ أبي انعكاسات الصيام على بدني، لجأ إلى إمام جامع «علي تمراز» القريب، فحذرني من خطورة مواصلة الصوم، وقال لي — فيما قاله — إن لبدنك عليك حقًّا.

عدا رمضان، فقد عدلت — من يومها — عن فكرة دوام الصوم.

حتى الآن، فإن الهاجس يقتحمني بأني لم أعش حياتي كما كان يجب، نسيت النصيحة القديمة لإمام علي تمراز. ضيعت العمر — لا يحضرني تعبير آخر — في القراءة والكتابة، والعزوف — إلا قليلًا — عن المجتمعات. داريت ما داخل جسدي من أمراض — أملتها الرهبنة، التي لم يطالبني بها أحد — بالمسكنات التي نصح بها أهلي وأصدقائي.

حركة يومي مقسمة بين البيت والجريدة، ربما امتدت إلى هيئات ومؤسسات ثقافية، لكن معظم الوقت أُمضيه بين أوراقي وكتبي داخل البيت، لا أغادره إلا لضرورة، لا أتمشى في الشوارع، لا أتردد على المقاهي ولا الجلسات الخاصة.

تبدلت مشاعري بعد أن ألزمني المرض قلة الحركة، أتنقل بين البيت وعيادات الأطباء والمراكز الطبية والمستشفيات (اللافت في معظم المراكز الطبية الخاصة، تصميمها بما يتيح الإفادة من مساحتها، عشوائيات طبية. قلت للممرضة، وأنا أغادر غرفة البروفة (أقل من متر × متر): إنها تصميم مقبرة يُدفن فيها المرء واقفًا!). أرقب — من التاكسي — حركة الطريق، البنايات، والمارة، وفاترينات المَحالِّ، والمقاهي، وباعة الأرصفة، والإعلانات، أَعِد نفسي بأن أمشي — عقب زوال التأثيرات القاسية — وسط الناس، تختلط خطواتي بخطوات الآخرين، تسابقها، تلحق بها، أقرأ الملامح، أُنصت إلى النداءات والهتافات والهمسات العابرة، أنفض — باسترداد العافية — عجزي عن الحركة، أسير — بلا هدف — في الشوارع الخالية والمزدحمة.

كورنيش المينا الشرقية … كم أفتقده!

•••

للحياة حق على الإنسان، وهو حق العيش بأفضل صورة ممكنة.

لا أمتلك قدرات السحر والخوارق التي يمتلكها الأولياء وأقطاب الصوفية، ولا ألجأ إلى رقًى أو تعاويذ أو طقوس، لا أسير على الماء، ولا أطير في الهواء، ولا أبتلع النار، ولا أتضوع بالبخور، ولا أتنبأ بالمستقبل.

حاولت أن ألجأ إلى فعل الإرادة، أغالب الألم، أتحداه، أزيله، كأنه لم يكن، ليس بالتمني، وإنما بالإصرار على إلغاء ما أحدثه المرض في جسدي من تأثيرات قاسية.

أتذكر نظرة الممثل السينمائي المحدِّقة إلى إصبعه الهامد، وإصرار روزفلت على الوقوف بساقين مَهيضتين، وأنا أحاول التعرف إلى مواضع الألم، ما أحدث الاختلاف في التفكير والمزاج والحركة، أنا لا أعود أنا، أواصل الإلحاح حتى يحدث المبتغَى، تبين العافية عن ملامحها.

لا أذكر أني كنت من هواة المشي، لكنني سأحرص — إذا أتاح الله لي حرية الحركة — أن أمشي بلا توقف، أنضم لتيارات الناس، والزحام، أخترق الأسواق والشوارع والميادين والحواري، والأزقة، أسير على الكورنيش من رأس التين، حتى المنتزه، أستعيد رؤًى وذكريات، لا يدركني الملل.

أستعير قول محمود درويش: إني هنا، وما زلت حيًّا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤